هل مصر بلد فقير حقا ؟؟؟ == 3

عثمان محمد علي في الجمعة 26 اكتوبر 2018


 

من كتاب الدكتور عبدالخالق فاروق  (هل مصر بلد فقير حقا ) الذى أُعتقل بسببه .

(7) من وحى نتائح التعداد العام للسكان لعام 2017

أظهرت النتائج الأولية للتعداد العام للسكان والإسكان لعام 2017 ، الذى أعلنته وزارة التخطيط ، والجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء ، يوم السبت الماضى الموافق 30 سبتمبر ، عن حقائق مثيرة وجديرة بالتوقف عندها بالتحليل والشرح . وهذه الحقائق بعضها يتضمن جوانب قصور وفشل فى إدارتنا لمنظومات العمل الوطنى ، سواء فى مجال التعليم ومحو الأمية ، أو فى منظومات الإسكان والتنظيم الإجتماعى ، وبعضها الأخر يشتمل على عناصر قوة تتطلب التعزيز والعمل على توطيدها . سوف أتوقف هنا عند أحد نتائج هذا التعداد ، فى محاولة لإستكمال إجابتنا على السؤال الاستراتيجيى الذى طرحه البعض منذ عدة أشهر إلا وهو : هل نحن بلد فقير حقا ؟ لقد أظهر التعداد الأخير ، أن عدد الشقق السكنية المغلقة قد بلغ 12.0 مليون شقة ، وكان هذا العدد فى تعداد عام 1986 يقارب 3.0 مليون شقة ، ثم زاد فى تعداد عام 1996 إلى 5.5 مليون وحدة سكنية مغلقة ، وفى عام 2006 ووفقا لنتائج التعداد بلغ العدد 7.9 مليون وحدة خالية أو مغلقة ، هاهو الأن يصل إلى 12.0 مليون شقة مغلقة . فما الذى يمكن إستنتاجه وإستخلاصه من هذا الرقم الجديد ؟ نستطيع أن نستنتج الحقائق التالية : أولا : لقد أستخدمت ظاهرة الشقق المغلقة والخالية منذ عام 1986 ، للحديث حول أسباب تفاقم هذه الظاهرة ، وارجعها البعض من لوبى أصحاب العقارات القديمة ، ومناصريهم من نواب مجلس الشعب إلى مسئولية قوانين الإسكان القديمة التى كانت تتحيز لصالح المستأجرين على حساب ملاك العقارات ، وبدأ الضغط مكثفا منذ ذلك التاريخ حتى نجح جماعات المصالح تلك فى إستصدار قانون جديد للعلاقة بين المالك والمستأجرين رقم ( 4) لسنة 1996 ، وتحولت العلاقة إلى علاقة سوقية يحكمها عوامل العرض والطلب . وبرغم صدور هذه القانون المتحيز للملاك العقاريين ، فأن ظاهرة الشقق المغلقة والخالية لم تنقص ، بل على العكس زادت من 5.5 مليون شقة عام 1996 ، إلى أكثر من 7.9 مليون شقة عام 2006 ، ثم هاهى تصل إلى 12.0 مليون شقة عام 2017 . ثانيا : تؤكد هذه الظاهرة بما لا يدع مجالا لأدنى شك ، أن مشكلة الإسكان فى مصر ليست مشكلة عرض ، وبالتالى الحاجة إلى مزيد من بناء الوحدات السكنية ، كما تضمن برنامج الرئيس الحالى وبناء مليون ونصف المليون وحدة سكنية جديدة ، بل ان جوهر المشكلة تتمثل فى الطلب ، أى فى ضعف قدرة المصريين المحتاجين فعلا إلى هذه الوحدات السكنية ، فى تلبية المطالب المبالغ فيها لأصحاب هذه الشقق ، سواء بسبب إنتشار نمط التمليك بأسعار فوق طاقة معظم المصريين ، أو بسبب أرتفاع القيمة الإيجارية المطلوبة لكثير من هذه الشقق ، ومن ثم فأن التحدى الرئيس الذى يواجه الدولة المصرية هو البحث عن صيغة أكثر توازنا فى إستغلال هذه الثروة العقارية غير المستغلة ، وإلزام أصحابها بالتساهل سواء بالبيع أو التأجير بأسعار وقيم مناسبة ، أو فرض ضرائب إجتماعية على إغلاق تلك الشقق دون إستخدام ، أما الإندفاع مرة أخرى فى سياسة البناء وبنفس شروط السوق الراهن للعقارات فأنها سياسة ستخصم من موارد المجتمع وترفع اسعار مواد البناء ، دون أن تحقق حلا ناجعا لمشكلة الإسكان فى مصر . ثالثا : أن هذه الشقق الخالية والمغلقة ، يتراوح أعمارها بين 15 عاما حتى عاما واحدا ، وبالتالى فقد حرمت هذه الممارسة المجتمعية الضارة ملايين الأسر المصرية من الحق فى السكن ، بسبب الطمع الإنسانى من ناحية ، وعوامل العرض والطلب وبقرة اقتصاد السوق المقدسة من ناحية أخرى ، ومن ثم فأن إدارة رشيدة وكفء فى المجتمع والدولة المصرية ينبغى أن تغلب المصلحة الوطنية العليا ، على حق وصيانة الملكية الخاصة المتذرع بها فى هذه الحالة ، من خلال تعديل تشريعى ، يلزم أصحاب تلك الشقق بالتصرف بها خلال مهلة زمنية معينة ، أو تفرض عليها ضريبة سنوية تسمى " ضريبة المسكن المغلق " ، مما يحقق إيرادات للدولة تسمح لها بتمويل برامجها فى مجال السكن الإجتماعى لمحدودى الدخل والفقراء وسكان العشوائيات . رابعا : تظهر هذه الظاهرة الشاذة من جانب أخر ، مقدار سوء الإدارة المجتمعية للموارد والإمكانيات المتاحة ، فهذه الشقق المغلقة والخالية منذ سنوات طويلة ، قد أستهلكت ملايين الأطنان من مواد البناء ( حديد – أسمنت – طوب .. وغيرها ) ، علاوة على المرافق الموصولة للكثير منها ( الكهرباء – الماء .. وغيرها ) ، وكلها استهلكت من الموارد المتاحة فى المجتمع ، ثم أصبحت أصولا مجمدة وغير مستغلة ، يتراوح تكاليفها بين 600 مليار جنيه ( فى حال تكاليف بناء الشقة الواحدة 50 ألف جنيه) ، إلى 1200 مليار جنيه ( فى حال أفتراض تكاليف بناء الشقة الواحدة 100 ألف جنيه ) ، مما حرم المجتمع منها من ناحية ، وبما أدى لزيادة الطلب على تلك المواد ، فأدى لزيادة أسعارها فى السوق المصرية ، دون أن تؤدى فعلها فى تخفيض حدة الإسكان فى المجتمع المصرى . خامسا : ويكشف غياب التخطيط للمشروعات العقارية ، وغير العقارية للحكومة المصرية منذ عام 2014 حتى اليوم ، عن تأثيرات عكسية على تكاليف الانتاج عموما والمشروعات الإنشائية خصوصا ، فهذا التوسع دفعة واحدة قد أدى لزيادة أسعار غير مبررة فى مواد البناء وتكاليف بناء الوحدات السكنية وغير السكنية ، خيث زاد سعر طن الحديد من 5700 جنيها فى نوفمبر عام 2013 إلى أن بلغ 11900 جنيها فى 30 سبتمبر عام 2017 ، وكذلك زاد سعر طن الأسمنت من 530 جنيها إلى 730 جنيها خلال نفس الفترة . أنها الفوضى .. والفشل فى إدارة مورادنا ، والترديد الجوف لمقولة " أقتصاد السوق " ، فأوصلتنا إلى هذا التشوه فى إدارة مواردنا . ولذا نقول أن مصر ليست بلدا فقيرا .. بقدر ما أن حكوماتها فاشلة فى إداراتها .

	تكاليف بناء الشقق المغلقة  والخالية فى مصر عام 2017  تتراوح بين 600 مليار جنيه إلى 1200 مليار جنيه 

____________________ نشر بموقع مصراوى يوم الخميس 5/10/2017 .

 

(8) السيارات الحكومية

تميزت المرحلة الأولى من سياسة الانفتاح الإقتصادى (1974- 1991) بهجرة عدة ملايين من المصريين إلى الخارج ؛ سواء فى صورة هجرة مؤقتة للعمل فى بعض الأقطار العربية النفطية فى الخليج والعراق وليبيا والجزائر ؛ أو فى صورة هجرة دائمة إلى بلاد المهجر فى أوروبا وكندا واستراليا والولايات المتحدة وغيرها . وتقدر بعض المصادر الرسمية وبعض الدارسين حجم هذه الحركة الدائبة والمستمرة من العمالة المصرية خلال هذه الفترة التاريخية بأكثر من اثنتى عشرة مليوناً من المصريين بعضهم فى حركة دائرية ودوارة للبلاد العربية والبعض الآخر بالاستقرار الدائم فى بلاد المهجر (16) . ومع هذه الهجرات الواسعة؛ برز دور التحويلات المالية الهائلة ( العينية أو النقدية ) من جانب هؤلاء المهاجرين والعاملين من بلاد المهجر إلى وطنهم الأُم ( مصر ) ، بحيث أصبحت تدريجياً واحدة من المصادر الأربعة الكبار للدخل القومى وللعملات الأجنبية الصعبة (17) . وكان من الطبيعى أن يؤدى ذلك إلى تحسين مستوى معيشة ملايين الأُسر المصرية فى الداخل ؛ بقدر ما تركت آثار سلبية عديدة ، سواء فى صورة معدلات للتضخم وارتفاع الأسعار الذى ساد الإقتصاد المصرى خلال هذه المرحلة ، أو فى أضرارها ومخاطرها الإجتماعية والمهنية والتعليمية الأخرى .

	على أية حال ؛ كان  من ضمن مظاهر هذا التحسن المعيشى ؛ ازدياد أعداد السيارات  بجميع أنواعها  المملوكة للأفراد والشركات والمؤسسات ؛ بحيث زادت عدد المركبات  فى طرق وشوارع مصر ومحافظاتها المختلفة من 155 ألف مركبة عام 1975 ، إلى  932477 مركبة عام 1981 ، ثم إلى أكثر من 2.5 مليون مركبة عام 1995 ، وإلى ما يقارب 4.9 مليون مركبة عام 2008 (18) . ومن بين هذه المركبات نجد أن السيارات الخاصة ( الملاكى ) قد زادت  بأكثر من خمسة وعشرين ضعفا من 95 ألف سيارة عام 1974 ، إلى 2.6 مليون سيارة عام 2008 ، وهى مستمرة فى الزيادة لتقارب فى الوقت الراهن (2017)  أربعة ملايين سيارة خاصة  . 

أما السيارات الحكومية ، وبرغم تباين المصادر الإحصائية فى نتائج بياناتها وعدم وضوح الأساس الإحصائى الذى بنيت عليه عمليات الحصر والتعداد ، ودرجة شمولها لكافة قطاعات وروافد القطاع الحكومى بمختلف وحداته ، فإننا قد اعتمدنا أساساً على البيانات الصادرة من الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء لاتساع قاعدة بياناتها . ووفقاً للجهاز ؛ فإن عدد المركبات المستخدمة فى القطاعات الحكومية الأربعة ( جهاز إدارى - وحدات محلية -هيئات خدمية - هيئات إقتصادية ) ، يتراوح فى المتوسط بين 77 ألف مركبة و86 ألف مركبة ، دون أن يشمل هذا الحصر القطاعات الرئاسية ( رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء ) والأجهزة الرقابية ( مثل الجهاز المركزى للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية ووزارة الداخلية والمخابرات العامة ) ، وهذه المركبات موزعة بين كافة الأنواع نصفها تقريباً فى صنف المعدات الخفيفة والثقيلة . وقد قمنا بمحاولة التعرف على متوسطات الأسعار السائدة فى السوق المصرية للسيارات ، من أجل الاقتراب من تقديرات مناسبة لحجم تكلفة هذا الأسطول الحكومى من السيارات والمركبات بمختلف أنواعها. وتواجهنا فى هذا المجال عدة صعوبات منهجية ينبغى مراعاتها حينما نقترب من هذه العمليات التقديرية الرياضية مثل : 1-أن تواريخ وأعمار هذه السيارات متفاوتة ، مما يجعل استخدام أسعار الشراء الآن ، مختلفة إلى حد كبير عن أسعارها منذ عشر سنوات أو أكثر. 2-أن تعدد الأنواع والماركات والسعات تضيف إلى صعوبات الأعمار صعوبة إضافية ، نظراً لاختلاف الأسعار باختلاف هذه العناصر. 3-أن عمليات الصيانة والتجديد واستبدال قطع الغيار ، بقدر ما تضيف للأصل ( المركبة ) ، بقدر ما تؤثر فى قيمتها البيعية سواء فى عمليات التكهين أو التخريد اللاحقة . وللدلالة على حجم تشغيل هذه السيارات الحكومية ، نشير إلى ما ورد من بيانات مالية فى الموازنة العام للدولة لعام 2006/2007 حيث تبين أن بندين فقط هما : - وقود وزيوت لسيارات الركوب. - قطع غيار ومهمات . قد تكلفا حوالى 482.7 مليون جنيه ؛ وإذا أضفنا إليهما بند " الصيانة " أو الجزء المخصص منه فقط لسيارات الركوب بالقطاع الحكومى - دون الهيئات الإقتصادية وشركات القطاع العام والأعمال العام - فإن الرقم قد يتجاوز 600 مليون جنيه لذلك العام وحده (20) . وقد زاد هذا المبلغ ليصل عام 2017/2018 إلى 1481.0 مليون جنيه ، وإذا أضفنا إليها الهيئات الاقتصادية وشركات قطاع الأعمال العام والقطاع العام فأن ارقم يتجاوز ثلاثة آلاف مليون جنيه . وتثير قضية استخدام أسطول من السيارات الحكومية وغيرها من الأصول المستخدمة ، قضية من أكثر القضايا تعقيداً فى الفكر الإدارى والممارسة الإدارية فى آن واحد ، ألا وهى مسألة الصيانة Maintenance حيث أن كفاءة أية منشأة أو آلة تتطلب وجود نظام جيد للصيانة والتى تنقسم بدورها بين نوعين هما : - الصيانة الإصلاحية . - والصيانة الوقائية (23). وهو ما يتطلب الأخذ بسياسة نشطة وقادرة على التنبؤ Forecasting نظراً إلى أن الصيانة تستهدف تحقيق الاستخدام الأمثل للمعدات أو المنشآت وكذلك : 1- التقليل من إمكانية حدوث الأعطال . 2- زيادة عُمر المنشأة أو الآلة . 3- إيجاد بيئة عمل آمنة للعاملين . وتشير بعض الدراسات إلى أن المبالغة فى معدلات الإهلاك والتقليل من الأعمار الافتراضية للأصول الثابتة ، قد تؤدى إلى نتائج مضللة ، سواء على مستوى المنشأة أو على المستوى القومى والمحاسبة القومية (24) . أما هيئة الخدمات الحكومية (وهى الجهة المناط لها قانوناً اختصاص إجراء المزايدات والمناقصات الخاصة ببيع الكهنة التى تزيد عن 500 ألف جنيه وحصر الموجودات المخزنية بأجهزة الدولة المختلفة ) ، فقد قدمت إلينا جانباً آخر من الصورة يعكس الأهمية الإقتصادية والمالية لهذه الممتلكات الحكومية ، حيث تبين أن حجم المبيعات من السيارات الحكومية والعقارات والأراضى وغيرها عام 93/1994 قد بلغت حوالى 71.8 مليون جنيه ، ، وقد تجاوزت 1731.9 مليون جنيه خلال الفترة (93/1994- 2005/2006) ، منها سيارات حكومية بقيمة 299.4 مليون جنيه ، ومنها تبين أن مبيعات السيارات الحكومية قد زادت من 12.2 مليون جنيه عام 93/1994 ، حتى بلغت عام 2005/2006 حوالى 40 مليون جنيه ، بما يؤكد الحجم الضخم لهذا الأصل من بين الأصول الحكومية .

	 وبمقارنة الحالة المصرية بدولة  مثل اليونان نجد أن  عدد السيارات الحكومية فيها عام 2009، قد  بلغ حوالى 57 ألف سيارة  ، تتكلف سنوياً حوالى 350 مليون يورو ؛ وقد ترتب على الأزمة الإقتصادية التى تعصف باليونان حالياً أن أعلن رئيس الحكومة " جورج باباندريو " المنتخب ( خريف 2009 ) إلغاء استخدام نصف السيارات الحكومية ؛ والامتناع عن امتلاك الدولة لأية سيارات تزيد سعتها عن 1600 سى سى. وأكد وزير الداخلية أن هذا القرار يهدف إلى الحد من تكاليف الوقود والصيانة (22). 

أى أن التقدير المبدئى لهذه السيارات والمركبات الحكومية ( باستبعاد الهيئات الإقتصادية والقطاع العام والأعمال العام والقوات المسلحة والشرطة وهيئات رقابية يتراوح بين (6.4 مليار جنيه إلى 14.1 مليار جنيه ) .

	وإذا أضفنا إليها ممتلكات هذه الجهات الكبرى ، مثل رئاسة الجمهورية وأجهزة الأمن والرقابة فأن الرقم قد يتجاوز 20 مليار جنيه وفقا للأسعار عام 2010 أى قبل تغريق الجنيه المصرى عام 2016 . 

فهل هذا تعبير عن دولة فقيرة .. وفقيرة قوى كما يقال ؟

________________ نشر بموقع مصراوى يوم الخميس 12/10/2017 .

 

(9) الموارد البشرية والكثافة السكانية

يعانى الخطاب الحكومى والرسمى المصرى منذ سنوات طويلة ، من حالة إنفصام وإزدواجية ثقافية وسياسية حينما يأتى الحديث حول الموارد البشرية المصرية والكثافة السكانية ، ،.ففى حين ينظر إليها أحيانا بأعتبارها قوة وثقل للوجود المصرى فى المحيط العربى والإقليمى والدولى ، ويتعامل مع الدول العربية وغير العربية الأقل سكانا ( حالة قطر مثلا ) بدرجة من الإستخفاف والتواضع ، فأنه يعود ليكرر فى أكثر من مناسبة _ وأخرها نتائج التعداد السكانى الأخير عام 2017 – بأن كثرة السكان يمثل كارثة تلتهم ما يسميه " ثمار التنمية " .. !! والحقيقة أن الموارد البشرية لم تعد مجرد عنصر فى العملية الإدارية والإنتاجية ، بقدر ما أصبحت أصلا من أصول الدولة ، سواء كانت إنتاجية أو خدمية ، وتتفاوت الدول والمنظمات الإدارية ومنظمات الأعمال فى أدائها بسبب تفاوت درجة وكفاءة استخدامها للأصول البشرية ، وتوظيفها بالصورة المناسبة بما يتناسب مع مؤهلاتها وخبراتها ودرجة تدريبها ، وعندما تنظر المنشأة أو القائمون عليها إلى العناصر البشرية باعتبارهم عبئا على المنشأة أو المنظمة ، فلا شك أننا بصدد مشكلة كبرى فى سياسات الإدارة ونظم التشغيل ، سواء كان ذلك على صعيد المنشأة ، أو على الصعيد القومى العام أو القطاع الحكومى . ويمتلك القطاع الحكومى المصرى قدرات بشرية ، وخبرات كبيرة فى كافة المجالات ، برغم سوء إدارة بعضها ، أو تواضع النتائج فى بعض المنظمات الحكومية هنا أو هناك . ووفقاً للبيانات المتاحة فإن الجهاز الحكومى المصرى يعمل به عام 2011 حوالى 5.5 مليون موظف وعامل وهذا العدد لا يتضمن العاملين بنظام التعاقد أو العمالة المؤقتة المربوطة على مشروعات ممولة ، سواء من الموازنة أو من جهات أجنبية ، ثم جرى بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 ، ضم وإلحاق عشرات الآلاف الأخرين إلى جداول الوظائف الحكومية ، إرضاء لبعض الفئات ، وإستجابة لمطالب عشرات الآلاف الذين ظلوا عاملين بنظام التعاقد المؤقت لسنوات طويلة فزاد العدد عام 2017 إلى ما يقارب حوالى 6.5 مليون شخص ، بما فى ذلك العاملون فى الهيئات الاقتصادية ، التى يجرى تحويلها إلى شركات بصورة تدريجية .

على أية حال ، إذا تأملنا بيانات هؤلاء العاملين نجد الأتى  :

1-أن الثقل الرئيسى للعاملين بالقطاع الحكومى هم من حاملى الدرجات الجامعية ( الوظائف التخصصية ) بنسبة (27.7٪) يليها حملة المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة الفنية بنسبة (21.6٪) .

2-وحملة المؤهلات المتوسطة من شاغلى الوظائف المكتبية فنسبتهم (15.8٪) والوظائف الحرفية (5.7٪) .

3-أما وظائف الكادر الخاص فهم يشكلون(18.2٪) معظمهم من كادر الشرطة ، ثم أعضاء التدريس الجامعى والسلكين الدبلوماسى والقنصلى ، وسلك القضاء .

4-وأخيراً فإن غير المؤهلين من شاغلى وظائف الخدمات المعاونة ( السعاة والتمرجية .. الخ ) فهم يشكلون حوالى (10.6٪) .

ومن ناحية أخرى فإذا توقفنا عند الوزارات التى يعمل بها العدد الأكبر من هؤلاء الموظفين نجدها أربعة وزارات هى وزارة التربية والتعليم ( حوالى 1.8 مليون موظف ) ، يليها وزارة الداخلية ( حوالى 830 ألف موظف ) ثم وزارة الأوقاف ( حوالى 450 ألف موظف ) ، وأخيرا وزارة الصحة ( حوالى 420 ألف موظف ) ، وهذه الوزارات الأربعة تستحوذ على حوالى 60% من إجمالى العاملين بالقطاع الحكومى . هذه هى ملامح الصورة الأساسية للعمالة والتوظف فى القطاع الحكومى ، فإذا انتقلنا إلى خصائص التأهيل العلمى يتبين لنا أن حملة المؤهلات فوق الجامعية ( دكتوراه ـ ماجستير ـ دبلوم ) يشكلون ثقلاً هاماً ( أكثر من مائة وخمسون ألف شخص) ، ثم المؤهلات العليا بكافة تخصصاتها ، أما الكوادر العلمية المتخصصة التى تعمل على الحاسبات الإلكترونية بالقطاع الحكومى ، وتمثل أحد الأصول العينية والمادية المتاحة داخل هذا الجهاز فقد زاد عددها من 3891 كادراً علمياً عام 1980م إلى 10784 كادراً علمياً عام 1986 وبحلول عام 1999 كان العدد قد تجاوز 24043 كادراً علمياً ، وبحلول عام 2010 كان هذا العدد قد تجاوز مائتى ألف كادر متخصص فى مجالات التعامل مع الحاسبات الإليكترونية ، وفى عام 2017 تجاوز الرقم ربع مليون موظف ، هذا بخلاف العاملون فى بقية التخصصات بالجهاز الحكومى المصرى . وهنا يثور التساؤل ما هى تكاليف تعليم وتدريب كل هؤلاء على المجتمع والدولة المصرية ؟ وما هى التكاليف والعوائد الخاصة بأقرانهم وزملائهم الذين سافروا للعمل بالخارج ؟ فإذا قدرنا تكاليف تعليم هؤلاء وفقا لأسعار الفترة الزمنية من عام 1965 حتى العام 2011 على النحو التالى :

  • الوظائف التخصصية ( أى حملة المؤهلات العليا ) يتراوح بين 50 ألف إلى 75 ألف جنيه .
  • الوظائف الفنية ( أى حملة المؤهلات المتوسطة الفنية ) يتراوح بين 30 ألف إلى 50 ألف جنيه .
  • الوظائف المكتبية ( حملة دبلومات التجارة وما يعادلها ) يتراوح بين 30 ألف إلى 40 ألف جنيه .
  • موظفى الوظائف الحرفية غير المؤهلين يعادل صفر .
  • وظائف الكادرات الخاصة يتراوح بين 50 ألف إلى 100 ألف جنيه .
  • وظائف الخدمات المعاونة ( أى العمال والسعاة ) يعادل تكاليف صفر .

لقد بلغ تكاليف تعليم هؤلاء على الدولة والمجتمع المصرى ، حتى عام 2011 ، ما يتراوح بين 186 مليار جنيه إلى 304.5 مليار جنيه ، والبيان التالى يقدم صورة تقديرية حول تكاليف تعليم هؤلاء العاملين :

جدول رقم (1)

متوسط تكلفة تعليم العاملين بالوظائف الحكومية على الدولة والمجتمع المصرى حتى عام 2006م المجموعة الوظيفية أعدادهم متوسط تكلفة الفرد بالجنيه إجمالى التكاليف الوظائف التخصصية 1494063 50 ألف إلى 75 ألف 75 مليار جنيه إلى 112.5 مليار جنيه الوظائف الفنية 1164146 30 ألف إلى 50 ألف 36 مليار جنيه إلى 60 مليار جنيه الوظائف المكتبية 889239 30 ألف إلى 40 ألف 27 مليار جنيه إلى 36 مليار جنيه الوظائف الحرفية 23717 صفر صفر وظائف الكادرات الخاصة 963523 50 ألف إلى 100 ألف 48 مليار جنيه إلى 96 مليار جنيه وظائف الخدمات المعاونة 592545 صفر صفر الإجمالى 5127233 - 186 مليار جنيه إلى 304.5 مليار جنيه

وإذا أضفنا إليها قيمة تكاليف التدريب واكتساب المهارات ، والتى تقدر بحوالى 20.0 مليار جنيه أخرى ، فأن التكاليف الإجمالية لتعليم وتدريب هؤلاء تقارب 200 إلى 320 مليار جنيه .

وتتخذ هذه التكاليف المجتمعية أهميتها ، حينما نتأمل سفر ملايين المصريين للعمل فى البلدان العربية والأوربية وبلاد المهجر ، والمقدر عددهم بحوالى 20 مليون مصرى ، داروا دورة كاملة لمدة أربعين عاما ، حولوا لمصر أكثر من 200 مليار دولار منذ عام 1974 حتى عام 2016 ، وكل هؤلاء تعلموا فى مصر وتدربوا غالبا فى مصر ، وكانوا عونا لمصر وقت الأزمة العاصفة التى مرت بها بعد عام 2011 ، وحتى يومنا الراهن .

والمشكلة الكبرى التى تواجه صانع القرار فى بلادنا ،هى عدم القدرة على التمييز بين القدرات الكامنة والقائمة فى مصر ، وبين طريقة الإستفادة منها وتحقيق الثمار المرجوة ، وهى فى جوهرها مشكلة قيادة وأزمة إدارة كفء لمواردنا وطاقتنا المتاحة وبعد هذا يقول البعض أن مصر بلد فقير .. فهل نحن بلد فقير حقا ؟

 

___________________ نشر بموقع مصراوى يوم الخميس 19/10/2017 .

اجمالي القراءات 219

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق