معبد الجهني المعارض الحُر

سامح عسكر Ýí 2014-07-01


 

إن من معالم أي سلطة دينية أن تضع نموذجاً في الحكم ينظر إليه الناس نظرة تبجيلٍ وتقديس، لذلك تشرع أول ما تبدأ في تغيير مفاهيم الناس حول هذه السلطة، فتبدأ بالرأس وهو الحاكم..الأمويون فعلوا ذلك بدأوا بالرأس فأطلقوا عليه الخليفة وأمير المؤمنين، وأشاعوا بين الناس مذهب الجبر القائل.."أن الرب هو الذي يفعل ويقرر وأن ما يحدث لا شأن للعبد به "..والمعنى أن الإنسان مُجبر أن لا يختار، وهذا المذهب مضاد بالكلية لأي عقل حر، فالعقول الحرة تعتقد أن من حقها الاختيار وعدم المصادرة، ومن هذه الخلفية نشأ خلافاً عظيماً بين المسلمين انقسموا فيه إلى فرق وأحزاب وشيع كل فرقةٍ تتهم الأخرى بالضلال والابتداع.

كان الهدف من نشر الأمويين مذهب الجبر هو قطع الطريق أمام أي ادعاء للثورة الدينية على الأمويين ، لأن خصومهم كانوا أقوياء في مجال السياسة والفكر، وقد عرضنا سابقاً في مقال.."الأمويون وتخلف الأمة"..لمحة سريعة عن هؤلاء الخصوم، وعليه لجأوا إلى تحصين أنفسهم من هؤلاء الخصوم الأشداء، وحرصوا على تكريس نظرية.."الحقيقة والواقع"..التي تزعم أن الواقع هو الحقيقة المطلقة وإن لم يُردها البشر، ولكن عليهم أن يصبروا حتى يتغير، ومن هذه الخلفية نشروا دعاوى الطاعة المقدسة للحاكم واخترع رواتهم أحاديثاً تدعو إلى طاعة الحاكم وإن ضرب ظهرك..!


إن أخطر ما كان يواجهه الأمويون أن يملك العوام حق الاختيار، فيُقرروا إما دعم خصومهم من آل البيت، أو العقلانيين أصحاب المنطق والإقناع، والسبب أن العقل الحر دائماً يرفض التسليم بكل ما هو شائع، ويرفض كذلك التسليم بكل ما هو ناقد، ويدعو إلى إعادة النظر وفق أدلة ومتون عقلية، وهذا المنهج قد يهدم سلطة الأمويين إذا ما التف العوام حول أحد الرموز، أو نجحت إحدى الجماعات في استقطاب الناس، وهم ونظراً لقُرب زمانهم من زمن الرسول شعروا بالخطر كون استدعاء العاطفة الدينية المؤيدة له -ولحقائق الدين- سيُساعد خصومهم في الثورة عليهم.

لذلك لجأوا إلى أقصر الطُرق للانتصار وهي الضربة القاضية التي اتبعوها مع كافة الخصوم، كان طريقهم دائماً هو .."شيطنة مخالفيهم".. ووصفهم بأقذع الألفاظ وأحط العبارات، والمعلوم أن هذا الأسلوب أول ما يجذب يجذب المتعصبين فيهموا بنشر هذه الأقوال، حتى ساعد ذلك على صناعة رواسب عند خصومم تضخمت ككرة الثلج حتى كان انتقام العباسيين منهم بطريقة وحشية.

فعلوا ذلك مع المفكر الرائع.."معبد الجهني"..(توفى 80هـ)..وحمّلوه ما كان غريباً عليه، ولم ينقلوا أفكاره بإنصاف واتهموه بالقدر ، وتوسعوا في شتمه ووصفه بأقذع الألفاظ حتى أنهم نسبوه لعقائد المجوس عبر اختراع روايات منسوبة للنبي كذباً تقول.."القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة".. والحديث في سنن ابن ماجة (1/69)وفي مسند أحمد(5/126)..ورغم إنكار بعض المحدثين لهذا الحديث مؤخراً إلا أنه كان شائعاً لقرون طويلة في زمنه، وهذا يعني أن اختراع الأحاديث جاء بطريقة التوظيف، فإذا ما رأى الفقهاء عدم الحاجة إليه تركوه وأنكروه، وإذا ما رأوا أنهم بحاجة إليه -لحشد وتجييش العوام والبلهاء- قاموا باستدعائه من الذاكرة.

ولو أراد أحداً اختبار صحة ذلك فليُجرّب ادعاءه القدر-تمثيلاً-سيجد أن من أنكر حديث .."القدرية مجوس هذه الأمة".. سيقوم باستدعائه مرة أخرى وتوظيفه لحشد الجهال في مواجهته، هذا بالضبط ما كان يحدث في تلك القرون، وسيحدث في أي زمن ما لم يتم التصدي للخرافة والكذب على رسول الله وتوعية الناس بخطر الأحاديث الملفقة وأنه ليس كل ما نُِسبَ للنبي صحيح، وأن الإنسان طمّاع ونزّاع للعدوان وتأليه نفسه وذاته أمام الغير، وأن أشرّ الناس من وظّف دينه لقاء مصالحه، ونظر إلى الناس أنهم عبيد لرأيه لا يخرجون عليه ولا من حقهم البحث ولا الاختيار.

إن ما حدث لمعبد الجهني كان مهزلة رغم أن معبداً نفسه كان موثقاً من بعض علماء الحديث، قالوا عليه.."ثقة صدوق"..ولكن الأغلبية منهم رموه بالبدعة والزندقة ولم يقبلوا منه صرفاً ولا عدلا، ويمكن تفسير هذا الاضطراب لديهم بمعرفة قاتله، وهو من اللمحة الأولى أحد مجرمي وعتُاة بني أمية العِظام وهو المجرم.."الحجاج بن يوسف الثقفي"..(توفي 95هـ)..والسبب أن معبداً كان أحد الثائرين في تمرد ابن الأشعث على الحجاج ، فقتله الحجاج بعد إخماده للثورة، وبعدها شاع ما قيل فيه من الغلو والابتداع في القول.

رغم أن قول معبد في القدر لا يختلف كثيراً عن ما روي عن رسول الله في حديث الإيمان والإحسان الشهير، وكان الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة.."أن تؤمن بالقدر خيره وشره"..ولكن معبداً كان يقول أن أفعال الإنسان هي من حر اختياره، وأن الإنسان مُخيّر وليس مُسيّر، بينما الأمويون كانوا ينسبون الأفعال كلها لله بنزعة جبرية تتسم بالغباء ، لأن عقولهم كانت قاصرة عن فهم هؤلاء المبدعين من أمثال معبد الجهني وغيره، فمعبداً لم ينفِ كون الأفعال لله ولكنه نفى أن يكون الإنسان مُجبراً على أفعاله، ويبدو أن معبداً عجز عن تأًصيل أفكاره -رغم جودتها – وكان ضعيفا مرذولاً في قومه مما حمل الهَمَج من الأمويين أن يعتدوا عليه وسار على دربه غيلان الدمشقي..(توفى105هـ).. بعد ذلك حتى حَكَمَ الأوزاعي بكُفر غيلان وقتله.

إن المنطق الذي دفع معبداً للتفكير وقوله بحرية الاختيار هو نفسه المنطق القرآني الذي رد الله به على المشركين من الجبرية، فبعد أن قال الجبرية المشركون.. " وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيئ نحن ولا آباؤنا "..( النحل 35 )..رد الله عليهم بقوله.." من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"..(الكهف 29)..أي أن الفعل مصدره الإنسان، وللإنسان مطلق الحرية في الإرداة والاختيار..وبالتالي المسئولية، وعليه حين يُجزى أو يُعاقب فلا يُظلم، وهذه إحدى نظريات العدل عند المعتزلة، وهي التي كان يتأثر بها معبد الجهني وغيره من المفكرين المبدعين في هذه الحقبة.

في قصة موت معبد دلالة على المذهب الجبري الذي كان يتبعه الأمويون ومنهم الحجاج بن يوسف، إذا روي القاضي عبدالجبار.."أن الحجاج أرسل إلى معبد الجهني ، وأخرجه من الحبس ـ وكان يطعمه خبز الشعير والكراث والملح ـ قال له الحجاج : يا معبد كيف ترى قِسْمَ الله لك ؟ ! قال : يا حجاج خلِّ بيني وبين قِسْمِ الله ! فإنْ لم يكن لي قِسْمٌ إلاَّ هذا رضيت به . فقال له : يا معبد أليس قُيِّدَّتَ بقضاء الله ؟ قال : يا حجاج ما رأيت أحداً قيدني غيرُك ، فأطلق قيدي فإنْ أدخلني قضاء الله رضيت به"...انتهى..(طبقات المعتزلة 334)

والمعنى أن الحجاج قال له كيف رأيت قضاء الله لك بالسجن، فرد معبداً من فوره أنه ياحجاج أنت الذي سجنتني وليس قضاء الله، فإذا أطلقت سراحي وأدخلني قضاء الله السجن مرة أخرى آمنت به ورضيت، وهذا ملخص مذهب الجهني، وهو قائمُ على حرية الاختيار، وأن التذرع بالقضاء والقدر هو حجة للظلم وللمعصية ولشيوع الكسل والتواكل الذي كان سائداً في الفترة الأموية الجبرية.

مهما كان فإن ظهور معبد الجهني في المجتمع وشيوع أفكاره التحررية لهو دلالة على شيوع الظلم الأموي، فأفكاره كانت نابعة من المجتمع المسلم وإليه، يعني أنه ليس غريباً عليهم، حتى قيل أن الكلام في القدر سابقُ للجهني، وقد روي عن عمر ابن عبدالعزيز..(توفى101هـ) معارضته للنَهَج الجبري الأموي، وكذلك الحسن البصري..(توفى 110هـ) وأبي الأسود الدؤلي..(توفى 69هـ) وغيرهم الكثير سواء من المشاهير أو من المجاهيل، ولكن يظل اعتناق المجتمع لأفكار معبد الجهني وغيلان الدمشقي وغيرهم سائراً إلى اليوم، وهذا يعني أنه حركة فكرية مضادة للظلم باسم الدين تخرج بشكل عفوي لا إرادي تستدعي نفسها كلما رأت في نفسها الحاجة إلى الانطلاق والظهور.

اجمالي القراءات 12375

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 6,881,714
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 411
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt