مترجم: القصة الكاملة للصراع بين الأزهر ونظام السيسي

اضيف الخبر في يوم السبت 29 يونيو 2019. نقلا عن: ساسه


مترجم: القصة الكاملة للصراع بين الأزهر ونظام السيسي

سلّط جيمس دورسي، الكاتب الأمريكي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، الضوء على نِضال مؤسسة الأزهر الشريف. وأوضح دورسي في مقاله الذي نشره موقع «لوب لوج» الأمريكي أنَّ ذلك النضال مُستمرٌ في ظل محاولات الرئيس عبد الفتاح السيسي إحكام سيطرته على الأزهر بهدف إصلاح تعاليمه ومناهجه، التي يعتقد على نطاق واسع أنها تبث أفكارًا مُتطرّفة وتُروّج للإرهاب.

واستهلَّ دورسي مقاله بالإشارة إلى زيارة البابا فرانسيس الأول لمصر في عام 2017 من أجل تحفيز الحوار بين الأديان، وهي الزيارة التي أدخلته في حقل ألغام ديني وجيوسياسي كان مصدره الأزهر الشريف، أحد أقدم وأعرق مؤسسات التعليم الإسلامي في العالم. وحظيت زيارة البابا آنذاك بأهميةٍ بالِغة مع اتهام الأزهر بالترويج لهذا النوع من الإسلام السُنّي شديد التحفُّظ، والذي يُحتمل أن يكون قد وفّر بيئةً خصبة للتطرّف.

وأشار دورسي إلى أنَّ زيارة البابا جاءت في الوقت الذي تحوَّل فيه الأزهر، الذي ظل حِكرًا على الحكومة المصرية والنفوذ الديني السعودي شديد التحفُّظ لفترةٍ طويلة، إلى ساحة معركة لصراعات إقليمية أوسع نِطاقًا بهدف استغلال الإسلام في دعم للاستبداد.

وفي الوقت ذاته، أوضح دورسي أنَّ الأزهر كان يكافِح من أجل المُنافسة مع مؤسسات التعليم الإسلامي في السعودية وتركيا والأردن، وكذلك مع الجامعات الغربية المرموقة. لكنَّه أوضح أنَّ ثمة تغيّرات طرأت على ساحة هذه المعركة في السنوات الأخيرة، مع انضمام دولة الإمارات العربية المتحدة كوافِد جديد، وسط مزيد من التركيز السعودي على نوع الفِكر شديد التحفُّظ الذي تسعى إلى تعزيزه.

إلى جانب جهود الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ عام 2015 لإحكام قبضته على الأزهر وإجباره على مراجعة مناهجه العتيقة، والتي يُزعم أنها تتضمّن مُحتوى مُحافِظًا يتَّهمه النُقاد بالترويج للتشدُّد.

قدر الله

وتطرَّق دورسي إلى الكلمة التي ألقاها البابا خلال «مؤتمر الأزهر العالمي للسلام»، والتي حث فيها الحضور على «أن يقولوا (لا) حازمة وواضحة مُجدّدًا لكل أشكال العنف والثأر والكراهية التي تُرتكب باسم الدين أو باسم الله».

 

 

ويرى دورسي أنَّ البابا كان يُسلّط الضوء بذلك على المعارك المُعقّدة المُتعدّدة من أجل الفوز بروح الإسلام، وكذلك من أجل بقاء الحُكم الاستبدادي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتشمل هذه المعارك الجهود السعودية لإبعاد الفكر شديد التحفُّظ عن فروعه الجهادية الأكثر تشدُّدًا، ومقاومة الإصلاح من قِبل المحافظين المُتشدِّدين الذين توقفوا عن الاعتماد على دعم المملكة، إلى جانب اختلافات السعودية مع بعض أقرب حلفائها العرب – في مصر، والإمارات العربية المتحدة – إزاء النهج المُتبّع تجاه الفِكر شديد التحفُّظ المُتشدِّد ومُعارضة التشدّد.

وفي إشارةٍ إلى المزاعم بأنَّ منهج الأزهر يخلق بيئةً خِصبة مُحتملة للتشدُّد، بحسب المقال، ادّعى السيسي في بداية حملته بأنه «يستحيل أن يدفع هذا النوع من التفكير العالم كُلّه ليُصبح مصدرًا للقلق، والخطر، والقتل، والدمار، إلى الحدّ الذي يجعلنا نُعادي العالم بأسره. ومن غير المعقول أن يقتل 1.5 مليار مُسلم الـ7 مليار جميعًا حتى يتمكّنوا من الحُكم وحدهم».

وهدّد السيسي، الذي يميل عادةً إلى المُغالاة وتضخيم الذات من وجهة نظر دورسي، طُلابًا جامعيين في عام 2015 بأنه سيشكوهم إلى الله إذا فشلوا في تحقيق مطالبه بالإصلاح. إذ قال السيسي: «كلنا في يوم من الأيام هنتقابل قدام ربنا يوم القيامة، على كل كلمة قُلناها، وكل فعل فعلناه. وهنتحاسب، هنتحاسب قدامه سبحانه وتعالى».

وذكر دورسي أنَّ السيسي هو مسلمٌ مُلتزم زعم في دراسة نُشِرت عام 2006 أنَّه لا يمكن فهم الديمقراطية دون إدراك مفهوم الخلافة، لكنه عاد بعد عدة أشهر من حديثه أمام الطلاب الجامعيين، ليقول أمام جاليةٍ مصرية ألمانية إنَّ «ربنا خلقني طبيب أوصف الحالة. هو خلقني كده، أبقى عارف الحقيقة وأشوفها، ودي نعمة ربنا منحها لي».

وأوضح الكاتب الأمريكي أن هجوم السيسي على الأزهر جاء مدفوعًا بعِدة عوامل: العُنف المُفرِط لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وضغوط الإمارات العربية المُتحدة التي انضمت مؤخرًا إلى معركة الساعين لتشكيل الإسلام وفق هواهم، وتجارب ضباط المخابرات المصريين مع المُتشدّدين.

إذ قال أحمد عبده ماهر، ضابط المخابرات المصري السابق والمحامي المُنتقِد للأزهر: إنَّ «المناهج الدراسية تدعم الكراهية وسفك الدماء.. وهذا ما أجمع عليه العلماء المُسلمين، الذين يرتدون العمائم.. حين استجوبتُ المُتطرّفين وتحدثت إلى علماء الأزهر؛ خلُصت إلى استنتاجٍ مُفاده أنَّ التشدُّد ينبع بالأساس من كتب الفقه الإسلامي القديمة التي حوّلناها إلى نصوص مقدسة. وهذه النصوص كان من الممكن أن تختفي منذ زمنٍ بعيد لولا جهود أولئك الذين يرتدون العمائم».

وذكر إسلام البحيري، وهو ناقد آخر للأزهر سُجِن بسبب آرائه وعفا عنه السيسي فيما بعد، أنَّ «الأزهر جزء من المشكلة وليس الحل. ولا يمكن أن يُصلِح نفسه لأنَّه إذا أصلح نفسه فسيفقد كل السُلطات. الأزهر يقاتِل من أجل بقائه وليس من أجل الدين نفسه.. إنَّهم يريدونك أن تتبع الدين كما يفهموه».

ومن المُفارقات، بحسب دورسي، أنَّ السيسي نفسه يتحمّل مسؤولية تمكين الأزهر من التصدّي لجهود الرئيس. إذ تجاوز السيسي سُلطاته بمُحاولته إحداث تغيير جذري لهيكل سُلطته، في مُحاولةٍ لتخفيف سيطرة الدولة على الأزهر.

وأشار دورسي إلى تشريع قُدّم إلى البرلمان بهدف تقييد ولاية الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، وإنشاء لجنة لاستجوابه حال اتُهم بسوء السلوك، وتوسيع القاعدة التي تنتخب الإمام لتضم أشخاصًا عاديين في «هيئة كبار العلماء» التي تُشرف على الأزهر، مع إضافة المُعيّنين من قِبل الرئاسة إلى «المجلس الأعلى للأزهر».

لكن تجاوز السيسي لسُلطاته مكَّنَ الأزهر، في مثالٍ نادر على نجاحه في مُعارضة سياساته، من حشد مؤيّديه داخل البرلمان وخارجه لإحباط هذا التشريع. وسمح ذلك للأزهر أن ترفض، جمُلةً وتفصيلًا، طلب السيسي بإعادة صياغة القواعد التي تحكم الطلاق من أجل زيادة صعوبة الانفصال على الأزواج.

ومع ذلك، يقول دورسي: «إن التشريع المُقترح بعث برسالة واضحة ومُدويّة في الأزهر. وردًا على بطش السيسي، سعت قيادة الأزهر إلى الحدِّ من التصرفات المُناهضة للتعدُّدية والتسامح من جانب بعض أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، وأسّست مركز رصد إلكتروني لتتبع التصريحات المتشددة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأقرَّت بالحاجة إلى تغيير الخطاب الديني. إلا أنَّها على الرغم من ذلك لم تتخذ خطوةً أبعد من ذلك نحو رسم خارطة طريق لإصلاح مؤسسة الأزهر ومناهجها الدراسية».

وأصبح من المُعتاد أن تظهر على السطح اختلافات الرأي بين أصحاب الفكر شديد التحفُّظ داخل جامعة الأزهر، وبين أولئك الأكثر استعدادًا لتلبية مطالب الإصلاح التي يُنادي بها السيسي.

لدرجة أنَّ سعاد صالح، الباحثة في الشريعة الإسلامية والرئيس السابق للجنة الفتوى بالأزهر، انتقدت علنًا فتوى أصدرها شوقي علّام، مُفتي الجمهورية، العام الماضي. إذ أعفت المنتخب المصري من الصيام في شهر رمضان خلال فترة الاستعداد لكأس العالم 2018، بحسب مقال «لوب لوج». وجادلت سُعاد الفتوى، قائلةً: إنَّ «من يُسافرون لأسباب ترضي الله مثل كسب الرزق لإطعام الأسرة، أو الدراسة، أو نشر كلام الله، يجوز لهم الإفطار، لكن كرة القدم لم تُدرج في هذه الفئة».

وفي وقت سابق، أكّدت سُعاد أنَّ المُسلمين الذين غزوا غير المُسلمين يحق لهم ممارسة الجنس مع العبيد، بحسب دورسي. وقالت: «إذا قاتلنا نحن (المصريون) إسرائيل وانتصرنا عليها؛ يُصبح لنا الحق في استعباد نسائها الإسرائيليات، اللائي سنأسرهنّ في الحرب، والتمتُّع بهنّ جنسيًا». وما تزال سُعاد عضوًا بجامعة الأزهر. وكذلك مسموع أبوطالب، العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية للرجال في جامعة الأزهر، الذي جادل قبل عدة سنوات بأنَّ الأزهر يؤيِّد فكرة السماح بقتل المسلمين الذين يتغيّبون عمدًا عن صلاة الجمعة.

مكافحة التشدُّد

ومع ذلك، أشار دورسي إلى أنَّ الأزهر يؤكِّد أنَّه راجع مناهجه الدراسية ويعكف على مراجعة الكتب الدراسية بالتعاون مع وزارة التعليم. ورفض كذلك الاقتراحات التي ألمحت إلى أنَّ التنقيحات التي أجراها كانت «تجميليةً» في المقام الأول.

وقال إبراهيم النجم، الباحث بارز في «دار الإفطار» التابعة للأزهر والمسؤولة عن تفسيرات الشريعة، بحسب ما ورد في «لوب لوج»: «لقد اتخذنا عددًا من الإجراءات التصحيحية والوقائية، استجابةً لهذه الدعوة العاجلة بشأن إصلاح الخطاب الديني الإسلامي. وأعدنا النظر في عددٍ من الفتاوى الدينية التي أُصدِرَت في الماضي؛ وهي فتاوى أفضت للأسف إلى عددٍ من السلوكيات الخاطئة».

وأشار النجم إلى إعادة النظر في فتوى سمحت بتشويه الأعضاء التناسلية للإناث (ختان الإناث)، إلى جانب صفحات الأزهر على «فيسبوك» التي تضم ملايين المُتابعين وتدحض التعاليم الجهادية المُماثلة لتلك التي يتبناها تنظيم (داعش). وجاء في مُقدّمة كتاب مدرسي صدر مؤخرًا على الإنترنت: «نُقدّم هذا المحتوى العلمي إلى أبنائنا وبناتنا، ونسأل الله أن ينعم عليهم بالتسامح والفكر المعتدل.. ويُساعدهم ليُظهروا الصورة الصحيحة للإسلام أمام الناس».

ومع ذلك، يُعاني طُلاب الأزهر عند مُواجهتهم بكتابٍ مدرسي في المرحلة الثانوية، وهو نُسخة أُعيد طبعها عام 2016 عن كتابٍ كُتِب قبل مئات السنين، ويشتمل على نفس الحُجج التي يتبنّاها الجهاديون بحسب دورسي. ويحصر الكتاب مفهوم «الجهاد» في الكفاح المُسلّح، بدلًا عن النضال من أجل تحسين الذات، ويحتوي على قولٍ مُتنازع عليه للنبي مُحمّد، ينص على أن الله أمره بمُحاربة العالم كله حتى يتحوّل الجميع إلى الإسلام.

وتطرَّق دورسي إلى جدال العلماء بأن نصوصًا كهذه كانت جزءًا من دروس التاريخ التي تُعلِّم الشريعة الإسلامية، بما في ذلك قواعد الاشتباك خلال الحرب في الماضي. ويؤكّدون أنَّ طُلاب الأزهر يتعلّمون أنَّ تفسيرات الشريعة في النصوص التاريخية رُبما كانت صالحةً وقت تدوين تلك الكتب، لكنّها غير قابلةٍ للتطبيق اليوم في عالمنا المُعاصر.

ويُشدّدون في الوقت نفسه على أنَّ مفهوم جهاد النفس، أي الكفاح من أجل تحسين الذات، يُدرَّس على نطاق واسع في صفوف الأخلاق والآداب العامة. ومع ذلك، ينصح الأزهر أعضاء هيئة التدريس بعدم السماح للطلاب بقراءة النصوص القديمة دون إشراف. علاوةً على إنشاء فرق لمراجعة الكتب والتأكّد من عدم دفاعها عن المواقف المُتشدِّدة.

ويرى منتقدو الأزهر أنَّه يُطبّق النصوص التاريخية التي يستند إليها المُتشدِّدون وتُغذّي التعصّب والتميّز، بالقدر نفسه من الحرفية والتشدُّد. ويعتقد دورسي أنَّ الأزهر أضفى المِصداقية على تلك الاتهامات من خلال المواقف المختلفة التي تبنَّاها، ومن بينها على سبيل المثال: المطالبة بإيقاف عرض برنامج تلفزيوني يدعو إلى إلغاء نصوص الشريعة التي تُشجّع على ممارسة العنف ضد غير المسلمين وكراهيتهم، إلى جانب إيقاف أحد الأساتذة الجامعيين عن العمل بدعوى الترويج للإلحاد من خلاله استخدامه كُتبًا لمؤلّفين ليبراليين.

وأشار دورسي إلى أنَّ مكتبة الأزهر الضخمة التي توفّر المواد التعليمية تُعَدُّ هدفًا أيضًا. إذ تحتوي على مُجلّدات من تفسيرات القرآن وأقوال النبي كُتِبت على مرّ العقود، وحثّ بعضها على سلوكيات مُتشددة مثل: منع المُسلمين من تهنئة المسيحيين في أعيادهم، وإلزام المُسلمين بمحاربة الكُفار، وتوقيع عقوبة الإعدام على من يتركون الإسلام، وفرض عقوبات قاسية على المثليين جنسيًا.

ضبابية المسارات

أثار تعقيد الجهود لإصلاح الإسلام انقسامًا تشاركه السيسي والأزهر على حدٍ سواء، بحسب دورسي. إذ يقبل كلاهما فكرة الدولة القومية وينظُر إلى نفسه باعتباره حارس الإسلامي السُنِّي، رغم أنَّهم يشهدون أعمال القمع التي يتعرّض لها مُجتمع المثليين مثلًا. إلى جانب فشل السيسي في الوفاء بوعوده لمكافحة التمييز ضد الأقليّة القبطية في مصر، ومُكافحة التعصّب الأعمى السائد على نطاق واسع بين الأغلبية المُسلمة.

 

 

ويعتنق السيسي والأزهر المفهوم الحضاري للأمة، وهي مجتمع المؤمنين الذي لا يعرف حدودًا. وعلاوةً على ذلك، فإنَّ جهودهما لمكافحة التطرّف ليست نابعة في الأساس من قيم التسامُح والتعدّدية، رغم اعتمادهما على هذه المُصطلحات. إذ يرى دورسي أنَّها تنبع من كونهما مُدافعين عن الفكر الإسلامي المُحافظ في مواجهة التشدُّد والجهاديين، وهي الاتجاهات التي يعتبرونها «مُبتدعة».

وأورد المقال أنَّ السيسي هو رجلٌ شديد التديّن، ترتدي زوجته وابنته الحجاب، وكتب دراسةً في كلية الحرب الأمريكية عام 2006. ودفع السيسي في دراسته بفكرة أنَّ الديمقراطية في الشرق الأوسط يجب تعريفها من خلال «مفهوم الخلافة»، وأنَّ الفترة المبكرة من تاريخ الإسلام شهدت الاسترشاد بتعاليم النبي محمد ومن بعده الخلفاء الأربعة. وكتب السيسي: «يجب أن تكون الخلافة، وتنطوي على طاعة الحاكِم الذي يتشاور مع رعاياه، هدفًا لأي حكومة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

وأوضح دورسي أنَّ مُقاومة دعوات السيسي للإصلاح داخل الأزهر هي دعواتٌ عميقة الجذور، وعزّزها تاريخٌ من محاولات تصدي الأزهر لجهود تقويض استقلالها، إلى جانب العداء المُتأصل بعُمق في الأزهر تجاه تدخّل الحكومة التي تُعرّف نفسها كحامية للتقاليد الإسلامية. وتعزَّزت تلك المقاومة أيضًا نتيجة عقودٍ من النفوذ السعودي الذي وقف وراءه سلف السيسي، حسني مبارك، ونهج السيسي الاستبدادي.

وتستند مُقاومة حملة السيسي داخل الأزهر، بحسب مقال «لوب لوج» إلى حقيقة أنَّ الأزهر لم يعُد يحتكر التعليم الإسلامي، رغم أنَّه ما يزال مُحتفظًا بمكانته. فبالإضافة إلى المُنافسة مع المؤسسات السعودية والأردنية والتركية، يواجه الأزهر تحديًا آخر من جانب الدراسات الإسلامية في المعاهد الأوروبية وفي شمال أمريكا، مثل: جامعة لايدن، وجامعة أكسفورد، وكلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن (SOAS)، وجامعة شيكاجو، وجامعة ماكجيل.

لكن دورسي يقول: «إنَّ هذه المؤسسات ليست مُحصّنة ضد إنتاج ذوي الفِكر شديد التحفُّظ. فعلى سبيل المثال، هُناك فرحات نسيم هاشمي (60 عامًا)، الباحث الإسلامي الباكستاني والرائد الثقافي صاحِب الشخصية الجذابة، الذي تخرّج من جامعة جلاسكو. لكن هاشمي تحوَّل إلى قوة نافذة تُمثِّل الفكر شديد التحفُّظ في أوساط الطبقة الوسطى العليا داخل باكستان. إلى جانب الطلاب الماليزيين في مصر والمملكة المتحدة وأماكن أخرى من العالم، والذين تعرّفوا إلى الإسلام السياسي على يدّ نُشطاء ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين في جامعاتهم».

وذكر محمد عزام، من «المعهد الدولي للدراسات الإسلامية» في كوالالمبور، أنَّ الحكومة الماليزية لم تَعُد تُموِّل الطلاب الذين يرغبون في الالتحاق بالأزهر. وقال: «إذا ذهبوا (إلى الأزهر)، فسيكون ذلك على نفقتهم الخاصة». وأشار في الوقت نفسه إلى تدخّل السعودية لتقديم مئات المِنح الدراسية بمؤسسات المملكة، بحسب المقال، قائلًا: إن الطلاب «يذهبون إلى أي دولة تمنحهم الرعاية، بسبب القيود المالية».

وفي الوقت نفسه، أفاد عزّام إنَّ أعدادًا مُتزايدة من الماليزيين بدأت في التوجُّه إلى الأردن، قائلًا: «هناك تحوّل. الآباء الماليزيون يُرسلون أطفالهم الآن إلى الأردن لإكمال دراستهم إما في الدراسات الإسلامية، أو الشريعة، أو في تخصّص واحد مُحدًد، أو الأعمال المصرفية والمالية.. إذ إنَّ لديهم مناهج مختلفة. إذ يُقدِّمون المناهج الإسلامية والعلمانية، والتي جاءت نتيجتها مُختلفة بالنسبة للخريجين العائدين.

معركةٌ طويلة ومُمتدة

يرى دورسي أنَّ المُحصّلة النهائية لكل ذلك هي أنَّ النضال من أجل الأزهر سيكون طاحنًا وطويل الأمد على الأرجح، بدلًا عن أن يكون سريعًا وحاسِمًا. وأضاف أنَّها معركةٌ سياسية وجيوسياسية ودينية، حيث ينظر فيها السيسي – المدعوم من قِبَل حلفائه الخليجيين – إلى الإصلاح الديني باعتباره مِفتاح التصدّي للتطرّف والتهديدات الأمنية المُتصوّرة.

في حين يتشدَّق خِصمه أحمد الطيب، إمام الجامِع الأزهر الحاصِل على شهادة من جامعة السوربون، بالكلام عن فكرة الإصلاح ولكنه يُصِرّ على أن «الوفاء للنصّ الشرعي» هو علامة على التقوى والخبرة والصلاح، وليس الظلامية. ولا ينطوي الإصلاح، من وجهة نظر الطيب، على التخلّي عن النصوص القرآنية الواضحة أو الأقوال الصحيحة للنبي أو الأحاديث.

 

 

ويبدو أن السيسي تعلّم أيضًا درسًا من جهوده الفاشلة في إخضاع الأزهر لإرادته، بحسب ما أورده مقال «لوب لوج». إذ وضعت وزارة الأوقاف الدينية الأساس لتدريب الأئمة من الذكور والإناث من خلال «أكاديمية الأوقاف الدولية» التي دشّنتها حديثًا، وترتبط بالرئاسة وليس الأزهر. وصاغت الوزارة المناهج الدراسية لتشمل الموضوعات الدينية، إلى جانب موضوعات لها علاقة بالسياسة وعلم النفس وعلم الاجتماع.

وأورد المقال أنَّ الأكاديمية، التي بُنيت على مساحة 11 ألف متر مُربّع، تتميَّز ببنيتها التحتيّة عالية التِقنية وتزويدها بمعامل لغات أجنبية وكمبيوتر. وافتُتِحت بحضور الشيخ عبداللطيف آل شيخ، وزير الشؤون الإسلامية السعودي، الذي وعد بأن يتعاون «معهد الأئمة والخطباء» السعودي مع الأكاديمية عن كثب. ودُعي بعض أعضاء هيئة التدريس بالأزهر للتدريس داخل الأكاديمية، في حين تستمر الدورات التدريبية بها لمدة ستة أشهر.

وتتنافس الأكاديمية الجديدة مع «أكاديمية الأزهر العالمية» التي افتُتِحَت مُؤخَّرًا، بحسب «لوب لوج»، والتي تُركّز على الموضوعات الدينية فقط -بعكس الأكاديمية الحكومية. وتعتمد مُبادرة الأزهر على جهود التوعية الدولية التي اضطلعت بها المؤسسة في السنوات الأخيرة؛ بهدف محاربة التطرف وإبراز مدى استقلالية الأزهر وانفصاله عن الحكومة المصرية.

وذكر المقال أنَّ السيسي، بالتوازي مع افتتاح الأكاديمية الحكومية، أمر بضرورة حصول كبار المسؤولين – بمن فيهم الطيب – على على موافقةٍ مُسبقة من الرئيس أو رئيس الوزراء قبل السفر إلى الخارج، في محاولة للحدّ من نشاط الأزهر.

وأمر السيسي وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بكتابة خُطب موحّدة لجميع خطباء المساجد، مُتجاهلًا اعتراضات الأزهر، في إطار جهوده للتدخّل بكل كبيرة وصغيرة وإحباطه من عدم انصياع  الأزهر لمطالبه. لكن دورسي أفاد أنَّ الأزهر يقاوم محاولات السيسي للتدخّل فيما تعتبره مساسًا باستقلاليتها وامتيازاتها اللاهوتية، لكن المؤسسة تحرص في الوقت ذاته على عدم تحدّي سُلطة الدولة فيما يتعلّق بالقضايا غير الدينية.

وتجلَّى ذلك في موافقة الأزهر الضمنية على اعتقال حوالي 100 شخص من الإيغور، يدرس العديد منهم في الأزهر، وترحيلهم بناءً على طلبٍ من الصين إلى جمهورية الصين الشعبية في عام 2015.

الجغرافية السياسية المُعقّدة

في هذه الأثناء، يقول الكاتب الأمريكي إنَّ محاوري البابا داخل الأزهر سردوا خلال أحاديثهم قصة الجغرافيا السياسية المُعقّدة للمؤسّسة. وكان من بينهم علي جمعة، مفتى الديار المصرية السابق، الذي يُدافع عن الإسلام غير السياسي الذي تُروّج له السعودية ويتعهّد بالطاعة المُطلقة للحاكم والمُعارِض للسيادة الشعبية.

ويُعَدُّ جمعة رمزًا للتوتر الناجِم عن التمسّك بالفكر شديد التحفُّظ المُستوحى من النظام السعودي ويخدم مصالح الدولة السعودية، إلى جانب ولائه لحكومة بلاده. ويتبنّى جمعة، وهو من أبرز داعمي استيلاء السيسي على السُلطة، عادةً آراءً  تعكِس الفكر شديد التحفُّظ المُستوحى من السعودية، بدلًا عن الشكل الذي عرضه ولي العهد محمد بن سلمان.

إذ أكَّد جمعة في مُقابلة مع قناة «إم بي سي»، وهي مجموعة إعلامية مملوكة للسعودية، عام 2015 أنَّ النساء لا يتمتعن بالقوة ليُصبحن جرّاحات في القلب أو يخدمن في الجيش أو يشاركن في الألعاب الرياضية مثل كرة القدم وكمال الأجسام والمُصارعة ورفع الأثقال.

وأفاد دورسي أنَّه بعد عامٍ واحد من هذه المُقابلة، أصدر جُمعة فتوى تُعلن أن الكاتب شريف الشوباشي كافر لأنَّه يحثّ الآخرين على احترام اختيار المرأة بارتداء الحجاب أو عدم ارتدائه. في حين عزَّز الأمير محمد بن سلمان فرص المرأة المِهنية والرياضية بشكل كبير منذ عام 2015، رغم أنه لم يتطرّق بشكل خاص إلى القطاعات والتخصّصات التي حدّدها جُمعة.

وأورد المقال أنَّ الطيب كان من بين مُحاوري البابا فرانسيس خلال زيارته إلى القاهرة. وذكر فقيهٌ إسلاميٌ بارز، يُعارض الفِكر، شديد التحفُّظ، ورفض في الماضي الترشّح لجائزة الملك فيصل العالمية المرموقة في المملكة، أنَّ الطيب توجّه بالشُكر الكبير إلى المملكة في السنوات الأخيرة على تبرّعاتها العديدة للأزهر.

 

 

وقال الفقيه: إن علماء الأزهر يتنافسون «تنافسًا محمومًا» من أجل الحصول على إعارةٍ في المملكة بهدف الدراسة، ويُمكن أن تستمر تلك الإعارات من سنة وحتى 20 سنة، ولها أجرٌ كبير فضلًا عن أنَّها ترفع مكانة العالم.

وأضاف الفقيه في إشارة إلى محمد بن عبد الوهاب، الزعيم الديني من القرن الثامن عشر، الذي تحوَّل تفسيره المُتزمِّت للإسلام إلى أساسٍ لاتفاق تقاسُم السلطة بين أسرة آل سعود الحاكمة والمؤسسة الدينية داخل المملكة: «يمتدح كثير من أصدقائي وعائلتي عبد الوهاب في كتاباتهم. ويهزُّون أكتافهم حين أسألهم سرًا إذا كانوا جادين.. وحين سألت الطيب: لماذا لا يشهد الأزهر تغييرات ويتمسّك بالعقائد المُتصلّبة؟، أجاب: يداي مُكبّلتان».

وأفاد دورسي أنَّ الفقيه سلَّط الضوء على التغلغُل السعودي، حين ذكر أنَّه حضر قبل عِدة سنوات مقابلةً أجراها محمد سيد طنطاوي، مفتى الجمهورية السابق وسلف الطيّب في منصب إمام الجامع الأزهر. وسُئِل طنطاوي حينها عن التمويل السعودي، فأجاب: «ما المشكلة في ذلك؟».

وبسبب غضبه من هذا السؤال؛ سحب شيكًا قيمته 100 ألف دولار أمريكي من الدُرج وصفع به جبهته، قائلًا: «الحمد لله، إنَّهم أشقاؤنا». وأوضح الفقيه أنَّ طنطاطوي كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنَّه مُصلِح ليبرالي، رغم تصريحات كراهية المرأة ومُعاداة السامية المنسوبة إليه.

واستبعد الكاتب الأمريكي إمكانية الفصل بين الأمور بوضوحٍ داخل الأزهر، انطلاقًا من حقيقة أنَّ قادة المؤسسة سعوا منذ فترةٍ طويلة إلى تحييد ذوي الفِكر شديد التحفُّظ عن طريق الاسترضاء بدلًا من المواجهة -رغم حذرهم من النفوذ السلفي.

واعتقد علماء الأزهر أنَّ بإمكانهم العثور على أرضيةٍ مُشتركة مع ذوي الفكر شديد التحفُّظ، بحسب المقال، حيث يجد كل طرفٍ ما يبحث عنه لدى الآخر. إذ يرغب ذوو الفكر شديد التحفُّظ في كسب النفوذ داخل المؤسسة جوفاء، والاستفادة من مصداقية هذه المؤسسة، في حين أمِل الأزهر أن يحظى ببعض شعبيّة الطرف الآخر بين عموم المسلمين. فمن شأن تلك الشعبية أن يساعد الأزهر في تبرير دعمها المُستمر منذ زمن طويل للأنظمة الاستبدادية المصرية والعربية.

الطاعة المُطلقة

أورد المقال الذي نشره «لوب لوج» أنَّ المملكة العربية السعودية ركّزت داخل منطقة الشرق الأوسط الكُبرى، منذ صعود الملك سلمان ونجله النافذ الأمير محمد، إلى حدٍ كبير على الترويج لتيارٍ سلفي بعينه: وهو التيار المدخلي. ويقود ذلك التيار الشيخ رابي بن هادي عمير المدخلي، الزعيم السلفي السعودي الثمانيني، العميد السابِق لدراسة أفعال النبي محمد وأقواله بالجامعة الإسلامية في المدينة المُنورة.

ويسعى المُنتمون للتيار المدخلي إلى تهميش المزيد من السلفيين السياسيين الذين ينتقدون السعودية، من خلال إبراز أنفسهم كواعِظين للرسالة الإلهية الحقيقية وسط عالمٍ مليء بالأنبياء المُزيّفين والانحطاط الأخلاقي.

وأوضح دورسي أنهم يُروّجون إلى الطاعة المُطلقة للحاكم والامتناع عن السياسة، وهو الأمر الذي يُفسّر تسامح الزعيم الليبي المخلوع مُعمر القذافي معهم إبان حكمه. ويرى الكاتب الأمريكي في ذلك سببًا أيضًا وراء تمثيلهم لشريحةٍ كبيرة من أفراد الجيش الوطني الليبي بقيادة المُشير خليفة بلقاسم حفتر، والقوات التابعة له بقيادة حكومة الوفاق الوطني المُعترف بها في الأمم المتحدة بطرابلس.

ويُشكّل أصحاب التيار المدخلي السلفي قوةً مُثيرةً للانقسامات وسط المجتمعات الإسلامية عادةً، بحسب ما أورده المقال. إذ يسعون كثيرًا لإدراج الناس على القوائم السوداء بعزل أو قمع من يتهمونه بالانحراف عن الإيمان الحقيقي. وينظر المدخلي وأتباعه إلى السعودية باعتبارها المكان المثالي لأولئك الذين يسعون إلى إحياء الإسلام النقي، الذي لم تمسّه المُمارسات الثقافية علمانية أو غير الإسلامية.

وأشار دورسي إلى أنَّ الدعوة إلى المدخليّة وجدت أرضًا خصبة داخل مؤسسة الأزهر. ويرى أنَّ ذلك يُمثِّل أحد الأسباب التي دفعت رجال الدين الأزهريين ذوي الفِكر المُحافظ إلى مُطالبة المصريين بعدم الانضمام إلى الاحتجاجات الشعبية في عام 2011، على أساس أن الإسلام يأمر بطاعة الحاكِم حتى لو كان ظالمًا لأن هذا الأمر قد يؤدي إلى فتنةٍ أهلية.

وسعى الشيخ يوسف القرضاوي، الباحث المصري الذي يعيش في قطر وتربطه علاقات وثيقة بجماعة الإخوان المسلمين، إلى مواجهة دعوة الأزهر من خلال تطوير خط بديل من فِكر الشريعة الذي وصفه بـ«فقه الثورة»، ولكن دون جدوى. وقال القرضاوي آنذاك: «إنَّ الاحتجاجات كانت ستُصبح مشروعة في حال سعت إلى تحقيق غايات مشروعة، مثل تطبيق الشريعة الإسلامية، والإفراج عن السجناء المُعتقلين ظلمًا، أو إيقاف المحاكمات العسكرية للمدنيين، أو ضمان الوصول إلى السلع الأساسية».

لكن حجة القرضاوي لم تلق صدى داخل مؤسسة الأزهر، بحسب دورسي. وعلاوة على ذلك، لم يشغل الفكر النقدي المُماثل لفكر القرضاوي – إن وُجِد – مساحةً كبيرة حتى وسط حلقات الدراسة الخاصة التي يُنظّمها علماءٌ أكثر ليبرالية ونشاطًا من المرتبطين بالأزهر، بسبب ما ينطوي عليه من مخاطر مُحتملة في مصر التي تخضع لسيطرةٍ مُحكمة بقيادة السيسي.

 

 

وافِد جديد

أوضح دورسي في مقاله أنَّه في حال كان المال السعودي أحد العوامل التي ساهمت في صياغة سياسات الأزهر وتعاليمه إلى حدٍّ ما، فهو يعتقد أنَّ المملكة رُبما تكون التقت مؤخرًا بنظيرها المالي. ومن المُفارقات أن يأتي التحدّي من الإمارات العربية المتحدة، أحد أقرب حلفائها، التي تروّج لتفسيرٍ دولاني وأكثر هدوءًا للإسلام.

لكن الإمارات تُعارض هذا النوع من الفكر شديد التحفُّظ الذي تعتنقه السعودية تقليديًا. وحقّقت دولة الإمارات نجاحاتٍ كُبرى مبدئية، رغم أنَّ محاولاتها لإقناع الأزهر بتأسيس فرع آخر في الإمارات لم تلقى آذانًا صاغية حتى الآن.

وأفاد المقال أنَّ السيسي أظهر دعمه للنهج الإماراتي من خلال موافقته على حضور جُمعة والطيّب إلى جانب أسامة الأزهري، مُستشاره للشؤون الدينية، لمؤتمرٍ تدعمه الإمارات وروسيا في العاصمة الشيشانية جروزني عام 2016. وهو المؤتمر الذي أدان الفِكر شديد التحفُّظ، ووصفه بأنَّه مُنحرف، واستبعده من تعريفه للإسلام السُنّي المُسلم. وأحرزت الإمارات نجاحًا ملحوظًا خلال الزيارة البابوية الأولى التي أجراها فرانسيس إلى الإمارات في فبراير، حيث وقّع خلالها وثيقة عن الأخوة الإنسانية مع الشيخ الطيب.

ويرى دورسي أنَّ البابا أقرّ – ربما عن غير قصد – بالنفوذ الإماراتي الكبير حين شكر المستشار المصري محمد عبد السلام، مستشار الطيّب الذي يُعتقد أنَّه مُقرَّبٌ من الإمارات والسيسي، على صياغة الوثيقة في خطابٍ عام. وقال أحد الناشطين البارزين الذين تربطهم علاقات وثيقة بكبار الشخصيات في الأزهر والإمارات: «عبد السلام مكَّن السيسي من هزيمة الأزهر في النضال من أجل الإصلاح».

ويُعد الانخراط المُتزايد لدولة الإمارات العربية المتحدة في الأزهر جزءًا من إستراتيجيةٍ أوسع لمواجهة الإسلام السياسي بشكلٍ عام، والدعم القطري له بشكل خاص وفقًا لمقال «لوب لوج».

وشاركت «مؤسسة طابة للأبحاث والاستشارات» في تنظيم مؤتمر جروزني، وهي مجموعةٌ ترعى «هيئة كبار العلماء» وتهدف إلى استعادة الخطاب الإسلامي الذي أكد الكثير من غير السلفيين أنَّه اختُطِف بفِعل السخاء السعودي. فضلًا عن أن الهيئة أُنشئت أيضًا لمواجهة «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» برئاسة القرضاوي، والذي يتَّخذ من الدوحة مقرًا له.

عالم أوسع

رغم جهود السيسي لبسط سيطرته أو تأسيس هياكل بديلة، ومُنافسة التحرّكات السعودية والإماراتية للتأثير على ما يدعو إليه الأزهر ويُدرِّسه؛ ما يزال من الصعب تقييم ما يحدث في مجموعات الدراسة غير الرسمية.

إذ يُشير دورسي إلى أنَّ هذه المجموعات لا تعتمد في الغالِب على ميول زعيم المجموعة فقط، ولكنها تتأثّر أيضًا بشعور القلق الذي يسود بين شرائح من الطلاب حيال ما يعدّه الكثيرون تسييسًا للمناهج من قِبل نظام قمعي يدعمه استبداديون مُعادون لهم.

 

 

وأفاد دورسي أنَّ مُشجّعي كرة القدم الإسلاميين والمُنتمين لجماعة الإخوان المُسلمين، الذين درس الكثير منهم في الأزهر، كانوا بمثابة العمود الفقري للاحتجاجات الطلابية ضد نظام السيسي في الـ18 شهرًا الأولى بعد الانقلاب العسكري عام 2013.

وتأجَّجَت مشاعر القلق لدى المُجتمع الطلابي إثر تحوُّل الأزهر وجامعات أخرى إلى حصون، مع الوعي بين الطلاب، وتحديدًا المُقيدين بالدراسات الدينية، بأنَّ قوات الأمن تنظر إليهم على أنَّهم «مُشتبهٌ بهم» بالفِطرة، إذ يخضعون للمُراقبة والتوقيف بانتظام في نقاط التفتيش.

وقال مسؤولٌ أمني مصري: «أغلب طُلاب الأزهر مُشتبهٌ بهم. إذ يميلون إلى التشدُّد، ويُمكن تجنيدهم بسهولة في الجماعات الإرهابية». في حين أورد التقرير أنَّ الطلاب الأجانب، الذين يرتدون زيًا إسلاميًا مُميَّزًا، يشتكون من توقيف الشرطة لهم بانتظام. ويواجهون صعوبةً متزايدةً أيضًا في تمديد تأشيراتهم الطلابية.

ومن خلال القيام بجولة في متاهات الأزقة المُحيطة بالجامع الأزهر، الذي يحتضن العديد من المكتبات، يتضح أنَّ هناك سوقًا للنصوص السائدة إلى جانب سوقٍ لأعمال المفكرين الأكثر تشدُّدًا بحسب المقال. وخير مثالٍ على ذلك هي كتب تقي الدين أحمد بن تيمية، الفقيه وعالم اللاهوت من القرن الثالث عشر، الذي يتغذّى المُتشدّدون والجهاديون على أفكاره.

إلى جنب كُتب الشيخ عبد الحميد كشك، خريج الأزهر المعروف بخُطبه الشهيرة، ورفضه للموسيقى، ودعوته لتعدّد الزوجات، وخُطبه العنيفة ضد الظلم والقمع. في حيت تُباع أعمال سيد قُطب، الإخواني النافذ الذي يُنظر إلى كتاباته على نطاق واسع على أنَّها الأساس الذي نشأت عليه جهاديّة العصر الحديث، في الخفاء رغم حظر الحكومة لجماعة الإخوان المسلمين.

في مرمى النيران

خلُص دورسي إلى أنَّ مُؤسَّسة الأزهر، التي وجدت نفسها في مرمى نيران الأطراف الجيوسياسية الطموحة، تُصارع من أجل رسم مسارٍ يضمن لها قدرًا من الاستقلال مع الحفاظ على مركزها كحارِسٍ للتقاليد الإسلامية.

وما يزال الأزهر قادرًا على درء محاولات فرض السيطرة التي يُمارسها السيسي حتى الآن، لكنه كان أقل نجاحًا في كبح جِماح نفوذ الدول الخليجية، أمثال السعودية والإمارات، التي تسعى على نحو مُتزايد لتحقيق أجندات منفصلة وفقًا لدورسي. علاوةً على أنَّ الأزهر يواجه مُنافسةً شديدةً مع مِرفقٍ حكومي مصري أُنشئ حديثًا لتدريب الأئمة، إلى جانب مؤسسات التعليم الإسلامي في أماكن أخرى من العالم الإسلامي، وبرامج الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية.

وفي الوقت ذاته، تتعقّد صراعات الأزهر بسبب ظهور أصواتٍ بديلة تقود من الباطِن نتيجة تضييق الخِناق عليهم في مصر. فيما يسود شعور بالقلق وسط المجتمع الطُلابي وأعضاء هيئة التدريس نتيجة تسييس المناهج الدراسية في المرحلة الجامعية، وضبابية المسارات الأيديولوجية التي تفصل أطراف النزاع.

لكن ما يُزيد تعقيد صراعات الأزهر، على حد تعبير دورسي، هو عدم الاتساق الواضح بين أقوال الأزهر وأفعاله. ومع أن المؤسسة اتخذت إجراءات عِدّة لمواجهة التطرّف وجعل تعاليمها مُتوافقة مع مُتطلبات مجتمع المعرفة في القرن الحادي والعشرين، لكنَّها تبدو إجراءات سطحية، وليست هيكلية.

ونتيجةً لذلك، يُرجِّح الكاتب الأمريكي أنَّ إعادة تعريف الأزهر لنفسه، والطريقة التي يُترجم بها ذلك التعريف إلى تعاليم وأنشطة، ستُمثِّل صراعًا بعيد الأمد.

اجمالي القراءات 316
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق