الأصل المسيحي لخرافة الدجال

سامح عسكر في الثلاثاء 29 يناير 2019


صديق يسأل: قلت أن الدجال خرافة مسيحية، فما تفسير كلمة (المسيخ) وهي أصلها (المسيح) ؟

قلت: الكلمة في بدايتها كانت (الدجال) فقط، وذكرت في مدونات القرن الثاني بهذا الإسم أذكر منها أربعة كتب

أولا: موطأ مالك ذكر لفظ (الدجال) أربع مرات
ولفظ (المسيح الدجال) مرة واحدة

ثانيا: كتاب الزهد والرقائق لابن المبارك ذكر لفظ (الدجال) مرتين

ثالثا: مسند الطيالسي ذكر لفظ (الدجال) 25 مرة 
ولفظ (المسيح الدجال) مرة واحدة

رابعا: مصنف عبدالرزاق ذكر لفظ (الدجال) 4 مرات
ولفظ (المسيح الدجال) 3 مرات

نفس الشئ في مسند الحميدي وابن الجعد وابن أبي شيبة وابن راهويه وسنن ابن منصور ومصنف ابن أبي شيبة الذي ذكر الدجال (100 مرة) نصفهم بلفظ (المسيح) دون حرف الخاء.

هذه أول كتب في الحديث خلا منها لفظ (المسيخ) وتفسيري أن إضافة النقطة فوق حرف الحاء (تصحيف) أي في زمن متأخر أضيفت هذه النقطة بالخطأ، ثم كان شيوع صورة الدجال (ممسوخ) العين اعتقد الناس أن التصحيف أصل وليس زيفا..فشاع بعدها مفهوم (المسيخ الدجال) بينما هي أصلها دجال أو المسيح الدجال نفس المعتقد المسيحي دون إضافة، إنما حذفوا قصة النبي الكذاب مساعد الدجال نظرا لما يعتقده المسيحيون أن النبي الكذاب الوارد ذكره في قصص الدجال لديهم ينطبق على نبي العرب.

أكثر من تكلم عن الدجال هو الراوي "نعيم بن حماد" في كتابه "الفتن والملاحم" ذكر لفظ الدجال (191) مرة و(3 مرات فقط) مسيح دجال، وهذا يثبت تطور الكلمة..فابن حماد المتوفي سنة 228 هـ خصص كتابة لكل ما يتداوله الناس في زمنه مطلع القرن الثالث الهجري عن أحداث نهاية العالم، لم يكن وقتها لفظ (المسيخ) معروفا..!

حتى في الصحيحين البخاري ومسلم لم يذكر لفظ (المسيخ) مطلقا، لم يكونوا يعرفوه، فالبخاري قال لفظ (الدجال ومسيح) 57 مرة بينما مسلم ذكرهم (65) مرة، لا وجود هنا للفظ المسيخ ، وهذا غريب لأن انتشار هذا اللفظ المزور - رغم عدم تدوينه - يشي بأن هناك خطأ ما ، بحثت في أول من ذكر لفظ (المسيخ) كان ابن حنبل في مسنده، والغريب أنه مرة واحدة فقط من (148) مرة، ورأيي أن هذا التصحيف المقصود إما من مخطوطة مسند قديمة أو خطأ من دار الرسالة للطبع والنشر، أو دور نشر سلفية معاصرة اعتمدت طبعات قديمة للمسند بها نفس التصحيف، كان يجب على دار النشر تدارك هذا الخطأ بحذف التصحيف من الطبعات اللاحقة، فابن حنبل لم يذكر كلمة (مسيخ) مطلقا..هذه لم تُعرف في زمنه.

انتشرت كلمة (المسيخ) حديثا بشرائط السلفية عن نهاية العالم، رغم أنها لم تدون فقط سوى في رواية واحدة من ضمن آلاف الروايات، ثم ومع الغزوة الوهابية في مطلع السبعينات أصبح اللفظ شعبي وطُمِسَ اللفظ القديم تماما، ولأن اللفظين مختلفين لم يربط الناس بين القصتين في المسيحية والإسلام.

باختصار: الكلمة هي (دجال) تطورت من (مسيح دجال) لأصلها المسيحي الذي يعتقدون فيه أن الله سيبعث رجلا (يشبه المسيح) يفتن الناس آخر الزمان ومعه نبيا كذابا ، والعهد الجديد كان يحذر من هذا الشبيه بالمسيح الذي سماه يسوع دجالا، أما أوصافه الشهيرة من عملاقيته والحمار والرمح والعَوَر..إلخ هي إضافات عربية وفارسية على الأصل المسيحي في زمن متأخر، بدليل أن متقدمي المحدثين لم يذكروا أوصافه واكتفوا فقط بالتحذير من شره كما ورد في الإنجيل، وقد ذكرت أن هذه الأوصاف للدجال تأثرت بصور آلهة اليونان كالسيكالوب.

واختصار هذه العقيدة كالآتي: الدجال في المسيحية اسمه "عدو المسيح" ويرتبط زمانه بأحداث نهاية العالم وعلاماتها كانتشار الكوارث الطبيعية وشيوع الفوضى والحروب، وأن المسيح في مجيئه الثاني سيخلص البشرية منه ويعيد توحيد العالم تحت راية الصليب المقدس، دخلت هذه العقيدة تراث المسلمين بالتصديق على المجئ الثاني ليسوع الرب، أي لولا الإيمان بحياة المسيح في السماء ما تسللت قصص الدجال..فهما مرتبطين بأحداث النهاية في شروح العهد الجديد..

أيضا الدجال في المسيحية له قدرات شبه إلهية ومهارات ومعارف غير عادية، لا يتحرك إلا بأوامر الشيطان، وتوجد صور للشيطان وهو يأمر الدجال – شبيه المسيح – بتعاليمه رسمت هذه الصور في القرون الوسطى على جدران الكنائس، ويعتبر كلا الرمزين (الشيطان والدجال) صناع الشر في العالم، وكل عدو للكنيسة غالبا يصفوه بهاتين الصفتين، حتى أن متشددي المسيحية قديما أطلقوه على زعماء سياسيين كالامبراطور الروماني "نيرون" ثم نابليون وهتلر..وحاليا أوباما، لعل القاسم المشترك بين هؤلاء بعض مواقفهم من الكنيسة ، والأخير ربما لإلغاءه مرسوم جورج بوش بوقف أبحاث الخلايا الجذعية، فأوباما كان يؤمن بالعلم حتى لو تعارض ذلك مع الدين.

ونظرا لأن خرافة الدجال ظهرت في العصر الروماني الذي تألم فيه المسيح على الصليب والاضطهاد الذي لاقاه المسيحيون من وثنيي الرومان تم تشبيه هذا العصر (بعاهرة بابل) يعتقد المسيحيين أن امبراطورية الدجال هي عاهرة بابل وتم تصويرها في الكنائس بامرأة رائعة الجمال وفي كامل زينتها تركب وحشا بسبعة رؤوس، أي ليست هي دولة الله إنما هي دولة مزيفة خادعة بالزينة تحمل الشر للعالم بما تركبه، والغريب أن هذا المعتقد دخل أيضا التراث الإسلامي، فعاهرة بابل وصف مجازي لامبراطورية الدجال الوهمية،، كذلك صورت كتب الصحاح أن دولة الدجال وهمية،، فعذابها ثواب عند الله والعكس صحيح، الفارق أن تأويل دولة الدجال بدولة القياصرة الرومانية اختفى في عصر التدوين الإسلامي لأسباب لا أعلمها.

أما عن "النبي الكذاب" فهو مساعد الدجال في حكم العالم،عندما ظهر الرسول محمد في جزيرة العرب اتهموه أنه النبي الكذاب في قصصهم المتداولة وأنه ذراع الدجال اليمين، ثم صوروه على لوحات بعض الكنائس في القرون الوسطى وهو يسقط في جحيم جهنم، ومؤخرا ثارت بعض الجمعيات الإسلامية الإيطالية ضد رسوم قديمة في الكنائس تصور النبي وهو يتألم في الجحيم، وكان رد الكنيسة أن هذه الصور تراث تاريخي قديم منذ قرون لا يمكن التخلص منه، في رد أعتقده في رأيي محاولة من الفاتيكان التبرؤ من الخرافة أو تبعاتها خصوصا في عهد النظام البابوي الحالي.

وكما أن للدجال صفة عند المسلمين أيضا له علامة عند المسيحيين، فالمسلم يقول أن بين عينيه كلمة كافر، بينما المسيحي يعتقد أن الدجال سيأمر أتباعه بكتابة رقم 666 على جباههم وأيديهم، ومن يخالف هذا الأمر سيُعدَم..ورأيي أن هذا التشابه طبيعي فاختيار مكان الجبهة وبين العينين يقول بأصل مشترك.

كذلك يوجد ترابط بين تنبؤات اليهود ببناء (هيكل سليمان) المشهور لديهم (بالهيكل الثالث) في القدس وبين أسطورة الدجال فبعد أن يدمر الدجال عاهرة بابل – أي دولته – يأمر الناس بعبادته من دون الله، وبعد بناء الهيكل يقرر الدجال تدمير اليهود ومعبدهم هنا أصبح المجئ الثاني للمسيح ضروريا لقتل الدجال، كذلك فاليهود يعتقدون أن مسيحهم المخلص سيظهر ليصلي في الهيكل، هنا المسيح يعود ليحقق لهم ذلك..لكن وهم له منكرون وأعداء..لذا اعتقد المسيحيون أن عامة جنود الدجال يهود..وهو الذي انتقل للتصور الإسلامي عن الدجال بالحرف ..راجع حديث 70 ألف من يهود أصبهان عليهم الطيالسة في صحيحي البخاري ومسلم.

ولشدة تعلق العرب والفرس بالخرافات والقصص تداولوا قصة "الجسّاسة" الشهيرة في صحيح مسلم، تخيلوا فيه الدجال وحشا مخيفا مسجون في جزيرة بعيدة ومقيد بالسلاسل والأغلال يتحدث إلى صحابي من جذور مسيحية اسمه "تميم الداري" فينبئ الدجال تميما بقُرب خروجه وأنه سيدمر كل القرى والمدن عدا مكة والمدينة، وبرغم غرابة ووضوح تأليف هذه القصة لكن تقبلها محدثي المسلمين على أنها صدق، لم يظهر أي اعتراض عليها سوى في العصر الحديث ومن عدد محدود من فقهاء الحديث كالشيخ الألباني والفقيه الهندي "أبو الحسن الندوي"

أخيرا: سينتهي الدجال عندما يأتي المسيح في مجيئه الثاني ومعه جيوش من الملائكة وأرواح القديسين، بينما الدجال والنبي الكذاب سيحاربون المسيح، وأول من يهلك هم من أطاعوا الدجال بكتابة رقم 666 على جباههم وأيديهم، وبعد هلاك الدجال وجيوشه سيحكم المسيح العالم ويملأه عدلا كما ملأ جورا وظلما، وهنا نكتشف أن الدجال والمجئ الثاني للمسيح وحياته في السماء كلها قصص وأبعاد لنظرية (المُخلّص) فمرة يقولون عليه مسيحا ومرة مهديا، فقط المسلمون هم من جمعوا مُخلّصين في وقت واحد (المهدي والمسيح) كأنبياء يبعثون آخر الزمان لإصلاح العالم.

اجمالي القراءات 1433

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 4,923,510
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 411
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt