فصل من السباق على زعامة العالم السنّي... صراع تركي-سعودي على مسلمي الهند

اضيف الخبر في يوم الجمعة 04 يناير 2019. نقلا عن: رصيف 22


فصل من السباق على زعامة العالم السنّي... صراع تركي-سعودي على مسلمي الهند

تحاول تركيا في السنوات الأخيرة منافسة السعودية على كسب ولاء المسلمين السنّة في الهند، البلد الذي عُرف في الماضي بأنه أحد ميادين الصراع السنّي-الشيعي بين طهران والرياض.

وتؤكد تقارير كثيرة تنشرها وسائل إعلام هندية وتركية ودولية أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يغازل المسلمين الهنود بمنحهم العديد من المساعدات والامتيازات من أجل كسب ولائهم وخلق نفوذ تركي قوي بينهم، في منافسة واضحة مع السعودية.وتأتي هذه التحركات في سياق ما أعلنه أردوغان في أكتوبر الماضي، خلال اجتماع مع قيادات دينية، من أن تركيا تُعَدّ الدولة الوحيدة القادرة على قيادة العالم الإسلامي.

كيف امتلكت السعودية نفوذاً قوياً بين مسلمي الهند؟

يمكن إرجاع جذور النفوذ السعودي في الهند إلى شخص يُدعى سيد أحمد، رجع من مدينة مكة عام 1824 وشن الجهاد ضد حكم الهنود السيخ، لإرجاع السلطة السياسية في منطقة البنجاب إلى المسلمين.

 

 

عقود من العمل السعودي لم تنقضِ بدون أن تترك آثاراً كبيرة وصلت إلى اللغة نفسها. راح يختفي استخدام بعض العبارات الفارسية مثل "رمزان" و"خدا حافظ" لتحلّ محلها مرادفات عربية فصحى هي "رمضان" و"يحفظك الله".

ووفقاً لتقرير منسوب إلى جهاز الاستخبارات الهندي، وصل عدد الوعاظ الذين أرسلتهم السعودية إلى الهند بين عامي 2011 و2013 الى 25 ألف داعية، عقدوا العديد من الندوات في مختلف أنحاء البلاد، كما جلبوا معهم 1700 روبية (حوالي 25 مليون دولار) استخدموها في أعمال الدعوة.

وخصص الوعاظ 800 مليون روبية لإنشاء أربع جامعات في مناطق مختلفة من الهند، إحداها في ولاية أندرا براديش، كما خصصوا 400 مليون روبية لإقامة 40 مسجداً في مناطق مختلفة، و300 مليون روبية لإنشاء عدد من المدارس و200 مليون لأعمال أخرى.

وعمل العديد من الوعاظ على نشر كتب وهابية في المساجد الهندية، ولا سيما في ولاية كيرالا، على الرغم من اعتراض بعض الأئمة الهنود على ذلك.

ورحّب كثيرون في ولاية كيرالا بالواعظين القادمين من السعودية ما سمح للرياض بالسيطرة على ما يقرب من 75 مسجداً في هذا الأقليم، كما بُنيت مساجد جديدة بالطريقة التي تبنى بها في المملكة.

واعتبر التقرير أن هذه المؤشرات تدلّ على مدى رغبة الناس في هذه الولاية باتباع التعاليم الدينية القادمة من السعودية، وكشف أن معدّل تدفق الأموال السعودية إليها من الأعلى مقارنة بأي جزء آخر من البلاد.

ويشير التقرير ذاته إلى تأسيس جمعية أهل الحديث بدعم سعودي في ولاية جامو وكشمير حيث بسطت نفوذها على العديد من المساجد ثم امتد نفوذها إلى أقاليم أخرى مثل ماهاراشترا وأوتار براديتش، وكارانتاكا.

تقرير آخر نشره معهد كارنيغي الأمريكي يستعرض وثيقة صادرة عن السفارة السعودية في نيودلهي تظهر تخصيص ملايين الريالات لصندوق البعثة الإسلامية في مالابورام في ولاية كيرالا، وصندوق الرفاه الإسلامي وكلية المجاهدين العربية في بالاكاد.

ووفقاً لهذه الوثيقة، جرى تمويل منظمتين إسلاميتين هما الجبهة الشعبية في الهند والحزب الديمقراطي الاجتماعي في الهند. وإنْ كان اسماهما لا يعبّران عن توجه ديني، إلا أنهما تروّجان لنسخة سلفية من الإسلام.

عامل آخر ساعد في تمدد النفوذ السعودي في الهند هو حصول آلاف الهنود على فرص للعمل في المملكة. كما ساهم توافد آلاف الحجاج والمنح التعليمية الرياض في اختراق المجتمع الإسلامي في كافة أنحاء الجزيرة الهندية.

مؤشرات على تزايد النفوذ التركي

وفي أعقاب فوز أردوغان في الانتخابات الرئاسية، منتصف العام الماضي، انتشرت عبارات التهليل والتكبير على مواقع التواصل الاجتماعي بين المسلمين الهنود، كما تصدرت منشتات التهنئة وصور الرئيس التركي الصفحات الأولى للصحف التابعة للجمعيات الإسلامية.

يأتي ذلك بعدما بدأ بعض رجال الدين المعروفين بقربهم من السعودية بالظهور في تركيا، في العامين الماضيين، ولا سيما بعد التغييرات الاجتماعية التي شهدتها المملكة، بموجب رؤية 2030 التي أطلقها محمد بن سلمان.

ورغم أن الداعية الهندي الذي حققت بعض مقاطعه الدينية على موقع يوتيوب 100 مليون مشاهدة، ذاكر نايك، حصل، عام 2015، على جائزة الملك فيصل العالمية بقيمة 200 ألف دولار من الملك سلمان بن عبد العزيز، إلا أنه ظهر في العامين الماضيين بشكل مكثف في تركيا حيث عقد مؤتمرات بحضور الآلاف من الأترك والهنود والعرب ومسلمي شرق آسيا، ودائماً، "يحمد الله لوجود دولة مسلمة قوية كتركيا تدافع عن المسلمين وحقوقهم".

ويظهر نايك في مقطع فيديو، يوجّه عبره رسالة إلى العالم الإسلامي، مفادها أن الرئيس التركي سيكون الخليفة المقبل.

داعية آخر هو الشيخ سلمان الحسيني الندوي أرسل رسالة عام 2014 إلى حكام السعودية عرض فيها دعمهم بـ500 ألف مقاتل من شباب الهند السنّة للقتال في سوريا والعراق.

انقلب الندوي على السعودية ما دفع عمان إلى طرده فاستقبلته تركيا حيث عقد مؤتمرات عدّة وجّه خلالها انتقادات حادة للمملكة ولإمام الحرم المكي الشيخ عبد الرحمن السديس بسبب علاقة الرياض بالولايات المتحدة.

يشير أحد التقارير التركية أن شخصيات بارزة في حكومة حزب العدالة والتنمية ومؤسسات تعمل على الترويج بين الهنود لزعامة أردوغان للعالم الإسلامي.

إحدى هذه المؤسسات هي مركز أبحاث "جنوب آسيا الاستراتيجي" الذي أنشأه علي شاهين، النائب السابق لوزير شؤون الاتحاد الأوروبي، ويعمل كواحدة من البوابات التي توصل أفكار أردوغان إلى الهند ودول أخرى.

في 14 مايو 2016 ، نظّم هذا المركز مؤتمراً في إسطنبول حول "حركة الخلافة" في الهند، بمشاركة عدد من قيادات حزب العدالة والتنمية من بينهم عمر قرقماز، المستشار الأول لرئيس الوزراء التركي السابق بن علي يلدريم.

وفقاً لرواية قدمها أكاديميون هنود وباكستانيون زاروا شاهين خلال رحلة رعتها الحكومة التركية إلى أنقرة في سبتمبر 2016، قال شاهين لهم إن "الدول الإسلامية وتركيا ودول الشرق الأوسط يجب أن تزيل الحدود التي تفصل بينها"، مشيراً إلى أن النزاعات بين الدول الإسلامية كانت أقل في عهد الخليفة العثماني الذي كان يسيطر على المنطقة بأكملها.

ويذكر التقرير ذاته أن المركز الذي أسسه شاهين استفاد من الموارد الحكومية، لتشجيع المشاريع الإسلامية في جنوب آسيا، واستخدم النفوذ الدبلوماسي التركي لتصدير إيديولوجيا حزب العدالة والتنمية الإسلامية.

هيئة أخرى تعمل كذراع طويلة لأردوغان، هي مؤسسة الأتراك في الخارج والمجتمعات ذات الصلة (YTB) التابعة للرئاسة التركية، إذ تقوم بتطوير مشاريع مشتركة مع مركز شاهين لتقديم مساعدات في الهند وباكستان، في إطار برامج ثقافية وأكاديمية.

التقرير ذاته يكشف أن يونس نجل الشيخ الندوي ساعد، في نوفمبر 2016، اثنين من الأكاديميين الأتراك المقرّبين من أردوغان، هما حمدي أرسلان وسيردار ديميريل، على إقامة روابط قوية مع قيادات ورموز إسلامية في الهند.

سردار ديميريل قام خلال زيارته إلى الهند بالمشاركة في تجمع احتجاجي للمسلمين الهنود ضد حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي بسبب مشروع قانون مدني موحد يُنظَر إليه على أنه ينتهك قواعد الطلاق في الإسلام.

ولعب رجل دين آخر مقرّب من أردوغان، هو نور الدين يلدز، دوراً كبيراً في استقطاب رجال الدين الهنود إلى أنقرة، وفقاً لتقرير.

60 مكتباً تركياً لتقديم المساعدات

الباحثون في سياسات تركيا الخارجية الناعمة يصطدمون بأرقام كبيرة للمساعدات الإنسانية التي تقدّمها أنقرة في مناطق الصراع في العالم الإسلامي.

يكشف تقرير حكومي أن تركيا صارت خلال عهد أردوغان تمتلك 60 مكتباً في 58 بلداً لتقديم المساعدات الإنسانية.

ووصل عدد المشاريع والأنشطة التي نفّذتها تركيا في الخارج، في الفترة من 2003 إلى 2017، إلى أكثر من 20 ألف مشروع في 160 دولة، أي ألفي مشروع سنوياً، وذلك مقارنةً بألفين فقط بين عامي 1992 و2002، أي قبل تولي أردوغان الحكم.

ويذكر تقرير آخر أن تركيا كانت أكثر دولة في تقديم المساعدات عام 2017، إذ أنفقت المنظمات الحكومية والهلال الأحمر التركي والمنظمات المستقلة حوالي 8.1 مليار دولار، أي حوالي 30% من مجمل المساعدات الإنسانية الدولية البالغة 27.3 مليار دولار.

ووفقاً لهذا التقرير، حلّت بعد تركيا كل من الولايات المتحدة وألمانيا والمملكة المتحدة بتقديمات بلغت 6.68 مليار دولار و2.98 مليار دولار و2.52 مليار دولار على التوالي.

ويأتي هذا النشاط التركي في ظل اهتمام السلطات التركية بقضايا تعني مسلمين حول العالم ولا تثير اهتمام معظم الأنظمة العربية.

ففي العام الماضي، روّجت وسائل الإعلام التركية بكثافة لزيارة أمينة أردوغان، قرينة أردوغان، إلى مخيمات مسلمي الروهينغا الهاربين من ميانمار (بورما) إلى بنغلاديش، برفقة وزير الخارجية التركي، في حين لم يقم أي مسؤول عربي بلفتة مماثلة.

وتصدّرت تركيا أيضاً مشهد الدفاع عن أقلية الأويغور المسلمة التي تعيش في إقليم تركستان الشرقية في الصين في مواجهة الاضطهاد الذي تمارسه بكين بحقهم، في حين صمت المسؤولون في العالم العربي خوفاً على العلاقات الاقتصادية مع الصين.

وكانت أنقرة قد استدعت عام 2015 السفير الصيني للاحتجاج على الممارسات القمعية التي تنتهجها سلطات بلاده ضد الأويغور، كما استقبلت تركيا مئات اللاجئين المسلمين من الصين.

تحرص تركيا دائمة على الظهور بمظهر حامي المسلمين أينما كانوا. ففي رسالته بمناسبة العام الجديد، 2019، قال أردوغان في لعب واضح على وتر مشاعر المسلمين: "سندافع عن حقوق القدس ودمشق وبغداد والقاهرة وطرابلس وسراييفو والقرم". ويبدو أن هذه التصريحات تلقى إعجاب كثيرين من المسلمين.

اجمالي القراءات 171
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق