بعض المنشور فى مجلة ( حواء ) (5 ) قصص تاريخية من العصر العثمانى

آحمد صبحي منصور في الإثنين 18 فبراير 2019


بعض المنشور فى مجلة ( حواء ) (5 ) قصص تاريخية من العصر العثمانى

( حواء بين سطور التاريخ ) طقوس الحريم العثماني : نشرت بتاريخ 4/6/1994

( العادة أن حركة التاريخ تسير على قدمين، إحداهما للرجل والأخرى للمرأة ، ولكن كتابة التاريخ عمل أنفرد به الرجل لذلك جعل المرأة تتوارى بين سطور التاريخ .. وهذه محاولة للكشف عن " حواء بين سطور التاريخ " .).

1 ـ التاريخ العثماني ـ في معظمه ـ كانت تصنعه حواء داخل أجنحة الحريم التي تحيطها الأسوار العالية والتي يتناوب على حراستها حراس من الخصيان السود يحتفظون بمفاتيح الأبواب ليل نهار .. وأجنحة الحريم العثماني تعد منطقة مغلقة أو منطقة محرمة لا يسمح السلطان العثماني لأحد بالدخول أو مجرد الاقتراب منها أو النظر لسكانها ، لا يدخلها إلا رجل واحد هو السلطان ، بالإضافة للخصيان القائمين على الخدمة ، وهم ليسوا برجال وإنما أشباه رجال . وحدث أن تجرأ تاجر من البندقية ونظر من بعيد للحريم السلطاني أو جناح الحريم السلطاني من خلال نظارة مقربة،فاكتشفوا أمره وأمر السلطان العثماني بشنقه فورا . وتكررت المحاولة وقام بها مترجم أرمني يعمل للسفير الفرنسي في استانبول ، وقبضت عليه السلطات العثمانية متلبسا بالنظر من خلال النظارة المعظمة فأمر السلطان العثماني بشنقه فورا قبل أن يتدخل السفير الفرنسي .

المزيد مثل هذا المقال :

2 ـ وكان للسلطان مقصورة خاصة وسط أجنحة الحريم تحوى غرفة نومه وحماما وقاعة استقبال كبيرة ، كان يؤدى فيها الصلاة ويستقبل فيها قريباته المتزوجات. وعند زيارته لأجنحة الحريم كانت تصحبه (الكايا ) وهى من كبرى الموظفات في الحريم السلطاني ، ومن بين اختصاصاتها تنظيم الأوقات التي يقضيها السلطان مع الحريم بالليل أو النهار ، وكان يطلق على هذه الزيارات " خلوت همايون " أي الخلوة السلطانية " .

3 ـ ولكي يتم الإعلام بوصول السلطان فإنه كان يلبس صندلا كي يحدث صوتا على الأرض المكسوة بالرخام ، وكان من قواعد البروتوكول العثماني في أجنحة الحريم أن الحريم إذا فوجئت بوجود السلطان فلا ينبغي لإحداهن أن تنظر للسلطان ، بل تغض بصرها وتنظر للأرض خشية وحياء.وكان السلطان يتزوج من الحرائر مثنى وثلاث ورباع ، ولكنه كان لا يزيد على أربع زوجات ، وكان منهن مسلمات ومسيحيات من الحرائر اللاتي لم يمسهن رقُّ أو أسر ، وتزوجهن بعقود شرعية وكان ذلك في عهد السلاطين السبع الأوائل ابتداء من السلطان عثمان الأول وانتهاء  بالسلطان محمد الفاتح أي ما بين (1299 ـ 1481 ) م . ولكن  بعدها نبذ السلاطين العثمانيين الزواج من الحرائر وفضلوا عليهن الجواري الحسان اللائي كان يموج بهن القصر السلطان في أجنحة الحريم ..

4 ـ والسلاطين الأوائل مع التزامهم بالحد الأقصى في عدد الزوجات إلا أنهم لم يلتزموا بشرط العدل بين الزوجات ، فالبرتوكول العثماني كان يفضل الزوجة التي تلد ابنا على التي تلد بنتا ، وكانت مخصصات الأولى المالية أكثر من الأخرى ، بالإضافة إلى التقدير الزائد التي كانت تحصل عليه  والدة ولى العهد ، ولكن فيما عدا ذلك تقريبا كانت كل سلطانة تقيم في جناح خاص بها في الحريم السلطاني ، ولكل سلطنة حاشية خاصة بها تضم وصيفات يقمن على خدمتها ، وتضم الحاشية عدد معينا من الخصيان ورئيسا لهم يسمى " أغا الطواشية " أو " أغا الخصيان " ، ويقوم فريق منهم بخدمة السلطانة أي الزوجة ويقوم الفريق الآخر بحراسة الجناح والطرق الموصلة إليه .وكان عدد الحراس أربعين ، أما ( الأغا ) فيتلقى رغبات السلطانة أو أوامرها ، وينقلها إلى السلطان نفسه إذا كانت السلطانة أم ولى العهد أو أنجبت ولدا ، أو ينقلها أي الصدر الأعظم ( رئيس الوزراء ) إذا كانت السلطانة من الدرجة الثانية ..

5 ـ وكان الحريم السلطاني يموج بأعداد وفير من الجواري الحسان ، وكان السلاطين يحصلون عليهن من ثلاثة مصادر :

5 / 1 : الشراء من تجار الرقيق الذين كانوا يسارعون إلى ساحات القتال حين يسمعون أن حربا أوروبية قد اشتعلت ، ويشترون السيدات والفتيات الأسيرات ويحملوهن إلى الدولة العثمانية . وكان أمين جمرك الآستانة يأخذ حاجة القصر السلطاني  من الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين العاشرة والحادية عشر .

5 / 2 :  وفى أوقات السلم كان تجار الرقيق في أوروبا وآسيا يخطفون الفتيات من اليونان وإيطاليا وألبانيا والنمسا وروسيا والقرم ، وكان أكثرية تجارة الرقيق من بلاد القوقاز . لذلك كانت أغلبية الفتيات الرقيقات من تلك النواحي واشتهرن بجمالهن المفرط  .

5 / 3 : ثم كانت الهدايا هى المورد الأخير الذي يتلقى السلطان عن طريقه أجمل الفتيات ، يقدمهن له كبار موظفي الدولة أو حكام  بعض الدول الأوروبية  ، وكن يتعرضن بالطبع لدروس مكثفة في بعض العلوم والسلوكيات الاجتماعية الراقية ، بحيث يكن مؤهلات للدخول في الحريم السلطانى وتلقى التعاليم العثمانية ..

6 ـ ومعظم أولئك الجواري كن مسيحيات ، ولكن بمجرد التحاقهن بالقصر تتغير أوضاعهن فيدخلن في الإسلام ويتعلمن البروتوكول العثماني . وفى أروقة القصر يتلقين دراسات في الثقافة الإسلامية والثقافة العامة والسلوك الاجتماعي واللغة التركية . وأثناء هذه الدراسة تظهر موهبة الفتاة ومدى استعدادها للدراسات الإضافية كاللغات الفارسية والعربية والفرنسية والإنجليزية ، والتاريخ الإسلامي والجغرافية ، هذا إذا كانت مستعدة للدراسة النظرية ، وإذا كان لديها استعداد للدراسة العملية فتتلقى تعليما في التطريز والحياكة والموسيقى والغناء والرقص .. وكانت الجواري ينتظمن في مجموعات كل مجموعة تتكون من عشر جوار ، وتشرف رئيسة على كل مجموعة . وبمضي الأيام تزداد الجارية جمالا ورشاقة وعلما وثقافة ولباقة وسعة أفق ، وعند الوصول إلى سن معينة لا تتجاوز الخامسة والعشرين يعتقها السلطان ، ويأذن لها كسيدة حرة في الزواج من أحد رجال الدولة ، والسلطان هو الذي يختار لها الزوج وتغادر القصر ..

7 ـ وقد تجذب الجارية انتباه السلطان فيختارها لنفسه ، وقد تنجب منه ولدا أو بنتا ، ويعلو مركزها إلى درج تقارب السلطانة الحرة ، وحينئذ يطلق عليها لقب " قادين " وهى كلمة تركية معناها سيدة ، وتحصل على حريتها بعد وفاة السلطان . ولأن من حق السلطان أن يتمتع بمن يشاء من الجواري فإن السلاطين العثمانيين عدلوا عن الزواج بالحرائر وفضلوا عليهن الجواري الحسان ، ولكنهم كنوع من الإتباع للسلاطين السابقين كانوا يعينون من الجواري أربعا ممن أنجبن ويجعلونهن من القادينات ، وكانت كل ( قادين ) بمثابة سلطانة تعيش بمعزل عن زميلاتها الثلاث ولا تقابلهن إلا في الحفلات،ولها حاشية تقوم على خدمتها ، ولها إعتمادات مالية ، ولا يعلوهن في المرتبة إلا والدة السلطان إذا كانت حية ترزق .

8 ـ وتدخل البروتوكول العثماني في تحديد أوضاع القادينات ، الكبرى والثانية والوسطى ثم الصغرى ، وتحديد أهمية القدين يتوقف على نوع الولد ، فإن كان ذكرا أصبحت " باسن قادين " أي كبيرة القادينات أو " خاصكى سلطانة " لتقترب من درجة السلطانة وتصبح السيدة الأولى بعد وفاة أم السلطان ، ويكون ابنها كالعادة ولى العهد طالما هو أكبر الأبناء ، ويتولى العرش إذا لم تصادفه مؤامرة تسلبه الحياة .

9 ـ وهذه جولة في الحريم العثماني اصطحبنا فيها أستاذنا الدكتور عبد العزيز الشناوي في كتابه " الدولة العثمانية "..

 ( حواء بين سطور التاريخ )  " روكسانة " وترويض النمر العثماني

 

( العادة أن حركة التاريخ تسير على قدمين، إحداهما للرجل والأخرى للمرأة ، ولكن كتابة التاريخ عمل أنفرد به الرجل لذلك جعل المرأة تتوارى بين سطور التاريخ .. وهذه محاولة للكشف عن " حواء بين سطور التاريخ " .).

1 ـ ولد سليمان القانوني في 27 ابريل 1494 م الموافق غرة شعبان سنة 900 هـ . وعاش ثلاثة وسبعين عاما قضى منها سبعة وأربعين عاما في السلطنة إلى أن مات في السادس من سبتمبر سنة 1566 .. وهو على رأس جيشه الزاحف إلى بلاد المجر بالقرب من مدينة " بود " أو بودابست .. وذلك النمر المقاتل الذي جمع ثقافة قانونية والذي وصلت أملاك الدولة العثمانية في عهده إلى أقصى اتساعها لا يعرف الكثيرون أنه قضى سنواته الأخيرة أسيرا لغرام متأجج أدى إلى عواقب وخيمة على الدولة العثمانية والبيت السلطاني نفسه . وهنا نلتفت إلى " روكسانة " ، الجارية الروسية الحسناء التي استطاعت ترويض النمر العثماني وسيطرت عليه تماما وأخضعته وأخضعت الدولة كلها لرغباتها .

2 ـ كان السلطان سليمان القانوني قد جاوز الخمسين من عمره حين وقعت عيناه على الجارية الصغيرة " روكسانة " فأسلم لها قلبه وجوارحه وعقله وحياته ، وكانت قصة غرامه بها أشهر قصة غرام في تاريخ الدولة العثمانية ، كما يقرر أستاذنا الدكتور عبد العزيز الشناوي مؤرخ الدولة العثمانية .

3 ـ  فتحت " روكسانة " عينيها تستقبل الحياة فوجدت نفسها ابنة لأحد رجال الدين الروس اسمه " دي روجالينو " ثم خطفها تجار الرقيق من القوقاز وانتهى بها المطاف لتباع للسلطان " سليمان القانوني " ، فألحقها بالحريم السلطاني ، وبدأت فيه حياتها جارية ، إلا أنها لفتت الأنظار إليها بجمالها الفائق والظرف وخفة الروح فأطلق عليها لقب " خورم " وهي كلمة تركية تعني الباسمة ، أو ذات الوجه الباسم ، وحين اكتملت أنوثتها وشخصيتها لفتت نظر السلطان سليمان فتدله في هواها وأعتقها وتزوجها ، وأنجب منها بنين وبنات ، وارتفعت مكانتها في البروتوكول العثماني من جارية إلى " قادين " ، وازداد حب السلطان لها نضارة وقوة مع مرور الأيام ، وجعلها السلطان مستشاره الأول في شئون الدولة ، وآثر أن يحتجب في قصره ليكون بقربها دائما ، وهو الذي كان لا ينفك عن قيادة الجيوش ، وكان الانكشارية أو جنود السلطان قد اعتادوا ألا يخرجوا للحرب إلا والسلطان يقودهم .. فهو الذي رباهم وهو الذي دربهم ولا يعرفون غيره أبا ووالدا ورئيسا وقائدا وسلطانا ..

4 ـ  أرادت " روكسانة " أن تتمتع بالنفوذ والقوة إلى نهاية عمرها ، وهي تخشى أنها لا تزال في ميعة الصبى والشباب ، والسلطان كهل لا يلبث أن يفارقها ويموت فتفقد سلطانها ويؤول العرش إلى ولي العهد " مصطفى " ، وتصبح غريمتها الشركسية أم ولي العهد هي أم السلطان والمتحكمة دونها في كل شيء وتنتقم منها للأيام الخوالي التي تحكمت فيها في السلطان سليمان . ورأت " روكسانة " أن السبيل الأمثل لضمان المستقبل أن تستثمر نفوذها في الحاضر أكمل استثمار بحيث تضغط على السلطان سليمان ليجعل ابنها هي ولي العهد بدلا من " مصطفى " كبير أبناء السلطان وولي عهده الرسمي .

5 ـ . بدأت بإفساد علاقة السلطان بزوجته الشركسية أم ولي العهد مصطفى .افتعلت مشادة كلامية معها بالحديث عن النشأة الأولى لكل منهما ، ولم تتحمل الزوجة الشركسية الساذجة التي قاست كثيرا من الغيرة ، فاندفعت تضرب" روكسانة " بكل ما تحمل لها فى داخلها من حقد . واصطنعت روكسانة الضعف وتركت غريمتها تنهال عليها ضربا ولكما وعضا وتمزيقا للثياب وخدش للرأس والشعر والوجه . وذهبت الزوجة الشركسية إلى جناحها تحتفل بانتصارها على روكسانة ، بينما خرجت روكسانة من المعركة سعيدة بما تحمل على وجهها وشعرها وجسدها وملابسها من أثار العدوان . واحتجبت عن السلطان على غير عادتها ، وشعر السلطان بالقلق عليها ، وعرف بما حدث ، وأرسل ليستدعيها فاعتذرت وتعللت بالمرض ، وتكرر الاستدعاء السلطاني وتكرر الاعتذار ، وفي النهاية أرسلت إليه رسالة شفاهية تقول أنها غير جديرة بالظهور أمام السلطان لأنها كما قالت خصيمتها الشركسية " لحم يباع ويشترى " !! . وصمم السلطان غاضبا على حضورها ، وعرفت أنها أثارته بما فيه الكفاية فجاءته على استحياء تتحامل على نفسها والأربطة تغطي وجهها وتحمل معها كل أثار العدوان من الخدوش والكدمات والشعر المنكوش .. وانتهى الأمر بخصومة دائمة بين السلطان وزوجته الشركسية .. وتحقق لروكسانة هدفها الأول وهو إقصاء السيدة الأولى أم ولي العهد عن موقعها الرسمي .

6 ـ  والتفتت روكسانة نحو" مصطفى " ولي العهد فمازالت  بالسلطان سليمان حتى نقله من العاصمة ليكون حاكما على " آماسيا " في الأناضول ، وبذلك أبعدته عن القصر العثماني ليخلو لها الجو ولتضمن قطع أي اتصال بينه وبين والدته أو أي نصير له . وتركت تنفيذ الجزء الثاني من الخطة وهي عزله والتخلص النهائي منه إلى نهاية المطاف . وآثرت أن تتخلص قبلا من إبراهيم باشا " الصدر الأعظم " ، أو رئيس الوزراء .

7. وآن الأوان لتنفيذ أخطر جزء من الخطة .. وهو أن يقتل السلطان ابنه ولي العهد " الأمير مصطفى المشهور بكفاءته وشعبيته . واحتاجت روكسانة إلى إشعال حرب لا داعي لها بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية الفارسية سنة 1548 ، ويقول بعض المؤرخين  أن هذه الحرب قد نشبت بإيعاز من روكسانة التي كانت تتبادل مراسلات مع زوجة الشاه " طماسب الأول الصفوي " .

8 ـ واتفقت روكسانة مع الصدر الأعظم رستم باشا على إيغار صدر السلطان سليمان القانوني على ابنه الأمير مصطفى . واستطاعت روكسانة مع الصدر الأعظم إقناع السلطان بأن ابنه مصطفى يتآمر مع الدولة الصفوية ضد أبيه السلطان ، وعن طريقهما بلغت آذان السلطان شائعات مصنوعة جيدا تقول أن الإنكشارية يرغبون في عزل السلطان بعد أن بلغ من الكبر عتيا وتعيين ولي عهده الأمير مصطفى مكانه في السلطنة . وانه من الخير للسلطان أن يعتزل لمصلحته ومصلحة الدولة . وآتت الدعاية السوداء ثمارها ، فاقتنع السلطان سليمان بضرورة التخلص من ابنه .

9. وأراد السلطان أن يحصل على فتوى شرعية من شيخ الإسلام تبرر له قتل ابنه ، وقدم له سؤال مصطنع يقول أن هناك تاجرا ثريا في استانبول تحتم عليه تجارته أن يغيب تاركا ثروته وبيته وأولاده في حراسة عبد ، وذلك العبد قد أحسن التاجر تنشئته وائتمنه على أمواله وأولاده .. ثم اكتشف أن ذلك العبد خان الأمانة واختلس الأموال وتآمر مع الأعداء على حياة التاجر وزوجته وأولاده .. فما هي العقوبة الشرعية التي يستحقها ذلك العبد الخائن ؟ وأفتى شيخ الإسلام بأنه يستحق القتل .

10 ـ وتشجع السلطان بهذه الفتوى فاستدعى ابنه مصطفى إليه ، وخشي أصدقاء الأمير من هذه المقابلة ، ولكن الأمير رفض توسلاتهم إليه بعدم السفر لأبيه وقال انه لم يرتكب عملا يغضب والده ، وانه لا يرغب في معصية أبيه بعدم السفر إليه ، وإن أباه إذا قتله فهو والده على أى حال وهو الذي أتى به إلى هذه الحياة !! ودخل مصطفى إلى خيمة أبيه فأعطى السلطان إشارة إلى الجلادين فانقضوا عليه وقتلوه أمام عينيه وكان ذلك في 21 سبتمبر 1553 ..

11 ـ وأحرزت روكسانة أكبر انتصار لها على الدولة العثمانية . فقد حرمت الدولة العثمانية من سلطان مرتقب هو الأمير مصطفى الذي أجمع معاصروه على أنه كفاءة ممتازة تجدد عظمة أبيه في شبابه .. قبل أن يقع أبوه في غرام روكسانة . كما أن روكسانة لم تر بوادر انهيار الدولة العثمانية من الداخل بتولي ابنها السكير السلطنة باسم السلطان سليم الثاني ( 1566 – 1574 ) .. فقد افتتح هذا السلطان عهدا من السلاطين الماجنين المستهترين .

وذلك بعض ما ارتكبته روكسانة الباسمة في حق الدولة العثمانية .

( حواء بين سطور التاريخ )  فى أروقة الحريم العثمانى : الصراع بين أم السلطان ومحظيته

( العادة أن حركة التاريخ تسير على قدمين، إحداهما للرجل والأخرى للمرأة ، ولكن كتابة التاريخ عمل أنفرد به الرجل لذلك جعل المرأة تتوارى بين سطور التاريخ .. وهذه محاولة للكشف عن " حواء بين سطور التاريخ " .).

أولا

1ـ  كان سليمان القانوني هو آخر السلاطين العظام ، وفي نهاية حياته سيطرت عليه حبيبته الروسية " روكسانة " وجعلته يقتل ابنه ولي العهد الأمير مصطفى في سبيل أن يكون ابنها الأمير سليم هو ولى العهد ، وأصاب الدولة العثمانية من جراء ذلك ضرر عظيم ، من القتل والحروب الأهلية . ولكن أعظم الأضرار كانت تتمثل في شخصية السلطان الجديد ابن روكسانة والسلطان سليمان القانوني، وهو السلطان سليم الثاني الماجن ، المشهور بلقب " سليم مست " أو سليم السكير " : بسبب إسرافه في الخمور ، وكان كما – يقول أستاذنا الدكتور عبد العزيز الشناوي مؤرخ الدولة العثمانية – مشهورا بارتكاب أقذر أنواع الرذائل التي يشعر الإنسان بالخجل عند سماعها ، وكان يقضي أوقاته داخل القصر يمارس هوايته في شرب الخمور ومطلقا العنان لشهواته البهيمية ومسامرا لحثالة من حاشيته ، ولم يذهب إلى ساحة القتال أبدا ، مع أن عهده شهد إرسال حملة عسكرية لإعادة السيطرة العثمانية على اليمن ، وإرسال حملة أخرى لفتح قبرص ، وذلك يرجع إلى أن قوة الدولة كانت لا تزال متأججة برغم ضعف ذلك السلطان ، الذي كان دافعه لفتح قبرص هو أن مستشاره اليهودي الماجن جوزيف ناسي قد أقنعه بأن نبيذ قبرص هو أعظم نبيذ في العالم ، مما جعل السلطان يهتف قائلا لصديقه اليهودي : ستكون ملكا على قبرص ، وقد بلغ من حظوة ذلك اليهودي عند السلطان سليم الثاني أن أعطاه جزيرة ناكسوس بعد أن نجحت الدولة في الاستيلاء عليها .وقد تشجعت الدول الأوربية بضعف هذا السلطان فتنادت إلى عقد حلف ضده ونجحت في تحطيم الأسطول العثماني في موقعة لبانت في أكتوبر سنة 1571، واعتبرتها أوربا هزيمة للإسلام .. !!

2.ولذلك يجمع المؤرخون كما يقول الدكتور عبد العزيز الشناوي في كتابه الضخم عن الدولة العثمانية أن هذا السلطان هو أسوأ السلاطين ، وأنه البداية الحقيقية لاضمحلال الدولة العثمانية ، وأنه أول من يستحق وصف (التنبل ) ،وعلى رأس السلاطين ( التنابلة ) الذين لا عمل لهم إلا اقتناص المتعة الشرعية وغير الشرعية .. تاركا سيدات القصر ليقمن بإدارة شئون الدولة بدلا منه .. وكان أقواهن " نوربانو " أي سيدة النور وهي إحدى قادينات السلطان سليم الثاني وقد اكتسبت قوتها من كونها أم ولي العهد .. وقد استمر نفوذها بتولي ابنها السلطنة تحت اسم مراد السادس ، وقد استمر يحكم الدولة أكثر من عشرين عاما " 1574 – 1595 " .

3.وفي عصر السلطان مراد الثالث كان الصراع يدور بين أربع من السيدات حول إدارة شئون الدولة ، بينما انصرف السلطان مراد الثالث – مثل أبيه سليم الثاني – إلى المجون واللهو مع الجواري والمحظيات من القادينات وغير ذلك مما نعف عن ذكره، إذ  كانت أروقة الحريم هي التي تحكم الدولة العثمانية في عصر السلطان مراد الثالث . وكان ابرز القوى تتمثل في أم السلطان مراد الثالث وهي ..  "نوربانو "  وكانت تشبه كاترين دي مدتشي ملكة فرنسا الوالدة والمعاصرة لها ، وكان ينافسها بحكم العادة الزوجة الأولى للسلطان أو " الباش قادين " صفية .

4 ـ .والباش قادين صفية هي في الأصل كانت بنتا رائعة الجمال من أسرة بافو التي تنتمي إلى جمهورية البندقية ، وكان أبوها حاكما على جزيرة قورفو وأثناء نزهة بحرية مع بعض السيدات النبيلات ، وهي في الرابعة عشرة من عمرها خطفها القراصنة ، وانتهى الحال بها لتباع إلى السلطان جارية رائعة الجمال .. وحين تولى السلطان مراد الثالث بهره جمالها فأعتقها وتزوجها وأنجب منها ، وارتفع مركزها في البروتوكول العثماني من جارية إلى قادين ثم إلى باش قادين  ، أي الزوجة الأولى ، وأصبح في يدها الإسهام في السياسة العثمانية بقدر ما تستطيع اقتناصه من نفوذ " السلطانة الوالدة " " نوربانو " ، وعملت " الباش قادين " " صفية " على أن تسير السياسة الخارجية العثمانية على نحو يخدم مصالح وطنها الأم جمهورية البندقية الإيطالية .

5 ـ ومع ذلك فقد كان للباش قادين صفية عدة مشروعات خيرية دينية إسلامية ، وفي القاهرة لا يزال فيها مسجد يحمل اسمها ، ويحمل هذا المسجد لوحة تذكارية تقول " أنشأت هذا الجامع المبارك المعمور بذكر الله تعالى " صاحبت " الخير الآدر. ( يعني الحريم السلطاني) الشريفة والدة المرحوم مولانا السلطان محمد خان طاب ثراه على يد فخر الخواص المتقربين مولانا الناظر الشرعي على الوقف المذكور ، وكان الفراغ من هذا البناء المذكور في السابع والعشرين من شهر محرم من سنة تسع عشر وألف  من الهجرة " ( وذلك يوافق 21 ابريل 1610م) . ويوجد بدار الكتب المصرية مصحف محلى بالذهب مكتوب عليه أنه " وقف المرحومة صفية أم السلطان محمد خان في سنة 1032 هـ " .

6 ـ .ولم يكن الصراع وقفا على أم السلطان مراد الثالث وزوجته الباش قادين صفية ، وإنما دخل في الصراع أخت السلطان مراد واسمها " إسمات " وكانت متزوجة من الصدر الأعظم أو رئيس الوزراء " محمد صوقلو باشا " صهر السلطان ، وشاركت في الصراع السياسي بزواجها من الصدر الأعظم الذي يعاون السلطان – رسميا – في إدارة الدولة سياسيا وحربيا .

7 ـ وبسبب انغماس السلطان مراد في الشهوات فقد كان لجافيد خاتون نصيب في النفوذ السياسي ، فقد كانت جافيد خاتون تقوم بعمل " كايا " أي تدير شئون الجواري الفاتنات في الحريم السلطاني .وكان خفيا وسافرا ذلك الصراع السياسي بين أم السلطان مراد الثالث وزوجته صفية .والصراع الخفي تمثل في انهماك أم السلطان في شغل ابنها بالتهام العديد والمزيد من الجواري الفاتنات ، كي ينشغل أساسا عن محظيته صفية " الباش قادين ، وكي يترك للام المجال ليتزايد نفوذها من واقع إحساسه بالامتنان لها ، وكان مراد الثالث معروفا بشغفه بالنساء .

8 ـ .وماتت السلطانة الأم ولكن هذه السياسة لم تمت ، لأن الكايا "جافيد خاتون " تطلعت إلى ملء الفراغ الذي كانت تحتله والدة  السلطان ،وأكثرت من شراء الجواري الفاتنات والحقتهن بالحريم السلطاني ، وأدى الإقبال على شرائهن إلى الارتفاع الجنوني في أسعارهن في سوق النخاسة ، خصوصا إذا تميزت الجارية بالجمال المفرط ورقة المشاعر وخفة الدم ورشاقة العود والحيوية والعذوبة .

9.ــ وبموت السلطان مراد الثالث تولى أبنه محمد أكبر أولاده الذى حكم ما بين ( 1595 – 1603 ) وكانت أمه صفية لا تزال على قيد الحياة فاستمر نفوذها كالسلطانة الوالدة .. وكي تضمن نفوذها على ابنها فإنها سارت في نفس السياسة التي سارت فيها حماتها " نوربانو " بأن قدمت لأبنها المزيد من الجواري الفاتنات لينغمس في بحور الفتنة ويترك لها إدارة شئون الدولة ، وذلك ما حدث فعلا .

7 ــ .وطيلة استمرار الخلافة العثمانية استمر نفس المسلسل:السلطان مشغول بغرائزه ومقاليد السياسة بين يدي الأم والزوجة وباقي مراكز القوى ، والأم تلهي ابنها السلطان بالجواري الحسان ليزداد انشغالا وفسادا .         

أخيرا

1 ـ ألا نعذر المتطلعين الى إستعادة الخلافة ؟ أولئك الذين يتغنون بمناقب الدولة العثمانية وخلافتها (الاسلامية )؟

لكى نعذرهم يجب أن نقرأ حياة المتعة والنعيم التى كان يحياها أولئك الخلفاء . ولكى نعذرهم أكثر لا بد أن نتصور معاناة أولئك الطامحين للخلافة. هم يعانون من شعور بالدونية لا علاج له إلا بأن يركبوا ظهور الناس باسم الاسلام . وهم يعانون من فقر مريع ، مع إن لديهم المال الفائض ، ولكن نفوسهم تربت على الجشع ، ولا يمكن إشباع نهمهم إلا بأن تكون لهم أموال الشعب باسم الاسلام . وهم يعانون من الحرمان الجنسى ويتصورون أنفسهم يتقلبون بين آلاف السيقان النسائية وفوق أطنان اللحم الأبيض ومختلف الألوان .. وحتى لو بلغ أحدهم أرذل العمر فهو يطمع فى المتعة الشفهية ..

2 ـ ولكن ..لا يمكن أن نعذرهم ..

يكفى أن تقرأ فاصلا من حياة الفلاح المصرى فى العصر العثمانى لتعرف معاناته وشقاءه ..والفلاح المصرى مجرد حالة من حالات الشقاء التى عاناها جميع ( الرعايا ) فى الدولة العثمانية من العراق شرقا الى حدود المغرب ، ومن جنوب ليبيا واليمن جنوبا الى حدود روسيا والبلقان وصربيا وبلغاريا فى شرق أوربا . معاناة مئات الملايين من المسلمين والمسيحيين كانت لهدف أعظم ، هو أن يتقلب فى المجون والخمر والنساء شخص واحد هو السلطان العثمانى أو خليفة المسلمين .

3 ـ لن نتحدث عن الاسلام المظلوم الذى شوّه أولئك الظالمون سمعته ..ولكن يكفينا أن نقف بقوة ضد استمرار تشويه سمعة الاسلام . لذا فالجهاد الحقيقى هو فى اصلاح المسلمين بحقائق الاسلام وقيمه العليا من التقوى وسمو الخلق والعدل والاحسان واحترام حقوق وكرامة الانسان ـ أى إنسان بغض النظر عن اللون والعنصر والجنس والثقافة ..واصلاح المسلمين بالاسلام يعنى أيضا الوقوف بقوة وحزم ضد أولئك البغاة الذين يريدون أن يصبحوا طغاة ، يسيرون على سنّة الخلفاء الظالمين ؛ العثمانيين وغير العثمانيين .

4 ـ عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ..

اجمالي القراءات 749

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3940
اجمالي القراءات : 33,706,091
تعليقات له : 4,313
تعليقات عليه : 12,889
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي