لو لم أكن مصرياً .. لوددت أن أكون كندياً!:
لو لم أكن مصرياً .. لوددت أن أكون كندياً!

سعد الدين ابراهيم Ýí 2007-04-21


في زيارة لكندا، في أوائل شهر يونيه، وجدت أن القبض على سبعة عشر مسلماً من اللاجئين والمهاجرين لكندا، لشبهة التورط في أنشطة إرهابية، هي الشغل الشاغل لوسائل الإعلام، وللمصريين والعرب والمسلمين هناك. كذلك كان الجميع مشغولون بقضية أقدم، وهي التي كانت تنظرها المحكمة الدستورية العليا الكندية، قضية عدد من المسلمين، بما فيهم مصريين، أصدرت السلطات الأمنية بشأنهم ما يسمى "بالشهادات الأمنية". وهي تعني أن هؤلاء الأشخاص يمثلون خطراً على أمن المجتمع الكندي. والذي كانت تبحثه المحكمة العليا هو مدى "دستورية" هذه الشهادات الأمنية ـ أي مطابقتها لنصوص وروح الدستور الكندي الذي يجعل من "حياة الإنسان وحريته وسعادته قيماً عليا للمجتمع والدولة.



والسؤال الأول المطروح على المحكمة هو ما إذا كان الالتزام بهذه القيم ـ وما يتفرع عنها من معايير وقوانين ولوائح ـ يقتصر على المواطنين الكنديين فقط أم على كل إنسان يعيش على التراب الكندي، حتى لو لم يكن مواطناً كندياً بعد ـ مثل المهاجرين واللاجئين. هذا فضلاً عن دستورية وقانونية الإجراءات التي تتبعها السلطة التنفيذية الكندية حيال من تصدر بشأنهم تلك "الشهادات الأمنية"، وهي ترحيلهم إلى مواطنهم الأصلية أو إلى أي بلد آخر يرغبون فيه، ويقبلهم. ومن لا يقبل الرحيل أو الترحيل، يتم إيداعه الحبس أو السجن إلى أجل غير مسمى.

وضمن من تعرضوا لهذا الإجراء مواطنون من أصول مصرية، فضّلوا الحبس في السجون الكندية عن الترحيل أو العودة الاختيارية إلى الأراضي المصرية. ويقول أحدهم، وهو محمود جاب الله لمندوب صحيفة "جلوب أند ميل" (12/6/2006) "انه يخاف هو وعائلته، المكونة من زوجة وست أبناء، من المعاملة التي يمكن أن تنتظرهم من نظام مبارك.

ولم يكن واضحاً من هذا التصريح للمواطن المصري، ما إذا كان هذا الخوف مرده أسباب سياسية مثل العضوية في تنظيم محظور، أو أسباب اقتصادية ـ مثل عدم توفر فرص العمل والحياة الكريمة. وقد تذكرت وأنا أطالع الصحافة الكندية، ما كتبته منذ عام. بعنوان "الإسلاميون وإنكار الجميل في بلاد الفرنجة" (22/10/2005). وكانت المناسبة وقتها هو لقاء مع بعض الإسلاميين المصريين في لندن، حيث كان بعضهم، مثل أشرف السعد، يشكر ربه على سعة صدر الإنجليز ومعاملتهم الآدمية الكريمة له وللاجئين مثله ممن ضاقت بهم سبل العيش والحرية في موطنهم الأصلي، مصر. بينما كان بعضهم الآخر، مثل أبو حمزة المصري، يتوعد الإنجليز (باعتبارهم كفار) بالويل الثبور وعظائم الأمور. وكان الرجل يخطب أيام الجمعة في مسجد في أحد ضواحي لندن، ويصيح في ميكرفون المسجد الذي يسمعه سكان تلك الضاحية من الإنجليز، أصحاب البلد الأصليين، بعبارات من قبيل "أيها الإنجليز الكفرة الفجرة، عليكم أن تختاروا: إما دخول الإسلام، أو دفع الجزية وأنتم صاغرون، وإلا أعملنا فيكم السيف"! وحينما كان يراجعه بعض العقلاء المسلمين بعدم لياقة هذا الخطاب العدواني ضد شعب فتح أبوابه له كلاجئ، وكان يرد هو بنفس العدوانية، "أنه يؤدي واجبه كمسلم مجاهد، مهما كره الكافرون..."

وحينما وقعت التفجيرات في مترو أنفاق لندن بعد شهرين من هذا الحديث (7/7/2005)، واتهم بعض الشباب الإنجليز ـ المسلمين، فذهب بعض المعتقلين البريطانيون إلى أن أحد الأسباب هو خطابات الكراهية العدوانية التي يسمعها الشباب في المساجد، مثل تلك التي يلقيها أبو حمزة المصري. ارتفع ضغط الرأي العام البريطاني على طوني بلير، رئيس الوزراء لطرد الإسلاميين الذين لا يراعون آداب الضيافة، بل ويسيئون إلى البلد الذي آواهم من خوف وأطعمهم من جوع. وعندئذ فقط أدرك أمثال أبو حمزة المصري أن جحودهم بدأ يهدد وجودهم وأمنهم. فاستغاثوا بمنظمات حقوق الإنسان في بلاد "الفجرة الكفرة" لكي تنقذهم من الترحيل القسري لمصر أو غيرها من بلدان "دار الإسلام"، ولسان حالهم هم وذويهم يقول "لقد تبنا وأنبنا، فلتعطونا فرصة أخرى، وسنحسن من سيرنا وسلوكنا.." أو إذا كان لا بد من ترحيلنا فليكن ذلك إلى أحد بلدان الفرنجة الأخرى في أوروبا أو أمريكا... وليس لمصر.."

لقد تذكرت هذه الوقائع التي يفضل فيها المصريون السجون الكندية أو الإنجليزية أو الأمريكية عن العودة، ولو أحراراً، إلى مصر. وتذكرت أيضاً أحد زملائي في سجن مزرعة طره (2000-2003)، وهو طبيب مزدوج الجنسية (مصري – أمريكي)، وأسمه د. خالد أبو الذهب، كان قد تطوع في صفوف المجاهدين الأفغان بتشجيع من السلطات المصرية والأمريكية على السواء، لمقاومة الاحتلال السوفييتي في ثمانينيات القرن الماضي. وطبقاً لروايته، عاد إلى أمريكا، حيث زوجته الأمريكية وأطفاله الأربعة منها... واستقرت به الحياة هناك لعدة سنوات، إلى نهاية التسعينات. ثم جاء إلى مصر لزيارة أسرية، لرؤية والدته، الأستاذة بأحد كليات العلوم. فألقت السلطات المصرية القبض عليه، بتهمة الانتماء لتنظيم "العائدون من أفغانستان". فقد تغيرت الأمور وأصبح التطوع للمقاومة في أفغانستان، "جريمة" بأثر رجعي، ولا تسقط بالتقادم، أي حتى لو كان قد مر عليها أكثر من عشر سنوات، وحتى لو كنت تحمل جنسية أخرى، مثل الجنسية الأمريكية، كما هو الحال مع الدكتور خالد أبو الذهب، الذي حكمت عليه أحد محاكم أمن الدولة المصرية بالسجن مع الأشغال الشاقة لمدة خمسة عشر عاماً.

وكان د. خالد حريصاً على أن يحكي لي قضيته المأساوية، ولو خلسة، وعلى حلقات، أثناء ساعة التريض الصباحية التي كان مسموحاً لي بها يومياً في سجن مزرعة طره. وكان للرجل أمل واحد، بعد رفض محكمة النقض إعادة محاكمته، وهو أن يقضي بقية سنوات العقوبة في أحد السجون الأمريكية. وكان هذا طلبه الذي رجاني أن أنقله إلى كل من يهمهم الأمر، على الأقل حتى يتسنى له ولأطفاله في الولايات المتحدة فرصة زيارته. وبعد أن أفرج عني، لم أنسى نقل هذا الرجاء إلى كل من يهمهم الأمر، ولكن فهمت في النهاية أن السلطات المصرية هي التي رفضت حتى النظر في الأمر.

وقد تذكرت قصة د. خالد أبو الذهب، وأنا أتابع التغطية المفصلة لحالات المسلمين الاثنى وعشرين المحبوسين ـ بعضهم من مصر، وآخرين من سوريا والجزائر والأردن، وفلسطين. وكلهم، وبلا استثناء لديهم نفس الخيار: الترحيل إلى بلادهم أو أي بلد آخر أو الحبس في كندا. وقد اختاروا جميعهم، وبلا استثناء واحد، إلى تاريخه، أن يبقوا في كندا، حتى ولو في السجن! وتألمت لا فقط لما تنطوي عليه قصص كل من هؤلاء من مآسي، ولكن أيضا لمآسي بلادنا العربية جمعاء التي يُفضل بعض أبنائها سجون الأجانب عن "حرية" أوطانهم. أو كما قال أحدهم لمراسل صحيفة "جلوب أند ميل" أن بلدهم "سجن كبير، وبلا أمل في معاملة إنسانية كريمة..." فهل كلنا في الهم شرق؟ أم أننا، أو بعضنا، ما يزال يتذكر العبارة الشهيرة للزعيم الوطني المصري مصطفى كامل، الذي قال منذ مائة عام "لو لم أكن مصرياً ... لوددت أن أكون مصرياً". من الواضح أن بعض المصريين الآن لم يعودوا يصدقون مصطفى كامل.

والله أعلم.

اجمالي القراءات 19068

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   آية محمد     في   الثلاثاء ٢٤ - أبريل - ٢٠٠٧ ١٢:٠٠ صباحاً
[6057]

مقالة محزنة

لا تعليق!!!!

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 217
اجمالي القراءات : 2,346,350
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt