خسر المتنبي مصر فكسب الخلود

شادي طلعت Ýí 2026-01-31


لم يكن (أبو الطيب المتنبي) شاعراً عابراً في دفتر اللغة، ولا اسماً تذروه الأزمنة كما تذرو غيره. 

بل كان سؤالاً مفتوحاً في وجه التاريخ : كيف يموت الجسد، ويبقى الاسم حياً يتناسل في العقول .. 

اسمه أحمد بن الحسين، ولقبه التاريخ : (أبي الطيب المتنبي)، لا لأنه ادعى النبوة فحسب، بل لأنه نطق بما لم يُنطق، وتقدم على عصره كما يتقدم البرق على الرعد. 

وُلد في الكوفة بالعراق، عام 915 ميلادياً، في زمن مضطرب، فكان شعره وليد القلق لا الطمأنينة.

 

كتب الشعر وهو فتى، في سن مبكرة في العقد الثاني من عمره، فكأن القصيدة سبقته إلى الرجولة، أو كأنها خلقت معه، لم يكن شعره ارتجال لحظة، بل صناعة وعي، يُملي، ويُراجع، ويُعدل، وكأنه كان يعلم أن قصائده ستقرأ بعد قرون، لا بعد مجالس.

 

وكانت (مصر) لحظة انكسار (المتنبي) :

فحين دخل مصر عام 957 ميلادياً، كان عمره اثنين وأربعين عاماً، ، لم يدخلها شاعراً مادحاً، كما كان وضعه مع الأمير (سيف الدولة الحمداني)، بل دخلها طامحاً في تولي ولاية أو سلطة ما، فقد كان سعيه في (مصر) إلى المجد السياسي. 

 

وفي مصر، تحطم حلمه السياسي، ولكن ظل شعره باقياً، بل إن (شِعره) بدأ في تطور فلسفي مختلف. 

وهنا عرف (المتنبي) أن السلطة لا تكافئ العبقرية، وأن الموهبة لا تتوج في (مصر)، وأن الشاعر قد يكون أعلى من الكرسي، لكنه لا يجلس عليه. 

 

فكانت (مصر) هي جرح (المتنبي)، وخروجه منها كان ميلاده الثاني، فقد أصبح أكثر أهمية بعد خروجه من (مصر) لعدة أسباب متداخلة، أدبية، ونفسية، وفلسفية، وتاريخية. 

ذلك لأن حلمه انكسر في (مصر)، وخارجها ولِد خلوده. 

 

.. فبعد خروجه من مصر، كتب (المتنبي) أعنف وأخلد هجاء سياسي في تاريخ الشعر العربي. هجاء لم يكن سباً أو قذفاً، بل تفكيكاً للسلطة، وفضحاً للنفاق، وسخرية من الحكم حين يُدار بغير استحقاق.

حينها خرج (المتنبي) من كونه شاعراً يمدح، إلى شاعر يُحاكِم.

تعلم من تجربته المريرة في (مصر)، أن الشعر أقوى من الحكم، لأنه قبل دخوله (مصر) كان يرى أن الشعر مجرد وسيلة للوصول للسلطة.

 

لكن بعد تجربة (مصر) المريرة، صار يرى الشعر غاية، وسلاحاً، وخلوداً، إذ اكتشف أن الولاية تزول، لكن البيت الشعري يبقى. 

 

وكم من ملك مات حاكماً منسياً، بينما بقي (المتنبي) شاعراً يتلى.

 

وبعد (مصر) عاد إلى ذاته لا إلى الأوهام، لقد عاش (المتنبي) سنواته الأخيرة أكثر نضجاً، وأقل وهماً، وأشد وعياً بذاته وبالعالم.

فامتلأت قصائده بالفلسفة، والتأمل في المصير، والذات، والزمن، والمجد، والموت.

 

صار المتنبي، شاعر الإنسان لا شاعر الأمير.

 

وحيث أن : التاريخ لا يخلد من خدم السلطة، بل من واجهتها.

 

فلو بقي (المتنبي) في مصر مادحاً، لكان شاعراً كبيراً، لا أسطورة.

لكن خروجه من (مصر) مهزوماً سياسياً، منتصراً شعرياً، جعله رمزاً للشاعر الذي خسر المعركة وربح الزمن، سقط حلم الحكم عنده، فارتفع مقام الشعر، فتحطم الطموح السياسي، وتماسك الخلود للمتنبي الشاعر. 

 

في النهاية :

(المتنبي) لم يبق لأنه قال شعراً جميلاً، بل لأنه قال شعراً صادقاً عن الإنسان، عن الطموح والخذلان، والعظمة والانكسار.

بقي لأن الجسد فان، أما الاسم، إن صيغ بالصدق، فلا يموت.

ولهذا، كلما قرأنا (المتنبي)، لا نشعر أننا نقرأ شاعراً من القرن العاشر، بل إنساناً لم ينتهِ بعد.

 

وما كان لموته أن ينتصر :

قُتل المتنبي في عام 965 ميلادياً، وكان في نحو الخمسين من عمره، لا شيخاً ولا صبياً، بل في ذروة التوهج. 

قُتل لأن الكلمة كانت أثقل من السيف، ولأن بيتاً من الشعر أبى أن يكذب، فصار قدره.

لكن المفارقة أن (المتنبي) مات صغيراً، وبقي كبيراً.

 

فالموت أنهى الجسد، لكنه لم يُنهِ الأثر. 

كان شعره قد دُون في حياته، وأُشرف على روايته بنفسه، ثم جمع بعد وفاته على يد تلاميذه، وعلى رأسهم (ابن جني)، فكأن المتنبي لم يمت، بل انتقل من جسد إلى ديوان.

 

وعلى الله قصد السبيل

 

شادي طلعت

 

#شادي_طلعت

#خسر_المتنبي_مصر_فكسب_الخلود

اجمالي القراءات 14

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-11-20
مقالات منشورة : 373
اجمالي القراءات : 4,406,807
تعليقات له : 79
تعليقات عليه : 230
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt