نظرات فى كتاب المدخل إلى علم العدد

رضا البطاوى البطاوى Ýí 2023-01-12


نظرات فى كتاب المدخل إلى علم العدد
مؤلف الكتاب نيقوماخوس الجاراسينى من أهل اليونان القدماء وأما المترجم لهذه الترجمة فهو ثابت بن قرة الحرانى وبالقطع لابد أن تكون الترجمة فيها تصرف لكى يفهمها أهل اللغة العربية لأن نقل الأرقام اليونانية للعربية لن يفيد القراء بشىء لأنه سيزيد من صعوبة الفهم ومن ثم نجد أن الرجل ترجم الأرقام للصورة المعروفة للأرقام كما أحل فى المسائل وكتابة الأعداد الكتابة بحساب الجمل الحروفى الذى لم يكن فى زمان اليونان الوثنية باعتباره حسابا يهوديا كما هو معروف فى التاريخ المعروف لنا من الكتب الحالية بديلا للأرقام اليونانية
وكان من المنتظر فى كتاب يحمل اسم علم العدد وهو الحساب أن يبدأ مقدمة رياضية تدخل إلى الموضوع ولكن الكتاب استغرق صفحات كثيرة فى بيان معنى الفلسفة وعلاقة فيثاغورث وتلاميذه ومنهم مؤلف الكتاب بالفلسفة ومن ثم دارت صفحات الكتاب الأولى حول معنى الفلسفة والاستدلال بها فى علم العدد وكانت الفقرة الملخصة هى قوله :
"إن الفلسفة هى الشوق إلى الحكمة وإن الحكمة هى علم اليقين بحقيقة ما عليه الأشياء الموجودة...فأقول إن من الأشياء الموجود أعنى ألأشياء التى يقال لها موجودة على حقيقة التسمية والتى يقال لها موجودة على جهة المشارك وفى الاسم جميعا وهى المعقولة والمحسوسة بعضها متصلة وبعضها متخذة منهاص13
وعلم العدد اليونانى هو علم مجرد بمعنى أنه لا يدور حول المعدودات وهى أصل الحساب وإنما يدور حول الأرقام من خلال عمليات الحساب المختلفة ولذا يقول بأن العدد لا نهاية له مع وجود بداية وعند القسمة لا نهاية للانقسام وهو ما قاله فى الفقرة التالية :
"وهذه الأشياء تسمى ذوات العدد وذوات الكثرة مثل القطيع والأمة والملأ ...إلا أن المقدار والعدد غير متناهى الطبيعة اضطرارا وبك أن العدد وإن كان يبتدى من أصل محدود فإنه لا ينقطع فى ممره إلى ما يتلو وما ينتهى وإن المقدار وإن كان بكليته محدودا فإنه إذا قسم لم يصر فى تقسمه إلى غاية لا ينقسم لكنه يذهب كذلك ..تبين مما قلناه أنه لا يمكن أن يقع لنا العلم بالمقدار مطلقا ولا العلم بالعدد مطلقا وذلك أن كل واحد من هذين النوعين بذاته غير متناه أما العدد ففى جهة التزيد والكثرة وأما المقدار ففى جهة النقصان والصغر "ص13
وبالقطع هذا الكلام يتناقض مع الوحى الإلهى فلا يوجد شىء دنيوى إلا وله نهاية كما له بداية كما قال تعالى :
" كل من عليها فان"
ومن ثم كل الأعداد والمعدودات لها عند الله مقادير محددة كما قال تعالى :
"إنا كل شىء خلقناه بقدر"
وقال :
" وكل شىء عنده بمقدار"
وقد ذكر أن العدد يعلم بالكمية وهى المقدار المجرد فقال :
"علم العدد الذى يعلم به أمر الكمية إذا فهمت على سبيل الانفراد ص14
ومع هذا أقر بعدم انفصال علم العدد عن المعدودات وهى المخلوقات فقال:
"إن علم العدد نافع فى الحسابات والقسمة والجمع والمقايضات والشركة والهندسة نافعة فى تدبير العساكر وينا المدن وبنا الهياكل وقسمة الأرضين ص16
وحدثنا ماخوس عن أن الأرقام سابقة لعملية خلق الأشياء واستعار لنا نظرية المثال ألآفلاطونى فقال :
"وهو صناعة علم العدد وليس إنما السبب فى ذلك ما قلناه من أنها سابقة فى علم الله صانع الأشياء متقدمة للعلوم المتقدمة بمنزلة الشىء الجميل الذى قياسه إلى الأشياء الباقية فليس المثال فجعله مثالا لسائر الأشياء التى خلق والتى حذوا عليها وعلى حسبه خلقها وسواها ص16
وكرر نفس الكلام عن سبق ألأعداد للخلق فقال :
"فحقيق بنا أن نقدم أولا القول فى صناعة العدد كالشىء الأول الشديد التقدم بالطبيعة والمرتبة لأنها بمنزلة الوالدة والظير لما سواها ص
إنما خلقها الخالق على نسب الأعداد وهو الذى ميزها وسواها على حال المحمودة الجميلة وأكد فيها أمر المثال الذى قصد لها نحوه فإنه جعل الأعداد مثالا وسبيها برسم متقدم سابق فى علم الله خالق العالم إلا أنه إنما هو مفهوم عنده فقط من غير أن يكون ذلك فى هيولى ما يوجه من الوجوه بتة إلا أن ذاته ذات موجودة وعلى حسبه أجرى الأمور على طريق صناعى فى جميع هذه الأشياء أعنى الزمان والحركة وجميع أطوار الكواكب ويجب أن يكون العدد فى هذه للأشياء اضطرارا مولفا من سنخه لا من شىء أخر لكن من ذاته ص18
وهذا الكلام فلسفى غامض فالمعروف عندما كمسلمين أن أول المخلوقات كان الماء كما قال تعالى :
" وجعلنا من الماء كل شىء حى"
ومن ثم لا يوجد عالم المثال الذى ذكره ماخوس وإنما الموجود هو ما كتبه الله من وجود المخلوقات وأعمالها كما قال تعالى :
"ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها"
ومن ثم لا وجود عندنا لعالم المثال وإنما الموجود هو الكتاب الذى سجلت فيه كل الأحداث الكونية قبل حدوثها
"أما العدد مطلقا فهو جماعة أعداد وكمية مبثوثة قوامها من آحاد والقسمة الأولى التى ينقسم بها العدد هى أن منها زوجا ومنه فردا والعدد الزوج هو الذى ينقسم بقسمين متساويين ولا يقع فى الوسط من قسمه الوحدة والعدد الفردى هو الذى لا يمكن أن ينقسم إلى قسمين متساويين بسبب الوحدة التى تقع فى وسطه ص19
ونجد هنا أن الرجل يتحدث عن انقسام الأعداد لزوجية وفردية وأن القاعدة أن الزوجية تنقسم لقسمين متساويين مثل 2=1-1 ومثل 6=3-3 وأما الفردية فليس لها قسمة متساوية لأن الواحد المتبقى بعد النصفين المتساويين لابد أن ينكسر لنصفين وهذا غير موجود فى الأعداد الصحيحة
وهذه القاعدة لا علاقة لها بحياة الناس من جمه وطرح وقسمة وضرب وهى العمليات المستخدمة فى واقع الحياة فهى معلومة فقط ولكنها بست من العلم الضرورة
وثانى القواعد وهى الأخرى ليست من العلم الضرورة وإنما العلم الترفيهى الذى يتباهى بها البعض به أن العدد العددين بجواره إذا جمعا وقسما أعطى العدد وسطهما وهو قوله:
"كل عدد فهو مساو لنصف العددين الذين عن جنبته إذا جمعا وهو أيضا نصف العددين اللذين ورا هذين ونصف العددين اللذين وراهما بواحد واحد من كل واحد من الجانبين وهو أيضا نصف العددين اللذين وراءهما بعددين وكذلك ص20
ومن أمثلة ذلك أن العدد 3 بجواره 2و4 ومجموعهما=6 وناتج تقسمهما بنصفين هو 3 ومثلا العدد 7 العددين يجوار6و8 ومجموعهما 14 إذا قسم على 2 يعطى 7
وهذا القاعدة مستمرة إذا تباعدنا عن العدد رقمين أو 3 أو أكثر من كل جانب فمثلا العدد 15 إذا بعدنا عنه ثلاثة أرقام يكون 12و18 ومجموعهما 30 إذا قسما على اثنين أى نصفا يكون الناتج 15
وهذ1ا القواعد المستنتجة كلها قواعد ترفيه لا تستعمل فى الواقع وإنما هى من قبيل الغرائب والطرائق التى لا حاجة للناس بها فى حياتهم
واستثنى ماخوس العدد واحد لأن ليس له إلا جانب واحد وهو نصف ما بجواره وهو الاثنين ولكنه ليس نصف الثلاث أو أربع أو ما بعدهما وفى هذا قال :
تجد الحال فى جميع الأعداد حتى ينتهى إلى ما لا يمكن فيه ذلك فأما الواحد وحده فإنه لما لم يكن له عن جنبتيه عددا صار نصفا للعدد الواحد الذى يليه فالابتدا الطبيعى لجميع هذه الأعداد هو الواحد وإذا قسم الزوج إلى أنواع كان بعضه زوج الزوج وبعضه زوج الفرد ص20
ودخل الرجل بنا إلى القواعد الترفيهية أكثر فأخبرنا عن معنى العدد زوج الزوج فقال :
"ولعل هذا النوع من العدد انما سمى زوج الزوج من هذه الضعف وتذهب فيها كم شيئا فإن الأعداد التى توجد بهذه الصفة هى أزواج أزواج ص21
كما حدثنا عن زوج الفرد فقال :
القول فى زوج الفرد فهو الذى جنسه الزوج إلا أنه يخالفه العدد الزوج الزوج الذى قدمنا وصفه ويضاد فإنه إن كان محتملا لأن ينقسم قسمين متساويين على ما يجب فيه من أن ذلك يهم جميع جنسه فإن كل واحد من أقسامه يوجد أول ما يقسم غير محتمل لن يقسم قسمين متساويين مثل الستة والعشرة والثمانية عشرة والثلاثين ص24
وواصل الرجل قواعده الترفيهية فقال :
"وأما الشىء الذى يضرب فيه الأعداد الأفراد فيكون ما يجتمع أعداد أزواج أفراد فهو الاثنان وهذا النوع من الأعداد إنما يقل بإزاء نوع أزواج للأزواج وأنه مكاف له لأن أزواج الأفراد إنما ينقسم منها حدها الأعظم وحده وأما أزواج الأزواج فإنهالا ينقسم منها الحد ألأصفر وحده ولأن فى تلك الأعداد أيضا إنما كان التبادل والتكافى فيها بأن المجتمع من الطرفين أحدهما فى الأخر كان يكون هناك مساويا للمجتمع من ضرب الأوسطين أحدهما فى الأخر والأوسط فى نفسه "ص25
وقال :
"القول فى زوج زوج الفرد وأما العدد الذى يقال له زوج زوج الفرد فهو النوع الثالث من أنواع الأزواج وهو يشارك النوعين الآخرين منه جميعا حتى أنه لو جعل ذلك النوعان كالطرفين كان هذا النوع كالمتوسط فيما بينهما "ص25
وقال :
وأما العدد الفرد فإنه وإن كان مخالفا للعدد الزوج خلافا بعيدا من المشاركة إذ كان العدد الزوج ممكنا أن ينقسم بقسمين متساويين وكان العدد الفرد لا يمكن فيه ذلك فإنا إذا قسمناه وجدنا له ثلاثة أنواع مختلفة كما أن لعدد الزوج ثلاثة أنواع والواحد من أنواع العدد الفرد يقال له ألأول والذى ليس بمركي والنوع المقابل لهذا النوع يقال له الثانى والمركب وهاهنا نوع ثالث من العدد الفرد يوجد متوسطا فيما بين هذين كتوسط ما بين الطرفين فهو يوجد بذاته ثانيا مركبا ويكون بقياسه إلى عدد أخر أولا عنده غير مركب "ص25
وكل هذا الكلام هو فى غير صالح الناس وأعمالهم فتلك القواعد كما سبق القول ترفيه أو من باب الترف حيث يتباهى الناس به فى مجالسهم وقعداتهم
ورغم أن الكتاب حسب عنوانه المدخل إلى علم العدد لابد أن يكون حاويا لقواعد الحساب الحقيقية فقد خلا منها فلم يتحدث عن عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة وقوادها إلا حديثا قليلا
والمقالة الثانية فى الكتاب يبدو أنها مخصصة لعلم الجبر وإن لم تقدمه بالصورة التى نعرفها لأنه لم يتطور فى عهد القوم تطورا كبيرا وأيضا الجزء الأخير من المقالة الأولى يتحدث عن علم الجبر وهو علم ترفيهى هو ألأخر لا علاقة له بواقع الناس فهو مسائل خيالية ومن أقواله التى يتحدث فيها عن علم الجبر مستخدما فى ذلك ما ينسب لفيثاغورث من حبه للموسيقى :
إنما لما كان الشىء الذى يقال له العنصر والذى هو أيضا عنصر بالحقيقة هو الشىء الأصغر الذى من اجتماعه يكون قوام شىء ما والأصغر الذى إليه بنحل ذلك الشىء راجعا كما أن الحروف التى يقال لها عناصر الكتاب وذلك أن من اجتماعها يكون قوام جميع الأصوات المفصلة وإليها ينحل راجعا اجتماعه وكما أن النغم هى الأصل الذى منه يفهم تأليف اللحون كلها وإليها تنحل راجعة وكما أن عناصر جملة العالم هى الأربعة الأجسام التى يقال لها العناصر البسيطة وهى النار والهوى والماء والأرض وذلك أن هذه الأجسام التى من اجتماعها أولا يكون قوام الكل والتى إليها يفهم انحلاله راجعا أخيرا أردنا أن نبين أن المساواة فى عنصر الكمية المضافة فأما الكمية المفردة المجردة فقد حصبت على أن يكون أقدم عناصرها وأعلاها الواحد والاثنان وهما السببان الأصغران اللذان إليهما تنحل راجعة "ص60
وهذا الكلام يعيدنا لما يحكى عن عصر العلوم اليونانية التى تسيطر عليها نظرية الأخلاط الأربعة والمكونات الأربعة بديلا للحقيقة وهى :
أن الماء هو أصل الأشياء كما قال تعالى :
"وجعلنا من الماء كل شىء حى"
اجمالي القراءات 140

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2008-08-18
مقالات منشورة : 1981
اجمالي القراءات : 17,027,718
تعليقات له : 311
تعليقات عليه : 507
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt