بعض المنشور فى مجلة ( حواء ) (1 ) مقالات قرآنية

آحمد صبحي منصور في الإثنين 11 فبراير 2019


بعض المنشور فى مجلة ( حواء ) (1 ) مقالات قرآنية

مقدمة :

1 ـ عن طريق صديقى الراحل المهندس محمد خير الخطيب تعرفت الى الكاتبة الصحفية إقبال بركة ، وكانت من عام 1993. رئيس تحرير مجلة ( حواء ) الصادرة عن دار الهلال. إقبال بركة وجه مشرّف للمرأة المصرية المثقفة صاحبة الرأى والتى تدافع عن وجهة نظرها التقدمية بثبات . إتفقت وجهات نظرنا حول الاصلاح للمرأة المصرية فى وقت تحجبت وتنقبت فيه تطوعا إستجابة للنفوذ الوهابى المتحكم فى الاعلام والمساجد . طلبت منى أن أكتب مقالات عن المرأة فى الاسلام والتاريخ ، وان تكون سهلة مبسطة لأن  معظم قُرّاء ( حواء ) من النساء العاملات رشيقات الثقافة.

المزيد مثل هذا المقال :

2 ـ كنت وقتها أعمل فى مشروع ( تحويل التراث ) الى دراما . أقوم بأبحاث تاريخية عن الشخصيات الهامشية والأحداث التاريخية غير المعروفة ، ثم تحويل البحث الى قصة تاريخية ، وأخيرا تحويل القصة الى سيناريو . كان هذا العمل يعطينى أملا وقتها فى أن أنجح فى بيع بعض السيناريوهات لأودع الفقر المدقع الذى كان يخنقنى. توفر لدى العديد من القصص التاريخية ، ولكن كان معظمها عن شخصيات من الرجال . كان لا بد أن أبدأ البحث عن شخصيات نسائية للنشر فى مجلة ( حواء ) . وبدأت البحث عن ( نساء بين سطور التاريخ ) وهو العنوان الذى إخترته لنشر مقالاتى فى مجلة ( حواء ) . ونشرت فيها عشرات المقالات ، لم أستطع تجميعها كلها .

3 ـ وبدأت المقالات عن وضعية ( حواء ) فى القرآن الكريم ردا على الوهابيين .ثم بدأت النشر بالمقالات التاريخية عن حواء ، والتى أثبتت بطريق مباشر أن الفكرة الوردية عن الخلافة التى يروجها الوهابيون هى زيف ينفيه الواقع التاريخى ، وأن مقولة أن الخليفة يستشير (أهل الحلّ والعقد ) خرافة كبرى لأن النساء تحكمن  فى الخلافة من وراء ستار ، ولا وجود لأهل الحل والعقد ، وان النساء كُنّ قادة المكائد فى قصور الخلافة لا فارق بينهن وبين نساء القصور فى أوربا العصور الوسطى ، عدا أن معظم النساء المتحكمات فى قصور الخلافة كُنّ من الجوارى ولسن من الحرائر .بدأت ببعض المقالات عن ( حواء  فى القصص القرآنى ) . وقد أصابت الوهابيين فى مقتل ــ وقتها .! نختار منها مقالين :

المقال الأول :

 الأم في القصص القرآني : أم موسى وأم عيسى (عليهما السلام): ( مجلة ( حواء ) فى 19/3/1994 )

  1 ـ خاطبت الملائكة السيدة مريم في مناسبتين:

1 / 1 -الأولى دعوة الملائكة لها بالعبادة التامة وتبشيرها بأن الله تعالى اصطفاها واختارها وطهرها : ( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴿٤٢ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿٤٣آل عمران)

1 / 2 -وفى المرة الثانية قبيل أن تلد المسيح ، وفيها بشرتها الملائكة : ( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥﴾  آل عمران)

2.وليست السيدة العذراء هي الأم الوحيدة التي خوطبت بالوحي ، فقد سبقتها أم النبي موسى علية السلام التي لم تخاطبها الملائكة وإنما خاطبها الله تعالى وأوحى إليها وجاء ذلك صريحا في قوله تعالى :( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ) القصص -7.) وفى قوله تعالى لموسى : ( إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ ﴿٣٨طه -28.)

3. إذن فهناك وحى من السماء لاثنتين من النساء أحداهما كانت على وشك أن تكون إما لطفل مبارك خلقه الله تعالى بدون أب ، والأخرى كانت إما بالفعل لطفل طبيعي له أب وأم ، ولكن أحاطت به ظروف غير طبيعية تهدد حياة المولود الصغير بالذبح . وذلك الطفل قد أعده الله تعالى لدور عظيم وهائل.. ومن هنا كانت أهمية الوحي لاثنتين من أعظم النساء.. ومن أعظم الأمهات..

4 ـ لقد أحاطت المعجزات بولادة السيدة مريم لابنها عيسى علية السلام ، من الحمل السريع إلى المخاض والولادة ، ثم نطق الوليد المبارك يبرىء امه  ويدافع عنها وينفى التهمة الشنعاء : (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴿٢٧ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿٢٨فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴿٢٩مريم )   . وما نطق به الطفل المبارك في المهد كان وحيا من السماء يخبر عن المستقبل ويعلن الحق للأجيال : (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّـهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿٣٠ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴿٣١وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴿٣٢ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴿٣٣﴾ مريم ) . في ذلك الكلام المبهر لم ينس الطفل الناطق بالحق والوحي أن يذكر وصية الله تعالى له بالبر بوالدته ، ويأتي البر بالوالدة بعد الوصية بالصلاة والزكاة ...!!

5 ـ ومن معجزات عيسى في مولده إلى لون آخر من الحياة الواقعية في قصة أم موسى مع وليدها الذي ينتظره الذبح على يد فرعون وآله.. ولكن القصص القرآني في تصويره لتلك الحياة الواقعية هو الإعجاز بعينة ..

6 ـ في سورة اسمها (القصص) يتلو ربنا جلا وعلا نبأ موسى وفرعون ، وتبدأ القصة بفساد فرعون واستضعافه لطائفة من سكان مصر يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم ، وفى المقابل فان التدبير الإلهي هو نجاة المستضعفين وأهلاك المفسدين ، والذي سيقوم بدور البطولة في التنفيذ هو طفل ينتظره قرار الذبح الفرعوني .. ولكن التدبير الإلهي يجعل فرعون نفسه هو الذي يقوم برعاية الطفل وتنشئة ، ذلك الطفل الذي سيكون هلاك فرعون وجنده على يده .  

7 ـ ويبدأ تنفيذ التدبير الإلهي بالوحي إلى أم موسى الخائفة على حياة رضيعها ويأتيها الوحي الإلهي بأوامر بعضها عادى والبعض الآخر عجيب ، ثم وعد من الله تعالى لام موسى ، (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ) فأمر الرضاعة شيء سهل ومعروف ، ولكن المقصد منة أن يتعود الرضيع على لبن امة ، وعلى ملمس ثدييها وعلى دفء أحضانها ، ولكن يستمر الوحي فيأتي بالغريب : (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ) .لم يقل فإذا خفت عليه فخذيه  في أحضانك ولكن القيه في ماء النيل . ووقتها كان الفيضان أو اليم .. ولأنه من الطبيعي أن تخاف وان ترتعب من مجرد الفكرة فالوحي يقول لها : (  وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ) ،  وحتى تثق في نجاة ابنها الرضيع يأتيها الوعد الإلهي : (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٧ القصص  ) فالوعد الإلهي لأم موسى له شقان : أن يرجع الطفل الرضيع لأحضان أمه آمنا مطمئنا ، وان تعيش أم موسى لتراه رسولا نبيا .

8 ـ وأهمية التصريح هنا بما ينتظر المولود من مستقبل هو في زيادة الطمأنينة للأم  اللهفى ولتتأكد أنه طالما سيكون ابنها نبيا مرسلا فان الله تعالى لن يتخلى عنة وسيمضى في تحقيق المهمة الموكلة إلية ، وان الوحي إليها هو وحى حقيقي من الله،  وهو جزء من تلك الرسالة الموعودة لذلك الطفل الموعود ، وما عليها إلا أن تتوكل على الله وتتشجع ، فإذا اقترب خطر الفرعون من ابنها سارعت بإلقائه في النيل . وتوكلت أم موسى على ربها وصدقت وعد ربها جل وعلا ، وعندما اقترب من بيتها زبانية الطاغية أسرعت فألقت ابنها في النيل.

9 ـ وجدير بالذكر أن سورة (طه) جاءت بتفاصيل أكثر عن الوحي الذي جاء إلى أم موسى ومنه أن الله سبحانه وتعالى أمرها أن تصنع له تابوتا وأخبرها بما سيكون من حال التابوت : (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ ﴿٣٨ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ) (٣٩ طه  ). إذن فالأوامر لم تكن فقط لام موسى وإنما كانت للنيل ، أن يحمل الهدية ويقوم بتوصيلها إلى قصر فرعون المطل على النيل .. وحينئذ فلا بد أن يلتقطه آل فرعون: (  فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) ﴿٨﴾القصص) ، ويصل التابوت والطفل في داخلة إلى زوجة فرعون – الفاضلة – فينشرح صدرها لمرآه ويتدفق من قلبها الحنان وتتوسل لزوجها غليظ القلب : (  وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٩ القصص)   وبدون أن يشعر فرعون والملأ رضي باستضافة الطفل المجهول ، وبذلك تمت المرحلة الأولى من التدبير الإلهي وأصبحت لموسى أم بديلة هي زوجة فرعون نفسه ، وأصبح فرعون نفسه هو القائم على حماية موسى .. ويا لها من سخرية يصنعها المولى سبحانه وتعالى بالطغاة والمستبدين !!

10 ـ على أن التدبير الإلهي كان يشمل أم موسى أيضا ، صحيح أنها تؤمن بان الله تعالى لا يخلف  الميعاد إلا أن قلب الأم هو قلب الأم ، وهى لا تدرى أن نبضات قلبها وقلقها على صغيرها تقع في إطار التدبير الإلهي ، ولذلك فإنها اندفعت فأرسلت ابنتها لتتبع مسيرة التابوت في النيل : (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴿١١  القصص )  . وظلت الأخت تتحسس أخبار القصر فعلمت أن الرضيع رفض المرضعات بعد أن تعود على صدر امة ، وهنا تتقدم الأخت بمرضعة جديدة هي أم موسى – فيلتقم ثديها وينقطع عن الصراخ وينام في أحضانها ويستريح فرعون وتستريح أكثر امرأة فرعون ، بينما تسبح أم موسى في دموع الفرح والإيمان والعرفان والحمد لله العلى القدير: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴿١٢ فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٣﴾ القصص )

11 ـ إذن تكفلت أم موسى بابنها وذلك تحت رعاية الفرعون نفسه ، وعاد الطفل المبارك بعد رحلته السياحية إلى بيته وأحضان  أمه ، وقد تزود من الطاغية بحصانة تحميه من الذبح ، بل تعطيه الرعاية والمأوى .. وفى وسط أهله وبيته !! وهكذا عاش موسى في بيته وقد عرف كل شيء عن قومه المستضعفين ، وظلت أمه هي الرابطة القوية التي تجمعه بأخيه "هارون" الذي جعله الله تعالى نبيا ووزيرا لموسى ..

12 ـ وكان بين الأخوين ود شديد نُحسُّه من قول موسى لربة تعالى : (هَارُونَ أَخِي ﴿٣٠ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴿٣١ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴿٣٢﴾طه) ،وقوله تعالى لموسى : (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴿٣٥﴾ القصص ). وهذه الأخوة الصادقة كان يفزع إليها هارون حين يأخذ الغضب موسى ، مثلما حدث حين عبد القوم عجل أبيس : (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿١٥٠ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴿١٥١ الاعراف  ). قال له هارون يا ابن أم ..!! أي ذكره بأمة .. وفى سورة طه : (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ) ﴿٩٤﴾)  . ويالها من أم عظيمة .. أنجبت اثنين من الأنبياء .. موسى وهارون .. عليهما السلام....

المقال الثانى :            

المرأة العاملة في قصة موسى : مجلة حواء 7/5/1994

عمل المرأة من آدم إلى بنى آدم :

1 ـ في الجنة التي كان فيها آدم وحواء كانت الثمرات قريبة التناول حيث لا تعب ولا كدح  في سبيل لقمة العيش .. ومع ذلك كانا يتجولان معا بين أشجار الجنة . لم تجلس حواء في انتظار آدم وهو يأتى لها حاملا الفاكهة وإنما كانت تتجول معه وهما يحملان الأوامر الإلهية لهما معا : (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٣٥ البقرة  ) . كان الخطاب لهما معا بالسكن والأكل والتجول في الجنة حيث شاءا وبالنهى عن الاقتراب من الشجرة المحرمة ، وحدث أن أكلا معا وتجولا معا وخدعهما الشيطان معا: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ )﴿٣٦﴾البقرة).  

2 ـ إن العمل يعنى المسئولية ، وكان عمل حواء ( مثلها مثل آدم ) منحصرا في التجول والحصول السهل على الطعام ، وكانت مسئوليتها منحصرة فقط في الابتعاد عن الشجرة المحرمة ، وقد قاما معا بالعمل وارتكبا معا الأكل من الشجرة المحرمة ودفعا معا فاتورة هذه الوجبة المحرمة ، ودفعناها نحن معهما ، لذلك قال تعالى لهما ولنا أيضا : (   وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖوَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴿٣٦﴾  ) البقرة 36 .)

ونصل إلى المراد من الاستشهاد بقصة آدم وحواء في الجنة ، أن لحواء عملا ومسئولية  مثلما كان لآدم عملا ومسئولية وتحملا قدرهما معا . وما ينطبق على آدم وزوجته ينطبق على كل أبناء آدم ..

العمل الأنثوي في قصة موسى :

1 ـ والقرآن الكريم ليس كتابا في التاريخ ، إنه كتاب في الهداية ،والقصص القرآني يهدف للعبرة : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ) ﴿١١١﴾ يوسف ) . ومن ثنايا القصص القرآني نأخذ العبرة فيما يخص موضوعنا من عمل المرأة .. ونختار قصة موسى ..

2 ـ في قصة موسى إشارات لأعمال تقوم بها المرأة وهى من صميم اختصاصها :

2 / 1 : فأم موسى وضعت وليدها في تابوت وألقته في النيل ، وقد جاء الأمر الإلهي لها مباشرة بأن تفعل ذلك : (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ ﴿٣٨ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ )(٣٩ طه  ) . وحيث أن القرآن الكريم لم يذكر أي إشارة لوالد موسى فالمنتظر أن تقوم أم موسى وأخته بصنع ذلك التابوت .. والمنتظر أن يصنعا التابوت سرا في المنزل ، وكانت صناعة السلال والتوابيت من المصنوعات المنزلية اليدوية وقتها .

2 / 2 : ووصل التابوت في النيل إلى قصر فرعون الذي يطل على النيل : ( فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ) (٣٩ طه 39 ) . ومن الطبيعي أن يد فرعون لم تكن هي التي امتدت لتلتقط التابوت وفيه الطفل المبارك إلى زوجة فرعون التى قالت لزوجها : (  وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٩ القصص)  .أيدى حانية من خادمات القصر.

2 / 3 : واحتاج الطفل إلى الرضاعة ، وتظهر هنا وظيفة أنثوية أخرى هي الرضاعة بأجر ، ولكن الله تعالى يقول " (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴿١٢﴾ القصص ) . وكانت المرضعة التي تقبلها الطفل هي أمه الحقيقية . إذن تعطى لنا قصة موسى في هذه المرحلة نماذج لعمل يتفق مع طبيعة المرأة ، من أعمال البيت إلى الوصيفة إلى المرضعة . ومن تشريعات المرأة في القرآن : ( وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ) (٢٣٣﴾ البقرة ) . أي يجوز استئجار مرضعة لرضاع الوليد .

المرأة تعمل عمل الرجل :

1 ـ ونقرأ في قصة موسى عملا آخر للمرأة يناسب الرجل في شدته وقسوته هو رعى المواشي ورعايتها وسقايتها .. إذ أن موسى حين ورد عين ماء في مدين ، وجد الرعاة يتزاحمون على البئر ووجد فتاتين لا تجدان مكانا لهما وسط الزحام ، يمنعهما الحياء من مزاحمة الرجال خصوصا وأبوهما الرجل العجوز قد رباهما على حسن الخلق ، وذلك الرجل الصالح لم ير في خروج ابنتيه للعمل الشاق مع الرجال عيبا بعد أن اطمأن لحسن أخلاقهما .. وتلك المعاني كلها كانت بالطبع غائبة عن موسى الذي رأى فتاتين تمنعان أغنامهما من الاختلاط بباقي الأغنام والقطعان فتقدم بدافع الشهامة لمساعدتهما ، يقول تعالى : ( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿٢٣ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴿٢٤القصص ) .ونفهم من قولهما لموسى " وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ  " نوعا من طلب المساعدة من ذلك الرجل الغريب الذي تقدم لهما بدافع الشهامة ، أو ربما قالا ذلك على سبيل التعليل لخروجهما وحدهما مع رعاة من الرجال وابتعادهما عن مركز الازدحام والتعارك .. فلو كان أبوهما قويا أو كان لهما أخ فتى لكفلهما مشقة التعرض لعمل شاق لا يقوم به إلا الرجال .

2 ـ ومهما يكن من أمر فهذا الموقف في حد ذاته يعتبر دليلا تاريخيا على جواز عمل المرأة في الأعمال الشاقة إذا كانت هناك ضرورة تستدعى ذلك ، وحين انتفت هذه الضرورة ووجد الرجل الصالح بغيته في موسى فلم تعد هناك حاجة لخروج الفتاتين لذلك العمل الشاق بعد أن قام به موسى وحده ...

من العمل إلى الزواج :

1 ـ والرجل الصالح يريد ارتباطا بموسى أقوى من مجرد العمل ، يريده زوجا لإحدى ابنتيه وصهرا وولدا أو في مقام الولد ، الرجل الكبير في شيخوخته يريد الاطمئنان على بنتيه ، وحين يتزوج موسى إحدى البنتين سيكون أخا للأخرى ومسئولا عنها بعد وفاة أبيها . وكان موسى ينتظر موافقة الرجل الصالح على اقتراح ابنته: (  قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴿٢٦القصص ) ، ففوجئ بأن الرجل يطلب موسى زوجا لمن يختاره من البنتين . صحيح أن موسى لا يملك المهر ولكن يملك ثروة لا تقدر بمال لخصتها الفتاة حين قالت " ( ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴿٢٦القصص ). والرجل الشيخ الصالح لا يريد زوجا لابنته اكثر من ذلك . ولذلك بادر بعرض إحدى ابنتيه على موسى ليتزوج بها ، ولم يجد في ذلك عيبا ، طالما يختار الأب لابنته زوجا رجلا أمينا كفئا يقدر الجميل ويرعى المسئولية ويكون عند حسن الظن به . ( قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚسَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٢٧ قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّـهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴿٢٨﴾ القصص ) .  ونحن هنا مع صيغة رائعة وفريدة لأب يخطب زوجا لابنته ، ويعرف أن زوج المستقبل لا يملك الصداق والمهر ، ولكن يملك القوة والصحة والشباب ومعها الأمانة والعفة والشهامة والمروءة .. والحل بسيط أن يدفع المهر عملا في الرعي يستمر ثماني سنوات ، فإن أراد أن يتم العمل إلى عشر سنوات فهذا تطوع من عنده . لم يكن معهما شاهد على ذلك الاتفاق إلا الله وكفى به تعالى وكيلا وشهيدا . وموسى يترك لنفسه حرية الاختيار بين الاقتصار على القدر المفروض وهو العمل لمدة ثماني سنوات ، أوإتمام سنتين زيادة ... لأنه لا يعلم ما سيحدث له في المستقبل بعد أداء القدر المفروض عليه . بعد الخطبة يتم عقد القران ويتزوج موسى من التي تفهم من السياق أنها التي ذهبت إليه تدعوه على استحياء والتي اقترحت لأبيها أن يستأجره . أى إنه تزوج من فتاة عاملة ، استدعتها الظروف لتقوم مع أختها بعمل الرجال حين عجز أبوها عنه فما تكاسلت ، وأعطت لنا مع أختها صورة للفتاة العاملة النبيلة العفيفة الراقية المتحضرة المتمتعة بالوعي والثقافة وحسن التصرف ..

أخيرا :

1 ـ من الخسران المبين أن تتعطل نصف طاقة الأمة وأن نعتقلها خلف شعارات ما أنزل الله بها من سلطان ..

2 ـ إن هناك من الأعمال ما يشق على المرأة تأديته بحكم تكوينها الجسدي والنفسي ، وقد تضطر لتأديته في حالة الضرورة .. كما ظهر في قصة موسى  فيما تنفرد به المرأة . ثم هناك جانب كبير من الأعمال التي تقوم بها الرجال والنساء على قدر المساواة ، وتكون أمام الجميع الفرصة متساوية ومتكافئة للتفوق – وفى كل الأحوال فالأصل هو مشروعية العمل للمرأة ، والاستثناء هو راحتها من العمل اعتمادا على قيامها بعمل أساسي تنفرد به هو الأمومة وتربية النشء  .

اجمالي القراءات 840

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4007
اجمالي القراءات : 34,859,367
تعليقات له : 4,378
تعليقات عليه : 12,983
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي