الدور الإيراني في الشرق الأوسط (3)

سامح عسكر في الأربعاء 30 مايو 2018


الفصل الثاني: أدوات وأسلحة الدور الإيراني في الشرق الأوسط

وهي عبارة عن قوى وأوراق وأدوات مؤثرة ومتنوعة ما بين السياسة والاقتصاد والدين والمذهب والأيدلوجيا تخدم توجه إيران في المنطقة، وتقديري أنها تنقسم إلى قوى مباشرة وأخرى غير مباشرة.

أولا: القوى المباشرة

1- حزب الله اللبناني، وهو القوة الأكبر في لبنان الآن جماهيريا وعسكريا ، وتنبع قوته من نفس مكامن القوة الإيرانية بمبادئ المقاومة وتحرير الأرض ومعاداة الاستعمار، ومؤخرا نجح في الانتخابات البرلمانية اللبنانية بكسر عوائق المحاصصة عبر تحالفه مع قوى سنية في الشمال والوسط اللبناني المعروف بمركزيته للطائفتين المسيحية والسنية، وأعتقد هذا النجاح هو انعكاس لدعاية الحزب وجهوده في صد خطر الدواعش على لبنان في عرسال والقلمون والقصير، هذا جذب له مزيد من المتعاطفين كان متوقعا أن يفوز في أول انتخابات وقد حدث.

نشأ الحزب عام 1982 بجهود لمرجعيات شيعية لبنانية متأثرة بالثورة الإيرانية ك "محمد حسين فضل الله" وكرد فعل على تهديد مجتمع الجنوب اللبناني الشيعي إبان الغزو الإسرائيلي له في بداية الثمانينات، وعلاقة الحزب بإيران ليست فقط أيدلوجية خاصة بالمقاومة والثورة بل هناك عامل إثني مشترك وهو المذهب الإمامي الإثنى عشري، وفقهي بولاية الفقيه ، وقيام الحزب على مبادئ إيرانية رفعتها الثورة كالتقريب بين المذاهب والوحدة الإسلامية..وهو ما سنناقشه في الفصل الأخير.

أعتبر أن حزب الله هو القوة الأعظم للدور الإيراني في الشرق الأوسط ، ففوق تمدده بشعارات المذهب والمقاومة والتحرير..هو أيضا له علاقات طيبة مع بعض الحكومات العربية بمعزل عن علاقة تلك الحكومات بلبنان، ومن هؤلاء تونس والجزائر، بل لديه تنسيق مع روسيا منفصل عن علاقته بالدولة اللبنانية ضمن فصول الحرب السورية، إنما الاختلاف في التعاطي مع هذا الدور، فدوافع الإسرائيليين من الحزب متعلقة بقوته العسكرية في الجنوب اللبناني التي يراها الإسرائيليون تهديدا لسكانهم في الشمال، أما دوافع الخليجيين فهي غريبة لدي كقارئ، لأنه لا مصلحة جغرافية أو وجودية تهدد كلا الطرفين، فلا حزب الله يعلن عداءه لدول خليجية، ولا بينهما جوار جغرافي .

أستطيع تفسير هذا الموقف الخليجي من الحزب أنه أيدلوجي مزدوج يجمع بين ثناياه عوامل (الطائفة والثورة) فالأول عدائي مشهور بين شعوب الخليج السلفية الحنبلية، وبين الحزب الإمامي الشيعي، وبينهما عداء تاريخي وفكري معروف، أما الثورة فلتعلق مبادئ الحزب بالثورة الإيرانية المهددة لعروش دول الخليج بالخصوص، لقيام فكرة الثورة الإيرانية على ضرب الملكيات والأنظمة المستبدة وتحويلها لنُظُم ديمقراطية شعبية ولائها الكامل لمصالحها بعيدا عن قوى الاستعمار، وقد تبنى الحزب هذا المبدأ وكثيرا ما يرفعه وينادي به زعيمه دون مواجهة مباشرة مع دول بعينها.

ويمكن استثناء موقف الحزب من السعودية بوصفه موقفا عدائيا وحيدا يتعلق فقط بالحرب اليمنية، إنما حسن نصر الله يحرص دائما في خطاباته على تقديم صورة متسامحة ومعتدلة تعالج طبيعته المذهبية، وفي نفس الوقت بتقديم صورة الثائر على الظلم لعلاج تبعيته لإيران، فالثائر على الظلم في الأخير لا يميز لو حدث ذلك في بيته، بينما الحزب تورط في صراعات أهلية لبنانية وإقليمية شككت في نزاهة موقفه المدافع عن المظلومين، وعلى كلٍ فقد حرص قائد الحزب على امتصاص غضبة خصومه بنداءات أخلاقية، سواء التي ينادي بها في اليمن دون تمييز بين حكومة هادي والحوثيين ويركز فقط على خصومته للجيش السعودي ، أو بين فرضياته ونظرياته لتفسير أزمة الحريري الأخيرة المعروفة باختطاف ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" له في الرياض وإجباره على الاستقالة بإعلان خطاب عدائي لحزب الله وإيران.

وقد عالج الرئيس الفرنسي "ماكرون" هذا الحدث بإرجاع الحريري إلى بيروت عبر محطة قصيرة له في باريس، ثم عدل الحريري عن استقالته وتغيير مضمون خطابه العدائي لحزب الله بنسبة كبيرة، وقد أسهمت هذه الأزمة في إضعاف الحريري داخليا حتى أثرت عليه في الانتخابات، وظني أن تيار 14 آذار خسر الانتخابات لحدثين اثنين، الأول: هذه الحادثة السعودية بامتياز، الثاني: تقاعس التيار عن بناء رؤية واقعية وفلسفة إعلامية وسياسية حول موقفهم من داعش والقاعدة على الحدود، وفرغت الساحة تماما لعناصر وإعلام المقاومة حتى انتشر نفوذها داخل معاقل تيار الحريري.

وأخيرا: يوجد عامل مهم جدا في قوة الحزب والدور الإيراني بالعموم ألخصه في شخصية الأمين العام الثالث للحزب "حسن نصر الله" هذا الرجل قوة فريدة تجمع بين الثقافة والخطابة والفقه الديني بكوكتيل يختصر مفهوم القائد في الثورة الإيرانية، فالقائد يجب أن يكون مثقف وفقيه مطلع في الدين، ولديه حس سياسي وقوة شخصية لينجح في السيطرة والتواصل الدبلوماسي، وهذا متوفر في حسن نصر الله، فالرجل نتيجة لعزلته عن العالم الخارجي –خشية اغتياله – يبدو أنه يتفرغ فيها للقراءة والاطلاع والاستنارة الداخلية فحسب، ثم يفرغ طاقات هذا العلم والتنوير الداخلي له في خطاباته المتلفزة الحماسية ، فيُكسِب جمهوره ومستمعيه ثقافة وتعاطفا غير عادي..ثم تُوظّف تلك المكتسبات لخدمة الدور الإيراني في الأخير.

2- حركة حماس، وهي فرع الإخوان المسلمين في فلسطين تشكلت عام 1987 بجهود علماء وزعماء فلسطينيون تأثروا أولا: بالانتفاضة الفلسطينية عام 86 ، وثانيا: بالحرب الأهلية اللبنانية في الثمانينات، وثالثا: بقيم الثورة الدينية الإيرانية عام 79، وساهم تاريخ زعيمها الشيخ " أحمد ياسين" في تشويه الحركة خصوصا مع مصر لتاريخه السئ ضد عبدالناصر، ولأنه كان من ضمن المفرج عنهم بعد نكسة 67 فشاع من وقتها في مصر أن حركة حماس عميلة لإسرائيل في الحقيقة، وأن مقاومتها للصهاينة كذب..

أعتبر أن حماس - ورغم تأثرها بثورة الخوميني- هي أضعف حلقات الدور الإيراني في المنطقة، أولا: لطبيعتها السنية السلفية الإخوانية، جعلها أقرب لروح الشارع العربي وغالبية متديني المسلمين، وهذا مختلف عن التدين الإيراني بما يعني خطابا حمساويا يختلف في جوهره عن خطاب المراجع الشيعية ، لكن ليس بالمطلق..فوارد أن يتحول هذا الضعف إلى قوة باعتبار سنية حماس المطلوبة لخطاب شعوب العرب السنية، وأن الهدف الإيراني المطلوب بالثورة والمقاومة لا يتطلب بالضرورة أن يحدث من الشيعة، وبالتالي تتوحد قضايا المسلمين، لذا أعتبر أن هذه الحلقة الضعيفة في سلسلة إيران ليست إلا حصان طروادة اخترقت به إيران مجتمعات العرب السنية بإثبات عدم طائفية السياسة الإيرانية.

ثانيا: لتركزها في قطاع جغرافي ضيق جدا يعاني من مشاكل في الاقتصاد والسياسة والبنية الاجتماعية..وأثر ذلك على نفوذها السياسي خارج فلسطين بالعموم، وأسباب ضعفها هذه انعكست على موقفها من الثورة السورية فتعاطفت معها بحكم تدينها السلفي السني، ولسيطرة جناح حركة فتح عليها بحكم الدعم المالي الخارجي من الأمم المتحدة والمانحين الأمريكيين والخليجيين المقدم للحكومة الشرعية المعترف بها في رام الله، وهذا أثر كثيرا على مواقف الحركة حين ضعفت أكثر من مرة وخضعت للابتزاز فيما يتعلق بقضايا المصالحة الداخلية والمعابر مع مصر وإسرائيل ، ثم طبيعة مساعدات الأنروا في قطاع غزة.

إنما تبقى قوة حماس الأساسية أنها حركة أيدلوجية مقاومة ثورية في الأخير، يعني مبادئها عابرة للحدود، لذلك وارد أن تجد متعاطفين معها بعيدا عن الدور الإيراني الذي تمثله.

3- سوريا، والمقصود هو نظام الرئيس "بشار الأسد" واعتمدت اسم الدولة لتحقق تأييد مؤسساتها لقيم الثورة الإيرانية التي هي نفس قيم حزب البعث العروبي، وفي الفصل السابق عرضنا طبيعة العلاقة بين الدولتين بما يخدم الدور الإيراني، وأن محور تلك الطبيعة هو المشترك القيمي لكلتا الدولتين في مقاومة الاستعمار وأهداف تحرير فلسطين، صحيح هذا المشترك يعد من مخلفات عصر القومية لذلك تجد الدولتين معاناه في الاندماج والتعايش مع المجتمع الدولي المعاصر..إنما قيمة التحرير ومقاومة الظالم هي صفة أخلاقية ملازمة للإنسان، لذلك حتى مع عزلة سوريا عن المجتمع الدولي لكنها ما زالت حالة أخلاقية مهمة جدا جذبت لها العديد من المتعاطفين.

سوريا هي سلاح مباشر لإيران ذو طبيعة مختلفة عن كل أسلحتها الأخرى، وهو أنه يعبر عن دولة بمؤسساتها السيادية والقانونية وانخراطها في تجمعات إقليمية ودولية، وهذا غير متحقق مثلا في كل الأسلحة الأخرى –حماس وحزب الله- وبالتالي طبيعة هذا السلاح ما دامت مختلفة تأثيره أكيد سيكون مختلف بحيث يضفي على سياسات إيران في المنطقة صبغة تشريعية وقانونية دولية، وتجلى ذلك في دخول الحرس الثوري الإيراني سوريا لمواجهة داعش والقاعدة، الشكل أنه يحارب لرغبة الحكومة الشرعية السورية في المساعدة..وهذا قانوني، بينما الجوهر هو المصلحة الإيرانية بعدم تمدد التكفيريين، وتواجد إيران بالقرب من حدود إسرائيل مباشرة..وهي فرصة لم يكن يحلم بها أكثر المتشائمين منذ 10 سنوات أن تصل إيران بقواتها لهضبة الجولان، وتطلق صواريخ على إسرائيل قصيرة المدى تكسر فيها منظومة الأمن الصهيوني.

إنما لطبيعة كلتا الدولتين – هذه إسلامية وهذه علمانية- يظل السلاح السوري في يد الإيرانيين محدود الأثر والقيمة إذا ما أراد الإيرانيون نشر أصوليتهم الشيعية، فالمجتمع السوري من أكثر مجتمعات العرب انفتاحا وتنوعا دينيا ولغويا، وهو انعكاس لنهضة فكرية حدثت في القرن العشرين ضمت بلاد "مصر ولبنان وسوريا والعراق" كأمثال السوريين العلمانيين جورج طرابيشي وصادق العظم وأنطون مقدسي وقسطنطين زريق وبرهان غليون والشاعر أدونيس ..وغيرهم..وفي مجال النقد الديني محمد شحرور وعدنان الرفاعي ..وغيرهم.

ويخطئ أكثرية العرب في الربط بين مذهب عائلة بشار الأسد (العلوية) وبين تحالفه مع إيران باعتبار أنه تحالف شيعي بين العلوية والإمامية..وهذا غير صحيح، فعلمانية الأسد تعني أنه لا يفكر بمذاهب ولا صلة بين دين عائلته وبين سياساته في سوريا، وكثيرا ما كنت أعتقد دعاوى المعارضين في ذلك ووصفها بالكاذبة التي ستؤدي بالتبعية لقراءات خاطئة، وقد حدث.

فنتيجة لهذا الحكم الكاذب جند المتطرفون مئات الآلاف من المسلحين الأجانب الذين غزوا سوريا بدعاوى الجهاد ضد الشيعة، بينما الواقع كان يقول أن جيش الأسد ذو أغلبية سنية ووزير دفاعه سني المذهب، وقياداته العليا (سنية – علوية –مسيحية) بالترتيب الكمي، وهذا يعني أن الغزوة الجهادية لم تجد حواضن شعبية بما يكفي لإزاحة الأسد ، ولعجز الطرفين على الحسم اشتعلت حرب أهلية لمدة 7 سنوات حتى الآن خدمت الدور الإيراني وأعطت له سوريا على طبق من ذهب، ولو فكر المعارضون في تبعات ومآلات تسليح ثورتهم بمرجعيات طائفية وأثر ذلك على خدمة إيران لتغيرت أشياء.

4- العراق، ورغم أنه سلاح ظاهريا يمثل دولة لكنه مختلف عن سوريا لعوامل منها وجود قواعد شعبية عراقية (شيعية) معارضة لإيران، ومتأثرة بحرب الثمانينات القومية- التيار الصدري نموذج – ولخلاف المرجعيات الفقهي بين قم والنجف لا نستطيع القول أن دين إيران والعراق واحد، إنما متطابق كليا في عدة ملفات منها "حب آل البيت –الموقف من الصحابة ..خصوصا معاوية- الإمامة السياسية" إنما الملف الأخير هذا لا يشكل بالنسبة للعراقيين واقع تنفيذي كونه أحد متطلبات عصر المهدي، بينما الإيرانيون نفذوه بنظريتهم الفقهية الشهيرة "ولاية الفقيه"

إذن يوجد تباين ديني بين إيران والعراق يجعل مسألة تبعية العراق لإيران محل نظر، صحيح يوجد تعاطف واعتراف بالجميل على مستوى القادة والشعب لدور إيران في الحرب ضد داعش..إنما يصدق فيهم المَثَل المصري "اللي في القلب في القلب" حتى تطفو خلافاتهم على السطح مثلما يحدث الآن في الانتخابات النيابية العراقية، فالكتل الشيعية مختلفة الجذور والأهداف اختلفت أصلا حول طبيعة الدور الإيراني في بلدهم، فانقسموا بين مؤيد لسياسات إيران الخارجية باعتبار أن مصلحة البلدين واحدة ومن هؤلاء أنصار المالكي وحزب الدعوة والحشد الشعبي وبعض المستقلين، وبين من يرى أن مصلحة العراق مقدمة على مصلحة إيران بضرورة عدم تدخل العراق في مشكلات الشرق الأوسط الحالية..ومن هؤلاء تيار رئيس الوزراء الحالي "حيدر العبادي" وطبيعي أن يوافق رأيه هذا هوى الصدريين.

إنما رأيي أن الشعب العراقي في غالبيته العظمى متعاطف ومؤيد لسياسات إيران، لم أعقد إحصائية لذلك إنما هو استنتاج شخصي من متابعة قنواتهم وصفحاتهم الكبرى على السوشال ميديا، إضافة لطبيعة خلاف الأنداد حول الدور الإيراني في العراق، جميعهم يتفقون على جَميل إيران وصدق نواياها في مساعدتهم لتحرير بلدهم من داعش، إنما مختلفون حول السؤال الجوهري: ماذا لو تعارضت مصالح كلا البلدين؟

ولأن الخلاف وصل لقاعدة يتفقون فيها على نزاهة دور إيران في العراق أصبحت سياسة العبادي الخارجية على الأقل لا تقف ضد مصلحة إيران وتنأى بنفسها عن العراك الحالي بين الخليج وإيران، أولا لكسب ود غالبية الشعب العراقي المتعاطف مع طهران، ثانيا كي لا يُغضِب خصوم إيران المهمين وما يمثلوه من مرجعيات دينية كالتيار الصدري، وهذه الواقع رغم وضوحه لكن يظل ملتبس ولا يجيب عن سؤال جوهري: ماذا لو قامت حرب دينية في المنطقة أحد أطرافها إيران..ألا يؤثر ذلك على المجتمع العراقي الشيعي؟..ورأيي أن أي جواب على هذا السؤال سيمثل معضلة للساسة العراقيين وطبيعة ولاءاتهم والتزاماتهم خصوصا تجاه الغرب الذي ساعدهم أيضا بقوات عسكرية ومعدات في إطار تحرير بلدهم من داعش.

وباختصار: فالعراق تعد سلاح لإيران بالفعل..إنما سلاح شعبي وإعلامي ومعنوي، وموقف سياسي رافض للتعرض لها وتهديد أمنها، أما أن تنضم العراق كحليف عسكري لإيران ضد قوى إقليمية ودولية..هذا مستبعد للأسباب المذكورة عاليه.

5- قطر..وهذا سلاح إيراني مهم جدا ليس لأن قطر دولة غنية ومستقرة، بل لأنها عضو في مجلس التعاون الخليجي، وإعلامها قرر بعد الأزمة الخليجية في يونيو 2017 الوقوف على الحياد في إطار الصراع بين إيران والمملكة بعدما ظل سنوات منحازا بعد 2011 لأسباب تتعلق بالوضع في سوريا.

وطبيعة دور قطر كسلاح ليس في ما يهدد مجلس التعاون، ولكن في ما يهدد إيران، موقف قطر السياسي ضد تهديد إيران والخليج معا لرؤيتهم بوحدة المصالح والدين، وكرر الأمير تميم هذا الكلام أكثر من مرة أنهم ليسوا في حلف ضد إيران، واعتبر دولته خارج مقررات مؤتمر الرياض الشهير الذي جمع الرئيس الأمريكي"ترامب" بزعماء وقادة الدول الإسلامية والعربية لتشكيل جبهة سياسية وعسكرية ضد إيران، رأت قطر أن هذه الجبهة لا معنى لها وتضر مجلس التعاون بالأساس.

إنما تبقى قطر مختلفة عن إيران في جوانب عدة (كاللغة والمذهب) إنما متفقين في خصومتهم للمملكة السعودية وفي المصالح الاقتصادية المشتركة في حقول الغاز المائية، وهذا في رأيي هو الملف الذي يجعل من قطر سلاح إيراني عند اللزوم، أولا: لوحدة المصالح الاقتصادية، ثانيا: لوحدة الموقف من آل سعود ..خصوصا قيادة الملك سلمان، ولن أفصل كثيرا في دور قطر ضمن محور إيران ..لكن سأكتفي بالإشارة أن قيادة قطر لها تاريخ في الخلاف مع عائلتي آل نهيان الإماراتية وآل سعود في المملكة تعود جذوره لانقلاب الأمير "حمد بن خليفة" على أبيه في التسعينات، وانتهاج الإمارة توجها مستقلا بعيدا عن توجيهات وأوامر مصر والسعودية.

ولأن قطر كما هي سلاح إيراني معنوي وإعلامي الآن هي أيضا حليف تركي عسكري باتفاقية دفاع مشترك، ليكتمل الثلاثي "قطر –إيران –تركيا" بحضور عسكري وسياسي على الضفة الشرقية لشبه الجزيرة العربية، ولست في وارد تحليل الأزمة الخليجية ولكن استعراض دور قطر كسلاح إيراني فقط في الخليج بإيجاز غير مخل.

6- سلطنة عُمان، وهذه ليست سلاح بالمعنى الجوهري بل لأنها خارج أي صراعات في المنطقة، ووضعتها هنا كسلاح لطبيعة الاستقطاب في الحروب، فالسلطنة ترى في إيران جار شقيق بمصالح مشتركة دينية واقتصادية وعسكرية وقومية، رغم أن السلطنة ترى في السعودية نفس الشئ، إنما الاستقطاب في الحروب يجعل من عُمان وخطابها السياسي وإعلامها ونفوذها القبائلي في ساحل عُمان مصدر أمان بالنسبة للإيرانيين، لذلك فهي سلاح نعم...لكن بمعنى (درع)

7- الحوثيون في اليمن، وهذا أشهر سلاح إيراني الآن في الشرق الأوسط لتعلقه بحرب اليمن منذ 3 سنوات، ورغم الفوارق المذهبية –الحوثي زيدي وإيران إمامية- لكن متحدين لدوافع أيدلوجية كالتي جمعت الإيرانيين بحزب الله، أي مقاومة الصهيونية والاستعمار وتحرير الأراضي من الدول الأجنبية الغازية، وحقيقة عندما أبحث في طبيعة الحوثي أجد جانبا قوميا أكثر مما هو جانب ديني، فشعارهم الشهير "الموت لأمريكا ..الموت لإسرائيل..اللعنة على اليهود..النصر للإسلام" هو شعار مزيج بين الروح القومية والدينية، ولطبيعتهم القبلية في اليمن أضافوا لهذا الشعار معنىً قبائليا محليا أكسبهم قوة وقدرة على التواصل والإقناع.

إنما تثار دائما علامات استفهام وتشكيك في دورهم كسلاح إيراني، فحتى الآن ورغم مرور 3 سنوات من الحرب لم يدخل جندي إيراني واحد تلك المعركة كما دخلوها في سوريا والعراق..وبالسلاح في لبنان وغزة، ولم تتدخل إيران بثقلها الدولي في فضح جرائم العدوان بالطيران بعد، حتى الاتهامات بإرسالهم صواريخ للحوثي مشكوك فيها، ودائما هي مسار دعاية سعودية أمريكية لزوم الحشد..لكن عند التعيين فقد صرحت إدارة أوباما في عام 2016 أنه لا دليل لديه بدعم إيران للحوثي عسكريا، ولتصريح مسئولين روس أن صواريخ الحوثي هي صواريخ روسية قديمة معدلة، ورأيي أن الموضوع مُشكَل، فحجم التسليح للحوثي كبير يشي في النفس بمساعدات إقليمية أو دولية، لكن في نفس الوقت برجوع ذاكرتنا للوراء سنرى أن نظام علي عبدالله صالح كان مهتم بتسليح جيشه خصوصا من روسيا وكوريا الشمالية، أي الصواريخ الحالية ربما تكون بقايا للترسانة الضخمة القديمة.

إنما لوحدة الأيدلوجيا بين الطرفين وخصومتهم لآل سعود ولاشتراكهم في عاطفة حب آل البيت أرى أن علاقتهم تخطت حاجز الصداقة إلى التحالف في القضايا المصيرية، بمعنى وجود عاطفة مشتركة بينهما كافية للتواصل ووحدة الخطاب، وهذا ما أشكل على بعض المتابعين حتى اعتقدوا أنهم واحد، وعن الصواريخ فلي رأي وسط في ذلك أن برامج الصواريخ التكنولوجية يسهل نقلها من بلد لآخر، فقد تكون تلك الصواريخ هي ثمرة برنامج إيراني بالأساس، وسبل الاتصال الآن متوفرة دون انتقال من مكان إلى مكان، يعني ليس بالضرورة أن يحضر مستشار عسكري أو خبير صواريخ وأسلحة إيراني إلى اليمن، بل يمكنه نقل تلك الخبرات لهم وشرحها عبر الإنترنت، وهذا الأسلوب أعتقده كان أحد أساليب الجماعات السورية والعراقية في التسليح وامتلاك تكنولوجيا الدفاع.

8- شيعة البحرين، وهم يمثلون غالبية الشعب البحراني وصدامهم مع الحكومة بدأ مع ثورات الربيع العربي عام 2011 بمطالب عدة منها وقف التجنيس الطائفي والملكية الدستورية، لكن ولأنهم شيعة تم اعتبار مظاهراتهم طائفية، ولموقفهم المؤيد لثورة إيران تم اعتبار حركتهم عميلة لإيران، ولأصولهم التي قيل أنها منحدرة من جذور فارسية اكتسبت خصومتهم جانب قومي أنهم عملاء للفرس، ولست بصدد عرض لأزمتهم مع الحكومة، إنما أكتفي بعرض طبيعتهم كسلاح إيراني شهير مكتسب لمحة عاطفية ونقد دولي وحقوقي لخصوم إيران..

فما يحدث في اليمن حدث في البحرين باضطهاد وقتل على أسس مذهبية، ساعد ذلك إيران بتصدير خطاب مظلومية للعالم يحاصرون فيه خصومهم من آل خليفة في البحرين وآل سعود في المملكة، وكونهم سلاح إيراني فمن جانب عاطفي ومعنوي للحشد ليس أكثر، بمعنى أن شيعة البحرين أضعف عمليا من اتخاذ موقف سياسي أو عسكري يخدم نفوذ إيران في المنطقة، إنما يخدمون هذا النفوذ فقط عاطفيا ومعنويا بتصحيح وإثبات صدق النفوذ الإيراني أنه قادم لرفع الظلم عن الشعوب المستضعفة.

9- شيعة السعودية، وهؤلاء متواجدين في المنطقة الشرقية للمملكة باعتبار أن محيط الخليج العربي على ضفتيه الشرقية والغربية وحدّه الشمالي هو نفوذ شيعي عربي بالأساس، فالضفة الشرقية فيها عرب الأهواز –وهم شيعة- بينما الضفة الغربية فيها شيعة البحرين والسعودية، وحدّه الشمالي بشيعة الكويت والجنوب العراقي، أي أن المُكوّن الشيعي السعودي هو جزء من مكون شيعي عربي يملأ هذه المناطق تنحدر جذوره من واقعة التحكيم واتجاه أنصار الإمام علي للهجرة إلى الشرق والشمال العراقي حتى الكوفة.

ولعروبة هؤلاء الشيعة يصبحوا مختلفين نظريا عن شيعة ما وراء النهرين الذين يغلب عليهم الطابع الفارسي والجذور التركية، إنما بعد أحداث الفتنة المذهبية في العراق عام 2006 شاع بين العرب مصطلحات الكراهية الطائفية وطال ذلك شيعة المملكة في اتهامهم بالكفر والشرك، حتى أقدم الدواعش على تفجير مساجدهم في القديح والقطيف..طبيعي أن يؤجي ذلك لردود أفعال وميل عاطفي لخصوم هؤلاء المتطرفين والانزواء بعيدا عن التجمع العربي السني الداعم لكراهيتهم.

وجد شيعة المملكة في إيران مناصرا لهم ضد قضايا التمييز والتكفير والتحريض عليهم بحكم وحدة المذهب، أما أنهم سلاح إيراني فهم على النمط البحراني بالضبط، أي لا نفوذ سياسي وعسكري لهم، لكن تُستخدم قضيتهم للتشهير بحكومة المملكة والضغط على حكام الرياض لإحداث تنازلات، وقد تعمدت وضع شيعة البحرين والسعودية على التوالي لتطابق دورهم في القوة الإيرانية بشكل كبير، فهم في الحقيقة يمثلون جانبا عاطفيا مهما في تسويق الرؤية الإيرانية أنهم قدموا للشرق الأوسط لرفع الظلم ونصرة المستضعفين.

ثانيا: القوة الغير مباشرة

وهي ليست كيانات منفصلة عن بعضها بل قيم أخلاقية وفلسفية يسوقها حكام إيران كمبرر لوجودهم في الشرق الأوسط، وتمثل جامعا ومشتركا سياسيا مع تيارات عربية عدة كاليسار القومي والموقف من إسرائيل وشعارات الوحدة والتقريب والعدالة الاجتماعية التي تدغدغ مشاعر المعتدلين والمثقفين بالضرورة، هذا يمثل قوة ناعمة إيرانية منتشرة بحكم انتشار تلك التيارات العربية، ففي الأردن وتونس ومصر وشمال أفريقيا بالعموم تكثر دعاوى اليسار والإسلاميين وأحزاب الوسط في نشر كل هذه المبادئ المشتركين فيها مع الثورة الإيرانية، ليس عن تواصل حقيقي مع قادة الثورة، ولكن لوحدة الهدف تقارب المُدّعون.

وعرض هذه القوة الغير مباشرة ليس تحريضا ضدها أو إنكارها، بل مجرد تحليل وعرض لمكامن القوة الإيرانية ، وبتفسيرها يسهل استنتاج كيف تمددت إيران في الشرق الأوسط رغم التحالف الدولي والإقليمي ضدها، سنجد باختصار: أن خصوم إيران يصدرون أنفسهم كمتحدثين ليس فقط كخصوم لإيران ولكن كخصوم لشعوبهم ومبادئهم وأخلاقهم بالضرورة، فحتى مع انتشار السلفية كعامل مكافئ ضد التوغل الشيعي فشلت السلفية في وقف هذا التوغل وبلغت أعداد الشيعة مستوى قياسي مرافق دائما لقضايا الأمة المصيرية كفلسطين والهيمنة الغربية.

اجمالي القراءات 736

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 740
اجمالي القراءات : 4,086,786
تعليقات له : 97
تعليقات عليه : 386
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt