" يا شرق فيك جو منور والفكر ضلام ":
إصلاح إيه اللى انته جاى تقول عليه؟!!!

مسعد حجازى في الإثنين 26 فبراير 2007


;

منذ عام ونيف والشارع العربى يموج بصخب المظاهرات ودعاوى الإصلاح والتغيير، والمطالبة بمزيد من الحريات السياسية وتحقيق الديمقراطية الحقيقية وإعلاء سيادة القانون وقيم ومبادىء حقوق الإنسان للمواطن العربى الغلبان، وفى شهر سبتمبر 2005  جرت فى مصر إنتخابات عامة على منصب رئيس الجمهورية بين عدة مرشحين ولأول مرة فى تاريخها الطويل الضارب فى أعماق التاريخ البشرى، ولذا كانت الإنتخابات محط أنظار العالم بأسره، على الرغم من مقاطعة معظم الأحزاب للإنتخابات، وإقتناع غالبية المصريين وأحزاب المعارضة بأن النتيجة كادت أن تكون محسومة مسبقا لصالح الرئيس محمد حسنى مبارك مرشح الحزب الوطنى الحاكم، ومع ذلك فإن الإنتخابات لم تخلو من مفاجآت ( فوز جماعة الإخوان المسلمين بـ 88 مقعدا من مقاعد البرلمان )

  وبغض النظر عن النتيجة فإن الثابت أن الإصلاح الشامل أصبح مطلب الشارعين المصرى والعربى الذى لم يعد يحتمل التأجيل إلى ما لا نهاية، فقد باتت المنطقة العربية أشبه ببركان يغلى بفعل تذمر وغضب الجماهير المطحونة بسنوات القهر والكبت بكل أنواعه، وبفعل حمم وتفجيرات الإرهاب الأعمى التى بدأت تتصاعد من فوهة البركان فى بغداد وبيروت والرياض وطابا وشرم الشيخ و القاهرة. إننى أخشى أن يعلو صوت ضجيج المظاهرات العارمة على صوت العقل، وأن يعلو الدخان المتصاعد من تفجيرات الإرهاب ويحجب عنا الرؤية السليمة الواضحة لكيفية الإصلاح والتغيير المنشود الذى يجب أن يكون أكثر وأعمق من مجرد تغيير أشخاص.

بعد هذه المقدمة الضرورية، وبلا لف أو دوران ندخل فى الموضوع على طول:

مصر أو أى دولة عربية – جمهورية كانت أو ملكية ـ لن تتمكن من بناء نفسها وتصل إلى مصاف الدول المتقدمة لا بالخطب والكلام، ولا بالتصفيق والغوغائية فى النقاش أوالحوار على طريقة  مشجعى الأهلى أو الزمالك أو طريقة فيصل القاسم وبرنامجه المشاكس الإتجاه المعاكس الذى يذاع على " إمارة الجزيرة فى قناة قطر "، ولكن تبنى نفسها  بالعمل.. والعمل وحده.

ولكى نصل الى هذه النقطة فإنه يتعين علينا الآتى:

أولا: الخروج بأنفسنا من محيط الدائرة الجهنمية التى ندور فيها كالساقية منذ عقود وقرون: دائرة الخلط السئ، والإستغلال المشين – سواء عن عمد أو جهل ـ بين الدين والسياسة، بين ماهو مقدس وما هو بشرى – المصريون بطبيعتهم شعب متدين منذ فجر التاريخ، ويميلون الى الإعتدال والوسطية، ولا يميلون الى العنف والتطرف لكنهم يمقتون الظلم الإجتماعى الناجم عن الإستبداد والطغيان، ونزعات التطرف والتكفير هى نزعات غريبة ودخيلة على المجتمع المصرى . لقد خلطنا السياسة والدين عن جهل فخسرنا الخطاب السياسى والخطاب الدينى معا.

ثانيا: أن تختفى النزعة التكفيرية والتى هى نتيجة طبيعية لحياة العزلة والتوحد، وقد قال عنها الفيلسوف ابن رشد أنها " لا تثمر صناعة أو علما"

ثالثا: إعمال العقل، فالنزعة التكفيرية الظلامية لن تختفى إلا بصحوة عقلية وإعمال العقل فى مناخ من الحرية ... وهذا هو حال العقل من المستحيل أن يعمل ويبدع ويبتكر إلا فى جو من الحرية ، فحاجة العقل إليها أشبه ما تكون بحاجة النبات للشمس وللماء والهواء.

 العقل طائر جناحاه هما الحرية  والعدل الإجتماعى، أو الحرية وسيادة القانون وظيفتهما أن تساعداه على التحليق فى سماء الفكر والمعرفة والإبداع وهو يغرد، ولقد امتنع طائرنا عن التغريد وأخذ يصرخ حين حبسناه فى قفص من حديد بعد أن قمنا بتكفير ابن رشد الذى انكب الغرب على علومه ينهل منها فتقدم وانطلق يحلق فى الفضاء ووصل الى القمر ومشى عليه ونحن لازلنا نقبع فى القفص الحديدى، ونتعثر فى مشينا على الأرض !!!.

رابعا: أن ندرك  أن  الثقافات الحقة القوية  لا تعرف التعصب والشعوبية أو الحدود الجغرافية المصطنعة ولا تحتاج إلى جوازات سفر أو تأشيرات دخول للعقول والقلوب لأنها تخاطب العالم بلغة يفهمها تماما كالموسيقى والفنون اسمها الإنسانية.

لقد تحررت معظم أوطان العرب من المحتل الأجنبى ولم تتحرر الشعوب فقد تم إستبدال قوى الإحتلال الأجنبية بطغمة من الحكام المستبدين جثموا على صدور شعوبهم و كتموا أنفاسها إلا من هتافات رياء جوفاء بحياة زعيم خالد، أو رئيس مؤمن مفدى، أو ملك طويل العمر، أو أمير طويل التيلة ... السلطة والحكم لهم والقهر والذل لنا، هم أبناء الحرة سارة ونحن أبناء الجارية هاجر، فهاجرنا وإغتربنا، وأصبح نصف شباب أمتنا يحلم بالهجرة والإغتراب، وأما تداول السلطة فلا يقدر عليه إلا عزرائيل ولا غرابة فى ذلك فحكامنا يحكمون بموجب صك وحق إلهى مهما تستروا خلف فتاوى درء الفتن وجلب المصالح أو تذرعوا بدعاوى الإصلاح وتكملة مسيرة البناء .

 نعم تحررت الأوطان وبقى أن تتحرر الشعوب وهذه مهمة صعبة ، بقى أن تتحرر النفوس وهذه مهمة أصعب.

خامسا : يجب أن نتخلى عن عادة التسرع فى إصدار الإتهامات والأحكام بطريقة عشوائية دون بحث أو دراسة أوتمحيص، فمن عاداتنا السيئة أننا دائما نبحث عن الأخطاء ونتصيدها فقط  فى الأخرين إلا نحن ، نتصور نجاح أى فرد حتى من إخواننا هو فشل لنا .

نسرف تقريبا فى كل شئ فى أكلنا وشربنا ..، فى غضبنا وإنفعالنا ، حتى فى حبنا وكرهنا !!

نهوى قذف الأخرين بالطوب والحجارة وبيوتنا هشة مصنوعة من زجاج .

نوزع تهم العمالة والخيانة على بعضنا البعض وعلى كل من يختلف معنا بسخاء وكرم يفوق الكرم الحاتمى  بدلا من أن نقارع الحجة بالحجة ، والجزئية بالجزئية ، والرأى السديد بالرأى السديد .

وهناك عيب آخر من عيوبنا؛ وهو أن كل فرد يعتقد أنه يعرف كل شىء، ولا يحلو له إلا النقد وتوجيه اللوم إلى الآخرين، وهو لا يعرف شيئاً ولا يتقن عمل شىء.  إن من يتهم الآخر بالباطل ودون أن يقيم الدليل لا يدرك أنه عندما يشير باصبعه إلى شخص ما فإن ثلاثة أصابع أخرى تشير إليه هو.

سادسا : أن نتخلص من مرض اجتماعى خطير ألا وهو الحسد والضغينة التى تمثل سياسة الهدم، ولعل هذا يفسر لنا خنق أصحاب الكفاءات والمواهب والقدرات الخاصة، فى كندا وأمريكا وأوروبا واليابان وفى كثير من بلدان العالم إذا ظهرت كفاءة بادر المواطنون إلى دفعها للظهور؛ لأنهم يعلمون أن هذا الذى يصل سيعاون غيره على الوصول. إذا استطعنا أن نعرف الحق - الحق الذى لا يراد به باطلا ـ واستوعبنا دروس الماضى فسوف نحقق أهدافنا شريطة أن نتغلب أولاً على القوالب الفكرية الجامدة، وتوابيت الفكر الظلامى التى تحنطت فيها عقولنا مع مخلفات الإستعمار الفكرى الداخلى والخارجى ، وعندئذ نرى أمامنا الطريق واضحا جليا.

إن الهروب من مواجهة التحديات الجسام التى تواجهنا بإجترار الماضى والغوص فيه دون ان نستخرج رؤية مستقبلية واضحة ومتكاملة، وتقديم حلول عملية لمشكلاتنا المزمنة هو جريمة فى حق أنفسنا، ومصادرة لحاضر الأمة ومستقبلها.

سابعا : أن نؤمن إيمانا راسخا بأن قيم الحرية والديمقراطية هى قيم عالمية وإنسانية وليست إقليمية، كما أنها ليست مرتبطة بالفقر أو الغنى . هى حقوق أصيلة نصت عليها جميع الأديان والشرائع السماوية فكيف نستجديها كمنحة من الحكام؟!
أنا أرى أن الدول النامية والفقيرة هى أشد حاجة إلى الحرية والديمقراطية الحقيقية أكثر من الدول الغنية المتقدمة ، ومصر ليست دولة فقيرة ولكنها كما قال د. عبد الجليل العمرى أشبه بالبقرة الحلوب ضروعها تدر خيرها الى الخارج.

إن عقلى المتواضع يعجز عن أن يفهم كيف يمكن لأمة أن تنهض وتتقدم فى غياب الحرية والديمقراطية الحقيقية، وفى ظل الكبت ، وثقافة القهر ، والعهر السياسى والإعلامى؟!!!!!

إن العبيد المقهورين لا ينتجون ،لا يخترعون ، ولا يبدعون، وإنما يموتون كمدا وقهرا وظلما فى اليوم الواحد ألف مرة .

 الأحرار فقط هم الذين ينتجون ويخترعون ويبدعون.
إن العبيد المقهورين هم فى حقيقة الأمر أحرار ، أبطال لكنهم لا يعلمون.

ماذا أقول يا سادة وجبال التضليل الإعلامى والهوس الدينى والتغييب العقلى والنفاق السياسى أصبحت تناطح جبال سيناء؟!

هل أقول كما قال سعد باشا زغلول " مفيش فايدة " ؟!

هل أدعو لرفع الراية البيضاء والتسليم بكلمات الشاعر العبقرى بيرم التونسى وهو يقول:

يا شرق فيك جو منور

والفكر ضلام

 وفيك حراره يا خساره

وبرود اجسام

فيك تسعميت مليون زلمه

لكن اغنام

لا بالمسيح عرفوا مقامهم

ولا بالاسلام

هي الشموس بتخلي الروس

كدا هو بدنجان

*****

نعم مشكلاتنا كبيرة تتطلب حلولا كبيرة ، والحلول الكبيرة تتطلب إقتلاع الجذور لا تقليم الفروع.

" لقد خرج العرب من التاريخ ".

عبارة قالها الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل ، ونفس العبارة قالها شهيد الفكر وجاليليو العالم الإسلامى  محمود محمد طه فى عام 1967 فى كتابه " التحدى الذى يواجه العرب ".

 أدعو الله ألا يأتى اليوم الذى نخرج فيه من الجغرافيا أيضا.

--------

كاتب وصحفى مصرى – كندى

Mossad_Hegazy@hotmail.com

 



 



 

اجمالي القراءات 13243

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (7)
1   تعليق بواسطة   ايمان خلف     في   الثلاثاء 27 فبراير 2007
[3311]

الحرية حلم كل جاااااااااااااائع ..!!

السلام عليكم ورحمته وبركاته
مقال جامع فعلا يا أستاذ مسعد ومن الجميل ان تكون بعيد عن مصر وتستشعر ما يحدث فيها
لكن يا أخى ( العقول بتضيع من الجوع ) الكل مشغول بالرغيف أكثر مهو مشغول بالفكر سياسة فعلا تستحق الدراسة كل المجالات فى مصر تلهى المواطن عن الفكر وهذه بعض كلمات أو خاطرة

شدى حيلك يا بلدنا
قومى وحررى ولادك
أحنا الشباب المحتارين
نقول .. سياسة
.......ولا حب ولا دين
نقول سياسة ما هى وراثة
بين الكروش والهتافين
طيب والحب
خلاص كلامه خلص
والعشاق فى القبور مدفونين
طيب والدين
بين المشايخ الكدابين
والعلما ءالمنا فقين
والأخوان المسلمين المتعصبين
والحياة الحزبية
فى مصر مفككة مقضية
والحزب الواحد الناس بتاخدة فى الوصية
أيمن قال كلمته
رغيف العيش والبترول والحرية
بص لقى نفسه لبساه القضية
ونعمان مسك سلاحة
وضرب مقرة
وولادة هى الضحية
قلى فين الحياه ةالحزبية
الحزب الكهنى دا أخطبوط
ماسك فى أيدة سكين وسوط
واللى يقف قصادة
تلبسة القضية
ويصبح ضحيه
ويبقى نسيا منسيا
أما الرئاسة
بين الحداثة والوراثة والديكتاتورية
قلى بقى فين الحرية

2   تعليق بواسطة   فوزى فراج     في   الأربعاء 28 فبراير 2007
[3330]

تحياتى صديقى العزيز مسعد

اخى الحبيب مسعد, عظيم هذا المقال كعادة كل مقالاتك, مدروسه وكل كلمه فى مكانها وكل معنى منها او فكره لا يمكن الاعتراض عليها , كنت على وشك ان اقول ( ولكن) غير انى تنبهت الى انها كلمه تحمل معنى السلبيه التى تدرك جيدا انها ليست من شيمتى او من صفاتى. ولهذا ساقول, من اين نبدأ يا عم مسعد, من الذى سيتولى تعليق الجرس فى عنق القطه؟؟ انت كتبت وانا كتبت وعمرو اسماعيل كتب وكثيرون اخرون كتبوا عن ماتعانيه مصر , وكلنا قمنا بعمليه الكشف على المريض, كل منا رأى بطريقه او بأخرى علته , واتفقنا فى بعض ما نراه واختلفنا فى البعض , رغم ان ما اتفقنا عليه اكثر بمراحل عما اختلقنا فيه. هل فعلا انا وانت نستطيع ان نقترح حلا , او حلول , هل يستمع من يعانون هناك الى او اليك, ام يقولون اننا نرتع فى حياة سهله ولا ندرى حقيقه الامر , او كما يقولون هنا ( out of touch) . لقد بحت اصواتنا فى تقييم الموقف, ومقالاتك ومقالاتى برهان على ذلك, فكم ممن يعانون هناك اقتنع بصحنها, وكم منهم لديه المقدره ان يفعل شيئا. انظر الى ماقالته الابنه ايمان, ( الكل مشغول بالرغيف) , وطالما ان الكل مشغول بالرغيف, فلن يرى شيئا اخر. لقد قال لى احد اصدقائى رحمه الله , ان مصر لا تثور الا فى حالات الرخاء ولم يكن يعنى مظاهرات بل ثوره, ولا اذكر على وجه التحديد ماقاله تماما ليبرهن على ذلك, وكان ذلك فى عام 1967 بعد ما سمى فى ذلك الوقت ( النكسه) , وقال ضاحكا رحمه الله, ان الشعب المصرى شعب "مفترى" لا يثور الا عندما يعم الرخاء. لقد تساءلت كثيرا هل المشكله فى المصريين, لكننى وجدتهم يتفوقون عندما يعيشون فى الغرب مثلا او فى بلاد اخرى متقدمه, اذن فالمشكله ربما ان هناك شيئ فى الهواء (something in the air there) , تحياتى صديقى العزيز

3   تعليق بواسطة   مسعد حجازى     في   الأربعاء 28 فبراير 2007
[3357]

إلى الأخت إيمان وأخى فوزى فراج:

الأخت الفاضلة إيمان خلف
أخى وصديقى العزيز فوزى فراج:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكركما جزيل الشكر على تفضلكما بالقراءة والتعليق على المقال.
أجدنى أتفق معكما فى معظم النقاط الأساسية التى وردت فى تعليق كل منكما، وأود أن أعلق عليها فى النقاط التالية:

الأخت إيمان خلف تقولين:
" ومن الجميل ان تكون بعيد عن مصر وتستشعر ما يحدث فيها"

وأقول:
-إن الأراء التى أعرضها لبعض الأحداث الجارية والقضايا الرئيسية التى تشغل بالنا جميعا .. هى أراء قد تحتمل الخطأ أو الصواب لكنها أولا وأخيرا محصلة وخلاصة تجارب سنوات طويلة قضيتها فى العيش والإقامة والترحال خارج بلدى الأصلى مصر ودون أن أفقد ولو للحظة واحده الإتصال والتواصل معها ومع قضاياها وهمومها وأحلامها وتطلعاتها وهى جميعها لاتختلف كثيرا عن قضايا وهموم وأحلام وتطلعات أمتها العربية والإسلامية الإ فى الخصوصية بحكم الموقع والمكانة والدور والتأثير ولا أظننى بقادرعلى الإنفصال حتى لو أردت حيث أننى أرى نفسى أشبه بسيارة كندية لكن وقودها فى مصر أحصل عليه بالزيارة كلما سنحت الظروف لرؤية الأهل والأصدقاء وزملاء الدراسة أو المهنة فى الوسط الصحفى وقبل الهجرة والإغتراب وهو إغتراب المكان بالجسد فقط ..

تقولين:

" لكن يا أخى ( العقول بتضيع من الجوع ) الكل مشغول بالرغيف أكثر مهو مشغول بالفكر سياسة فعلا تستحق الدراسة كل المجالات فى مصر تلهى المواطن عن الفكر وهذه بعض كلمات أو خاطرة

وأقول:
- إذا كان هذا هو الواقع فعلا فهو لم يحدث إعتباطا وإنما هو سياسة مقصودة عن عمد مع سبق الإصرار الهدف منها شغل الناس عن التفكير فيما يفعله الحكام ومحاسبتهم عن أخطائهم، والمطالبة بحقوقهم المسلوبة... تجويع الشعب وإلهاءه سياسة، والفساد سياسة، ولا إصلاح حقيقى فى ظل القمع والقهر والإستبداد، والقضاء على الثالوث الأزلى: الفقر والجهل والمرض.

وإلى أخى العزيز فوزى أقول:

أحيانا كثيرة أشعر أنه لا فائدة من الكتابة و" هرش المخ" خصوصا إذا كان ما يكتبه الكاتب من نوع " الوجبات الدسمة" فى زمن أصبحت السيادة فيه للوجبات السريعة والكليبات والإنزلاق على سطوح الأشياء...، ومنذ قرابة العام وأنا أحاول جاهدا عدم الكتابة فى الشأن المصرى العام والقضايا الحيوية على الرغم من متابعتى عن كثب لما يجرى فى مصر المحروسة من أحداث وتطورات، وأعتقد أننى لست وحدى الذى أصبح يشعر بأن قراءة أخبار مصر خلال السنوات الأخيرة ، وما يجرى فيها من أحداث ناهيك عن الكتابة عنها، قد أصبحت كلها وصفة فعالة للحزن والإحباط والإكتئاب والحسرة على ما آلت إليه الأمور والأوضاع فى مصر - التى لم تعد محروسة ولا فاعلة مرفوعة الرأس والكرامة وإنما مفعول بها منصوب عليها ومنهوبة - من تدهور حاد وسقوط مروع فى مستنقع التخلف والجهل والتعصب والفساد بكل أنواعه أدى بالضرورة إلى تفشى حالات مرضية مستعصية ، وصور عبثية من التطرف والهوس الدينى والطائفى والتدين الزائف والدروشة والدجل والشعوذة، وغياب الضمير وإختفاء الإنتماء وعدم إحترام القانون ونبذ الآخر والسلبية واللامبالاة والأنامالية والتبلد فى المشاعر والأحاسيس والتكلس فى العقل الجمعى للمجتمع المصرى الذى لا يزال يصر على أنه ينتمى إلى " خير أمة أخرجت للناس"!! ... يا حلاوتك يا جمالك خليت للـ ............ إيه!!!!

- التشخيص الدقيق للمشكلات أمر مهم وضرورى لكنى تجاوزت هذه المرحلة منذ فترة طويلة وأركز على الحلول العملية وهذا المقال ومقالات أخرى تضمنت بعض هذه الحلول، لكن تبقى مشكلة أخرى: لنفترض أن أى فرد أو جماعة توصلت إلى الحلول الجيدة فمن الذى يضمن تنفيذها؟! يا عزيزى حكامنا يعرفون الحلول أكثر منى ومنك لكنها تظل حبيسة الأدراج لأنه لا توجد لا النية ولا الإرادة القوية أو الرغبة الصادقة فى إجراء أى إصلاح حقيقى فى ظل تحالف السلطة والثروة والإعلام المزيف للواقع،.. فى ظل تحالف الإستبداد والفساد.

- الإصلاح منظومة كاملة متكاملة يتم بالجملة لا بالتجزئة، وهو يحتاج لرؤية شاملة ثاقبةوإلى مفكرين وفلاسفةلا إلى جهلة ومنافقين وكدابين زفة .

تسألنى ياصديقى العزيز: من أين نبدأ؟ وأجيبك أن البداية فى رأيى ليست فى إجراء تعديلات دستورية وإنما فى وضع دستور جديد دائم يوضح بدقة طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكومين ، وتحديد إختصاصات الحاكم والفصل بين السلطات، مع وضع ميثاق للحقوق للمواطن المصرى والعربى Charter of Rights

يا عزيزى فوزى " مطلوب حكام خدام لا أسياد، على مواطنين لا رعايا" ، وهذا موضوع مقال أخر.

مع خالص مودتى وإحترامى
مسعد حجازى


4   تعليق بواسطة   عمرو اسماعيل     في   الأربعاء 28 فبراير 2007
[3368]

فكر منور والجو ضلام ..

رغم أنك تعيش في منطقة من العالم قد يكون الجو فيها غائما (ضلام) ولكن كلما قرأت لك أكتشف كم هو فكرك منور يشع أفكارا رائعة ..هي أملنا الوحيد في منطقة الجو فيها منور ولكن علي رأي بيرم التونسي الفكر ضلام ..
أتمني ألا يصل أي منا الي درجة اليأس التي وصل اليها العبقري بيرم التونسي ..وألا نتحول فعلا التي تسعميت مليون زلمة ولكن أغنام ..
أشكرك علي مقالتك الرائعة ..
"نعم تحررت الأوطان وبقى أن تتحرر الشعوب وهذه مهمة صعبة ، بقى أن تتحرر العقول وهذه مهمة أصعب."
اسمح لي أن استبدل كلمة النفوس بالعقول ..
تحرر العقول هي فعلا أصعب المهام ..
واشكرك أيضا علي تذكيرنا بالشعر الزجلي العبقري لبيرم التونسي ..
تحياتي وتقديري الدائم لك ..

5   تعليق بواسطة   مسعد حجازى     في   الخميس 01 مارس 2007
[3382]

الفقر فقر النفوس لا الفلوس

أخى العزيز د. عمرو:

شكرا لك على مرورك الكريم وتعليقك الجميل، وإذا كان مقالى رائعا كما ذكرت فأروع منه أدبك الجم وحوارك المتحضر وإحترامك للأخر.
لقد قلت فى مقالى : " نعم تحررت الأوطان وبقى أن تتحرر الشعوب وهذه مهمة صعبة ، بقى أن تتحرر النفوس وهذه مهمة أصعب"
وأنت قد رغبت فى إستبدال كلمة النفوس بالعقول، فدعنى أعيد صياغة ما كتبت كالآتى:
" نعم تحررت الأوطان وبقى أن تتحرر الشعوب وهذه مهمة صعبة ، بقى أن تتحرر العقول وهذه مهمة أصعب، وبقى أن تتحرر النفوس وهذه هى المهمة الأصعب".
والإختلاف هنا هو إختلاف مقدار ليس إلا إذ أن تحرير العقول يمكن أن يتم بالتعليم والدراسة والمزيد من الإطلاع والمعرفة، وأما إصلاح النفوس فلا يتم إلا بحسن التربية فى المنزل أولا وقبل المدرسة، وبالأخلاق الحميدة وبمعرفة صحيح الدين وجوهره وبإخلاص النوايا ونقاء القلوب والنفس الأمارة من شوائب السوء ثم بالتعليم. الفقر هو فقر النفوس لا الفلوس" وكما يقول المثل المصرى الدارج، والمرض هو مرض العقول، والجهل هو الظلام الحالك بعينه ، هذا رأيى المتواضع وقد أكون على خطأ.

لعلك لا حظت أننى قد استشهدت بكلمات الشاعر العبقرى بيرم التونسى " السكندرى" فى أكثر من موضع ومقال والسبب هو أنه قد كتب ذلك منذ نحو ثلاثة أرباع قرن من الزمان، لكن حين تقرأ ما كتب تشعر أنه يصف حالنا الآن ألا يعنى هذا أننا لم نتقدم كثيرا .. أحيانا كثيرة أفكر وأسأل نفسى: لو أن الله تعالى قد أمد فى عمر بيرم التونسى إلى يومنا هذا فماذا يا ترى كان سيقول فى وصفه لأحوال المجتمع المصرى الآن؟!
تحياتى إليك أخى عمرو وتقبل خالص مودتى وإحترامى
مسعد حجازى

6   تعليق بواسطة   فوزى فراج     في   الخميس 01 مارس 2007
[3387]

الى الأخ مسعد, لعبه الشطرنج ذات المستويات الثلاثه.

اخى الحبيب دائما مسعد, لا اعتقد ان هناك اختلاف بينا او جوهريا بينا فى تحليل ما تمر وما مرت به مصر بناء على تجاربنا وعلى رؤيتنا للأوضاع على الارض, غير انى ربما قد وصلت الى ما يقرب من اليأس التام من حدوث شيئ ايجابى سواء نتيجه لما تقول وما اقول وما يقول من هم على شاكلتنا, فلم تعد المسأله مسأله تقييم للأسباب او حتى تشخيصا للعلاج.
تقول مطلوب (مطلوب حكام خدام لا أسياد، على مواطنين لا رعايا) ولن تجد احدا يؤيد ما تقول اكثر منى ولو رجعت الى العديد من مقالاتى لوجدت نفس الشيئ تصريحا وتلميحا, غير انى ولازلت اؤمن بأن التغيير يجب ان يبدأ من الفرد ومن تقييم الفرد لنفسه كمواطن, فلو انه قيم نفسه بأنه لاشيئ وانه لااهمية له وان وجوده او عدم وجوده لن يغير شيئا وانه ليس اللبنه الاساسيه او الوحده الاساسيه لذلك المجتمع,ولو انه لم يفكر فى ان له حقوقا كمواطن يجب ان تلتزم الدوله بها , وانه يجب عليه ان يعرف جيدا تلك الحقوق كمواطن ويطالب بها لا اكثر ولا اقل.............الخ لو لم يحدث ذلك, فلن يتطوع الحكام بتغيير نظرتهم لأنفسهم بأنهم خدام بل سيزدادوا طغيانا , ومهما قلت انت ومهما قلت انا فسنكون كمن يؤذن فى مالطه كما يقولوا.
من الذى سوف يغير الدستور, الحاكم!!!, من الذى سوف يضع حق ا لمواطن , الحاكم!!! من الذى سوف يفعل ذلك ان كان الشعب شغله الشاغل هو ( لقمة العيش), ولا اريد ان اعقد الامور اكثر , غير ان الحقيقه لم تعد ترتكز على ما يحدث فى مصر وما يفعله الحاكم والنظام, بل كما تعرف انت خيرا من الأكثريه , ان هناك عوامل اخرى تتداخل وتتفاعل مع ذلك مثل ما يحدث فى العالم العربى والعالم الخارجى , وسواء قبلنا ذلك ام لا, فإن لذلك علاقة مباشره ايضا لما يحدث فى مصر سواء على المستوى الاقتصادى او السياسى او العسكرى او حتى العقيدى .....الخ مما يعقد من الامر وما يجعل الحلول المقترحه اكثر تعقيدا, فتبدو وكأنها لعبه الشطرنج ذو المستويات الثلاثه . تحياتى واحترامى .

7   تعليق بواسطة   مسعد حجازى     في   الخميس 01 مارس 2007
[3396]

ثقافة القطيع عائق التغيير الشامل

أخى العزيز فوزى أتفق معك على أنه لا خلاف جوهرى بيننا وكما قلت أنت من قبل أن تجربتنا فى المهجر تتشابه إلى حد كبير، وإن كنا سويا نتفق أيضا على أنه لا مانع ولا ضرر من الإختلاف أحيانا ، فاختلاف الرؤى وتعدد وجهات النظر أمر محمود قد يكون فيه نماء وثراء للرأى حتى وإن إختلف مع الآخر.

بالنسبة لتعليقى السابق ردا على تعليقك وتعليق أختنا العزيزة إيمان خلف، فأرجو أن يكون واضحا أننى لم أختلف معك أو معها إطلاقا وإنما فقط أضفت بعض النقاط من عندى، أما بالنسبة لتعليقك الأخير فأنا أتفق معك أيضا فى كل كل ما كتبت من حيث المبدأ وهو أن الفرد هو أساس التغيير أو هذا ما ينبغى أن يكون، وقد شهد تاريخ مصر المعاصر أمثلة للتدليل على الدور الكبير المؤثر الذى يمكن أن يلعبه الفرد، فمثلا أحمد عرابى ومصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول ومصطفى النحاس وجمال عبد الناصر وأنور السادات ماذا كانوا جميعهم قبل أن يصبحوا زعماء؟ كانوا أفرادا جاهدوا من أجل تحرير الوطن من الإحتلال وإحداث التغيير فى المجتمع المصرى كل حسب موقعه وقدراته فى ظل الأوضاع القائمة وبالتالى كان من الطبيعى أن تتفاوت درجات النجاح والفشل بين أدوارهم التى قاموا بها إذن أين تكمن المعضلة الحقيقية التى تجعل من التغيير الشامل أمرا عسيرا؟
فى رأيى الذى قد يحتمل الخطأ أو الصواب أن المعضلة الكبرى تكمن فى أن المجتمع المصرى يحمل على كاهله إرثا ضخما من الموروث التاريخى السياسى والدينى وكما هائلا من العادات والتقاليد الإجتماعية والأعراف، وقبل وفوق كل شىء ميراث ضخم من الإحتلال الأجنبى والإستبداد والطغيان الخارجى والداخلى بكل صنوفه وأشكاله فباتت جميع هذه العوامل مكونات أصيلة فى شخصية المجتمع المصرى والثقافات السائدة فيه، ولكى تحدث التغيير الشامل فعليك أن تتصدى لكل هذا الإرث الضخم الثقيل فمن هو الفرد الواحد حتى ولو كان حاكما الذى يستطيع أن يتصدى لهذه المهمة الصعبه؟! ويكفى أن نتذكر ما حدث للرئيس السادات رغم كل السلطات التى كانت فى يده، ولذا فإن الرئيس حسنى مبارك لا يمكنه أن يتجاهل ما حدث لسلفه السادات .
المشكلة يا أخى فوزى هى أن مفهوم الفرد فى المجتمع المصرى يختلف كلية عن مفهوم المجتمع للفرد فى المجتمعات الغربية المتقدمة، فالفرد فى المجتمع المصرى والعربى يصبح سويا إذا كان يعمل داخل القطيع ( مفهوم الراعى والقطيع) وإما إذا حاول أن يخرج عن القطيع للبحث عن ذاته ومحاولة تأكيدها فهو يعد شاذ وخارج عن الصف وتلصق به كل تهم العمالة والخيانة وبث الفرقة والإنقسام، والفرد فى المجتمع المصرى والعربى يتعرض يوميا لعملية غسيل مخ وتغييب عقلى من رجال السياسة والإعلام وفقاء السلاطين، وهذه كلها حقائق على الأرض لا يمكن للمرء أن يتغاضى عن تأثيراتها.

وبالرغم من كل ما ذكرت أقول أن التغيير سوف يحدث سواء شئنا أم أبينا، وهذه هى سنة الحياة ، ولا أبالغ إذا ما قلت أن مصر فى الوقت الحالى تتغير بسرعة مذهلة، المجتمع المصرى يتغير رغما عن أنف النظام والحكم، المجتمع المصرى منفتح على العالم من خلال الثورة التكنولوجية الهائلة التى يشهدها العالم، والنظام لم يعد فى مقدوره السيطرة على الأمور والتحكم فى المعلومات التى يحصل عليها المصريون سواء من الفضائيات أو من خلال الإنترنت كما كان يحدث من قبل.. وحسنى مبارك حين وافق على تعديل المادة 76 من الدستور لم يفعل ذلك إلا تحت ضغوط داخلية وخارجية، والـ 34 مادة المزمع تعديلها فى أبريل القادم جاء تغييرها أيضا نتيجة ضغوط.
التغيير الحقيقى كما تعلم يا أخى فوزى يحدث حين نغير من أنفسنا وحين يبدأ كل فرد بتغيير نفسه أولا وهذا يتطلب توافر قدر كبير من الوعى والتفكير، وهذا أمر وثيق الإرتباط بالعملية التعليمية وبإصلاح التعليم، وأمريكا على الرغم من قوتها المادية وثرواتها الهائلة ونظامها السياسى القوى إحتاجت إلى أربعين عاما لإصلاح التعليم فيها والذى بدأ منذ ولاية الرئيس كيندى وحتى سنة 2000، وفى مصر فإن مصيبتنا أكبر، فالعملية التعليمية فى إنهيار مستمر فى الوقت الذى يعانى فيه المواطن المصرى من كل أنواع القهر والإستبداد، والسؤال الآن هو كيف يحدث الإصلاح السياسى فى مصر سلميا ودون عنف؟ لقد جربنا فى التاريخ المعاصر الثورات والإنتفاضات التى أجهضت، والإغتيالات السياسية وجربنا الإنقلابات العسكرية، ولسنا فى حاجة إلى كل هذا ولم يعد أمامنا سوى التغيير السلمى وهذا هو التحدى الكبير الذى يواجهه المصريون وإلا فإن العواقب وخيمة على مصر والمنطقة بأسرها.
مع خالص محبتى وإخترامى.

مسعد حجازى
كندا

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-24
مقالات منشورة : 14
اجمالي القراءات : 186,867
تعليقات له : 14
تعليقات عليه : 38
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Canada