رحلتي من الإخوان إلى العلمانية (6)

سامح عسكر Ýí 2015-12-17


ينقسم العلمانيون-كما أرى-إلى فريقين، الأول: مجاهر ومحارب لرجال الدين بخطاب لا ديني، وهؤلاء هم من أقنعوا بعض الفئات بعداء العلمانية للإسلام..بغض النظر عن صحة موقفهم أم لا، أما الفريق الثاني: وهو المجاهر والمحارب لرجال الدين بخطاب ديني..ومن نفس الفكرة التراثية التي يعتمد عليها الشيوخ..

استمعت كثيراً لأقطاب الفريقين وفي تقديري أن مراد وهبة وعبدالله القصيمي يمثلان الفريق الأول بوضوح، أما الفريق الثاني فيمثله فرج فودة ونصر أبو زيد، والفرق في المنهج ربما يكون للتعامل مع مجتمعات غارقة في الخرافة والتبعية لرجال الدين، فيرى الفريق الأول أن أساليب الصدمة والمكاشفة هي الأنجع، ويرى الثاني أن أساليب المحاورة والإقناع هي الأفضل..في رأيي أن هذ التنوع يُثري الحركة العلمانية ويجعلها تعتمد على أسس فكرية قبل أن تكون عاطفية، فأحيانا الموقف من الآخر-ومنهم رجال الدين-يكون موقف عاطفي لاستشراء فسادهم وغلوهم في التعامل مع مسألة (الأنا والآخر) التي أبحر فيها فلاسفة التنوير منذ قرون.

فمراد وهبة مثلا يعتمد على خطاب(لاديني) لعرض أفكاره، وهو متأثر بالفيلسوف الأندلسي ابن رشد ويرى أن مدرسته هي الأنسب كونها مُجرّبة في أوروبا، وأدواته في ذلك تفكيكية وتحليلية في منتهى الذكاء..ويستخدم أدوات التاريخ والعلم ببراعة، لذلك هو مقنع لكل من يفكر من خارج الصندوق، وقد قرأت للرجل-كما تقدم-ورأيت أن أسلوبه العلمي التحليلي والتجريدي قادر على ملامسة الواقع، وبالتالي علمانيته ستهتم أولاً بقراءة أولية لتلك الأدوات (العلم والتاريخ) وهو يعلن عنها بمكاشفة جريئة في ندواته وأعماله الكتابية.

والعلم هنا ليس مجرد علم نظري بل هو علم تجريبي-أحياناً- فيستخدم أحدث ما توصلت له التكنولوجيا في فهم الدين، وهذا غريب..كيف لعلم تجريبي/مادي أن يهتم بقيم روحية وقناعات عقلية/الدين؟..من هنا خاص مراد وهبة في التاريخ وبحث عن أصول الإنسان الأولى..وكيف بدأ حياته مع التجربة ومع الدين..وهذا اتجاه مثير ومحفّز للمُخيّلة البشرية بشكل جيد، لذلك أعتقد أن أكثر متابعي الرجل وقراءه من أصحاب النزعات الأدبية ودارسي العلوم.

أما فرج فودة فهو أكاديمي رائع..ويهتم أكثر بالنصوص وقراءتها، واتجاهه –كما تقدم- من داخل صندوق القراءة الدينية في إعادة لإحياء دور الطهطاوي ومحمد عبده في التنوير، ويرى كما يرى المعتزلة أن العدل هو غاية النصوص، فإذا تعارض النص مع العدل يتم تقديم العدل-كغاية-عن فهم النص الظاهري، وهذا اتجاه أوقعه في حرب مع رجال الدين الذين يرون أن النص هو موجِب للعدل..ولا يتعارضان البتة، وقد حاول فرج فودة الحوار معهم أكثر من مرة لإثبات هذا التصور من النصوص نفسها..ولكن محاولته باءت بالفشل لدور رجال الدين المتغوّل في هذه الفترة..وكانت النتيجة أن حرضوا عليه لاغتياله..وبالفعل حدث ذلك عام 1992.

ومن المؤسف أن ممن حرضوا على قتل فودة هو شيخ كنت متأثر بكتاباته –في حقبتي الإخوانية- وهو الشيخ محمد الغزالي، وقتها كنت أرى أن الشيخ يمثل اتجاه ثوري على القديم، ولا عَجَب بعد قراءتي له رسائل في دحض بعض الخرافات كنزول المسيح آخر الزمان والدجال وغيرها من الخرافات المنتشرة بين عموم المسلمين، كذلك حاول الغزالي نقد الموروث فانتقد من يزعمون وجوب العلم بخبر الآحاد، والصحيح هو (وجوب الظن) والمعركة في هذا الإطار مشهورة بين فريقين الأول يرى: أن خبر الواحد يفيد العلم في العقائد والدماء وهؤلاء أكثرهم حنابلة ..وقد تبنى هذا الاتجاه كافة الجماعات الإرهابية، لذلك فهمت أن دور الغزالي في رد خبر الواحد كان لمواجهته الفكرية مع الإرهابيين بالأساس..

لكن كيف ذلك والرجل حرض على اغتيال فرج فودة وبنفس الدعوة أنه مرتد؟!

في تقديري أن هذه مشكلة الهوية التي كتبت عنها الكثير، فالغزالي مع نقده للموروث السني واتهام المتشددين له بالكفر.. إلا أن فكرة (الإسلام العالمي والإنساني) لم تتبلور في ذهنه أبدا، ومن هذه الخلفية واجه فرج فودة وادعى أن العلمانية تعني القبول بالأديان الأخرى باعتبار هدم الإسلام وإنكار عدم تميزه، وهي نفس الخلفية التي حركت قاتل فرج فوده حيث اعتبر -كما يعتبر الغزالي- أن فودة هو عدو للإسلام..رغم أن فكرة عالمية الإسلام هي فكرة نبوية بالأساس..ليست لاتجاه سياسي ولكن لاتجاه قيمي أخلاقي يحض على الفضيلة والقيم العامة المتعارف عليها بين البشر.

فرج فودة لم ينكر تميز الدين الإسلامي بتعاليم روحية وعقلية جيدة، لكنه لم يؤمن بالنسخة الخرافية المتجذرة عند العامة ورجال الدين.

فودة برغم كل الاتهامات التي كيلت له من الإخوان ومن الأزهريين إلا أنه طالب بدور لجماعة الإخوان في مصر، ودافع عن حقهم بإنشاء حزب سياسي..لكن بمرجعية مدنية تؤمن بالدستور والقانون المتعارف عليه بين البشر، وقد أعجبني هذا الرأي من الرجل ففيه شئ من مقاومة الشهوات وحظوظ النفس..بما يعني أنه متواضع وموضوعي في قراءته، لكن ما لم ينتبه إليه فرج فودة أن السماح لحزب الإخوان قبل شيوع التنوير –كثقافة- يعني أن الإخوان سيُطالبون (بدولة دينية) بالأساس، وهذا ما تفطنت له بعد خروجي من الجماعة، حيث كنت أقرأ متابعاته للأحداث على أنه موضوعي فقط دون الانتباه لما يترتب على تلك الموضوعية.

فودة كان محطة مهمة في حياتي..فمع قراءاتي (النثرية) لبعض أعماله إلا أنني لم أقرأ له كتاب كامل أيام الإخوان، لكن ساعدني في تصور رؤيته صديق لفرج فودة تزاملنا معا في موقع.."نادي الفكر العربي"..ونقل تجربته مع فودة كصديق عُمر، مما يعني أن قراءته لفودة ستكون مثمرة، وبالفعل بعد قراءة تجربته قارنتها بين ما خطه الرجل في كتبه وندواته المذاعة على اليوتيوب، ووجدت تطابقا كبيرا ..خصوصا وأن صديق فرج هذا كان أديبا وشاعرا نقل تجربته بأسلوب جميل ومنمّق...

لكن للأسف هذا الصديق وقع في جريمة دعم عدوان السعودية على اليمن في مارس 2015 وبخلفية طائفية، وقد حدثت مشادة بيننا على الفيس مما نتج عنه إلغاء الصداقة، وقد فسرت ما حدث على أنها مشكلة هوية لا زالت تتملك الكثير حتى من النخبة، علاوة على خلفية الصديق التي دعم بها العدوان السعودي وهي فضل آل سعود على مصر، وهو موقف مادي لا يليق بمثقف..مما خفف عليّ آلام مفارقته واقتنعت أنه لا نقاط التقاء ما دام يفكر بهذه الطريقة الذرائعية.

وبسبب ما حدث كتبت عن أزمة ثقافة في مصر منشأها رغبة النظام السياسي في التواصل بعقلية العوام، وقلت أن السياسة تعني التواصل بلاد حدود، بينما عقلية العوام محلية لا تليق بالسياسي، وحرضت على الاطلاع على الأديان والثقافات والمذاهب بتوسع، فما حدث من هذا الصديق إلا أنه يجهل طبيعة الشعب اليمني وكذلك طبيعة مذاهب الشيعة، وكذلك يجهل طبيعة السلفية نفسها من الداخل، وأدواتها ووسائلها، ورغم أنه يكتب كثيراً عن عصر ما بعد الحداثة إلا أنه فشل في تصور هذا العالم على مستوى اليمن..فكيف سيتصوره عالميا؟!..هذا يعني أن الثقافة عند الصديق لم تكن –في بعض جوانبها-سوى مجرد.."ثرثرة"..وهو حال الكثير ممن ابتليت بهم الأمة وادعو التنوير..! 

وإلى اللقاء في الجزء السابع من الرحلة

اجمالي القراءات 7616

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 6,780,391
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 411
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt