الأزمة الثقافية بعد رحيل الإخوان عن السُلطة

سامح عسكر في السبت 13 يوليو 2013


رحل الرئيس السابق محمد مرسي عن الحُكم ورحلت معه أحلام وأمنيات جماعة الإخوان في التوسع والسيطرة على مقدرات الشعوب، وتكمن أهمية الحدث المصري في كون هذا الفشل يتحقق في معقل الجماعة الأم والتي تمددت أذرعها وخلاياها في شتى بقاع العالم..وإن ظلت هذه الأمنيات كهواجس وأوهام تعتري أبناء الجماعة، بعد ما يبدو أنه الإصرار على عدم الاعتراف بالأخطاء وعدم تحمل المسئوليات، ورفض عقد أي مراجعات فكرية أو منهجية في هذا التوقيت، ربما لاعتقادهم بأن المعركة لم تنتهي وهذا غير صحيح، فالمعركة منتهية فور صعود الإخوان أعلى هرم السلطة في مصر، والسبب أنه- وكما قلت في السابق –أن الجماعة تعاني من الضمور المعرفي، وانكشاف الأزمة لديها في تغلغل الفكر السلفي الوهابي بين ثناياها، وتجليات ذلك ظهرت في تفشي الرؤية السلفية لقضية الحاكمية حتى بين ممن نحسبهم من مفكري ومعتدلي الجماعة.

القضية أعمق من ذلك ولسنا في سياق مناقشة هذه الأمراض لدى الجماعة فقد تحدثنا فيها سابقاً عبر حلقات متصلة أسميناها.."تصدع الإخوان"..وعليه كان فقه المرحلة يُحتم على الجميع النظر في الواقع المصري استناداً على هذه التجارب المخزية، والوقت لا يتسع لذلك نظراً لسرعة الأحداث ومدى تأثيرها، ويكفينا في هذا الباب أن نشير إلى أن فقه المرحلة يحتم على الجميع النظر إلى أبعد مما نحن عليه في الشأن المصري.

باختصار فالأزمة في مصر ليست في جماعة أو فصيل سياسي-أياً كان -أراد الاستئثار بالسلطة وفرض برنامجه ورؤيته الفاشية على الجميع، حتى بفرض حدوث ذلك فالمجتمع مسئول عن نشوء مثل هذه الفصائل وصعود نجمها وأفولها مرة أخرى بهذه السرعة..أنا لا أطمئن لأي دعوات تختزل المشكلة المصرية في حالة سياسية، لأن العوامل التي صنعت ذلك ستصنع فصائل أخرى حتماً وإن تسمت بأسماء أخرى وجاءت تحت عناوين مختلفة، وقد أشرت في صفحتى الشخصية على الفيس بوك منذ أيام إلى أن الأجواء .."الفكرية".. في مصر تسمح بنشوء جماعات عقدية وأيدلوجية بل وفاشية، وهو ما ينذر بخطر جديد إذا ما لم تتبنى الدولة خطاباً ثقافياً شعبياً يشرح العلاقة بين الدين والدولة من منظور ثقافي بعيداً عن العاطفة والرؤية الدينية، فالرؤية مهما صحت هي رؤية نسبية بشرية لمُطلق الدين، وكما أن المذاهب الفقهية اختلفت وأنتجت لنا أحكاماً مختلفة، فالمذاهب السياسية لابد وأن تختلف وستنتج بالضرورة أحكاماً ورؤى مختلفة.

في تقديري أن منهجية الإصلاح تأتي من شيوع العقل الناقد وضرورة الشك، فلو لم يشك الإنسان لما وصل إلى اليقين، أو كما قال البعض بأن الشك هو موقف عقلي واتجاه فلسفي يأتي بعد تفكيرٍ وتدبير، وهذا ما نسميه لدينا بالبحث، فالباحث بالضرورة هو من الشكاك، ولو لم يشك لما كان له أن يبحث...بهذا الأسلوب ربما نخلص إلى اتجاه فكري سينقد كافة الحركات الفكرية والسياسية على الساحة، ولن يستثني أحداً من هذه المراجعات، فالجميع مسئول عن هذه الأزمة في مصر والتي أراها في محض الثقافة، وأن تجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية تُثبت أن الثقافة هي عصب الأمم، وهي الشريان التي تتغذى عليه الشعوب، ولا ثقافة حقيقية دون شك ونقد للغُلاة من كل الأطراف، وقتها سنصل لبعض خيوط الأزمة المتمثلة في اعتقاد كل فريق بامتلاكه للحقيقة المُطلقة..وهنا الكارثة، فلا يوجد فريق يمتلك هذه الحقيقة أبداًُ.

هذا لا يعني أن المُشكلة في مصر أفقية في كيفية تعاطي الإنسان مع الدولة، بل هي رأسية في عجز المصريين عن تغيير واقعهم والتحكم فيه، فهم أسرى للتجارب الفاشلة والتي هي في تقديري تنبع من تعدد المحرمات الثقافية وضعف العقل الناقد، وقد ظهرت نتائج ذلك في الاعتقاد بأن الحل في التخصص، أو ما اصطُلِحَ عليه.. "بالتكنوقراط"..ولكننا جربنا التكنوقراط منذ عقود ولم يتغير شئ، ربما استطاع المتخصصون حل بعض المشاكل الآنية، ولكن كل هذا معدود ضمن علاقة الإنسان بالطبيعة، بينما الحل في قدرة الإنسان على التحكم في هذه الطبيعة وتغييرها، لأن التغيير الحقيقي يأتي من رحم القدرة على فعل الأشياء، لأن عجز الإنسان يضعه ضمن علاقة توافق وصراع مع من حوله، ولكنه لا يستطيع بحال أن يتحكم في من حوله، ونحن في مصر والعالم العربي لا زلنا نعجز عن إيجاد أو الحصول على هذه القدرة .

اجمالي القراءات 5782

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 5,072,305
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 411
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt