قواعد عامة في المواريث:
القانون القرآني العام للمواريث

عبدالوهاب سنان النواري في الإثنين 21 مايو 2018


المقدمة:

 

١- سبق لي أن كتبت في المواريث موضوعا بسيطا، يوضح الفرق بين مصطلحي (الوالد والأب) ، قلت فيه: أن الوالد هو من أنجبك، فإذا قام بواجبات الأبوة من رعاية وتربية أصبح أبيك. أما إذا قام شخص آخر برعايتك وتربيتك، فهذا أبيك وذاك والدك. وفي هذه الحالة، فأنت ترث والدك وهو لا يرثك، ويرثك أبيك وأنت لا ترثه.

 

٢- وقد ترددت كثيرا عن الكتابة في المواريث كونه موضوع تفصيلي وحساس وخطير، واستثنائي في استراتيجيتي الدعوية. فأنا أركز على أوائل ما نزل من الوحي لأننا لا نزال في بداية الدعوة، والمفروض أن نؤجل الكتابة في المواضيع التفصيلية إلى أن يصبح لدينا مركز دراسات وأبحاث توزع فيه المهام على مختصين في كل مجال من مجالات القرآن الكريم.

 

٣- ولكن تصلني بين فترة وأخرى مسائل في المواريث من بعض الإخوة القرآنيين، يريدونني أن أوضحها لهم، ناهيك عن بعض المعاندين الذين يطرحون بعض المسائل من باب المعاجزة. والعادة أنني أحيلهم إلى موقعنا (أهل القرآن) لقراءة ما كتبه الأحبة القرآنيون ، وخاصة كتاب الميراث لشيخي وأستاذي الجليل الدكتور أحمد صبحي منصور. غير أن الكثير من الإخوة كسالى ولا يفكرون بإجهاد أنفسهم بالقراءة والبحث، أو أنهم لا يملكون الوقت لذلك، ويريدون مني إجابة سريعة مقتضبة. كما أن البعض غير مقتنع بما قرأه.

 

٤- كتاب الميراث للدكتور أحمد صبحي منصور ، كتاب قيم ومهم جدا، وقد قرأته أكثر من مرة، وأنصح الجميع بقراءته. غير أن الكمال لله وحده لا شريك له. لا نتفق مع شيخنا في بعض الأمور البسيطة والتي لا تكاد تذكر، وهو اختلاف صحي تقييمي لا يبعدنا عن الطريق والمنهج الواحد، ولا يفسد للود قضية بإذن الله تعالى.

 

٥- أخيرا وتحت ضغط الطلب، وتأخر تحقق حلم تأسيس المركز، وبسبب تكاسل إخوتنا القرآنيين الذين طلبنا منهم مرارا وتكرارا أن يتخصصوا في أحد جوانب القرآن الكريم، عزمت الهمة وتوكلت على الله جل شأنه، وقررت أن أكتب في المواريث قانونا عاما، يكون آية لأولنا وآخرنا، وليستيقن الذين آمنوا ويزدادوا إيمانا.

 

٦- والعادة أنني أبدأ أبحاثي وكتاباتي من حيث انتهى شيخي الكريم، فهو الذي وضع أحجار الأساس، ونحن الذين نبني عليها بعد أن نتأكد من متانة الأساس. وما أكتبه هو اجتهادي الشخصي، وهو خاضع للتعديل - حذفا وإضافة - بما يظهر لي من ادلة وبراهين. لذا أرجو من جميع الإخوة القرآنيين المساهمة في تشذيب وتهذيب هذا القانون.

 

 

أولاً- عظمة تشريعات المواريث القرآنية:

 

1- سبق القرآن الكريم الحضارة البشرية الراهنة بتشريع الميراث بكل ما فيه من رُقيّ وسُمُوّ. خصوصا عندما نتذكر أن القرآن الكريم خاطب في البداية عربا صحراويين لا يقيمون وزنا للحقوق، حيث قامت حياتهم على الصراع القبلي والتقاتل على الماء والكلأ، والعظمة عندهم مرتبطة ـ ليس برعاية الحقوق ـ ولكن بسلبها، فالضعيف من الأشخاص ومن القبائل منهوب مظلوم، والعظيم هو السالب الناهب الذي يسلب الأموال ويسبي النساء. والمرأة سلعة للسبي بلا حقوق أصلا، هذا إن عاشت بلا وأد. ارتقى الإسلام بالعرب إلى درجة أن ينزل تشريع الميراث بكل هذا السمو الذي يتناقض مع حضيض الجاهلية داخل الجزيرة العربية وخارجها.

     ورغم التعامل السيء مع القرآن الكريم، فإن تأثير القرآن في العرب خاصة وفي من دخلوا في الإسلام عامة كان هائلا بالمقارنة مع باقي الأمم، وأبرز نواحي هذا التأثير كان واضحا في التشريعات. وتشريعات المسلمين (التراثيين) في الميراث شاهد على هذا، فلم تصل تشريعات الميراث في الغرب إلى هذه الدقة التفصيلية التي وصلها علم (الفرائض) أو (المواريث) لدى المسلمين التقليديين. هذا مع إن تشريعات المسلمين التقليديين في الميراث أخذت بعض تشريعات القرآن وحرّفت البعض الآخر.

     يتفوق الفقه التقليدي ـ الذي تأثر جزئيا بالتشريع القرآني في الميراث ـ على التشريعات الغربية في هذا المجال بالذات. هذا مع أن تشريعات الفقه التراثي ـ في أغلبها ـ مجرد (شخبيط) إذا ما قورنت بتشريعات الميراث القرآنية. وأساس الشخبيط هنا أن الفقهاء التراثيين تأثروا بثقافة العصور الوسطى المظلمة، فأضافوا وحذفوا وتلاعبوا في تشريعات الميراث القرآنية، وصاغوا شخابيطهم في أحاديث وأقاويل منسوبة للنبي والصحابة والتابعين، فنشأ تشريع فقهي في الميراث مُحمّل بالهلس. ومع هذا يظل الهلس الفقهي متفوقا على تشريعات الميراث الغربية. وهذا يوضح إلى أي مدى بلغت عظمة تأثير التشريعات القرآنية التي نزلت نورا للعالمين في عتمة ظلام العصور الوسطى .. ولا تزال.

 

2- نزل تشريع الميراث القرآني محمّلا بالوعظ والإرشاد والحث على الزهد والعدل والإحسان، يأمر بالعرف وينهى عن الظلم، مرغبا العباد بالجنة ومرهبا إياهم بالنار. ونأخذ بعض الأمثلة:

     أ ـ قال تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) (6 النساء ) . هنا يخبرنا جل شأنه بأنه هو الحسيب علينا، وكفى به جل وعلا حسيبا. فلو نجح أحدنا في خداع (المجلس الحسبي) وأفلت من المحاسبة القانونية، فإنه لن ينجو من عقاب الله جل وعلا الحسيب على كل شيء والرقيب على كل شيء.

     ب ـ ويلفت الله جل وعلا أنظارنا إلى ذرارينا الصغار الذين نخاف عليهم، ويوجب علينا أن نتقيه سبحانه ليحفظ ذريتنا بعد موتنا، وفي ذلك يقول سبحانه: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) (9 النساء) . مذكرا إيانا بأنه سبحانه قد حفظ كنزا لرجل صالح ليكون ذلك الكنز لغلاميه يستخرجانه عند بلوغهما أشدهما، جاء ذلك في قوله تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)(82 الكهف) .

     جـ ـ وفي تحذير شديد لمن يأكل أموات اليتامى ظلما، يقول رب العزة: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (10 النساء) . ومن منا يرضى أن يأكل في بطنه نارا ويصلى سعيرا ؟

    د ـ وفي نهاية تشريع الميراث يقول سبحانه مرغبا ومرهبا: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) (النساء) .

     يأمرنا رب العزة بالإحسان للوالدين وبذي القربى، وفي ذلك يقول سبحانه: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) (36 النساء) .. ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون)َ (90 النحل) . بل ويجعل لهم الحق تبارك وتعالى حقوقا في أموالنا ويأمرنا أن نعطيهم تلك الحقوق من أموالنا ورزقنا ودخلنا ونتاج عرقنا وتعبنا، وفي ذلك يقول سبحانه: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرا)ً (26 الإسراء) .. ( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) (38 الروم) . ويقول جل شأنه عن حقوقهم في الصدقة الفردية: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (215 البقرة) . هذه (حقوق) لهم في مالك وواجب أن تعطيهم حقوقهم من مالك، فكيف بأموالهم الحقيقية التي صارت ملكا لهم من مورثهم.

     كما يأمرنا رب العزة بأن نقول لأولي القربى قولا معروفا حين التصدق عليهم إذا حضروا القسمة، جاء ذلك في قوله تعالى: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (8 النساء) . أي أن يأخذوا الصدقة من التركة مشفوعة بقول معروف، دون منّ أو أذى. ونفس الحال مع الوريث السفيه - والسفيه هو الشخص الذي لا يحسن التصرف بالأمور - يحصل ذلك السفيه على مرتب وكسوة من دخل أمواله مع القول الحسن، وفي ذلك يقول سبحانه: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفا)ً (5 النساء) . للمعروف هنا صلة وثيقة بتشريعات الميراث كما هو واضح.

 

3- تتجلى عظمة التشريع القرآني في مقاصده وأبرزها تحقق التقوى (إحياء الضمير) في نفس المؤمن كمقصد أسمى للتشريع القرآني عموما. وبالتأمل في آيات التقوى المرتبطة بتشريع الميراث نتعرف على أهمية التقوى، فهي المقصد الأعظم في العقيدة والايمان القلبي وفي العبادات (أي حق الله جل وعلا علينا) . والتقوى أيضا هي المقصد الأساس في حقوق الناس ومنها الميراث. وبغياب التقوى لا يمكن تطبيق شريعة الميراث بالعدل والاحسان كما أمر رب العزة. وبدونها لا يرث المسلمون إلا ظلما متداولا، جيلا بعد جيل، يأكل القوي الضعيف حتى داخل الأسرة الواحدة، وحتى لو كان ذلك الضعيف طفلة يتيمة مكسورة الجناح.

 

4- التشريع القرآني حريص جدا على حقوق العباد أو بتعبير عصرنا حقوق الإنسان، وحقوق الورثة قرآنيا تشمل كل قرش وكل درهم وكل ذرة حق تركها مورثهم، وفي ذلك يقول سبحانه: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (7 النساء) . وهذا يعني أن الحق في التركة يشمل كل صغيرة وكبيرة، مما قلّ منه أو كثر .. يعني لو كانت التركة خمسون دولارا فلا بد من أن يأخذ الورثة حقوقهم ولو بضع دولارات. لا فارق بين خمسين دولار وخمسين مليار دولار. فالتشريع القرآني لا يتحدث عن مقدار التركة، ولكن يتحدث عن حقوق العباد، يتحدث عن حدود الله تعالى، عن تشريعاته جل وعلا، متوعدا من يتعدّاها بالخلود في نار جهنم، مهما صغُر مقدار التركة.

 

5- ومن أبرز مظاهر عظمة التشريعات القرآنية أن الناس متساوون في استحقاق الرزق والحقوق المالية من صدقة وزكاة وميراث وغيرها، بغض النظر عن أجناسهم أو الوانهم أو أوطانهم أو عقائدهم ومدى إيمانهم أو كفرهم. فحين دعا إبراهيم (ع) ربه أن يرزق أهل مكة الأمن والثمرات فقد قصر دعوته على المؤمنين منهم دون الكافرين، وجاء الرد من رب العزة بأنه جل شأنه سيرزق الجميع من مؤمن وكافر، ولكن الذي يموت كافرا سيُعذّب يوم القيامة بعد أن يتمتّع في الدنيا. جاء ذلك في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير)ُ (126 البقرة) .

     الرزق بعدل الله تعالى للجميع، وقد تكفل سبحانه برزق كل دابة، وفي ذلك يقول سبحانه: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (6 هود ) .. ( وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (60 العنكبوت) . وبالتالي فالرزق لكل فرد من البشر بغضّ النظر عن إيمانه أو كفره. ونفس الحال في الحقوق المالية الأخرى كالصدقة والزكاة المالية، فقوله جل وعلا عن صفات المتقين: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (19 الذاريات) . يعني أن المتقي إذا سأله سائل للصدقة يُبادر بإعطائه الصدقة دون أن يسأله عن دينه أو مذهبه، وإذا رأى محروما بادر بإعطائه دون أن يقيم له محكمة تفتيش ليستجوبه عن عقيدته. فالمستحق للصدقة هنا مُحِدّد بالصفة وهي (السؤال) و (الحرمان) ، وليس مهما إن كان صالحا أو فاسقا، مؤمنا أو كافرا، ابن حلال أو ابن حرام. وحين يقول رب العزّة جل وعلا: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم)ٌ (60 التوبة) . فالفقير هنا لا أهمية لدينه وجنسه ووطنه، يكفي كونه فقيرا أو مسكينا أو ابن سبيل ليأخذ (حقّه) في الصدقات من المجتمع المؤمن والدولة العادلة.

     وفي الصدقة الفردية يقول رب العزة: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ) (177) .. (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) (البقرة) . الصفات هنا هي المُعوّل عليها، ويكفي المستحق أن يكون من ذوي القربى والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل ليأخذ حقه. أما هدايته وعلاقته بربه جل وعلا فلا دخل لأحد بذلك، وليس علينا هدايته لأن هدايته أو ضلاله هي مسئوليته الشخصية، والذي علينا هو أن نعطيه حقه كفقير أو مسكين أو يتيم أو قريب أو ابن سبيل. وليس هناك أروع من قوله جل وعلا لنا وللنبي (ع) بعد عدة تفصيلات في تشريع الصدقة: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (272 البقرة) . أي أننا لسنا مسئولين عن هداية مستحقي الصدقة، لأن الله جل وعلا يهدي منهم من يشاء الهداية، ومفروض أن نتصدق إبتغاء وجه الله وحده لا شريك له، وما ننفقه سيكافئنا عليه الله جل وعلا خيرا في الدنيا والآخرة.

     وإذا كان هذا الحال في (حق الصدقة) فهو أولى في حقوق الوصية والميراث. وقد تكرّر النّص على (حق) ذي القربى كقوله جل وعلا: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرا)ً (26 الاسراء) .. ( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) (38 الروم) . هنا (حق) واجب لأناس محددين بالوصف وهم ذو القربى. وكل منا يعرف أقاربه والأقربين منه. ليس مهما أن يكون أحدهم فاسقا عاصيا أو مؤمنا تقيا، المهم أن يكون من ذوي القربى ليأخذ حقه من الاحسان والصدقة، ويكفي أن يكون من (الأقربين) ليأخذ حقه من الميراث ومن الوصية. وينطبق هذا على الورثة الأقربين في قوله سبحانه: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ) (7 النساء) . وينطبق على بقية الأقارب قوله جل وعلا: ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (8 النساء ) .. وفي الوصية: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (180 البقرة) .

     بصريح العبارة، لا دخل على الاطلاق لاختلاف الدين في الميراث، فالمسلم يرث الكافر، والكافر يرث المسلم، واليهودي يرث المسلم ويرث النصراني والملحد .. والعكس. والمرتد عن دينه يرث ويوُرّث دون أي اعتبار لموضوع الدين والعقيدة في الميراث. يكفي أن يكون المستحق أبا أو أما أو ولدا أو زوجا أو زوجة أو أخا أو أختا ليأخذ حقه في الميراث.

 

 

ثانياً- واجب الدولة تجاه قضية المواريث:

 

١- حدود الله الخاصة بحقوق البشر تحتاج إلى سلطة الدولة لتطبيقها، لذا على المجتمع من خلال سلطاته التشريعية والقضائية والتنفيذية أن يتدخل في تقنين وتطبيق التشريعات الخاصة بحقوق البشر كالمواريث والوصايا والأحوال الشخصية، والزكوات، وما يترتب للمرأة بالذات من حقوق، وما يكون لليتامى والفقراء والمساكين وغيرهم، حتى لا يتعرضوا للتهميش والظلم وأكل حقوقهم، بإعتبار أنهم الطرف الأضعف في المجتمع. لا دخل للدولة في تطبيق الحدود الخاصة بالله جل وعلا في العبادات كالصلاة والصوم والحج وغيرها لأنها حقوق الله وحده لا شريك له، وموعد الحساب عليها مؤجل ليوم الحساب. ولكن للدولة دخل في تطبيق التشريعات المالية كالزكاة لأنها وإن كانت عبادة إلا إن المستفيد منها هو المجتمع .. وللمجتمع الحق في المطالبة بحقوقه وعلى الدولة ضمانها للناس.

 

٢- التشريعات القرآنية تركت جانبا واسعا للتشريع البشري، وهذه مرونة تشريعية تحافظ على متانة وديمومة التشريع القرآني، وتجعله صالحا لكل زمان ومكان. وعلى الدولة من خلال سلطتها التشريعية أن تقوم بصياغة قوانين تفصيلية، ومذكرات تفسيرية في كل ما سكت عنه القرآن الحكيم. بشرط أن تخضع لمقاصد التشريع القرآني، وأن تصدر في دولة الشورى - الدولة المدنية العلمانية العادلة التي تتخذ من الديموقراطية المباشرة سبيلا - وبشرط أن تحقق (المعروف) أي المتعارف على أنه (حق وعدل وتيسير ورحمة وخير وإحسان) وتبتعد عن (الظلم والبغي والفحشاء والمنكر) . القرآن الكريم جاء بقوانين عامة في المواريث، ورسم خطوط عريضة، يمكن أن نطلق عليها تسمية معادلات ميراثية، ولكن هناك الكثير من مسائل المواريث لا تنطبق مع تلك المعادلات، والواجب على السلطة التشريعية صياغة قوانين تفصيلية تحرص على استفادة أقرب الورثة إذا ما كان هناك أدنى اختلاف مع ما ذكرته تلك المعادلات الميراثية القرآنية.

 

٣- نزلت تفصيلات التشريعات القرآنية في المواريث وغيرها في ظل دولة إسلامية ديمقراطية تجتهد في تنفيذ التشريع على أرض الواقع. وكان الخطاب التشريعي موجّها لدولة المسلمين ذات الديمقراطية المباشرة، تخاطب مجتمعا هو صاحب السلطة، وهو الذي يمارسها من خلال جهاز متخصص يدعى (أولي الأمر) أي أصحاب الخبرة والاختصاص. ومثلا فقد حرّم القرآن الكريم على المجتمع منح الوارث السفيه سلطة في المال الذي يرثه، لأنه لو تحكّم في المال بسفاهته سيضيع المال وسيضيع نفسه. وطبقا للشريعة الإسلامية فإن المال هو ملك للمجتمع أصلا، وليس للفرد أن يتصرف في التركة المنقولة إليه إلا إذا أحسن القيام عليها، وبالتالي فإذا تبين أن الوارث سفيه فإن على السلطة أن تقيم وصيا عليه يستثمر تركته لصالحه ولصالح المجتمع، ويعطيه من دخل الاستثمار ما يكفي نفقته وكسوته مع معاملة حسنة بالمعروف. نفهم ذلك من قوله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (5 النساء) .

 

٤- وأوجب القرآن العظيم على المجتمع تعيين وصي على الطفل الوارث كي يحفظ ماله، ويستثمره له. وإذا كان هذا الوصي غنيا فالأولى ألا يأخذ مرتبا من مال الوارث القاصر مقابل الوصاية عليه؛ أما إذا كان فقيرا فله أن يأخذ مرتبا معقولا بالعدل والمعروف.

وقد يطمع بعضهم في مال الوارث القاصر فيزعم أنه سفيه، لذا فإن على السلطة تعيين لجنة تختبر الوارث حين يبلغ مستوى الرجال، لترى مدى كفاءته في إدارة تركته. فإذا تبينت كفاءته سلمته التركة، وإن تبين سفهه ظل تحت رعاية الوصيّ. وفي ذلك يقول سبحانه: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) (6 النساء) .

 

٥- هنا يجب على الدولة تشكيل لجان مختصة تشرف على تركة القُصّر الوارثين؛ تختبر الوارث القاصر، وتتأكد هل بلغ مبلغ الرجال أم لا، وتختار الوصي، وتحكم هل يستحق مرتبا أم لا، وتعين مقدار المرتب، وتراقب استثماره للتركة، وتقرر المرتب الذي ينفقه الوارث الصبي أو السفيه الذي لا يزال تحت الوصاية. وتقوم نفس اللجنة بتقييم ومراقبة تنفيذ الوصية بعد الموت، فقد يقوم أحد الورثة بتبديل الوصية، وهو هنا آثم، لقوله تعالى: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (181 البقرة) . وقد يكون الموصي ظالما في وصيته، وحينئذ تتدخل اللجنة لإقامة العدل وإصلاح الأمر بينهم، وفي ذلك يقول سبحانه: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (182 البقرة) .

 

٦- الدولة العادلة لا بد أن تقوم بواجبها على أكمل وجه وخاصة في قضايا المواريث، خاصة وأنها طرف مستفيد، حيث أن ما يفيض من التركات - بعد توزيع الفرائض على الورثة - يدخل إلى خزينتها، وهي بهذا لا تحتاج إلى فرض ضرائب على التركات كما تفعل بعض الدول المعاصرة. وسيأتي الحديث لاحقا عن هذه النقطة.

 

 

ثالثاً- الدعوة إلى المساواة في الميراث بين الجنسين:

 

1 ـ المساواة المطلقة ظُلم واضح، لذا لا بد من اقتران المساواة بالعدل. تخيل فصلا دراسيا به 50 تلميذا، وقد قرّر المدرس المساواة المطلقة بينهم في درجات الامتحان، لا فارق بين ذكي متفوق وبليد متخلف .. هذا بالطبع ظلم واضح. تخيل أنك قررت التبرع بألف دولار لهذا الفصل الذي يضم 50 تلميذا، واشترطت أن يتم التوزيع بالمساواة المطلقة. هذا ليس عدلا بالطبع، فهناك تلميذ ثري مترف سيأخذ العشرين دولار ينفقها عبثا، بينما زميله تلميذ يعيش الفقر المُدقع يتضور جوعا، وليس عدلا أن تساوي هذا بذاك .. فلا بد أن تقترن المساواة بالعدل. المساواة المطلقة في الحقوق المادية كالأجور والصدقات والميراث تحوى ظلما فظيعا، لذا يكون العدل هو الأساس. وأروع تطبيق لهذا المبدأ يتجسد في تشريعات الميراث القرآنية.

 

2- حين نزل القرآن الكريم كانت المرأة سلعة بلا حقوق، واستمرت تلك النظرة الدونية للمرأة في أوربا العصور الوسطى وغيرها من البلدان حتى نهاية العصر الحديث .. في حين نزل القرآن الكريم بكل جرؤه يكرمها ويعطيها حقوقها. يكفي القرآن الكريم فخرا أن أول آية في تشريعات الميراث بدأت بتقرير حق للمرأة شأنها في ذلك شأن الرجل. جاء ذلك في قوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ) (7 النساء) . هنا خطاب واضح للمسلمين بأحقية النساء في الميراث شأن الرجال، قلّ الميراث أو كثُر، مؤكدا بأنه حق مفروض من رب العزة جل وعلا.

 

3 ـ باب المواريث يُطلق عليه أيضا: (باب الفرائض) بسبب ورود كلمة (فريضة) ومشتقاتها في تشريعات الميراث، يقول الحق تبارك تعالى في أول آية في تشريعات الميراث: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (7 النساء) . هنا قال سبحانه: (نَصِيباً مَفْرُوضاً) . وجاءت عبارة: (فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ) في قوله تعالى: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ) (11 النساء) .

     ونفس مصطلح (الفريضة) يطلقه رب العزة على المهر أو الصداق، ويجعله سبحانه أساس الزواج، ولا يسمح الحق سبحانه بأي اتفاق أو تراض آخر بين الزوجين إلا بعد دفع المهر أو بتعبير القرآن (الفريضة) ، فالفريضة هي دفع المهر وجوبا وفرضا، وفي ذلك يقول سبحانه: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) (24 النساء) . ويقول رب العزة أيضا عن المهر الواجب على المؤمنين عند الزواج: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) (50 الأحزاب) . بل ويوجب رب العزة دفع المهر لملك اليمين إذا تزوجها سيدها، أو غير سيدها، وهي التي تقبض مهرها بنفسها، وفي ذلك يقول سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) (25 النساء) .

     ونفس مصطلح (الفريضة) يطلقه رب العزة على مؤخر الصداق في حالة الطلاق، وفي ذلك يقول سبحانه: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) ( 236 ) .. (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذ ي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) (237) (البقرة) . وفي إشارة إلى (مُتعة) المطلقة يقول رب العزة: (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ) (236 البقرة ) ، وهو أيضا حق لها بالإضافة إلى المهر والمؤخر لو كانت مطلقة.

     وللمطلقة أيضا حق السُّكنى على زوجها، ولها عليه حق النفقة لو كانت حاملا، وإذا ولدت فعليه ثمن الرضاعة والنفقة والكسوة للأم وأجر المرضعة. وحتى لو مات الزوج فحقها يتعلق برقبة من يرثه. وفي تفاصيل ذلك يقول سبحانه: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (233 البقرة) .. (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7) (الطلاق) .

     وفي كل الأحوال فالرجل هو المُكلف بالإنفاق على المرأة، وهو مسئول عن رعايتها أو القيام على رعايتها، أو بتعبير القرآن: (القوامة) بمعنى المسئولية وليس التحكُّم، وفي ذلك يقول سبحانه: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (34 النساء) .

 

4 ـ التشريعات الإسلامية منظومة مترابطة ومتكاملة، وتؤخذ جميعا بلا انتقاء. فالفريضة في الميراث تقترن ببقية الفرائض المالية المستحقة للمرأة في الزواج والطلاق وما يترتب عليه من رضاعة وحضانة وغيرها. للمرأة فريضة في الميراث ولها أيضا فريضة (على الرجل) في الزواج وآثاره الجانبية. وليس عدلا أن تتساوى المرأة مساواة مطلقة بالرجل في فريضة الميراث، وهو مثقل بفرائض نحوها كزوج ومطلّق، بالإضافة إلى واجبه الديني والاجتماعي والأخلاقي نحوها كأخ. وتخيل أن لك ابنا وبنت، (ابنك) عليه أن يدفع مهرا ويجهز سكنا وينفق على زوجته وإذا طلقها فعليه كذا وكذا وكذا. أما (بنتك) فعندما تتزوج تقبض المهر وتجد من ينفق عليها ويؤسس لها منزلا، وإذا طلقها فعليه لها كذا وكذا. هنا يكون من الظلم أن تتساوى ابنتك في الميراث مع ابنك. ولهذا فرض لها الله جل وعلا نصف أخيها في ميراثها منك.

 

5- وعليه فإن قاعدة: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) تعتبر قاعدة عامة ومطلقة، تسري على الأولاد (ذكورا وإناثا) ، وذلك طبقا لقوله تعالى: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) (١١ النساء) . وتسري هذه القاعدة حتى على الولد (ذكر/أنثى) الوحيد، فلو كان الوريث الوحيد هو أنثى، فإنها لا تحصل إلا على نصف التركة، وفي ذلك يقول سبحانه: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) (١١ النساء) . ومن البديهي هنا أنه لو كان الوريث في هذه الحالة هو ذكر واحد فإنه يحوز على كامل التركة، أي يحصل على ضعف نصيب الأنثى.

     وتسري هذه القاعدة أيضا على الأبوين ( الأب والأم ) في ميراث ابنهما المتوفي بلا ولد، حيث يكون للأم الثلث، وللأب الثلثين، فالأب هو الذي تحمل المسؤولية الكبرى في رعاية أبناءه. وفي ذلك يقول سبحانه: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ) (11 النساء) . ولو لم يكن للمتوفي قريب إلا أبيه فإنه يحوز كامل التركة، في حين يكون للأم نصف تركة أبنها عندما تكون هي الوريث الوحيد.

     وتسري هذه القاعدة أيضا على ميراث الزوجين حيث يكون نصيب الزوجة نصف نصيب الزوج، سواء كان لهما ولد أم لا، وفي ذلك يقول سبحانه: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ .. وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) (١٢ النساء) . أي أن الزوج يحصل على النصف في مقابل الربع للزوجة إن لم يكن هناك ولد، فإن كان لهم ولد (ذكر أو أنثى) فيحصل الزوج على الربع في مقابل الثمن للزوجة. أي أن للزوج ضعف نصيب الزوجة. والزوج يرث كامل تركة زوجته إذا لم يكن هناك وريث غيره، بينما ترث الزوجة نصف تركته في نفس الحالة.

     وتسري هذه القاعدة أيضا في ميراث الإخوة (الكلالة) حيث ترث الأخت نصف ثروة أخيها، بينما يرث الأخ كامل ثروتها، فإن كان للمتوفي الكلالة أخوة رجال ونساء، فتقسم ثروته بينهم على قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين، وفي ذلك يقول سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ .. وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) (١٧٦ النساء) .

     هناك فقط استثناءان لهذه القاعدة، إحداهما مع الأبوين في وجود أولاد أو إخوة حيث يكون لكل واحد من الأبوين السدس، وفي ذلك يقول سبحانه: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء 11] .. {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء : 11] . أما الحالة الثانية فهي في حالة الكلالة مع وجود أحد الزوجين. حيث يكون للأخت السدس مثل أخيها، ويقسم الثلث بين الإخوة والأخوات بالتساوي، وفي ذلك يقول سبحانه: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء 12] . وهذان هما الاستثناءان اللذان يؤكدان قاعدة: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.

 

6- لست في معرض الرد على دعاة المساواة المطلقة بين الجنسين، أنا هنا أتحدث مع العقلية الإسلامية التي تؤمن بأن القرآن الكريم كلام الله جل وعلا. أنا هنا أخاطب المؤمنين والمؤمنات الذين إذا سمعوا أوامر الله جل وعلا، قالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. أما أولئك الملحدون وغيرهم من شذاذ الآفاق، فلا شأن لي بهم على الإطلاق، فقط أقول لهم: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ، وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.

 

 

رابعاً- ضبط المصطلحات وتحديد الورثة:

 

١- القرآن الحكيم كتاب دقيق في ألفاظه وعباراته ومصطلحاته خاصة في آيات الأحكام، حيث تكون محكمة - موجزة اللفظ قاطعة الدلالة - معانيها حقيقية لا مجاز فيها ولا ترادف. لذا فالواجب علينا التركيز عند تدبر ألفاظ وعبارات ومصطلحات آيات المواريث حتى يتسنى لنا فهمها بشكل دقيق.

 

٢- الأقربون فقط هم الورثة، أما (أولو القربى / ذوي القربى) فليسوا من الورثة. هناك فارق كبير بين (الأقربين) وبين أولو القربى أو ذوي القربى، فالأقارب درجات، منهم (الأقربون) ثم الذين يلونهم من بقية الأقارب، وقد سماهم القرآن: ( ذوي القربى / أولو القربى) . وهذا يتفق مع اللسان العربي أيضا فالأقرب غير القريب. والفارق بين (الأقربين) و (أولي القربى/ذوي القربى) في موضوع الميراث يتجلى في قوله جل وعلا: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ) (7 النساء) . فالميراث هنا للأقارب الأقربين وهم أقرب الأقارب .. أما (أولو القربى/ذوي القربى) من عموم الأقارب كالعم والخال وأولادهما فليس لهم حق في الميراث. لهم (هبة) أو (عطية) أو (رزقة) أو (صدقة) تعطى لهم من التركة قبل توزيعها على الورثة. وفي ذلك يقول سبحانه: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (8 النساء) . الأقارب من غير الورثة حكمهم حكم اليتامى والمساكين. إذا حضروا قسمة الميراث فعلى الورثة منحهم صدقة من التركة قبل توزيع الأنصبة، وإذا لم يحضروا قبل القسمة فلا نصيب لهم.

 

٣- يأتي ذكر الأقربين مقرونا بالوالدين للدلالة على مدى قرب مكانتهم، وفي ذلك يقول سبحانه: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) (11 النساء) . هنا الأبوان والأولاد والإخوة. الأبوان/الوالدان هما أيضا زوجان، وفي ميراثهما يقول سبحانه: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) (12 النساء) . الورثة هنا هم: (الزوج والزوجة) . ومجموع الأقربين (الورثة) هو: (الأبوان، الزوجان، الأولاد، والإخوة) وليس معهم أحد آخر. هؤلاء هم الأقربون المقصودون بقوله جل وعلا: ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (7) النساء) . نحن هنا أمام تشريع قرآني جامع مانع، أحاط الورثة بسور، لا يصح أن يُضاف إليهم أحد، أو أن يحذف منهم أحد، فالعم والخال وأولادهم ليسو من الورثة، حيث لا يوجد في القرآن الكريم عصبية أو تعصيب. إنها حدود الله، التي يُخلد في النار كل من تعداها.

 

٤- الولد (ذكرا كان أم أنثى) ينطبق على ولد الولد (ذكر/أنثى) في عدم وجود الولد. والأب/الوالد ينطبق على الجد (أبو الأب/أبو الوالد) في عدم وجود الأب/الوالد. والأخ/الأخت ينطبق على ولد الأخ/ ولد الأخت في عدم وجود الأخ أو الأخت. وولد الأخت يرث مثله مثل ولد الأخ، وكذلك ولد البنت. ترث الأنثى من والدها أو أخيها، وإذا ماتت في حياة والدها أو أخيها فإن ولدها يرث نصيبها مثله مثل ولد الذكر. والزوجات ينطبق عليهن وصف الزوجة الواحدة، ومهما كان مجموع الزوجات فليس لهن إلا نصيب واحد يتقاسمنه بالتساوي وهو الثمن في وجود ولد أو الربع في حالة الكلالة.

 

٥- ويحدث داخل الأقربون أن يحجب الأقرب من هو أقل منه قرابة داخل الورثة أنفسهم، فالولد أو ولد الولد يحجبان الإخوة عن الإرث. فالإخوة لا يرثون إلا في حالة الكلالة (عدم وجود أولاد) . ولا يرث ولد الأخ/الأخت مع وجود الأخ/الأخت، لأن الأخ/الأخت هو الأقرب للمتوفي. كما أن ولد الولد لا يرث مع وجود الولد، ولا يرث الجد مع وجود الأب لأن الأب هو الأقرب. إذاً يصبح إخوة المتوفي من أولي القربى وليس من الأقربين في حال وجود ولد أو ولد الولد. ويكون الجد ضمن أولي القربى الذين لا يرثون في حال وجد الأب لأنه الأقرب لابنه المتوفي. أما في الكلالة فإن الإخوة يصبحون الأقرب ويرثون.

 

٦- وحتى تكتمل الصورة، وتتضح الأمور أكثر، علينا أن نفهم المصطلحات التالية:

 

أ- الوالدان/الأبوان: الوالدان هما الشخصان اللذان انجباك سواء بطريقة شرعية أو غير شرعية، وأنت وارث لهما لأنهما سبب وجودك في الحياة، سواء تكفلا بك أو تنصلا عنك. أما الأبوان فهما الشخصان اللذان قاما برعايتك وتربيتك منذ طفولتك حتى أصبحت رجلا، والغالب أن اللذين يقومان بهذا الدور هما الوالدان، وعندها ينطبق عليهما وصف الوالدان والأبوان. ولكن نتيجة ظروف استثنائية كالإنجاب الغير شرعي أو بسبب فشل العلاقة الزوجية أو بسبب اليتم أو الفقر، قد يقوم شخص آخر برعايتك وتربيتك، كالخال أو الجد أو العم أو الجار أو زوج الوالدة. هذا الشخص الذي تكفل بك ورباك وعلمك هو أبيك، وهو الذي يرثك، وأنت لا ترثه، لأنه صاحب الفضل عليك، وأنت المدين له طوال حياتك. وإذا تحملت والدتك المسؤولية كاملة وقامت بدور الأب من إنفاق ورعاية وحماية إلى جانب دورها كأم، فإن العدل يقول أن لها أن ترث نصيبين كأب وكأم، ولها أن تحوز على كامل ثروتك إن لم يكن لديك أولاد أو إخوة.

 

ب- الأولاد (الذكر/الأنثى) : يطلق وصف الأولاد على الذكور والاناث على حد سواء، وهذا واضح في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء 11] . فالأنثى ولد مثلها مثل الذكر في الوصف. فإذا لم يكن لديك إلا بنت واحدة، فإنها تحسب في مسائل الميراث ولد، تحجب إخوتك، وتؤثر في نصيب الأبوين والزوجين.

 

جـ - الزوجان: هما الشخصان اللذان دخلا ببعض واختليا الخلوة الشرعية، وتوفي أحدهما وهما في وضع طبيعي، أي يعيشان تحت سقف واحد حتى لو كانا في فترة العدة، المهم أن تكون الزوجة في بيت زوجها، أما إذا خرجت من بيتها أو أُخرجت منه، فلا يصح وصفهما بالزوجين، ولا يرث أحدهما الآخر.

 

د- الإخوة: الإخوة الذين يرثون منك هم إخوتك من أبويك (أولاد أبويك) لأن والديهما اقتطعا جزء من قوتهم ووقتهم وحنانهم ورعايتهم لصالحك على حسابهم. أما إخوتك الذين ترث منهم فهم إخوتك من والديك (أولاد والديك) الذين حصلوا على نصيبك من رعاية وحنان الوالدين .. وفي الحالتين هم جميعا أخوتك وفي درجة واحدة بغض النظر أكانوا أشقاء أم غير أشقاء.

 

 

خامساً- تقسيم الميراث:

 

١- بعد تحقق موت الشخص ودفنه، يتم تحديد الورثة وحصر التركة، ثم التحقق من صحة وسلامة الوصية وخلوها من أي إثم أو ميل عن الحق. فإن ثبتت صحتها وسلامتها بادر الورثة إلى تنفيذها إلى جانب سداد ديون المتوفي أو تقاضي ما له عند الناس وضمه إلى التركة، بما لا يعود بأي أضرار على أي طرف. وفي ذلك يقول سبحانه: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء 12] . وإذا حضر الأقارب واليتامى والمساكين من غير الورثة، فيجب التصدق عليهم بمبلغ أو نسبة معينة يتعارف عليها الناس كأن تكون مثلا: ١٪ - ٢٪ من أصل التركة. وفي ذلك يقول سبحانه: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء 8] .

 

٢- بعد ذلك تبدأ عملية تقسيم التركة وتوزيع الأسهم بناء على المعادلات الميراثية التي ذكرها القرآن الحكيم، فإذا لم تتطابق بعض حالات المواريث مع تلك المعادلات، فعلينا حينها أن نقوم بمعالجة تلك الحالات بحيث تكون النتيجة لصالح أقرب الورثة، وعلى قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين.

 

٣- ميراث الأولاد (ذكور/أناث) : توزع التركة بين الأولاد ذكورا وإناثا على قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين سواء انفردوا بالتركة أو بعد إخراج فروض بقية الورثة (الأبوان والزوجان) ، وفي ذلك يقول سبحانه: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء 11] . وإذا انفردت البنت وليس إلى جانبها وريث آخر فلها نصف التركة، لقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} [النساء 11] . أما الذكر فيحوز على كامل التركة، بناء على قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين. البنتان فما فوق إذا انفردن بالتركة وليس إلى جانبهن أي وريث فلهن ثلثي التركة، لقوله تعالى: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء 11] . أما الذكور فيحوزون على كامل التركة. البنت الوحيدة، أو البنات الوحيدات إذا دخل إلى جانبها/جانبهن وريث أو ورثة آخرون، فيتم إخراج فروض أولئك الورثة: (السدس للأب، السدس للأم، الثمن للزوجة، الربع للزوج) وتحوز البنت أو البنات على باقي التركة، وذلك لما فيه مصلحة أقرب الورثة. ويتوقف توزيع التركة إذا كان هناك جنين في بطن الزوجة، ويكون المولود وأرثا ولو نزل ميتا.

 

٤- ميراث الأبوين: يحصل كل من الأبوين على السدس في وجود ولد، فإن لم يكن هناك ولد فللأب الثلثان وللأم الثلث، وفي ذلك يقول سبحانه: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } [النساء 11] . يحوز الأب على كامل التركة إذا كان منفردا وليس إلى جانبه وريث آخر، أما الأم إذا انفردت فليس لها إلا نصف التركة، وذلك بناء على قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين. إذا كان هناك زوج أو زوجة إلى جانب الأبوين أو أحدهما، يتم اخراج نصيب الزوج/الزوجة، ويكون باقي التركة للأبوين للذكر مثل حظ الأنثيين، وتكون كاملة لأحدهما سواء كان أبا أو أُما، وذلك لما فيه مصلحة أقرب الورثة. في وجود الإخوة يحصل الأب على السدس، والأم على السدس، وفي ذلك يقول سبحانه: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء 11] .

 

٥- ميراث الزوجين: للزوج نصف تركة زوجته إن لم يكن لها ولد، فإن كان لها ولد فله الربع، أما الزوجة فترث ثمن تركة زوجها إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد ترث الربع. وفي ذلك يقول سبحانه: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ .. وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ } [النساء 12] . وإذا كانت الزوجة هي الوريث الوحيد لزوجها فلها نصف تركته، وهو يرثها إذا لم يكن لديها وريث غيره، وذلك بناء على قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين، ولما فيه مصلحة أقرب الورثة.

 

٦- ميراث الإخوة (الكلالة) : الإخوة لا يرثون إلا في حالة الكلالة أي في حال عدم وجود ولد (ذكرا كان أم أنثى) للمتوفي، والإخوة هنا يقومون مقام الأولاد وتقسيم التركة بينهم تتطابق تماما مع تقسيم التركة بين الأولاد. يحصل الإخوة على كامل التركة أو بقيتها ويتقاسمونها بينهم على قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين، سواء في وجود الأبوين أو أحدهما أو عدم وجودهما، وفي ذلك يقول سبحانه: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء 176] . وإذا لم يكن للرجل ورثة إلا أخت واحدة فلها نصف تركته، وهو يرث تركتها كاملة، وفي ذلك يقول سبحانه: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء 176] . وإذا لم يكن للمتوفي ورثة إلا أختان فما فوق فلهن ثلثي التركة يتقاسمنها بينهن بالتساوي، أما الإخوة الذكور فيحوزون على كامل التركة، وفي ذلك يقول سبحانه: {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء 176] . وفي حالة وجود أحد الزوجين يرث الأخ الواحد السدس، والأخت الواحدة السدس أيضا، فإذا كان الإخوة أكثر من ذلك يكون لهم الثلث يتقاسمونه بينهم بالتساوي، وفي ذلك يقول سبحانه: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء 12] . أما في وجود أحد الزوجين إلى جانب الأبوين أو أحدهما فيحصل الإخوة على بقية التركة بعد إخراج الفروض، يتقاسمونها بينهم على قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وإذا كان الوريث في هذه الحالة أخ واحد أو أخت واحدة، فإنه يحصل على بقية التركة، وذلك لما فيه مصلحة أقرب الورثة.

 

٧- بقي أن يعلم الورثة أن عليهم التزامات يرثونها مثلها مثل الأنصبة التي حصلوا عليها. بعض الناس يكون لديه أتباع وخدم وحشم، وعليه مسؤوليات والتزامات وعقود تجارية. وحين الموت تنتقل تلك المسؤوليات والالتزامات إلى ذمة الورثة يتقاسمونها بينهم حسب مقادير أنصبتهم، فهذه المسؤوليات والالتزامات هي أيضا {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ}. ليست متاعا يتملكونه ولكنها التزامات يجب عليهم الوفاء بها. نفهم ذلك من قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} [النساء : 33] .

 

 

سادساً- فائض التركة:

 

١- توزيع التركة ينتهي إلى أمرين لا ثالث لهما: إما أن تتفق الفروض/الأسهم مع أصل التركة، ويمكن التعبير عنه بالواحد صحيح، وإما أن تنقص الفروض/الأسهم عن الواحد الصحيح، ويتبقى من التركة جزء يسمى (الرد) . فكيف نتصرف بقية التركة؟

 

٢ـ الأصل أن الثروة ملك للمجتمع، وهي للفرد الوارث الذي يُحسن القيام على نصيبه، فلو ثبت أنه سفيه يتم تعيين وصي على ثروته، حيث وصفت ثروة السفيه بأنها أموالنا، وفي ذلك يقول سبحانه: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء : 5] . وبالتالي فلو بقي جزء من التركة فيجب أن يذهب إلى بيت المال (خزينة الدولة) في بند الصدقات ومصارفها ثمانية، وذلك طبقا لقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (60 التوبة) . هنا توزيع الصدقات سُمي (فريضة) (فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ، وهو نفس قوله جل وعلا في فريضة الميراث:(فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) (11 النساء) . فالمواريث وتوزيع الصدقات كلاهما فريضة من الله جل وعلا، وبالتالي فإن ما يفيض من فريضة الميراث يتم (ردُّه) إلى فريضة توزيع الصدقات. وعلى الدولة أن تنفق منها على إنشاء بيوت لاستضافة أبناء السبيل، وكفالة الأيتام وأطفال الشوارع والأرامل، وبناء مستشفيات لعلاج غير القادرين على تكاليف العلاج، وفي رعاية الفقراء والمساكين بالدعم العيني في السلع الأساسية أو بمرتبات .. الخ.

 

٣- وليس في هذا القانون القرآني (عول) على الإطلاق. والعول موجود في الفقه التقليدي المتخلف، حيث احتاج الفقهاء إلى ترقيع أخطائهم. والعول هو عكس الرد. أي هو زيادة الأنصبة/الفروض عن الواحد الصحيح، وحاشى لله أن تكون فرائضه أكبر من الأصول، وهو القائل جل شأنه: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق : 3] .

 

 

أخيراً:

 

١- كتاب الله جل وعلا ، كتاب محكم وآياته مفصلة مبينة، وذلك حرصا منه سبحانه على هداية الناس، ولعلهم يعقلون. وهذا ما أكده رب العزة في آيتين كريمتين من آيات المواريث ، وفيهما يقول جل شأنه: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء : 176] .. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة : 242] . وآيات المواريث بالذات، شأنها شأن جميع آيات الأحكام، آيات بينة محكمة - موجزة اللفظ قاطعة الدلالة - لا مجال فيها للبس أو الترادف أو المجاز، ومعانيها حقيقية لا تقبل التبديل أو التحويل. وما علينا إلا فهم قواعدها ومقاصدها التشريعية حتى نصل إلى الفهم الصحيح لمعانيها، ومن ثم المبادرة إلى تطبيقها على أرض الواقع.

 

٢- أقدم هذا البحث القرآني كحجة لي على جميع العلماء والمفكرين والقضاة والفقهاء بين يدي الله جل وعلا. وأنا هنا أناشدهم الله تعالى: بأن يراجعوا حساباتهم، وأن يتقوا الله في أموال وحقوق الناس. أنا لا أطالبهم بإعادة النظر فيما قد تم تقسيمه من التركات، وأسأل الله تعالى: أن يعفو عما سلف. ولكنني أطالبهم بتطبيق ما ورد في هذا القانون في تقسيم التركات المقبلة، وأحملهم المسؤولية عن ضياع حقوق وأموال الناس بعد يومنا هذا.

 

٣- أرجو من جميع الإخوة القرآنيين الجد والاهتمام، فالأيام تمر بسرعة، والوقت كالسيف، والباطل يتحرك بقوة، لذا فالواجب على كل قرآني أن يتخصص في مجال من مجالات القرآن الكريم، فنحن في زمن التخصص، ومن ادعى معرفة كل شيء فقد جهل.

 

4- هذا ومن الله تعالى التوفيق والسداد.

اجمالي القراءات 2249

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-11-03
مقالات منشورة : 84
اجمالي القراءات : 676,083
تعليقات له : 60
تعليقات عليه : 66
بلد الميلاد : Yemen
بلد الاقامة : Yemen