بعض المنشور فى مجلة ( سطور) (1 ) قصص تاريخية

آحمد صبحي منصور في الأحد 24 فبراير 2019


بعض المنشور فى مجلة ( سطور) (1 ) قصص تاريخية  

مقدمة :

1 ـ كنت ولا زلت كاتبا محترفا ، ومفروض أن أتعيش من كتاباتى فى مصر من 1998 الى 2001 . ولقد نشرت مئات المقالات والأبحاث فى معظم الجرائد والمجلات المصرية ، ومعظم ما نشرته كان مجانا برغم الفقر المدقع الذى كنت أعايشه . أعطتنى جريدة الأهالى 200 جنيه ، وكانت جريدة الأحرار تعطينى مائة جنيه شهريا فى السنوات التى نشرت لى فيها ، وكنت أقبض أضعاف هذا المبلغ شهريا من جريدة ( العالم اليوم ) الى ان تركتها. وكنت أحصل على مكافآت رمزية متفرقة من روز اليوسف و( مصر الفتاة ) . لهذا أذكر بالعرفان د فاطمة نصر رئيس تحرير مجلة سطور والتى خصصت لى مائة جنيه شهريا على مقالاتى فيها .

المزيد مثل هذا المقال :

2 ـ د فاطمة نصر كاتبة متميزة وأستاذ الأدب الانجليزى وأبرز من قام بالترجمة فى مصر .  وترجماتها تخطت ال 100 عمل ما بين الدراسات والأعمال الأدبية. وكان لها شركة نشر ، وتميزت مجلتها ( سطور ) بنشر الثقافة الرفيعة ، وظلت تؤدى دورها التنويرى الى أن توفيت. رحمها الله جل وعلا. وأعلن شقيقها الفقيه الدستورى د محمد نور فرحات وفاتها فى 17 فبراير 2019 ، قائلا : (استرد الله مساء اليوم وديعته، توفيت إلى رحمة الله منذ ساعات شقيقتي الدكتورة فاطمة نصر فرحات رئيس دار سطور للنشر، وهبت حياتها لخدمة الثقافة الرفيعة، رحمها الله وأجزل لها الثواب . ) .

3 ـ كان طموحها التنويرى فى مجلة ( سطور ) محكوما بالرقابة المصرية العتيقة. طلبت منى أن أواصل نشر القصص التاريخية التى كنت أنشرها فى مجلة  ( حواء )، وبنفس الطريقة الهادئة . وواصلت النشر فى ( سطور ) عدة سنوات . أذكر أنها طلبت من أن أكتب بحثا عن الاسناد فى الحديث ، فأتممته سريعا ، ولما قرآته أعجبها ولكن خافت نشره . ومع ذلك فهى صاحبة الفضل فى توجيه نظرى الى هذا البحث الذى ينسف السُّنّة من اساسها ، وهو منشور الآن فى موقعنا .

http://ahl-alquran.com/arabic/book_main.php?main_id=93

ننشر بعض نماذج من مقالاتنا فى ( سطور ) .

المقال الأول الذى أختاره هنا كان بعنوان :(فنّ كتابة الدراما التراثية ) وقد إختارت له د فاطمة نصر العناوين الرئيسة والفرعية  :

 ( حسن النية وحده لا يكفى .. خطايا الدراما التاريخية )

 ( جمهور الدراما التاريخية يتزايد لسيطرة ثقافة التراث )

( التناول السطحي لدراما التراث يستر عيوب الماضي باختلاق شعارات حماسية )

1 ـ من الصعب تتبع سيرة الشخصيات التاريخية من المستوى الثالث ، فالمؤرخون في العصور الوسطي كانوا يركزون على تسجيل التاريخ لشخصيات المستوى الأول من الحكام وكبار القادة الثائرين ، ثم يلتفتون إلى شخصيات المستوى الثاني من الولاة أصحاب التأثير ومن في مستواهم داخل الحكم أو خارجه ويلحق بهم كبار العلماء والأئمة ، ثم لا يبقى لشخصيات المستوى الثالث إلا بعض لمحات بين سطور التاريخ مبعثرة هنا وهناك ، بحيث يصعب على الباحث أن تتكون لديه معلومات تاريخية متصلة بأصحاب هذا المستوى الثالث . هذا مع أن هذه الشخصيات التاريخية هم غالبا القائمون فعلا بصناعة الأحداث التاريخية ! ففي الحرب مثلا يأتي قرار الحرب من المستوى الأول ، ويقود المعارك أصحاب المستوى الثاني ، أما العبء في ساحة المعارك فيقع على شخصيات المستوى الثالث ، وهم الذين يصيغون النصر أو الهزيمة ، وفى كل الأحوال يسهمون بالجانب الأكبر في صنع التاريخ خصوصا النساء والجواري في قصور الحكم في عصور الضعف السياسي للحكام .

2 ـ وهنا تكمن المفارقة بين التاريخ الواقعي الذي حدث والتاريخ المكتوب الذي يدور فيه المؤرخون حول الحكام الكبار ويهملون صانعي التاريخ الحقيقيين بحيث لا يجد الباحث في سيرتهم ما يشفى الغليل ، ويضطر إلى ملء الفجوات باستنطاق الأحداث ووضع الروايات التاريخية القليلة والمبعثرة عن تلك الشخصية في السياق العام لعصرها وظروفها السياسية والاجتماعية ، وإذا لم تفلح تلك المحاولات في استنطاق الأحداث فعلى الباحث أن يتبحر في كشف العلاقات الغامضة بين سطور الروايات كي يلقى المزيد من الأضواء على أحداث مجهولة تملأ الفجوات بين الأحداث التاريخية المسجلة ، وإذا بقيت فجوات أخرى فعليه هنا أن يلجأ إلى الخيال الدرامي ولكن مع مراعاة الحذر والمنطقية والعقلانية .

3 ـ ولكن منطق الدراما العادية غير منطق البحث التاريخي . فالبحث التاريخي لا يخلق في البداية أحداثا أي لا يفترض وقوع الأحداث التاريخية ، وإنما يرتبط ببحث ما هو مكتوب بالفعل . أما الدراما فهي خلق أحداث خيالية يمكن أن تقع أو يمكن أن تظل في دائرة الوهم والخيال . وفيما بين التناقض بين البحث التاريخي والدراما العادية تقع مشكلة الدراما التاريخية ، أو تحويل أحداث التاريخ إلى دراما على يد غير المتخصصين في التاريخ .

4 ـ من ناحية أخرى فالدراما التاريخية هي أفضل ما يجمع بين الثقافة والمتعة معا ، بل إن جمهورها يتسع باستمرار ، لان ثقافة التراث هي التي تسيطر على العقول والقلوب ، وهى التي تقوم بتجميع كل العرب والمسلمين في تراث مشترك يفهمونه جميعا ويحبونه جميعا . فإذا ظل التناول الدرامي للتراث والتاريخ بهذه الخفة وبذلك الطيش فستتحول المشكلة إلى أزمة ، ليس فقط على المستوى العلمي والفني والفكري ، ولكن أيضا على المستوى السياسي ، لأن التناول السطحي لدراما التراث يجعل المؤلف مضطرا لستر العيوب باختلاق مواقف حماسية وشعارات أيديولوجية ، يرضى عنها عوام العصر وتسهم في تغييب عقولهم وتباعد بينهم وبين تاريخهم الحقيقي .

الخيال أم البحث التاريخي ؟

1 ـ في مجال الدراما التاريخية ليس هناك من فارق بينها وبين البحث التاريخي . فالخيال الدرامي هنا ليس مطلق السراح ، وإنما تحكمه منطلقات البحث التاريخي ، فالشخصيات التاريخية الأساسية في الدراما ينبغي أن تكون كلها حقيقية ، ولغة الحوار أقرب ما يكون إلى الشائع في ذلك العصر ، وكذلك الأفعال وردود الأفعال وبقية العادات والتقاليد ، وبمعنى آخر فالخيال الدرامي ، هنا في إطار العصر التاريخي وثقافته وشخصياته ووقائعه ، وحين يبتكر أحداثا فإنها من السياق نفسه ومن داخل الإطار ، وليس هذا صعبا على من يعايش عصرا تاريخيا بشخصياته وعقائده وثقافته وسلوكياته ، فالمؤلف هنا إذا أبتدع حادثة أو أضاف شخصية فرعية مذكورة بالوصف " مثل الحاجب أو الخادم أو الجارية فلانة " فإنها تعبر عن أشخاص حقيقيين وتتكلم وتتصرف بلغة العصر وثقافته ، وفى تلك الحالات يجد الخيال مجاله الواسع في الإبداع ، لأن تلك الشخصيات معظمها مذكور في التاريخ الحقيقي بالوصف دون الاسم والنسب ، وأحيانا يذكرها التاريخ بالاسم ويتفضل عليها بسطر أو سطرين لأن تلك الشخصيات لا تنتمي إلى المستوى الثالث بل المستوى الرابع وما بعده . وبالتالي فإنها لا تحظى باهتمام المؤرخين ، مع أهميتها في صناعة التاريخ خصوصا ما اتصل منه بالمكائد والمؤامرات ، وهم من هذه الناحية أساس الدراما القائمة ــ أولا وأخيرا ــ على الصراع . وربما يشكل ذلك إغراء للمؤلف يجعله يخرج عن حقائق التاريخ المكتوبة وعليه هنا أن يتذكر أن يجعل خياله الدرامي في خدمة التاريخ ومنسجما معه .

2 ـ كما أن روايات تاريخنا تتفاوت فيما بينها في نسبة الصدق والكذب ، وتلك هي مهمة البحث التاريخي في نقد وتمييز الصحيح من الزائف ، وهذا التحليل التاريخي في الأبحاث والمؤلفات ينبغي ألا يكون بعيدا عن مجال الدراما التاريخية ، بل لابد أن تكون الدراما التاريخية إحدى تجليات البحث التاريخي وإحدى مهام الباحثين التاريخيين المتعمقين . وأولئك المتخصصون في التراث وتاريخنا يدركون أكثر من غيرهم أن تاريخنا الموثق يحتوى على حقائق أغرب من الخيال ، بحيث لا يحتاج المؤلف إلى أن يتخيل حقائق لا أصل لها ، بل يكفيه أن يرصد الغرائب الواقعية ويستخدم خياله في الربط بين وقائع التاريخ وغرائبه .

الوصول إلى البداية !

1 ـ ركزت البدايات الأولى للدراما التاريخية – في هذا القرن – على نقل تاريخ المستوى الأول والثاني إلى الشاشة ، ورأينا دراما تاريخية عن صلاح الدين الأيوبي تتحدث عن العروبة والعرب في خطاب أيديولوجي ناصري يتفق مع عصر الستينيات بقدر ما يخالف منطق الحروب الدينية والانتماءات الدينية في زمن صلاح الدين الأيوبي والعصور الوسطي عموما . ورأينا أخطاء أخرى في دراما عن قطز وهولاكو ، وصمم كاتب الدراما على أن يجعل قطز يقابل هولاكو خلافا للوقائع التاريخية الثابتة التي تؤكد أنهما لم يلتقيا على الإطلاق ، وأمثلة كثيرة من العبث لا داعي للتوقف معها ، ولكنها كانت ولا تزال تتم في التعامل الدرامي مع المستوى الأول والمستوى الثاني من الشخصيات التاريخية المشهورة والمكتوبة عنها الآلاف من الصفحات ، فكيف بهم إذا توغلوا بالدراما إلى رصد الحياة الاجتماعية لأسلافنا من خلال الشخصيات التاريخية الثانوية من المستوى الثالث وما بعده ؟ من الطبيعي أن هذا يستلزم باحثين جادين لهم المقدرة الفنية على الصياغة الدرامية بالإضافة إلى المعايشة مع العصر ووقائعه . والجدية في البحث التاريخي والتراثي لن تبخل على أصحابها بمفاجآت أو مكافآت .

2 ـ وتراثنا مليء بكنوز درامية . نوادر تبدأ من سطرين ، وقد تصل أحيانا إلى بضع صفحات ، ولكنها – حتى لو كانت مجرد سطرين – فهم مكتملة بكل عناصر الدراما من إثارة وتشويق وصراع ، علاوة على ما فيها من حكمة وعظة وخبرة يمكن الاستفادة بها في عصرنا ، بالإضافة إلى كونها وقائع تاريخية . ومن الطبيعي أن العثور على هذه النوادر الدرامية بين سطور التراث لا يتأتى إلا لمن يعايش التراث بحثا وتنقيبا . والمهم هو تحويلها إلى دراما تاريخية بحيث تكون في تصالح مع التراث التاريخي ، وليس بمنطق الاستخفاف السائد الآن .

3 ـ وإذا كان صعبا تحويل حياة الشخصيات التاريخية الثانوية ( من المستوى الثالث ) إلى دراما لأن مجرد بحثها والبحث عنها وسط السطور يعتبر مرهقا ، فإنه من السهل – منذ البداية – على الباحث التاريخي أن يعثر على إحدى النوادر ، وتكون بالتالي صالحة بنفسها للتحويل إلى عمل درامي طالما اكتملت فيها عناصر الدراما الناجحة . ولن يضطر هنا إلى التدقيق بين السطور في المراجعة والبحث . فالنادرة هنا ( حتى لو كان بطلها أحد الشخصيات المشهورة ) تتناول واقعة درامية مكتملة الأحداث والأبطال وربما أكثرية الحوار المطلوب ، وكل ما هناك أن يتمكن من صياغتها دراميا بحيث لا يحتاج إلى عناء كبير في البحث عن ملامح العصر وشخصياته الأخرى خارج سياق موضوعه .

4 ـ ولكن هذا لا يعنى أن الباحث التاريخي كاتب الدراما سيكون مطلق السراح في أن يتخيل ما يشاء ، بل سيكون خياله محكوما بمنطق العصر عموما ومنطق القصة التي يتناولها على وجه الخصوص . وبهذا الخيال " العلمي أو البحثي " يتمكن من عرض تلك القصة دراميا بأكبر درجة من الصدق التاريخي .

مثال تطبيقي

1 ـ جاء في سطور التراث الحادثة الآتية : ( لطم رجل الأحنف بن قيس ، فقال : " لم لطمتنى " ؟ قال : " جُعل لي جُعل أن ألطم سيد بني تميم " ،قال :  " ما صنعت شيئا ، عليك بحارثة بن قدامة ، فإنه سيد بنى تميم " فانطلق فلطمه ، فقطع يده ، وذاك ما أراده الأحنف.) 2 ـ ولتحويل هذه النادرة إلى فقرة درامية في حدود ربع الساعة ، لابد أولا من تجميع كل المعلومات التاريخية عن بطلها الأحنف بن قيس ، وليس ذلك بالعسير ، فالأحنف شخصية من المستوى الثاني في خلافة معاوية بن أبى سفيان ومن بعده ، وكان من شيعة " على " المخلصين ، وتجد ترجمته في معظم الطبقات للقرن الأول الهجري ، ومن هذه المعلومات يستطيع كاتب الدراما أن يفهم أكثر العنصر الغائب في هذه الحادثة الدرامية ، وهو ذلك الذي حرض الرجل الأبله على أن يلطم الأحنف بن قيس ، فالأمر هنا ليس فيه من المزاح شيء ، ولكنه انتقام مدبر للنيل من شيخ بنى تميم الذي رفض البيعة ليزيد بن معاوية على رؤوس الأشهاد ، فقد استحضر معاوية رءوس القبائل وكبار القادة وأوعز إلى أتباعه منهم أن يمدحوا يزيد ويرشحوه للخلافة ، وكان معاوية يعرف كراهية الأحنف له ولابنه ، ولم يكن له أن يتجاهل وجود الأحنف سيد بنى تميم ، فأقام هذا " المؤتمر الانتخابي " الذي يتبارى فيه المنافقون في مدح يزيد ، حتى يشعر الأحنف بعزلته ويصبح لا مفر أمامه إلا بالتسليم أمام الإجماع على يزيد ، ولذلك قال معاوية للأحنف : " ما تقول يا أبا بحر " ؟ فرد عليه الأحنف " أخاف الله إن كذبت ، وأخافك إن صدقت " . وهكذا بكل بساطة أفشل الأحنف ذلك المؤتمر الانتخابي وأضاع كيد معاوية حينئذ. وبالتالي فإن المتوقع أن يحاول معاوية الانتقام من غريمه الأحنف بتلك الطريقة الماكرة ، فإذا كان الأحنف ينافس معاوية في الدهاء والحلم فليكن مقتل الأحنف وإحراجه من هذا من هذا الطريق ، بأن يسلط عليه – من خلال أعوانه – رجلا أبله يجعلون له مكافأة إن هو صفع سيد بنى تميم وينتظرون رد الفعل ، فإن تمسك الأحنف بالحلم ورضي بالإهانة فإن قبيلة بنى تميم أكبر القبائل المضرية لن ترضى بهذا الهوان وستضيع مكانة الأحنف في قومه ، ويصير بعدها متاحا لأي ماجن أن يصفعه على قفاه ، أما إن ثار الأحنف لكرامته واندفع في الانتقام فإن حلمه وأين مكره ودهاؤه ؟ وفى كل الأحوال فإن معاوية انتقم من غريمه بهذه اللطمة .

3 ـ هذه هي الخلفية التاريخية لهذه النادرة ، ومن خلالها يمكن رسم الشخصيات في جانب الأميرين أصحاب السلطان ، وفى مجلس الأحنف بين قومه ، وفى مضارب حادثة بن قدامة ، وكيف تحرك الرجل الأبله هنا وهناك يتلاعب به الأمويون ، ثم الأحنف ، وكيف انتهى مصيره .) انتهى المقال .

ثانيا : قصص تاريخية مجهولة عن حياة هارون الرشيد

نشرت الكثير من القصص فى مجلة ( حواء ) عن هارون الرشيد ، وفى مجلة سطور. وسرق أحداثها مؤلف الأغانى عبد السلام أمين ، وصنع منها مسلسلا عن هارون الرشيد قالوا عنه بتعبير الصحافة ( كسّر الدنيا ). الغريب أننى فى بعض القصص صنعت من خيالى بعض الشخصيات وفق منهج وفن الدراما التاريخية. عبد السلام امين ظن أنها شخصيات حقيقية فسرقها أيضا . قيل لى أن أرفع عليه قضية فرفضت ، لأننى كنت أخشى الذهاب الى أى محكمة شاكيا مطالبا بحقى ، فقد يعتقلوننى .!!

القصة الأولى :

وضعت لها د فاطمة نصر هذه العناوين :   ( حبا في المُلك أم حبا في الأبناء ) ـ ( لماذا قتلت "الخيزران" ابنها الهادي! ) كجلة سطور 16/4/1994

1 ـ "الخيزران " هي أم الخلافة العباسية منذ عصر الخليفة المهدي ثالث الخلفاء العباسيين وحتى انقراض الخلافة العباسية في القاهرة بالفتح العثماني لمصر سنة 129 هجريا . تزوجها الخليفة المهدي ابن الخليفة المنصور ، وأنجبت له الهادي ثم الرشيد وكلاهما تولى الخلافة .ومن نسل هارون الرشيد جاء كل الخلفاء العباسيين ومن ثم فهي أم الخلفاء العباسيين . ما هي قصة الخيزران ؟ وما علاقتها بزوجها الخليفة المهدي ، وولديها الهادي ثم الرشيد ؟ وهل صحيح ما ورد في تاريخ الطبري وغيرة عن مسئوليتها في قتل ابنها الشاب الخليفة الهادي ؟ لنقرأ ما ورد بين السطور عن الخيزران .

2 - كانت تجارة الجواري رائحة في العصر العباسي ، كان يؤتى بهن من بلادهن الأصلية ويقوم النخاسون " تجار الرقيق " بتعليم الجارية الحسناء علوم اللغة والأدب والشعر والغناء والألحان مع أساليب المحادثة والبروتوكول .والجارية تأتى من بلادها ساذجة وسرعان ما تتحول إلى دائرة معارف وقد صقلوا عقلها لتضيف إلى جمال الوجه والجسد حلاوة اللسان وذكاء العقل وحسن الحديث وحضور البديهة ، وحينئذ يعلو ثمنها ، وتكون مرشحة لقصور الخلافة وقصور الوزراء وعلية القوم .

3 ـ وكانت الخيزران واحدة من هؤلاء ..جاء بها النخاس إلى مجلس المهدي ولى العهد في خلافة أبيه المنصور ، وتأملها المهدي واستعرض جمالها بيديه فأعجبته إلا خشونة ساقيها ، وصارحها برأيه فردت عليه بجواب أثار عقله وكوامن نفسه فاشتراها وحظيت عنده ، فولدت له الهادي ثم الرشيد ، وكلاهما تولى الخلافة . ومن أبناء الرشيد تولى الخلفاء الأمين ثم المأمون ثم المعتصم ثم توالى الخلفاء وكلهم أحفاد الخيزران .

4 ـ ويقول أحد أحفاد الخيزران وهو هارون بن عبد الله بن المأمون يصف اللقاء الأول بين الخيزران وجده المهدي " لما عُرضت الخيزران على المهدي قال لها : والله يا جارية انك لعلى غاية التمني ، ولكنك حمشة الساقين ، فقالت : يا مولانا انك أحوج ما تكون اليهما لا تراهما ...!! فاشتراها وحظيت عنده .. ". تأمل جوابها الذى أثار غرائز ولى العهد المهدى بن المنصور العباسى.!

5 - ومع أن الخيزران حظيت عند المهدي إلا انه تزوج غيرها بعد أن تولى الخلافة ، ففي سنة 159 هجريا  تزوج ابنة عمه صالح بن على العباس ، ولكي يرضى حبيبته الخيزران فقد اعتقها في نفس العام وتزوجها . ثم حج سنة 160 هجريا وأثناء زيارته للمدينة تزوج رقية بنت عمرو من نسل عثمان بن عفان . ومن الطبيعي أن تكثر المشاكل بين الخيزران والمهدي وان تتجرأ عليه بسبب ما تعرفه من مكانتها في قلبه ، والمؤرخ الواقدى كان صديقا للمهدي يحكى له تاريخ السابقين ، وأثناء جلوسهما حدث مرة أن قام المهدي وقد اشتاق للخيزران ، ثم ما لبث أن عاد يشكو للواقدى يقول له :" دخلت على الخيزران فقامت الى ومزقت ثوبي وقالت : " يا قشاش ما رأيت منك خيرا . واني والله ياواقدى إنما اشتريتها من نخاس وقد نالت عندي ما نالت وقد عقدت البيعة لولديها ليكونا الخلفاء من بعدى ومع ذلك تفعل بي ما فعلت ...".!!. وأخذ الواقدى يحدثه ويسرى عنه ويوصيه بها خيرا ، فقد كان الواقدى من الكياسة وحسن التصرف ما يجعله يفهم ان من الخير له أن يكسب رضي الخيزران فان حصل ذلك فقد اكتسب رضي المهدي أيضا ، إذ لابد للمهدي – وهو الخليفة – أن يحكى كل شيء لحبيبته ، وفعلا حاز الواقدى رضي المهدي ورضي الخيزران وحاز جوائزهما معا .

6 ـ - لقد تمتعت الخيزران بنفوذ سياسي هائل في خلافة المهدي، إلا أن ابنها الهادي لم يكن يرتاح إلى هذا حين كان وليا للعهد في حياة أبيه ، ولم يكن ذلك خافيا على أمه الخيزران ، لذا استغلت كل نفوذها حتى أقنعت زوجها المهدي بأن يقدم الرشيد في ولاية العهد على الهادي . وفى محرم 169 كان المهدي قد صمم على تنفيذ رأى الخيزران  بتقديم الرشيد على الهادي ولكن سرعان ما مات بطريقة غامضة !! وتولى الخلافة الهادي، فكان لابد أن تثور المشاكل بينه وبين أمه الخيزران .

7 ـ  كان الهادي شابا قوى البنية رشيق الحركة بحيث كان يقفز على الدابة وعليه درعان ثقيلان ، وقال عنه المؤرخ ابن طباطبا انه " متيقظ غيور شديد البطش ذو إقدام وعزم .."  لذا كان من المنتظر أن تفقد الخيزران في خلافته نفوذها الذي تعودت عليه ، إلا أن الطبري يذكر أن الهادي سمح باستمرار نفوذ أمه أربعة اشهر. قال الطبرى : " وكانت الخيزران في أول خلافة ابنها موسى الهادي تفتات عليه في أموره وتسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهى . " إلا أن الهادي ما لبث أن ثار على ذلك الوضع ولم يحتمله فقال لها : " انه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك ، وعليك بصلاتك وتسبيحك ."

8 ـ إلا أن المواكب التي اعتادت الوقوف بباب الخيزران استمرت في التوافد عليها ، واستمر أصحاب الحاجات يطرقون بابها ، فلجأت الخيزران لابنها تكلمه في قضاء بعض الأمور فرفض ، فقالت له : "  إنى ضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك.!" ، فغضب الهادي وقال : " ويل له .. والله لا اقضيها له " ، فقالت : " إذن والله لا أسألك حاجة أبدا. "  فقال : " إذن والله لا أبالى .! " ، فقامت عنه غاضبة ولكنه استوقفها وصرخ فيها : " والله لئن بلغني أنه وقف أحد ببابك لأضربن عنقه ولأقبضن ماله ، فمن شاء فليلزم ذلك ، ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كل يوم ؟ أما لك مغزل يشغلك ؟ أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك ؟ ثم إياك وإياك أن فتحت بابك لمسلم أو ذمي .. " فانصرفت عنه وما تعلم كيف تسير .. وقاطعته بعدها فلم تكلمه ...

9 - والتفت الهادي إلى أخيه هارون الرشيد يحاول أن يخلعه من ولاية العهد ليضع مكانه جعفر ابن الهادي . وتحركت الخيزران لدرء هذا الخطر عن ابنها الرشيد . ولم يكن لها أن تنجح في منع الهادي إلا بطريق واحد هو اغتيال الهادي . إلا انه ليس من المنتظر أن تقدم الخيزران على اغتيال ابنها الخليفة الهادى ، لذلك السبب وحده لذلك  تأتى الفعلة الأخيرة من جانب الهادي لتجعل الخيزران تقتنع بأنها إذا لم تقتل الهادي فان الهادي سيقتلها وربما يقتل ابنها الرشيد أيضا . فقد بعث لها الهادي بطعام مسموم مع رسالة منه إليها تقول : " انه استطاب ذلك الطعام فأحب أن تأكل أمه منه. " ، وكانت على وشك أن تأكل ، لولا أن جاريتها خالصة حذرتها ، وربما تذكرت المصير الغامض للخليفة المهدي من قبل ، وجاءوا بكلب أكل من ذلك الطعام فتساقط لحمه ومات . ومع نجاة الخيزران من هذه المؤامرة إلا أن تآمر الهادي لم ينقطع عن أخيه الرشيد ، لذلك تحركت الخيزران فدست بعض الجواري فقتلن ابنها الهادي خنقا وهو نائم .. ومات الهادي سنة   170 هجريا . وبعثت الخيزران إلى يحيى بن خالد ليتولى عقد الخلافة للرشيد في نفس الليلة .

10 ـ ومات الهادي شابا بعد خلافة قصيرة بلغت سنة واحدة وأقل من شهرين .

11 - واستمتعت الخيزران بنفوذها في خلافة ابنها الرشيد .. يقول الطبري : وكانت الخيزران هي الناظرة في الأمور وكان يحيى بن خالد البرمكى يعرض عليها الأمور ويصدر عن رأيها .وفى سنة 171 ذهبت الخيزران إلى مكة في شهر رمضان فأقامت إلى وقت الحج وحجت ، وتوفيت بمكة سنة 173 ..وقد حزن عليها ابنها الرشيد وحضر جنازتها حافيا .. ودفنت بمقابر قريش .... 

المراجع

المنتظم 8 / 346

تاريخ بغداد 14 / 430

الطبري 8 / 72 ، 121 ، 188 ،205 ،206 ، 210 ، 212 ، 223 ، 230 ، 234 ، 235 ، 238 ،252

 

 القصة الثانية :

الزوجة المجهولة لهارون الرشيد : ( سطور ) فى  :  2/7/  1994

1 - هي زوجة مجهولة لهارون الرشيد،أول من تزوج،وولدت له أول ولد له،(أحمد بن هارون الرشيد)الذي أورد ابن الجوزى ترجمته في تاريخ  "المنتظم" وذكره ابن كثير"في "البداية والنهاية" ، وكلاهما منحها سطورا في التاريخ ... ولكننا نرى أنها تستحق إشادة أعظم وجهدا أكبر في رسم ملامحها وجعلها قصة درامية من بين سطور التاريخ ...

2 - كان هارون في ريعان الصبا والشباب في ذلك الوقت في خلافه أبيه المهدي، وكان أبوه يدخره لولاية العهد- بعد أخيه  الأكبر موسى الهادي ، وكانت أمهما الخيزران تتمنى أن يسبق الرشيد أخاه الأكبر في ولاية العهد ، ولذلك أوعزت لزوجها المهدي أن يزوج الرشيد ابنة عمه زبيدة بنت جعفر ليزداد شرفا بأن يكون أول ولى عهد يتزوج أميره عباسية هاشمية. وفوجئ الشاب هارون الرشيد بذلك المشروع السياسي للزواج حين استدعاه أبوه الخليفة المهدي وعرض عليه، ولم يستطع الرفض وكتم مشاعره، وكان معنى ذلك أن يضحى ببطلة قصتنا زوجته السرية التي عقد عليها خفيه عن أبيه والتي ولدت له أول ابن له وهو أحمد بن الرشيد..

3 - وفى حاله مثل هارون الرشيد فان المنتظر أن تستهويه الفتاة التي ترفضه ولا تترامى على قدميه، والمنتظر أن يبحث عن فتاة ترغبه هو لذاته وليس لمنصبه, لشخصه وليس لكونه أميرا ووليا للعهد. لم يكن مشروع زواجه من ابنه عمه زبيدة مطروحا بعد ،  وكان حرا في الاختيار ، وقد كان يختار من الجواري في القصر ما يحلو له ، ولكن أتضح  له  أنه "المختار" ، وأنهن اللاتي يتصارعن من أجل الوصول إليه ، وأنه الفريسة وليس الصياد..

4 ـ وقرر أن يكون العكس.. ولذلك تجول في شوارع بغداد وأزقتها وحواريها ؛ سار فيها متنكرا بدون رفيق أو صاحب يتصرف كما يحلو له بعيدا عن البروتوكول العباسي وطقوسه، باحثا بعينيه عن نوع آخر من النساء غير اللواتي يعج بهن قصره .

5 ـ - ورآها .. فتاة حسناء رقيقة الحال اضطرتها ظروف الفقر لان تعمل مع باقي أهلها الذين ينتمون للطبقة الدنيا من عوام بغداد.

6 - وقرر أن يجرب حظه مع تلك الفريسة التي تؤهلها كل ظروفها للوقوع بسهولة في حبائله، فهو يبدو شابا يافعا وسيما قويا، ورغم تنكره فإن مخايل النعمة والعز بادية عليه.. أي أن النتيجة محسومة لصالحه مقدما ..ولكن كانت مفاجأته قاسيه.. فقد رفضته الفتاة الفقير ة العاملة..اقترب منها فأعرضت عنه ،  تودد إليها فلم تبال به، ألقى على مسامعها عبارات الإعجاب فلم ير منها إلا الصد والجفاء. جمع عنها المعلومات والأخبار ، فأدهشه أنها فقيرة وأنها ليست متعلقة بأحد ، إذ لا وقت لقلبها المهموم أن ينشغل بالحب ، لأنه لا وقت للحب عند خلو المعدة وامتلاء الفؤاد بالهموم والأحزان...

7 - فكر الرشيد في أن تكون فتاته قد تغير رأيها فيه إذا شخشخ لها بالدنانير وغمرها بالذهب. وكانت مفاجأة أخرى أقسى وأشد. فالفتاة ازدادت له جفاء وازدادت عنه إعراضا، وأفهمته أنها قد تكون فقيرة ولكنها حرة من الحرائر ، وليست معروضة للبيع ولا بكل الذهب الذي تحويه الدنيا..

8 ـ - عندها أقر لها الرشيد بالهزيمة واعترف لها بالحقيقة، وأنه أخطأ حين تعامل معها كما تعود أن يتعامل مع الجواري،  وأنه عرف الآن - وأخيرا- أنه ليس كل النساء من الجواري والإماء.وليس كل الحرائر العفيفات من بنات البيوتات العريقة فقط ،  وأن الشرف والعفة قد يوجدان في الكوخ قبل القصر، وقد تتحلى بهما الفقيرة قبل الأميرة. عرض عليها الزواج بصفته هارون الرشيد ابن أمير المؤمنين المهدي بن أبى جعفر المنصور. ألقى بكل أوراقه على أرضية كوخها الفقير أمامها راجيا أن تقبله زوجا ، مع رجاء آخر بان يبقى الزواج في السر مراعاة للظروف وأملا في وضع أحسن. ومع وعود كثيرة لم تستطع الفتاة  الفدائية الصمود أمامها .

9 ـ وهكذا تم الزواج السري بين الرشيد وبينها, ولم يحضره أحد من ذوي الحيثية.. وكالعادة أنشغل عنها الأمير بعد أن نال  منها غرضه.. كانت مجرد نزوة.. ثم عاد إلى بيئته سريعا، ولكن كان قد أدمن ذلك اللون البلدي الطبيعي الخالي من الأصباغ والتصنع. لذلك كان يأتي ويعود.. حتى ولدت له أول ولده ..أحمد..

10 - وجاء اقتراح زواجه من ابنة عمه "زبيدة بنت جعفر بن أبى المنصور" نهاية لتلك العلاقة السرية الشرعية مع زوجته الأولى. إذ لم يعد بإمكانه أن يتمتع بسرقة اللذة واقتطاف المتعة السرية من زوجته التي لا يعرف عنها أهل القصر شيئا. ومن الطبيعي أن العروس الأميرة الفاتنة لن تتركه يفلت منها، ولو حدث واكتشف أمره ففي ذلك القضاء عليه وعلى زوجته وعلى ابنه الوليد . ثم يضاف إلى ذلك مكائد أخيه الشقيق الأكبر موسى الهادي المعروف بقسوته وجبروته ، والذي أغاظه مشروع الزواج بين هارون وزبيدة . وتخوف منه. ورأى الرشيد أنه الأسلم له ولزوجته السرية وابنهما أن يختفيا من حياته لمده محدودة. ثم يعودا إليه بعد أن يتولى الخلافة ويصبح هو الحاكم بأمره في الدولة.

11 ـ ويذكر المؤرخون أن الرشيد أرسل تلك الزوجة إلى البصرة سرا مع وليدها وأعطاها الأموال ، وأعطاها خاتما للمولود وقال لها : " اكتمي نفسك, فإذا بلغك أنى قعدت للخلافة فأتينى ..." ولم يطل الأمر. إذ مات الخليفة المهدي، وسرعان ما مات الخليفة موسى الهادي بمؤامرة أمه الخيزران، وتولى الرشيد الخلافة.

12- ويبدو أن عيون الخيزران قد عرفت بموضوع الزوجة الأولى، وقد كان لها تمام السيطرة في السنوات الأولى من خلافة ابنها الرشيد. ولذلك فان الرسل السريين الذين أرسلهم للبحث عن زوجته وابنه كانوا من أعوان الخيزران ، وقد رجعوا يؤكدون له أنهما ماتا. بل إن أولئك الرسل قد قاموا بواجبهم في تخويف الزوجة وتهديها حتى تظل في طي الكتمان طبقا لأوامر الخيزران ..

13 - واقتنع الرشيد بأنهما ماتا ، وانشغل عن الموضوع بشئون الخلافة وقطيع الحسناوات من الجواري والزوجات في قصره.  مما كان له أشد الأثر في نفسية الزوجة الأولى المنفية التي كرهت السلطان والجاه والمال..

14 ـ وماتت الزوجة المسكينة بعد أن ربت ابنها على أخلاق العمل والزهد في الدنيا والتقوى. وجاء ابنها أحمد بن الرشيد إلى بغداد شابا وسيما يحمل على  كاهله فأسا وجاروفا ،  يعمل بساعده يوما واحدا في الأسبوع ، ويعتكف بقية الأسبوع للعبادة مكتفيا بأقل القليل من الطعام . وهو في كل ذلك لا يعلم أحد في بغداد أو غيرها أنه ابن الخليفة هارون الرشيد..  بل أبنه  الأكبر ..

15 - وشاءت الظروف أن يحتاج أحد رجالات بغداد لعمل " مرمة " في قصره، وهو عبد الله بن الفتوح، فنزل السوق يسأل عن عامل يعمل في الطين فأشاروا إلى الفتى ، فاستغرب أن يعمل شاب في وسامته في ذلك العمل، واستأجره ، واستغرب أكثر أنه لا يطلب أجره،  إلا مجرد(درهم ودانق) .. وعاد إليه في اليوم التالي فاستغرب أكثر وأكثر حين عرف أنه لا يعمل إلا يوم واحد في الأسبوع ثم يعتكف عن الناس . وظل الرجل يسأل عنه معجبا بزهده وأخلاقه.. إلى أن عرف أنه مريض ، فسأل عن عنوانه وذهب لزيارته ، فرآه في بيت حقير ليس معه أحد، فعرض عليه أن يخدمه في مرضه ، فاشترط  عليه الفتى قائلا : " ألا تعرض على طعاما حتى أسألك، وإذا أنا مت فعليك أن تدفني في كسائي وجبتي هذه ".  والوصية الأخيرة ادخرها له كي يقولها له عند الاحتضار..

16 ـ وعند الاحتضار قال الفتى لعبد الله بن الفتوح: ( إذا أنا مت ودفنتني فخذ هذا الخاتم ثم ادفعه إلى هارون الرشيد أمير المؤمنين فقل له: يقول لك صاحب هذا الخاتم : " ويحك لا تموتن على سكرتك فتندم.".)

17 ـ  ومات الفتى الصالح أحمد بن الرشيد. والتزم عبد الله بن الفتوح بتنفيذ وصيته..

كتب القصة في ورقة وألقى نفسه أمام موكب الخليفة وصبر على الأذى الشديد حتى أوصل الورقة إلى يد الخليفة، فلما قرأها استدعاه إلى مجلسه وهو غاضب،  فلما دخل ابن الفتوح بادر بإخراج الخاتم إليه. فلما تعرف الرشيد على الخاتم سكن وهدأ. وصرف الحاضرين ، واستمع للقصة من ابن الفتوح وبكى حين سمع أن ابنه الأكبر مات ، وكان يعمل في الطين واشتد بكاؤه حين قال له ابن الفتوح وصية ابنه.

18 ـ وحكى الرشيد لابن الفتوح قصته مع أم الفتى . واصطحبه ابن الفتوح ليلا إلى قبر الفتى ، حيث يظل الرشيد يبكى ، وابن الفتوح يبكى معه رحمة له.. وظل كذلك إلى الفجر..

19 ـ وأمر الرشيد لابن الفتوح بأموال كثيرة له ولأولاده وعقبه وقال له: "أكتب عيالك مع عيالي . فان لك على حقا بدفنك ولدى ..." ..

 

القصة الثالثة :

الفاتنة فتينة .. ضحية من ؟! سطور 6/8/1994

1 ـ تعددت الأسباب في نكبة البرامكة في عهد الرشيد...

2 ـ ومن ضمن الأسباب أن الخليفة هارون الرشيد طمع في الجارية فتينة التي كانت في  ملك جعفر البرمكى، وكانت مشهورة بالجمال وحسن الصوت ، ولكن رفض جعفر التنازل عنها للخليفة..فغضب.. وكان ذلك من أسباب نكبة جعفر واله من البرامكة كما يقال. ونرجع إلى سطور التاريخ لنتعرف على هذه الفاتنة "فتينة" وسبب ولع الوزير  جعفر البرمكى بها.. وقصتها معه ومع الرشيد بعده..

3 ـ كان جعفر بن يحيى البرمكى يتشبه بسيده الخليفة هارون الرشيد في كل شيء ما أمكنه ، وكان قصره يعج بعشرات الجواري من كل نوع ومن كل جنس، وكان التنافس بينهن شديدا على جذب انتباه الوزير الشاب الوسيم.  وكان يحلو له أن تكون الجارية عنده قمة في الجمال والظرف والثقافة الأدبية والعلمية وجودة الغناء والعزف. وكان اسحق الموصلي وأبوه إبراهيم من المتخصصين في شراء الجواري الفاتنات ثم تثقيفهن بالآداب والفنون والإتيكيت حتى يصلحن لقصور الخلفاء والوزراء. ولذلك كانت هناك صداقة متينة بين جعفر البرمكى  وإبراهيم الموصلي وابنه اسحق.

4 ـ وحدث- كما يروى ابن الجوزى- أن جعفر البرمكى أدى فريضة الحج مع الخليفة هارون الرشيد ، وذهب معه إبراهيم الموصلي . وكانت المدينة المنورة مشهورة في ذلك الوقت بالجواري الممتازات في العزف والغناء . وقد طلب جعفر من إبراهيم الموصلي أن يعثر له على جارية غاية في الحذق بالغناء والعزف والظرف والجمال. ونزل إبراهيم الموصلي إلى سوق الجواري فى المدينة المنورة وسأل ، وعرف من السماسرة أن هناك مطلبه،  ولكن ليست معروضة في السوق وإنما هي في بيت صاحبها الذي يحتاج إلى بيعها بسبب ظروف فقر طارئ.

5 ـ ودخل إبراهيم الموصلي على الرجل في داره فرأى آثار النعمة . وخرجت إليه الجارية فلم ير  إبراهيم الموصلي أجمل منها ولا أصبح وجها.  ثم أمرها سيدها فغنت من الحان إبراهيم الموصلي ، فرآها إبراهيم ممتازة في الغناء والعزف. ثم ساوم إبراهيم صاحبها في شرائها،  فطلب منه الرجل أربعين ألف دينار،  فرضى إبراهيم الموصلي على شرط أن يعطيه مهلة للتفكير.  واتفقا على ذلك،  ثم عاد إبراهيم إلى الوزير جعفر البرمكى وأخبره بالخبر ، ومدح له الجارية حتى ازداد جعفر بها شغفا،  وصحبه جعفر إلى البيت مستخفيا كأنه أحد الخدم ، ومعهما المال . فأعطى إبراهيم المال لصاحب الجارية.  وحين علمت الجارية بكت،  فاعتذر لها سيدها بالفقر،فانخرطت في بكاء أشد وهى تقول له إنها لو ملكت الدنيا وما فيها في نظير أن تفارقه ما تركته، وبكى الرجل، وأعلن أمام الحاضرين أنها حرة ، وأنه قد تزوجها وأعطاها داره صداقا ومهرا. وضاعت الصفقة.

6 ـ رأى جعفر أن كل ما يملكه من جوار وسلطان لا يقارن بما يملكه ذلك الرجل الذي أعطته جاريته الوحيدة كل ما تملك وفضلته مع فقره واحتياجه على كل مباهج بغداد ومفاتنها. كان جعفر يتمنى أن يعثر على جارية تحمل ذلك القلب المخلص له وحده الذي يحبه لشخصه غنيا كان أم فقيرا.

7 ـ والذي لم يعرفه جعفر أنه كانت توجد في قصره إحدى الجواري الصغيرات من القادمات الجدد،  ومرت عليه هذه الجارية مثل كثيرات شاركنه الفراش ، ولم ينتبه إليها، ولكنها انتبهت إليه وتعلقت به، وعزمت بكل ما لديها من عزم أن تجذب انتباه حبيبها الشارد إليها . وعرفت غرامه بالطرب والغناء فتعلمت وأجادت . وشيئا فشيئا بدأ يصغى إليها ويهتم بها ، وأحست أنها على وشك أن تفوز به خاصة بعد أن أطلق عليها لقب"فتينة",إلا أن مكائد الجواري الأخريات كانت أحيانا ما تباعد بينها وبينه.                                                                                                 

8 ـ وكان يسعد فتينة أن ترى حبيبها جعفر يطرب لغنائها،  وكان يسعدها أيضا أن يأتى ندماء جعفر معه فيزدادون معه طربا. ورأت فتينة أن اهتمام مولاها بها مقترن باهتمام ندمائه بغنائها فكانت تبذل كل ما تستطيع لتجيد الغناء في حضرة أصحابه. وبالتالي ازدادت شهرتها. وازداد جعفر بها اهتماما وإعجابا. ووصلت شهرة فتينة إلى الرشيد. فطلبها من جعفر ، أي طلب أن يهبها له جعفرلتكون إحدى جواري الخليفة . ولكن جعفر رفض طلب الخليفة، وهو يعلم الخطورة في الرفض. واستعظم الرشيد أن يرفض وزيره وصديقه له طلبا . وأصبحت تلك نقطة سوداء في علاقة الخليفة بالوزير .أضيفت  الى نقاط سوداء أخرى . كانت هي السبب في نكبة البرامكة..

9 ـ ولكن ماذا حدث لفتينة بعد مصرع حبيبها جعفر؟. بعد مقتل جعفر صادر الرشيد أمواله وأموال أسرته, وضم الرشيد إلى قصره كل جواري جعفر, ومنهن فتينة. وعقد الرشيد مجلسا استعرض فيه جواري جعفر وأمر كل واحدة منهن – أن تعرض فنها عليه.. إلى أن جاء دور فتينة.

10 ـ وكانت المفاجأة.. قال لها الرشيد: " غنى ..".  وكان متشوقا لسماع غنائها.. ولكنها نكست رأسها للأرض وسكتت.. وتكهرب الجو.. وتصاعدت أنفاس الجواري  وهن يعلمن أن غضب الرشيد ساحق ماحق, وأنه يتطرف في عقوبته، ارتفعت أصوات الجواري لفتينة وهن يرتعدن: - ويحك..غن!!. وانهمرت دموع فتينة ونظرت للرشيد تتحداه وتقول: ( أما بعد السادة فلا.. ). أي لن تغنى بعد السادة  أى ( جعفر البرمكى ) لا تغنى  لأحد حتى لو كان الرشيد نفسه..وسقطت قلوب الجواري في أقدامهن .. وانقطعت أنفاسهن.. وانتظرن تحول فتينة إلى جثة هامدة مختلطة الملامح..

11 ـ ونظر الرشيد إلى أقبح خادم في القصر واسمه الحارث بن بسيحر.. وقال له: " خذها..قد وهبتها لك.. " . فأخذها بيده ومضت معه. فلما ولت دعا الرشيد الحارث بن بسيحر وأمره أن لا يقربها، وأنه إنما أراد إذلالها ولم يعطها له على الحقيقة.. وبعدها بأيام استدعى الجميع.. وسأل عن الحارث بن بسيحر وأمره باستدعاء فتينة.. فحضرت وجلست.. وأخذت الجواري في الغناء والألحان،  ثم قال الرشيد لفتينة : " هيه .. غنى .. " . فانهمرت دموعها وقالت نفس مقالتها الأولى: ( أما بعد السادة .. فلا..). وهنا ثار الرشيد ، وصرخ : ( سيف ونطع..) . والنطع هو قماش غليظ يوضع تحت المحكوم عليه بالإعدام حتى لا يلوث دمه المكان ..ووقف السياف فوق رأسها. وأجلسوها على النطع . وقال لها الرشيد: غنى .. فبكت وقالت: ( أما بعد السادة.. فلا..). وذهبت عقول الحاضرين من الخوف.. وصاح الرشيد بالسياف: (  أنظر إلى يدي.. فإذا عقدت لك بالخنصر إلى اثنين فلا تضربها.. فإذا عقدت لك بالوسطى ثلاثا فاضرب عنقها..). ورفع السياف سيفه فوق رأسها. وقال لها الرشيد: ( غنى..)  فقالت:  ( أما بعد السادة فلا..). وعلا بكاؤها.. وقال لها للمرة الثانية.. ( غنى .. ) ، فقالت: ( أما بعد السادة ..فلا..).  وقال لها للمرة الثالثة والأخيرة: ( غنى ..) ، ،  فأقبلت عليها الجواري يستعطفنها ويناشدنها الله في نفسها.. فاندفعت تغنى باكية على حبيبها جعفر وتندبه قائلة:

لما رأيت الديار قد درست

                                  أيقنت أن النعيم لم يعد

آي غنت.. ولكن لكي تغيظ الرشيد!!

فوثب إليها الرشيد فأخذ العود من يدها وأخذ يضرب به وجهها ورأسها حتى تفتتت بالدماء ،  وحملوها من بين يديه مقيدة تنزف دما فماتت بعد ثلاثة أيام...

اجمالي القراءات 702

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3950
اجمالي القراءات : 33,792,321
تعليقات له : 4,317
تعليقات عليه : 12,892
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي