( ق 2 ف 2 ) التأثر الموضوعي لابن خلدون فى المقدمة في القضايا الدينية الصوفية

آحمد صبحي منصور Ýí 2015-09-24


( ق 2 ف 2 ) التأثر الموضوعي لابن خلدون فى المقدمة في القضايا الدينية الصوفية

كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية 

  القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون   

المزيد مثل هذا المقال :

الفصل الثاني :  مدى تأثر إبن خلدون بعصره في المقدمة منهجيا وموضوعيا

 

التأثر الموضوعي في القضايا الدينية الصوفية

 عقائد التصوف :

1 ــ     التصوف هو المحور الأساسي الذي دار حوله إبن خلدون في منهجه وفي تفسيراته للقضايا الدينية والتراثية ، وبعض قضايا العمران ( الإجتماع ) والفلسفة والسياسة .

2 ــ   وعقائد التصوف تدور حول الإتحاد بالله ، أو زعم الصوفي أنه يترقى بالرياضات الروحية حتى يتحد بالله – تعالى عن ذلك – أو العكس ، وهو الحلول ، أي أن الله – تعالى عن ذلك – هو الذي يتحد بالصوفي ويحل فيه ، وإذا ترقى الصوفي من هذا المقام أدرك أنه ليس وحده الذي يتحد بالله أو يحل الله فيه ، بل أن كل الكون جزء من الله – تعالى عن ذلك علوا كبيرا . بل يزعمون أنه – أي الكون – هو الله ،وتلك وحدة الوجود.

3 ــ وبين الإتحاد ووحدة الوجود توجد عقيدة وسطى ، وهى وحدة الفاعل ، أي أن كل ما يصدر عن الإنسان من خير أو شر يأتي من الله وليس من الإنسان ، باعتبار أن الذات الإلهية هي المسؤولة في داخل الإنسان .

4 ــ  وبالإضافة إلى تلك العقائد الصوفية ، هناك عقيدة أخرى لها جذور شيعية بحكم تأثر التصوف بالتشيع وهي الحقيقة المحمدية ، وتعني أن محمدا عليه السلام ــ فى زعمهم ـ هو نور إنبثق من الله تعالى ، قبل خلق الكون وخلق من أجله الكون ، ثم تنقل هذا النور من الله تعالى إلىآدم ثم في كل نبي إلى أن ظهر في خاتم النبيين ، وبعده تنقل في الأئمة الشيعة والأقطاب الصوفية على خلافات كثيرة ببينهم في تحديد التنقل ، منهم من يقول أنه توقف عند النبي محمد عليه السلام ،ومنهم من يتوقف به عند الأئمة الشيعة ومنهم من يتوقف به عند خاتم الولاية ، ويختلفون في تحديده .

5 ــ    هذه هي العقائد الصوفية التي راجت في العصر المملوكي ، في المشرق والمغرب من العالم " الإسلامي " ، فما هو موقفإبن خلدون منها ؟ وأيها سيطر على موضوعاته في المقدمة ؟

عقيدة إبن خلدون الصوفية

  مع تقدير إبن خلدون للتصوف وأوليائه إلا أنه نثر بين سطور المقدمة ما يجعل له عقيدة خاصة لاتخرج كثيرا عن عقائد التصوف .

1 ــ    بالنسبة للحقيقة المحمدية نراه في الإفتتاحية يشير إلى إيمانه بها حين يقول في الصلاة علىالنبي " الذي تمخض لفصاله الكون قبل أن تتعاقب الآحاد والسبوت "، إلا أنه حين عرض لعقيدة المهدي المنتظر وتأثرها بالتشيع هاجم تلك العقيدة طبقا لموقفه من التشيع .

أي أنه يعتقد في الحقيقة المحمدية ولكن يقصرها على النبي  ولا يقول بتنقل النور الإلهي فيمن بعده من الإئمة والأولياء من الشيعة والصوفية .

إلا أنه من ناحية أخرى في حديثه عن علم الغيب اللدني يسنده إلى أئمة الشيعة خصوصا جعفر الصادق ، ويجعل تصديقه بالغيوب التي جاءت في كتاب " الجفر " للشيعة متوقفا على صحة نسب هذا الكتاب إلى جعفر الصادق . وهنا نوع من التناقض ، وإبن خلدون يقع في التناقض كثيرا  .    

2 ــ    وعن عقيدة وحدة الوجود لا يبدو إبن خلدون سعيدا بهذه العقيدة ، بل أنه يرى أن الصوفية القائلين بها تأثروا بالشيعة. وهذا خطأ ( خلدونى ) لأن ابن خلدون لو قرأ الرسالة القشيرية بتمعن لأدرك أن أوائل الصوفية المعتدلين – قبلالحلاج – قد قالوا بها في عصور كانوا فيها مضطهدين ، ناهيك عن الغزالي في كتابيه " إحياء علوم الدين " و " مشكاة الأنوار " .

 ومع ذلك يحاول إبن خلدون أن يستجدي التعاطف مع أصحاب الشطح الصوفي والقائلين بوحدة الوجود على أساس أنه من " المتشابه " أو أنه صدر عنهم هذا الكلام في حالة غياب عن الوعي .[1]

3 ــ     وفي كلامه عن ( علم الكلام ) يسطر إبن خلدون عقيدته في الله تعالى ، وموجزها الآتي : الإيمان بالخالق الذي رد الأفعال كلها إليه ( أي وحدة الفاعل ) ولانعرف حقيقته لأنها فوق إدراكنا ، والمطلوب تنزيهه عن مشابهة المخلوقين وعن صفات النقص ، ثم يقول  " ثم توحيده بالإتحاد ، وإلا لم يتم الخلق للتمانع ، ثم إعتقاد بأنه عالم قادر ، فبذلك تتم الأفعال شاهد قضيته لكمال الإتحاد والخلق " [2] وهذه عقيدة توفق بين علم الكلام والتصوف ، ولا تنجو من ا لوقوع في التناقض . لأن  وحدة الفاعل الصوفية تنسب النقص لله تعالى حين تجعله أساس الشرور الإنسانية . ثم إن هذا الربط بين الإتحاد والتوحيد حتى يتم الخلق فيه  إنحياز ضمني لعقيدة الإتحاد الصوفية وتفسير للخلق بأنه جاء عن طريق الإتحاد ، أو بالمعنى الصوفي جاء إمتدادا لله تعالى وفيضا منه ، أو كما يقولون بأن الفارق بين الخالق والمخلوقات كالفارق بين البحر وأمواجه . أي أنه يشير إلى عقيدة وحدة الوجود التي لا يستريح إليها ، وبعد هذا يتحدث عن تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين وصفات النقص ، وأننا لا نعرف حقيقة الخالق لأنها فوق إدراكنا ، أي أن تلك العبارات على قلتها إحتوت على تناقضات شرحها يطول ، وذلك لأنه حاول التوفيق بين عقيدتين مختلفتين في المنهج ، وهما علم  الكلام الأرسطي الأصل والتصوف الإشراقي  ، وإن كانا معا على خلاف  مع القرآن الكريم .

4 ـ      والخلاصة أن إبن خلدون لم يفلت من عقائد التصوف ، ومن الطبيعي أن يتأثر موضوعيا بها . و حتى لا نتوه في تحديد هذا التاثير، وهو قاسم مشترك في العناوين والأبواب والفصول وفيما بين السطور.

وقد بدأنا بتحديد عقائد التصوف نفسه ، ويبقى أن نتتبع تأثير تفصيلاته الأساسية  فى المقدمة . إذ أنه بعد عقائد التصوف الأساسية التي أشرنا إليها ، فإن الصوفي عند إبن خلدون وعصره يتمتع بالكشف – أو علم الغيب ، وبالتصريف ، أي الكرامات . وفي القضايا المرتبطة بالكشف والعلم اللدني تحدث إبن خلدون عن الوحي وعلم الغيب وعلم الحرف والتنجيم  والعرافين والكهان .. الخ ، وفي القضايا المرتبطة بالكرامات تحدث إبن خلدون عن السحر والكيمياء والمطالب أي البحث عن الكنوز القديمة . والأهم من ذلك أنه ربط بين الثيوقراطية ، أو الخلافة في الدولة الدينية وبين وحدة الفاعل في عقيدة الصوفية . وكان تأثره بهذه العقيدة هائلا . وتلك أهم الموضوعات التي تأثر فيها إبن خلدون بعصره الصوفي .

ولسنا في حاجة لاستعراض آراء إبن خلدون في تلك الموضوعات ، فقد سبق ذلك في القسم الأول ، ولكننا هنا نكتفي برؤيتنا التاريخية الأصولية .

علم الغيب ( الكشف الصوفى )

1 ــ    أتاح تسيد التصوف للعصر المملوكي للأولياء الصوفية أن يزعموا ما يشاءون في علم الغيب ، فأبو السعود بن أبي العشائر تحدث عن " إيضاح أحوال الملكوت والآخرة ومنازل الرجال ومراتبهم منآدم إلى يوم القيامة "، ويقول علي وفا الشاذلي " ما من نطفة توضع في رحم . . إلا وقد أطلعني الله عليها " وقال المتبولي " لاتنزل قطرة من السماء ولا يطلع نبت من الأرض إلا علمته . . وهذا أمر قد أعطيته وأنا طفل "[3] ونكتفي بهذا ، لأنه لا تكاد تخلو صفحة من كتب المناقب الصوفية في العصر المملوكي من الحديث عن مزاعم الإدعاء بالغيب .

 2 ـ   وكان العصر على إستعداد لتصديق مزاعم الولي الصوفي مهما قال ، وذلك يسرى ليس فقط على العلماء الفقهاء والسلاطين والعوام ، ولكن كان يسري أيضا  على إبن خلدون بعقليته المتفردة التي سخرها لمحاولة تسويغ العلم اللدني أو الكشف الصوفي أو إدعاء العلم بالغيب ، وهو يتناسى حقائق القرآن في الموضوع.

حقائق القرآن الكريم فى موضوع الغيب:

1- أن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى" قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ: النمل 65" " وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ: الأنعام 59  "  إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ : يونس 20""

2- الغيب نوعان ، غيب كلي ينتمي إلى عوالم الغيب، من الذات الإلهية والبرزخ واليوم الآخر  والجن والملائكة والشياطين ، وهذه يستحيل على الإنسان العلم بها إلا من خلال الوحى الإلهي المكتوب والمحفوظ من التحريف . ثم الغيب الجزئي المرتبط بقصور الحواس البشرية عن إدراك ما يبعد عنها . فإذا كنت في القاهرة وأولادك في مكان آخر فلا تستطيع أن تعرف ماذا يفعلون . وهذا الغيب الجزئي يشترك فيه كل الخلق ، أي أن أولادك أيضا لا يعرفون ما تفعله وأنت بعيد عنهم ، ثم أن هذا الغيب الجزئي تضيق مساحته كلما تعاظمت قدرات المخلوقات ، فالجن مثلا بانطلاقها وقدراتها غير المحدودة تضيق مساحة الغيب الجزئي أمامها ، فإذا تم تحييد وتقييد تلك  القدرات تناقص مقدار ما تعلمه من الغيب بقدر ذلك التقييد ، والدليل على ذلك أنها حين سخرها الله تعالى للعمل أمام سليمان فأنها لم تعلم بموت سليمان إلا حين سقطت جثته " {  فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِين : سبأ 14}. وقد ضاقت مساحة الغيب الجزئي في عصرنا عصر ( العولمة وثورة الاتصالات ).

3- بعض الأنبياء يعطيهم الله تعالى العلم ببعض الغيب دليلا على صدقهم في النبوة ،يقول تعالى للمؤمنين في عصر النبي  { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ، وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ: آل عمران 179 } وهؤلاء الأنبياء يعلنون هذه الآية ، ويكون علمهم بالغيب الجزئي ، ويتجلى هذا في قوليوسف لصاحبيه في السجن {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي : يوسف 37} أي يخبرهما مقدما بالطعام الآتي لهما . وهذا غيب جزئي ، لأن إدارة السجن هي التي تعد ذلك الطعام ، ويقول عيسى لقومه {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ : آل عمران 49}وهذا أيضا غيب جزئي ، وكانت معرفتهما آية تشهد بصدقهما ، عليهما السلام.

4- والنبيالذي لا يعطيه الله تعالى علم الغيب ، يبدو ذلك من سيرته ، فإبراهيم ولوط ، كلاهما لم يعلم حقيقة الملائكة التي مرت عليه وكانت متجسدة فى هيئة بشرية ( هود 69: 81) وحين يُسأل ذلك النبي الذي لم يعط علم الغيب عن تلك الغيوب فإنه يعلن عدم معرفته بالغيب ، فعل ذلك نوح حين قال لقومه  {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ : هود 31} وفعل ذلك خاتم النبيين عليه وعليهم السلام ، حين كرر مقالةنوح {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ: الأنعام 50} والفارق بين مقالتينوح ومحمد عليهما السلام أن محمدا كان مأمورا بإعلان أنه لايعلم الغيب ، بكلمة " قل ".

5- وقد تكرر هذا الأمر للنبي محمد بقل مقترنا بأنه عليه السلام يتبع الوحي، مما يؤكد على أنه لم يتحدث مطلقا في الغيوب التي لا يعلمها ، من ذلك قوله  تعالى له {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ : الأحقاف 9} وقد يتكرر هذا الأمر مقترنا بإثبات أن بعض الأنبياء كان يعلم بعض الغيب ، ولكن النبي محمدا لا يعلمه{قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً، عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ: الجن 25: 27 } وقد يتكرر الأمر بقل ليؤكد مرات عديدة على أنه لا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ، وأنه مجرد نذير وبشير (الأعراف 187: 188) هذا بالإضافة إلى الآيات العديدة الأخرى التي تحتاج بحثا مستقلا .

6- الإيمان بالنبي محمد عليه السلام يستلزم الإيمان بأنه بلغ الرسالة والتزم بتنفيذ أوامر ربه، فإذا كان الله تعالى قد أمره أن يعلن أنه لا يعلم  الغيب فلابد أن نؤمن أنه لم يتحدث في الغيب الكلي أو الجزئي ، وإذا كان الله تعالى قد هدده أنه إذا تقول على الله شيئا في كلامه أو في كتابه فإن الهلاك سيحيق به ( الحاقة45: 47 ) وحيث أن ذلك لم يحدث للنبي فهي شهادة من الله تعالى لرسوله الكريم بأنه بلغ الرسالة كما هي ، وأنه التزم بأوامر الله تعالى فلم يتحدث في الغيب أو في أي منطقة محظور عليه الحديث فيها . ويترتب على ما سبق أن كل الأحاديث المنسوبة للنبي في الغيب باطلة وأن الإيمان بها تكذيب للنبي والقرآن ، واتهام لخاتم النبيين بعصيان أوامر ربه . وتلك الأحاديث المنسوبة للنبي في أمور الغيب تشمل الحديث عن غيوب الماضي ( الأمم السابقة ) وغيوب المستقبل في الدنيا ( مثل التبشير بالجنة ، إختلافات الأمة ، وأحاديث الخلافة ، الخ ) وغيوب اليوم الآخر ( مثل موعد قيام الساعة ، وعلامات الساعة ، ومظاهر القيامة ، من بعث وحشر وشفاعة وميزان وحوض . . الخ ) وكلها أكاذيب ينبغي إذا كنا نحب النبي  عليه السلام فعلا أن نبرأالرسول منها ، وإلا أصبحنا ضمن أعداء النبي الذين وصفهم الله تعالى بأنهم هجروا القرآن ( الفرقان 30، 31 ) كما وصفهم بأتباع الأحاديث الشيطانية المخالفة للقرآن ( الأنعام 112: 117).

   7 ــ    وفيما يخص موضوعنا عن مزاعم الصوفية العلم بالغيب ودفاع إبن خلدون عن ذلك ، فإنه إذا كان خاتم النبيين صاحب الوحي والرسالة لم يكن يعلم الغيب ، فغيره من المؤمنين أولى ، خصوصا وأن الله تعالى يخاطب المؤمنين يقول { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ : آل عمران 179 } . أما بالنسبة لمن لا يتبع الحق فإن من السهل عليه أن يزعم العلم بالغيب ، وهنا ننصح بقراءة الآيات القرآنية التي ترد على المشركين زعمهم بأن أولياءهم يعلمون الغيب ، مع هؤلاء الأولياء موتى في القبور لا يعلمون موعدهم عند البعث ( النحل 19: 21، النمل 65- 66).

توسع ابن خلدون فى إسناد علم الغيب والوحى لغير الصوفية

    على أنإبن خلدون لم يثبت للصوفية وأئمة الشيعة فقط العلم بالغيب والوحي ، بل أسنده أيضا للدجالين من الكهنة والعرافين والمنجمين ، وركز على أصناف الدجالين وذكر طرقهم من واقع الإيمان بجدوى علمهم بالغيب ، مع الربط بين الوحى وعلم الغيب .

وتعليقنا على ذلك يسير في اتجاهين : أصولي ، وهو الرؤية القرآنية للوحي ، ثم اتجاه تاريخي يشير إلى سيطرة هذه المعتقدات على ثقافة العصر المملوكي ، وكلها مرتبطة بمزاعم الكشف أو العلم اللدني .

حقائق الوحى فى القرآن الكريم

 مفهوم الوحي في لغة القرآن هو التفاهم بغير الطريق المألوف ، يقول تعالى عن زكريا {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً : مريم 11} أي أشار إليهم ، فالوحي هنا طريقة للأتصال والتخاطب بغير اللسان والطريق المعتاد . ومن هنا كان الإتصال بين عوالم مختلفة وحيا .

الوحى الالهى :

1 ـ  وعلى هذا الأساس نقسم الوحي الإلهي ، فهناك وحي من الله تعالى للملائكة (الأنفال 12) وهناك وحي من  الله تعالى للكائنات ، أي بالقواننين الإلهية العلمية التي أودعها الله تعالى فيها ، مثل الوحي للسماوات ( فصلت 12) ومثل الوحي للأرض عند تدميرها يوم القيامة ( الزلزلة 5)، وبين هذا وذاك الوحي للكائنات الحية لتسير في الأرض بغريزتها (طه50) ومنها النحل ( النحل 68).

2 ــ     وهناك تقسيم آخر للوحي الإلهي ، فقد يكون ذلك الوحي رسالة سماوية تحملها الملائكة المختارة إلى الأنبياء المرسلين وهم بشر مختارون : {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ: الحج 75 } وجبريل هو رسول الوحي الإلهي للأنبياء ،لذا فإن كلمة الروح في  القرآن لا تأتي إلا وصفا لجبريل ووظائفه في نفخ النفس في آدم والمسيح ، وفي النزول بالوحي ، وفي تثبيت المؤمنين ، ثم تأتي بالتبعية وصفا للقرآن والمسيح بسبب العلاقة ، وهذا هو المعنى الحقيقي للروح ، أما ما في داخل الإنسان فهي نفس وليست الروح .

3 ـ وعلى هامش الوحي الإلهي وتثبيت من هم حولالنبي يأتي وحي آخر لغير الأنبياء ، يكون إلهاما بطريقة خاصة ومحددة ، ومنها وحى الله تعالى لأم موسى ( طه 28 القصص 7، 10) وأم عيسى ( آل عمران 41: 42) وللحواريين ( المائدة 111). وأولئك الذين نزل عليهم الوحي بمعنى الإلهام كانوا عونا للرسالة أو صاحبها ، ولم يتاجر أحدهم بذلك الإلهام ، ولم يزعم النبوة أو العلم اللدني الإلهي ، أو الألوهية والإتحاد بالخالق جل وعلا . إذ أن تلك المزاعم وجدت طريقها عبر نوع آخر من الوحى ، هو الوحي الشيطاني .

الوحى الشيطانى

1 ـ    ذلك أن الوحي على عمومه ينقسم إلى نوعين : وحي إلهي بالقوانين التشريعية للأنبياء أو  بالإلهام لصالح النبوة ، أو للملائكة رسلا بين الله تعالى والبشر ، وأما بالقوانين الطبيعية داخل الكون المادي والكائنات الحية ، ثم وحى شيطاني يأتي نقيضا للوحي الإلهى يحاول اضلال البشر .

2 ــ    وقد تعرض القرآن الكريم لملامح ذلك الوحي الشيطاني من خلال عدة مستويات : ـ

2 / 1 :   تارة في توضيح الفارق بين الوحي الشيطاني والوحي الإلهي ، فالقرآن تنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين جبريل على قلب النبي ليكون من المنذرين وذلك بلسان عربي مبين ، ولايمكن للقرآن أن تتنزل به الشياطين إذ أنه عن السمع  معزولون ، ثم يخبر القرآن على من تتنزل الشياطين ، إنها تتنزل لتوحي على كل كذاب افاك أثيم ( الشعراء 192 – 210 – 221).

2 / 2 :     وتارة في توضيح الفارق بين النبي الذي يتلقى الوحي ألإلهي وبين أعدائه الذين يتلقون الوحي الشيطاني ، فيخبر رب العزة جل وعلا أن لكل نبي عدوا من شياطين الأنس والجن ، يوحي بعضهم إلى بعض أحاديث من زخرف القول يغتر بها البشر حين يصدقونها ، ويصغون إليها ويقترفون على أساسها الشرور ( الأنعام 112: 113) وتأسيسا على ذلك فهم يهجرون القرآن مما يجعل النبي محمدا يوم القيامة يشكو قومه الذين هجروا القرآن ، وهم بذلك يستحقون الوصف بأنهم أعداءالنبي ( الفرقان 30: 31) .   2 / 3 :ويتبع ذلك حديث القرآن عن إتباع الوحي الشيطاني وهم يحاولون إغراء المؤمنين بالجدال في آيات الله  { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ : الأنعام 121}.

 3 ــ    وتارة يتحدث القرآن عن آلية الوحي الشيطاني أثناء نزول القرآن ، وبعد اكتمال الوحي القرآني ، فأثناء نزول القرآن كان الجن والشياطين ممنوعين من الإقتراب والتسمع ، حيث كان الوحي يتنزل مرورا بعوالم البرزخ ، وهو نفس المستوى الذي تعيش فيه الجن والمطرودون من عالم الملائكة حيث أصبح إبليس من الجن بعد لعنه وطرده من عالم الملائكة ، وهذا العالم البرزخي تخترقه الملائكة وهي تحمل الوحي ، ومن المنتظر أن تسترق الجن والشياطين إهتزازات الوحي بين السماء والأرض ، وهي تمر بعالم البرزخ ، ومن هنا كان حجبها ومنعها عن التنصت واستراق السمع ( الجن 8: 10 ، الصافات 7: 10) وذلك معنى حفظ الله تعالى للقرآن ، إنه حفظ في التنزيل وحفظ في التدوين وسيبقى محفوظا بقدرة الله تعالى في لفظه ونصه إلى قيام الساعة " {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. الحجر 9}.

 4 ــ    وقبل نزول القرآن إستطاع الوحي الشيطاني أن يتداخل بالتحريف في الرسالات السماوية السابقة ، ثم نزل القرآن الكريم مهيمنا على الكتب السماوية السابقة ومصدقا للحق الذي جاء فيها . وبسبب حفظ الله تعالى للنص القرآني في التنزيل والكتابة والتدوين ، فإن المجال المتاح أمام أتباع الوحي الشيطاني هو في تحريف المعاني وتغييرها ، وفي الكذب على الله تعالى ورسوله في أحاديث تسمى بالقدسية أو النبوية ، وهي تنوء بما تحمل من إسرائيليات ، بالإضافة إلى الإسرائيليات الأخرى في العلم المسمى بالتفسير ، وهذا يعنى إستمرار الوحي الشيطاني بعد اكتمال الوحي القرآني وحفظه .

5 ــ    والله تعالى حين تحدث عن شياطين الجن والإنس الذين يوحي بعضهم إلى بعض إستعمل اللفظ المضارع الذي يفيد الإستمرار ، ثم أكد جل وعلا أن مشيئته الإلهية إقتضت السماح  بوجود الوحي الشيطاني نقيضا للوحي الإلهي فقال{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ: الأنعام 112} وهكذا فالوحي الإلهي الحق محفوظ وباق ، وكذلك الوحي الشيطاني موجود وباق ، وذلك إختبار للبشر وإختيار . فالإختبار للبشر في حريتهم في اختيار حديث الله تعالى في القرآن ، أو الأحاديث المنسوبة كذبا لله تعالى أو رسوله ،ولا يمكن الجمع فى الايمان بهما معا ، فإذا آمنت بحديث الله جل وعلا فى القرآن فلا بد أن تؤمن به وحده ، بحيث لو آمنت معه بحديث آخر أصبحت كافرا ، وهذا معنى قوله جل وعلا : (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) الاعراف ، المرسلات 50  ) (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) الجاثية ) .

6 ــ وفي سورة الحج بخير رب العزة إن كل رسول أو نبي كان يتمنى هداية قومه ولكن الشيطان بوحيه يعطل تحقيق هذه الأمنية ، فينسخ الله تعالى وحي الشيطان ، أي يسمح بكتابته وتدوينه ، والنسخ في مفهوم القرآن يعنى الكتابة والإثبات ، وليس الحذف والإلغاء ، ثم يحكم الله تعالى آياته ، وذلك حتى يكون الوحي الشيطاني المكتوب في نسخ وكتب فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ، بينما يكتفي أولو العلم بالوحي القرآني الحق ( الحج 52: 54).

 7 ــ    ومن آليات الوحي الشيطاني المشار إليها في القرآن الكريم أن الوسوسة الشيطانية يتلقاها كل البشر حتى المتقين ، ولكن المتقين يسارعون بالإستعاذه بالله من الشيطان الرجيم . أما أتباع الشيطان فتكون له السيطرة عليهم ( النحل 98، الإسراء 63ـ الأعراف 20) وتتنوع هذه السيطرة وتتدرج في دركات الضلال ، من تبرير المعصية إلى النفاق والشرك والكفر ، ثم تتخذ في النهاية طابعا مرضيا بالوسواس القهري والمنامات واختراع الأحاديث  الكاذبة ونسبتها لله تعالى في تجارة الدين ، وذلك معنى المس الشيطاني الذي يحتل الدرك الأسفل من الضلال والإضلال في مقابل التقوى ، ويكفينا في المقارنة بينهما قوله تعالى  {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ، وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ:الأعراف 201: 202}.

وكان الوحي الشيطاني عاما في العصر المملوكي :

    شمل مروجي الأحاديث الضالة بين أهل الحديث والصوفية ، كما شمل أصحاب المنامات والهاتف ، ولم يخرج عنه بقية الدجالين من المهووسين بالكيمياء وبالمطالب ، أي البحث عن الكنوز الفرعونية . وعقلية إبن خلدون في تمردها على عصرها بين سطور المقدمة أشارت إلى ذلك الهوس أو الوسواس الشيطاني القهر لدى أولئك ، فقال على من أصيب بوسواس المطالب " أن يتعوذ بالله من العجز والكسل في طلب معاشه وينصرف عن طريق الشيطان ووساوسه ".[4]

الوحي في التراث الصوفي

1 ــ   أما عن الوحي في التراث الصوفي فيكاد يظهر في كل صفحة فيه خلال المنامات والهاتف ، من رسالةالقشيري ، وحتى العصر المملوكي في تراثه الصوفي والفقهي أيضا .

2 ــ ونعطي بعض أمثلة من كتاب " لطائف المنن " لإبن عطاء الله السكندري ، وهو كتاب مشهور بالإعتدال كتبه إبن عطاء في مناقب شيخيه أبي العباس المرسي وأبي الحسن الشاذلي ، فالمرسي يقول " سمعت البارحة يقال لي : السلام عليكم يا عبادي )، وزعم آخر أنه وجد نفسه في الجنة تعرض عليه بحورها وقصورها ، وقيل له " يا عثمان لو وقفت مع الأولى لحجبناك عن الثانية ..." ، ويقولالشاذلي " إن الله تعالى عاتبه فقال له : ياعلي إف لمن يكون الكلب أزهد منه " وقيل له أيضا " من علامة الصديقية كثرة أعدائها " وقال الشاذلي " لما علم الله ما يقال في أوليائه  والصديقين ، فبدأ بنفسه فقضى على قوم أعرض عنهم فنسبوا إليه الزوجة والولد ، فإذا قيل في صديق أنه زنديق أو قيل في " ولي " أنه غافل عن الله غوى ، فإن ضاق الولي أو الصديق بذلك ذرعا قيل له – أي جاءه الوحي : الذي قيل فيك هو وصفك لولا فضلى عليك ، وقد قيل في ما لا يستحقه جلالي "، أي أن الصوفي إذا هوجم جاءه الوحي الإلهي يهون عليه بأن الله تعالى ذاته يتعرض للهجوم والإفتراء ، أى إنه – جل وعلا فى زعم الشاذلى  – أتاح للناس أن يهاجموه حتى لا يتضايق الولي الصوفي إذا هوجم ، وهكذا حمل الوحي الصوفي كل إفتراء الصوفية على  الله تعالى ودينه.  وفي موضع آخر يقول أبو الحسن الشاذلي " رأيت كأني بين العرش فقلت يارب يارب ، فقال : لبيك لبيك ، فقلت يارب ، فاهتز العرش ، فقلت يارب ، فاهتز اللوح المحفوظ والقلم ، فقلت : اسألك العصمة ، فقيل لي : لك ذلك "[5]

الكشف والتنجيم في العصر المملوكي :

1 ـ   واعتقادإبن خلدون في التنجيم جاء متسقا مع عصره ، ليس فقط في سيطرة التصوف ، ولكن لما أشار إليهإبن خلدون من  إهتمام السلاطين بمستقبلهم السياسي ، وذلك في عصور كان من السهل أن تقوم فيها دولة على حساب أخرى ، أو يسقط فيها سلطان ويرتفع فيها سلطان آخر . وقد عابإبن خلدون دور هذه المعتقدات في " تطاول الأعداء " وقيام الفتن والثورات [6].

2 ــ    وحياة إبن خلدون السياسة التي تقلب فيها بين دول وإمارات تونس والجزائر والمغرب والأندلس أعطت له بلا شك شواهد على ذلك ، إلا أن شواهد العصر المملوكي كانت أكثر تأثيرا في مصر والشام .

3 ــ والخصوصية هنا تتمثل في أن السلطة المملوكية كانت لا تأبه كثيرا بمنطق الوراثة في الحكم ، وإنما بمقدرة الأمير المملوكي الطموح على إجادة فن التآمر لكي يصل إلى السلطنة ويقتل السلطان القائم الضعيف أو القوي ، أو ينفيه عن الحكم . حيث تساوى المماليك كلهم في الأصل والجلب من الخارج ، والتفاضل بينهم هو في مقدار الطموح للسلطة والمهارة في الوصول  إليها . ، وهنا يأتي دور التبشير بالسلطنة  فى تشجيع الأمير الطموح ، فهذا التبشير بالسلطنة لهذا المير أو ذاك يأتي من شيخ صوفي دجال  يزعم العلم بالغيب ، ويؤمن العصر بعلمه بالغيب ، ونفس الحال مع أى دجال آخر يحترف التنجيم أو علم الحرف ، وتتعاظم الصلة  بين أولئك وأولئك ، من الشيوخ الصوفية أو المنجمين ومن الأمراء والسلاطين . ومن الطبيعي أن تكون تلك البشارات بالسلطنة من عوامل الفتن تزيد من حدتها ، وكان من الطبيعي في ذلك الجو المضطرب بالفتن أن يبحث الشيخ الصوفي عن مملوك طموح فيغذي طموحه بتبشيره بالسلطنة ، ويسعى ذلك المملوك لها ، وعندما ينجح في الوصول إلى الحكم يعتقد في ولاية شيخه الصوفي الذي تنبأ له وبقربه منه  ويسمع له ويطيع في سلطنته ، أما إذا فشل ذلك المملوك فسيكون مصيره الإختفاء بالقتل أو النفي ، وتختفي معه نبوءة الشيخ بالسلطنة .

وهكذا ، أفلحت تلك اللعبة الصوفية، ووصل بها كثيرون من الشيوخ إلى موقع الحظوة والـتأثير السياسي ، وأبرزهم الشيخخضر العدوي الذي بشر الأمير بيبرس البندقداري بالسلطنة ، وعندما وصل بيبرس إلى السلطة إعتقد في كراماته ، وأصبح للشيخ خضر العدوي نفوذ هائل في سلطنة الظاهر بيبرس الذي كان لا يسمح لأحد أن ترتفع رأسه في عهده [7] . وعن هذا الطريق توصل قطب الدين الهرماس للسلطانحسن القلاووني وعلا شأنه معه حتى صار يدخل عليه بلا إذن [8]  ، واشتهر القاضي شهاب الدين المالكي بسوء سيرته وجهله إلا أن السلطان الأشرف برسباي لم يسمع فيه أحدا لأنه كان يعتقد ولايته حيث بشره بالسلطنة ، وكان برسباي وقتها في السجن [9] .

4 ــ  واستفاد المنجمون من هذا الجو فراج أمرهم مثلإبن الشاهد المنجم الذي " راج أمره عند الظاهر برقوق فولاه مشيخة الطريقة وانصلح حاله " على حد قولإبن حجر [10] وبعد برقوق إستمرت شهرة المنجمين وتكاثروا حول الأمير شيخ يبشرونه بالسلطنة [11]. وكان ذلك متوقعا لأن الأمير شيخ وقتها كان " نجمه " في صعوده كمرشح للسلطنة ، وفعلا تولاها فيما بعد .

5 ــ     ولقد اقتصرنا على الإشارة إلى التنجيم السياسي أو تدخل التنجيم والعلم  اللدني في التبشير بالسلطنة ، وهو نوع من التحايل على السلاطين والأمراء . ولكن التحايل بالعلم اللدني والكرامات المزعومة تطرق إلى نواحي إجتماعية وإقتصادية ، أجبرتإبن خلدون على أن يهاجم منتحلي الكيمياء والنجوم والمطالب لخداع الناس . ومن هنا وجب علينا أن نلقي الضوء على ذلك من التاريخ الإجتماعي للعصر المملوكي لنرى كيف كان إبن خلدون متسقا مع عصره في هذه القضايا ومتأثرا به .. حيث استقرت الحياة الاجتماعية في مصر وكثرت المصادر التاريخية بحيث يمكن رصد تأثرها بالعقائد التي تأثرت بها المقدمة أكثر من مجتمع إبن خلدون نفسه .



[1]
- المقدمة ، الفصل الحادي عشر ، الباب السادس .

[2] -  المقدمة ، الفصل العاشر ، الباب السادس.

[3] - ابن الزيات : الكواكب السيارة 316: 317 المطبعة الأميرية 1907. مناقب الوفائية 43. الطبقات الكبرى للمناوي مخطوط بدار الكتب تحت رقم 1589 تاريخ تيمور 337 . على الترتيب . وهي مجرد أمثلة .

[4] المقدمة الفصل الرابع الباب الخامس

[5] -  لطائف المنن لابن عطاء :107، 126 – 141، 224. مكتبة القاهرة 1979 ، ومناقب الحنفي 147: 148 ، تأليف البتنوني مخطوط بدار الكتب تحت رقم 1164 تاريخ .

[6] -  المقدمة : الفصل الخامس والعشرون من الباب السادس .

[7]- تاريخ ابن كثير 13/278. مطبعة السعادة .

[8]-  السلوك للمقريزي 3/1/11. تحقيق د. سعيد عاشور ، الدرر الكامنة لابن حجر 4/ 253 نشر دار الكتب ، الطبعة الثانية 1996.

[9]-  أنباء الغمر لابن حجر 3/502: 504 تحقيق حسن حبشي 1972.

[10]-  ابن حجر ، ذيل الدرر الكامنة 17 . مخطوط بدار الكتب تحت رقم 641 تاريخ تيمور .

[11]-   تاريخ ابن إياس 2/20 تحقيق محمد مصطفي ، الطبعة الألمانية

اجمالي القراءات 5702

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4662
اجمالي القراءات : 46,566,590
تعليقات له : 4,838
تعليقات عليه : 13,828
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي