على القوى السياسية ان تعقل قبل ان تخسر

عثمان محمد علي   في الجمعة 08 مايو 2009


نـــــــزار حيدر في حوار مشترك مع صحيفتي (الدعوة) و(العهد) البغداديتين:



على القوى السياسية ان تعقل قبل ان تخسر



* ما يشهده العراق اليوم، هو فرصة لتصحيح خطا تاريخي ارتكبه الاحتلال البريطاني عام 1917 وساعده على تكريسه، الاقلية التي حكمت العراق بسياسات التمييز الطائفي والعنصري.

* ان للخلاف حدودا وللاختلاف اخلاقيات وقوانين، اما النزاع فليس له اب ولا ام، ولذلك فان من اخطر ما يهدد تجارب الامم والشعوب هو النزاع الذي يشكل عادة حجر الزاوية في اضاعة المنجزات وهدر الطاقات والاستخفاف بالتضحيات.



* بهذه الطريقة تفكر الولايات المتحدة بالالتفاف على بنود الحصانة والملاحقات القانونية لعناصرها في العراق، الواردة في الاتفاقية الاستراتيجية.

* ان خطا عظيما يرتكبه النظام السياسي العربي عندما يربط (التشيع) بايران، فيتهم كل عائلة تتشيع في اي بلد عربي بانها حولت ولاءها الى ايران، لانه بذلك يستعدي تيارا فكريا وثقافيا وحضاريا هادرا، وبلا سبب.

* في خطوة متقدمة، يجب على حكومة العراق ان تتعامل بسياسة المثل مع دول الجوار المتورطة بدعم الارهاب، فتسمح، مثلا، لمن يحب من العراقيين التدخل في شؤونها، لدعم الازمات الداخلية لهذه البلدان، وبحمد الله تعالى فان كل دول الجوار تعيش ازمات يمكن للعراقيين ان يتدخلوا فيها طبقا لقاعدة التعامل بالمثل.

* انا اؤمن وبقوة، ان العراقيين في بلاد المهجر هم ثروة وطنية استراتيجية عظيمة، لم يلقوا لحد الان الاهتمام المناسب واللازم من قبل الدولة العراقية، ويجب ابعاد هذا الملف عن الامراض السياسية كالمحاصصة والتوافق والحزبية، فلا يجوز ان ندع هذا الملف يتلوث بامراض السياسة، والا فسنخسر اعظم ثروة وطنية.

* يعد التيار الصدري احد اهم اعمدة العملية السياسية الجارية اليوم في العراق، فهو

يترك بصماته واضحة عند كل منعطف منها، انه ورث من مؤسسه الشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) ارثا جهاديا ضخما عمده الشهيد بدمه الطاهر ودم ولديه الشهيدين.

* اكثر من سبب يدعوني الى ان اقترح على التيار الصدري ان تبني مرجعية الشيخ اليعقوبي.

* العراق الجديد بحاجة الى نهضة ثقافية شاملة، لاعادة صياغة شخصية الانسان العراقي، لا تقتصر على المواطن العادي، فحسب، وانما تشمل الزعماء والقادة والمسؤولين كذلك، للحد من ظواهر الفساد المالي والاداري.

* منذ ان وعيت الحياة وانا اعيش الامل والتفاؤل، ولولا ذلك لما ناضلت ضد الديكتاتورية قرابة اربعين عاما لاشهد اليوم، مع بقية العراقيين، سقوط الصنم وبتلك الطريقة المدوية، بل لما شهدنا جثة الطاغوت وهي تتدلى من على حبل المشنقة.



توطئة

اجرى الزميل (قاسم الرديني) حوارا صحفيا مفصلا مع نـــــزار حيدر، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن، لصحيفتي (الدعوة) و (العهد) البغداديتين، تحدث فيه عن رؤيته لعراق ما بعد الطاغية صدام حسين، وطرق التعامل الافضل مع دول الجوار المتورطة بدعم مجموعات العنف والارهاب في العراق، واسباب الهجمة الشرسة ضد الشيعة، خاصة في العالم العربي، وما اذا كانت اسبابها طائفية ام انها صراع سياسي، ونصيحته للقوى السياسية الشيعية العراقية، التي تصطدم اليوم في اخطر (تنافس) سايسي فيما بينها.

كما جرى الحديث عن التيار الصدري وما يمثله من ثقل سياسي في الساحة العراقية، بالاضافة الى موضوعة عودة الكفاءات العراقية الى الوطن الام للمساهمة في اعادة اعمار العراق.

ادناه نص الحوار:



السؤال الاول:

كيف تقيم مسيرة العراق منذ سقوط نظام الديكتاتور المباد والى الان؟.

الجواب:

يشهد العراق منذ سقوط الصنم، انقلابا تاريخيا عظيما، ولذلك ندفع الثمن غاليا، ولو كان التغيير سطحيا او لم يمس الجذور لما دفع العراقيون كل هذه الانهار من الدماء والجبال من جثث الضحايا، وهذا الجيش العظيم من الايتام والارامل.

ولذلك، لا يمكن المقارنة بين ما كان عليه العراق قبل التاسع من نيسان عام 2003 وما هو عليه اليوم.

انها الفرصة والمنعطف لتصحيح خطا تاريخي ارتكبه البريطانيون يوم احتلالهم الاول للعراق عام (1917) وساعدهم على تكريسه طوال قرابة تسعة عقود من الزمن، الاقلية التي ظلت تحكم العراق بسياسات التمييز الطائفي والعرقي (العنصري).

وانا لشد ما استغرب من مقارنة البعض بين الزمنين، او انهم يفضلون الماضي على الحاضر، وكانهم نسوا ما كنا عليه ايام النظام البائد، وما كان عليه العراق من دمار في كل شئ، بدءا من الشخصية العراقية التي كانت ارخص شيئ، وليس انتهاءا بارض العراق التي وهب النظام البائد (10%) منها الى دول الجوار، بلا ثمن، مرورا بخيرات العراق.

ان من طبيعة الانسان انه ينسى بسرعة، ولذلك يفضل الاسوء على السئ، والسئ على الحسن، وانه في اغلب الاحيان ينسى حتى دعاءه ووعوده، ولقد تحدث القران الكريم عن حالات كثيرة من هذا القبيل، منها في قصة طالوت وجالوت، عندما دعا القوم ان يبعث الله لهم ملكا يقاتلون تحت رايته، لينقذهم من الطاغوت، ولكنهم انقلبوا على اعقابهم عندما استجاب لهم ربهم دعاءهم، وبعث لهم طالوت ملكا، يتحدث القران الكريم عن القصة بقوله {الم تر الى الملأ من بني اسرائيل من بعد موسى اذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم ان كتب عليكم القتال الا تقاتلوا قالوا وما لنا الا نقاتل في سبيل الله وقد اخرجنا من ديارنا وابنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا الا قليلا منهم والله عليم بالظالمين}..

كما ان القران الكريم يتحدث عن قصة المسلمين انفسهم، الذين دعوا الله ان ياذن لهم بقتال من ظلمهم من عتاة قريش، ولكنهم انقلبوا على اعقابهم عندما انزل الله تعالى امره على رسوله بجواز القتال من اجل استرجاع الحقوق، يقول القران الكريم عن هذه القصة {الم تر الى الذين قيل لهم كفوا ايديكم واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال اذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله او اشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا اخرتنا الى اجل قريب قل متاع الدنيا قليل والاخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} وهكذا يتكرر المشهد دائما، يطلب الانسان شيئا ويدعو ربه ويتوسل اليه وينذر لمن يتولى لتحقيقه، فلما يتحقق ينقلب عليه، وكانه يتمنى ان يتحقق طلبه بمقاساته هو وليس بمقاسات سنن الله تعالى في الارض، وصدق الشاعر الذي قال:

يطلب الانسان في الصيف الشتا فاذا جاء الشتا انكره

لا بذا يرضى ولا يرضى بـــــذا قتل الانسان ما اكفره

يجب ان نعلم جيدا بان ثمن عمليات التغيير التاريخية عظيم لابد ان يدفعه الشعب الذي يتطلع الى الامام، وينشد التغيير.

ان تجارب الشعوب والامم السالفة، تؤكد على هذه الحقيقة وليس الشعب العراقي بدعا من هذه السنة الالهية.

لقد تصور بنو اسرائيل ان مجرد ارسال الله تعالى موسى عليه السلام نبيا لهم سينقذهم من جور وظلم الحاكم الظالم (فرعون) من دون تضحية اضافية او جهد آخر، ولذلك استغربوا ان تستمر معاناتهم حتى بعد مجئ النبي الكريم، فقالوا له باستنكار {قالوا اوذينا من قبل ان تاتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون}.

كما ان شعب الجزيرة العربية الذي كان يعاني من الظلم والاستغلال تصور ان بعثة الرسول الكريم (ص) تكفي لتغيير المعادلة وتبديل الظروف، ولم يتصوروا ان عليهم ثمنا جديدا يجب ان يدفعونه من اجل التغيير، ولذلك لم يستقر المسلمون طوال الـ (23) عاما التي قضاها رسول الله (ص) بين ظهرانيهم.

اما التاريخ الحديث، فهو الاخر، يشهد على صدق هذه السنة الالهية، فلقد دفع الشعب الاميركي ثمنا باهضا قدر بملايين الانفس سواء في حرب التحرير او الحرب الاهلية، قبل ان يستقر في بلده ويبني مدنيته الحديثة.

اما اليابان والصين وكل بلد في اوربا، وكذلك بلدان القارة السمراء، وعلى راسها دولة جنوب افريقيا، فان ما نلحظه اليوم من استقرار وتطور ومدنية، انما تقف وراءه تضحيات عظيمة، ليس اولها ولا آخرها ما قدمته هذه الشعوب في الحربين العالميتين الاولى والثانية.

ان التضحية لا تحسب مجردة عن الانجاز، بل ان النسبة طردية بين الاثنين، فكلما كان الانجاز عظيما كلما كانت التضحيات عظيمة، والعكس هو الصحيح، فالانجاز التافه لا يحتاج الى تضحيات جسيمة، وان من يفعل ذلك انما هو المجنون بعينه.

ان الفرق بين العهدين، هو ان العراقيين كانوا يضحون عبثا ومن دون امل او نتيجة او حتى ضوء في نهاية النفق كما يقولون، فمثلا، لقد ضحى الشعب العراقي باكثر من مليون مواطن في الحرب العراقية الايرانية فقط، فيما تم تدمير البنى التحتية والحياة بشكل عام، فماذا كانت النتيجة؟ لقد عاد الطاغية واعترف باتفاقية الجزائر التي كان قد شن الحرب المدمرة بسببها بعد ان مزقها من على شاشة التلفزيون.

وفي حرب احتلال الجارة الكويت، ضحى العراقيون بانفس عظيمة، الا ان النتيجة كانت ان اعترف الطاغية بالكويت كدولة مستقلة وهي التي كان يعتبرها فرعا يجب ان يعود الى الاصل، كما اضطر صاغرا للتوقيع في خيمة صفوان على كل شروط الحلفاء، وكانه عاد الى نقطة الصفر.

اما اليوم فان التضحيات تنتج اليوم نظاما ديمقراطيا جديدا، فلاول مرة منذ تاسيس الدولة العراقية الحديثة، يقف المواطن العراقي امام صندوق الاقتراع ليدلي بصوته لصالح من يثق به من المرشحين.

لقد انطلقت اليوم ارادة المواطن العراقي، فاضحى لكل واحد دور وموقع وتاثير في الحياة العامة، فللمرجعية دور وللاعلام دور وللمؤسسات التعليمية والبحثية دور وللاحزاب والجمعيات دور ولمنبر الجمعة دور، وهكذا، اما في الزمن البائد، فان كل الدور كان قد اختزل بشخص (القائد الضرورة) وما دونه ذاب في محيطه.

طبعا، عندما نتحدث عن كل ذلك، فهذا لا يعني بان الامور تسير بشكل صحيح (100%) ابدا، فان مما لا شك فيه فان التجربة اعترتها الكثير من الاخطاء بل من الجرائم التي ما كان يجب ان تحدث، وكل ذلك بسبب تهالك القادة والزعماء على السلطة وخلافهم في كل شئ، ولكن، يبقى الفرق الجوهري في الحالتين، هو الامل الذي يتلالا في سماء العراق اليوم، فيما غاب كليا عن العراق واهله في الفترة الماضية.

السؤال الثاني:

القوى السياسية الشيعية اصطدمت مع بعضها البعض في اكثر من مناسبة، ولم يقتصر الصدام على قوى بعينها، لكن، الم يكن الشيعة قادرون على تسوية خلافاتهم وعدم الاستسلام للمصالح الضيقة؟.

الجواب:

لقد تعاملت القوى السياسية عموما والشيعية بشكل خاص، برؤية ضيقة، ولذلك تميز تعاملها مع بعضها البعض الاخر بصبيانية وعدم مسؤولية.

ان الذي نشهده من علاقتها ببعضها ليس خلافا او اختلافا، وانما هو نزاع وصفه القران الكريم بقوله{واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين}.

ان للخلاف حدودا وللاختلاف اخلاقيات وقوانين، اما النزاع فليس له اب ولا ام، ولذلك فان من اخطر ما يهدد تجارب الامم والشعوب هو النزاع الذي يشكل عادة حجر الزاوية في اضاعة المنجزات وهدر الطاقات والاستخفاف بالتضحيات.

ان النزاع بين الفرقاء هو الذي اضاع الفرص الكثيرة التي مرت بالعراق والتي كان يمكن ان تؤسس لبلد مستقر مسالم ومتطور.

لقد تنازع زعماء القبائل والافندية في الثلاثينيات فاضاعوا فرصة، وتنازع البعثيون والشيوعيون في فترة نهاية الخمسينيات، فاضاعوا فرصة، وتنازع القوميون والبعثيون في الستينيات فاضاعوا فرصة، وتنازع البعثيون عقودا من الزمن ليستفرد الطاغية الذليل صدام حسين بمقدرات البلد، فانتهى العراق الى ما انتهى اليه في التاسع من نيسان عام 2003، وان اشد ما اخشاه اليوم هو ان تظل تتنازع القوى السياسية التي تمثل اغلبية الشعب العراقي، فتضيع الفرصة مرة اخرى.

يجب ان تترفع هذه القوى عن صغائر الامور، فتنتقل من مرحلة المراهقة السياسية الى النضح السياسي لتتعامل بمسؤولية، وعليها ان تتذكر دائما بانها اليوم تمسك بخيوط فرصة تاريخية، وبتلابيب مسؤولية تاريخية، اذا فرطت بها فسيلعنها الله والتاريخ وسيلعنها اللاعنون.

الى متى تظل هذه القوى تتنازع على ابسط الامور؟ واتفه القضايا، وكانها لا زالت في مرحلة المعارضة، وكانها ليست هي التي تحكم البلد اليوم؟.

هل تتصور ان العراق لا يسعها لتختلف في كل شئ؟.

ففي محافظات الجنوب، مثلا، لم ينافسها احد (غريب) على حد قول المثل، فكل الذين فازوا في مجالس المحافظات يدعون بانهم من صلب الشهيد السيد محمد باقر الصدر، الذي يقولون بانه مؤسسهم ومربيهم، فلماذا، اذن يتنازعون على المناصب؟ لماذا لا يتفقون بطريقة حضارية معقولة؟.

انهم يتخاصمون اشهرا ولكنهم لا ينجزون عمل يوم واحد، اوليست هذه المسخرة بعينها؟.

على هذه القوى ان تتذكر بان هناك رهان عظيم على فشلها، الذي ينتجه النزاع، ولذلك يجب عليها ان تحذر.

ان العراق اليوم امام فرصة تاريخية لبنائه من جديد وعلى اسس جديدة، وان هذه القوى، كونها تمثل الاغلبية، هي الاقدر، من بين بقية القوى، على انجاز هذا البناء، ولذلك لا يمكن ان نتصور عراقا جديدا من دون نجاح هذه القوى.

لذلك، فان عليها ان تعيد النظر في نزاعاتها لتضع لها حدا، ولتبدا بالتعامل مع بعضها بطريقة جديدة وباسلوب جديد، لا يعتمد الاقصاء ولا يؤسس للاستئثار، بل يقوم على اساس الشراكة الحقيقية والاستيعاب.

ان من اسباب النزاع بين الجماعات هو تصورها بان سقوط طرف سيساعدها على النهوض، الا ان تجارب التاريخ اثبتت بما لا يدع مجالا للشك، القاعدة التي تقول اما ان ينهض الجميع او يسقط الجميع سقوطا موديا.

لقد ظن الطاغية صدام حسين، انه لو صفى رفاقه فسينفرد بالامور بلا منافس، فماذا كانت النتيجة؟ اخراجه من بالوعة في وسط خربة تتبول فيها الحيوانات.

ليتذكر الجميع بان اضعاف اي طرف من الاطراف العاملة في الساحة لا يحسب رصيدا للاخرابدا، وانما يحسب عليهم جميعا، ويجب ان لا تخدعنا (الانتصارات) الوهمية المؤقتة، التي قد يحققها هذا الطرف او ذاك على خصمه، فالعبرة بالنتائج البعيدة.

ان من حولنا الكثير جدا من التحديات التي تحتاج من الجميع تعاونا وتنازلا مشتركا وايثارا، وتبادلا للمسؤوليات وتقاسما للادوار، بعيدا عن لغة التخاصم والتقاتل والتسقيط.

هنا احب ان انوه الى نقطة في غاية الاهمية، وهي انه ليس بالضرورة ان ياتي الدور من خلال السلطة، فللمساحة التي خارجها متسع كبير يمكن ان يستوعب من يخسر جولة او لا يسعفه الحظ في تسنم منصب.

يجب ان لا تكون السلطة كل شئ، فاما ان اكون في السلطة او لا اكون.

السؤال الثالث:

هل تؤمنون بامكانية التزام الولايات المتحدة الاميركية ببنود الاتفاقية الاستراتيجية، وخاصة البند المتعلق بالانسحاب؟ وما هي الطريقة المثلى التي يمكن بها ادارة امور البلاد بعد عملية الانسحاب ان تحققت فعلا؟.

الجواب:

ستنسحب الولايات المتحدة الاميركية من العراق ان عاجلا ام آجلا، ولكن هذا لا يعني انها سوف لن تحاول الالتفاف على بعض بنود الاتفاقية الاستراتيجية، خاصة ما يتعلق بالجوانب العسكرية والاستخباراتية والامنية وقضية الحصانة التي كثر الجدال حولها فترة التفاوض بين العراقيين والاميركيين.

خذ مثلا على ذلك، فان الولايات المتحدة قررت، ومن اجل الالتفاف على البنود التي تتعلق بموضوع الحصانة، ان تعتبر كل اميركي يعمل في العراق موظفا حكوميا، وليس متعاقدا، وهذا بطبيعة الحال طريقة من طرق التحايل التي بدات تفكر بها الادارة الاميركية، خاصة اجهزة الدفاع والاستخبارات، ما يحصن الاميركان من شبح الملاحقات القضائية وقضايا الحصانة القانونية وما اشبه ذلك.

على كل حال، فالقضية ليس بالامر الهين، وان امام العراقين مشوار طويل من تحدي الارادات بينهم وبين الاميركان، الا انني اعتقد بان على العراقيين اعتماد ما يلي لتحقيق المكاسب الوطنية المنتظره من الاتفاقية:

اولا: اعتماد مبدا الندية في التعامل مع الاميركان، طبعا من دون ان يعني ذلك الصدام معهم، لان ذلك يسبب خسائر اكثر من الارباح، وقديما قيل (ان السياسة هي فن الممكن) وان (السياسة هي حرب بادوات مختلفة).

ثانيا: الاهتمام بكل بنود الاتفاقية وليس بالجوانب الامنية والعسكرية فقط، فهي اتفاقية استراتيجية وليست امنية كما يحاول الاعلام المعادي تسميتها للتقليل من شانها او لتخويف العراقيين من عواقبها.

لقد وقع آل سعود قبل سبعين عاما اتفاقا امنيا بكل معنى الكلمة مع الولايات المتحدة الاميركية اسميه انا باتفاقية (النفط مقابل امن العائلة الحاكمة) الا ان الماكينة الاعلامية السعودية نجحت في تسويقه كاتفاق استراتيجي بين البلدين، فلماذا نسمح، نحن العراقيون، للاعلام المعادي او ننجر وراءه للتقليل من اهمية هذه الاتفاقية، وهي استراتيجية بكل معنى الكلمة، وان الامن جزء منها؟.

ثالثا: توحيد الموقف الوطني منها، لنتمكن من استدرار المصالح من بنودها باقصى طاقة، من جانب، ولننجح في جولات المفاوضات المستمرة بشانها، والتي لم تنته عندما وقع عليها الطرفان كما يتصور البعض خطأ.

ان من الخطا الكبير، بل من الجريمة بمكان، ان تتحول قضية الاتفاقية الى مادة للدعاية او للتنابز او للخلاف بين العراقيين، او ان تتحول الى مادة لحروب الدعايات الانتخابية او للابتزاز، فان كل ذلك يضعف موقف المفاوض العراقي امام زميله الاميركي.

بكلمة اقول، ان الاتفاقية يمكن ان تكون وسيلة من وسائل تنمية العراق، واعادة بنائه والنهوض به على مختلف الاصعدة، كما يمكن ان تكون سببا مباشرا لبيعه الى الاميركان، والامر يعود في نهاية المطاف الى العراقيين انفسهم، وكيف سيتعاملون معها.

السؤال الرابع:

الهجمة الشرسة ضد الشيعة في العالم، والعربي على وجه الخصوص، هل تمثل عداءا مذهبيا ام صراعا سياسيا بين بلدان معينة؟.

الجواب:

الاثنان معا.

لقد نجح النظام السياسي العربي (وهو سني بانتمائه) في توظيف فقهاء البلاط ووعاظ السلاطين، وعلى راسهم الشيخ يوسف القرضاوي، وجوقة فقهاء التكفير القابعين في المملكة العربية السعودية، وتجييشهم خلف صراعاته السياسية، وانني لن اكشف سرا اذا قلت بان جوهر الصراع الحالي في المنطقة هو بين (نظام سياسي سني تمثله المملكة العربية السعودية) تدور في فلكه دول مثل مصر والاردن، و(نظام سياسي شيعي تمثله ايران) وتتحالف معه دول وقوى سياسية قد تختلف معها في الانتماء المذهبي، الا انها حسبت في دائرة هذا الصراع، على النقيض من انتمائها (المذهبي) ولذلك راينا مثلا كيف ان حلفاء ايران من القوى الفلسطينية السنية (حماس) اتهمت في شعارات انصار (فتح) بالتشيع (السياسي طبعا) من خلال الهجوم عليها ونعتها بقولهم (رافضة رافضة) والا بالله عليك ما دخل هذا المصطلح بالصراع السياسي بين (فتح) و(حماس)؟.

ان خطا تاريخيا عظيما يرتكبه النظام السياسي العربي عندما يربط (التشيع) بايران، فيتهم كل عائلة تتشيع في اي بلد عربي بانها حولت ولاءها الى ايران، لانه بذلك يستعدي تيارا فكريا وثقافيا وحضاريا هادرا، وبلا سبب.

ان التشيع حركة فكرية عظيمة، لا يمكن تحديدها او تحجيمها، فلقد ولى عهد الحجر على الافكار وانتهى زمن القهر الفكري والثقافي، فبعد ان شاع الفضاء للجميع، واسترخت قبضة آل سعود على الاعلام في العالم العربي، لم يعد بمقدور احد ان يحجم التشيع او يتهمه بباطل او يخيف الناس منه بالتضليل والخداع كما ظل يفعل الوهابيون طوال ثلاثة قرون ماضية، عندما وظفوا السيف والجريمة والمال الحرام والفتاوى الطائفية التكفيرية والسلطة السياسية التي اظلتهم منذ نجح آل سعود في السيطرة على بلاد الحرمين الشريفين بالغزو والقتل والفتك.

انني لا استغرب ان يصدر فقهاء البلاط فتاوى تحت الطلب تصب في خدمة السياسات العدائية التي تنتهجها الانظمة العربية ضد (الشيعة) في بلدانهم، الا انني استغرب كيف ينجر من يدعي الوعي والثقافة والحرص على مستقبل الامة، وراء مثل هذه السياسات؟.

وبهذه المناسبة، اود ان احيي علماء الازهر والكثير من علماء مصر الكنانة الذين وقفوا بكل شجاعة ضد هذه السياسات العدائية ليقولوا كلمة الحق عند سلطان جائر، عندما جاهروا بمواقفهم من دون ان تاخذهم في الله لومة لائم.

في مقابل ذلك، فانني احذر وعاظ السلاطين من انهم سيقفون غدا بين يدي المنتقم الجبار ويسالهم عن كل حرف نطقوا به وعن كل كلمة صرحوا بها، كانت سببا في تمزيق الامة وفي ظلم طائفة واسعة جدا من المسلمين، واخص بالذكر الشيخ القرضاوي الذي يخشى انتشار التشيع ولا يخشى انتشار التاثير الصهيوني من بوابة البلاد التي يقيم فيها (قطر) فلماذا لم ينبس ببنت شفة وهو يسمع ويرى زيارة اميرها الى (اسرائيل)؟ ام انه كان مشغولا باداء صلاة الليل؟.

السؤال الخامس:

ما هي، برايكم، الطريقة المثلى التي يجب ان يتعامل بها العراق مع دول جواره الاقليمي بعد ان ثبت ان غالبية تلك الدول هي من تدعم الارهاب والارهابيين داخل وخارج العراق؟.

الجواب:

اتمنى ان تتخذ الحكومة العراقية الخطوات التالية ازاء كل دولة من دول الجوار يثبت تورطها باي شكل من الاشكال بالارهاب:

اولا: ان تعلن للملا حقائق تورطها بالادلة والبراهين الملموسة، حتى لا تلام على اي رد فعل ضدها، وليعرف العراقيون ويميزوا صديقهم من عدوهم.

عليها ان تعرض اعترافات الارهابيين على شاشات التلفزة العالمية فضلا عن العراقية، لتفضح مصادر تمويلهم وكل متورط معهم من اجهزة مخابرات وعناصر حكومية وفقهاء تكفير ومؤسسات اهلية، مالية وغيرها، وامراء ومؤسسات اعلامية ومدارس تفرخ الارهابيين.

ثانيا: ان تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع هذه الدولة المتورطة، وتحرمها من فرص الاستثمار والتجارة، ومن كل الفرص.

ثالثا: ان تحاكم من تلقي عليه القبض من رعايا الدولة المتورطة طبقا لقوانين القضاء العراقي، وان لا تسلم اي واحد منهم الى دولته، فلقد ثبت بالدليل القاطع ان من تم تسليمه من الارهابيين الاجانب الى بلدانهم، قد اطلق سراحهم بعد فترة ليعودوا يمارسوا الارهاب في العراق من جديد.

رابعا: تقديم شكاوى قانونية ضد الدولة المتورطة الى مجلس الامن وهيئة الامم المحدة وفي كل المحافل الدولية، فان تسمية المتورطين وعدم الحجر على اسمائهم وصورهم وكل المعلومات المتعلقة بهم، عن المجتمع الدولي امر في غاية الاهمية.

خامسا: تمكين اسر الضحايا من تقديم شكاوى قضائية ضد الدولة المتورطة الى المحكمة الجنائية الدولية، لمقاضاتهم، فالى متى يولغ هؤلاء بدماء العراقيين؟ والى متى تتستر الدولة العراقية على المجرمين؟ والى متى تلجا الى التقية، فتجامل وتداهن؟ الم يقل رسول الله (ص) انه {لا تقية في الدماء)؟.

سادسا: ان تبادر الدولة العراقية الى فتح كل الملفات القديمة المتعلقة بالدولة المتورطة بدماء العراقيين، فنحن نعلم جيدا ان العديد من هذه الدول متورطة بدماء العراقيين منذ اكثر من ثلاثة عقود، ايام كانت تقدم كل انواع الدعم لنظام الطاغية صدام حسين، ليشن حروبه العبثية في الداخل والخارج، كما ان العديد منها متورط بدماء المواطنين العراقيين الذين كانوا يقيمون على اراضيها، ان من خلال تسليمهم الى اجهزة النظام البائد الامنية والاستخباراتية ليتم اعدامهم في داخل العراق، او من خلال تسهيل عمل وحركة عناصر اجهزة النظام لاغتيالهم وتصفيتهم.

سابعا: وفي خطوة متقدمة، يجب على حكومة العراق ان تتعامل بسياسة المثل، اذا لم تردع كل هذه الاجراءات الدول المتورطة، فتسمح، مثلا، لمن يحب من العراقيين التدخل في شؤون هذه الدول المتورطة، لدعم الازمات الداخلية، وبحمد الله تعالى فان كل دول الجوار تعيش ازمات يمكن للعراقيين ان يتدخلوا فيها طبقا لقاعدة التعامل بالمثل.

السؤال السادس:

في العام الماضي، دعوت الى اطلاق حملة وطنية كبرى لتسهيل عودة العراقيين المهجرين والمهاجرين الى وطنهم ليساهموا في اعادة بناء العراق، اين وصلت تلك الحملة؟ وما هو مدى الاستجابة لها من قبل العراقيين في المهجر؟.

الجواب:

انا اؤمن وبقوة، ان العراقيين في بلاد المهجر هم ثروة وطنية استراتيجية عظيمة، لم يلقوا لحد الان الاهتمام المناسب من قبل الدولة العراقية.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، فان عودتهم الى البلاد للمساهمة في اعادة اعمار وبناء العراق الجديد، مهمة شاقة جدا، ولذلك كانت دعوتي هي لاطلاق حملة وطنية متكاملة ومتكاتفة من اجل انجاز هذا المشروع الضخم، اذ لا يكفي ان تهتم الحكومة العراقية بهذا الموضوع، كما لا يكفي عقد مؤتمر او تشكيل لجنة، بل يجب، برايي، وضع خطة كاملة من اجل انجاز هذا المشروع.

لقد شهدت الدعوة استجابة رمزية من قبل الدولة العراقية، تمثل بعقد مؤتمر الكفاءات في كانون الاول من العام الماضي، رعته الهيئة الرئاسية لمجلس النواب العراقي، وشخص الاخ العزيز الاستاذ الشيخ خالد العطية، النائب الاول لرئيس مجلس النواب، الا ان النتائج كانت متواضعة جدا، خاصة بعد ان تحول وقتها المؤتمر الى مادة للدعاية الانتخابية، والتنافس الحزبي، وتاليا دخل في دهاليز المحاصصات والحزبيات الضيقة، ما اثر بشكل كبير جدا على مستقبل المؤتمر، ونتائجه المرجوة.

اعيد واكرر القول بان ملف العراقيين في بلاد المهجر هو ملف وطني صرف يجب ان تتبناه الدولة بعيدا عن المحاصصات والحزبيات والحملات الانتخابية، والا فانا على يقين بان لا احد منهم سيعود الى العراق اذا ما وجد نفسه في وسط مثل هذه التجاذبات، لان اغلب العراقيين في الخارج هم شخصيات مستقلة لا تنتمي الى حزب او جهة سياسية معينة، وان الكفاءات لا تبحث عن مناصب وانما تبحث عن فرصة عمل تخدم بها بلدها، من خلال توظيف ما تعلمته واكتسبته خلال اقامتها في بلاد المهجر.

اتذكر ان احد العلماء العراقيين المهاجرين سافر الى العاصمة بغداد في العام 1978 بناء على مشروع (عودة الكفاءات العراقية) الذي كان قد اطلقه النظام آنئذ لترغيب العراقيين في بلاد المهجر للعودة الى بلادهم، وفي لقاء جمع هذا العالم مع المسؤول عن ملف المشروع في رئاسة الجمهورية، سال الاول الثاني، عما ستقدمه الحكومة العراقية له ليفكر بالعودة الى بلده، فاجابه بالقول، ان السلطة السياسية قررت ان تعينك وزيرا في الحكومة، ظنا منه بان مثل هذا الموقع سيسيل لعاب العالم فيعود راكضا مهرولا الى بلاده، الا انه صدم بجواب العالم عندما قال له، وماذا يمكن ان افيد بلدي من موقع منصب الوزارة؟ فرد عليه المسؤول بالقول، اذن ماذا تريد اكثر من هذا الموقع؟ هل تريد ان تصبح رئيسا للجمهورية مثلا؟ فقال له العالم، لا لا اعوذ بالله لا اريد ذلك، فماذا تريد اذن؟ ساله المسؤول، فرد عليه العالم، اريد مختبرا يحوي على كل المعدات المطلوبة لاباشر ابحاثي العلمية فيه خدمة لبلدي، فرد عليه المسؤول، سننظر في الموضوع، ونخبرك، ومنذ ذلك اليوم والى الان لم ترد عليه الدولة العراقية، وهو لا زال ينتظر.

وباختصار، اعتقد ان هذا الملف بحاجة الى ما يلي:

اولا: حملة وطنية بكل معنى الكلمة تشارك فيها مؤسسات الدولة العراقية ومنظمات المجتمع المدني كل في اختصاصه والجامعات ومراكز الابحاث والمؤسسات التعليمية والصحية وغيرها من المؤسسات المتخصصة، كل في مجال عمله.

ثانيا: ابعاد الملف عن الامراض السياسية كالمحاصصة والتوافق والحزبية، فلا تدعو هذا الملف يتلوث بامراض السياسة، والا فسنخسر اعظم ثروة وطنية.

ثالثا: حل كل المشاكل القانونية والادارية المتعلقة بهذا الملف، كاصدار الجنسية او جواز السفر، او تاشيرة الدخول او ما اشبه، فانا اعرف اشخاصا دعتهم مؤسسات عراقية رسمية للسفر الى بغداد في مهام علمية، الا انهم لم يحصلوا على جواز السفر العراقي لحد الان، بالرغم من مرور قرابة ستة اشهر على موعد تقديمهم للوثائق الازمة الى السفارات العراقية لاصدار الجواز العراقي.

رابعا: ايلاء الدولة العراقية اهتماما اكبر بالجاليات العراقية في بلاد المهجر لتحسسهم بوطنيتهم وبانتمائهم، ليفكروا بشكل جدي في العودة او على الاقل في التردد على العراق الجديد، في اطار برامج خاصة تعدها الدولة العراقية في هذا الاطار.

خامسا: تامين الجانب الامني لمن يعود منهم الى البلاد، فكما هو معلوم فان هذه الطاقات والكفاءات مستهدفة من قبل اكثر من طرف، سواء من مجموعات العنف والارهاب او من قبل الجماعات الظلامية والجاهلة، او حتى من قبل اجهزة استخبارات اقليمية ودولية لا تريد لمثل هذه الطاقات ان تعود الى العراق للمساهمة في اعادة بناء العراق والنهوض به.

نقطة مهم بهذا الصدد يجب ان لا نغفل عنها، وهي اننا عندما نتحدث عن هذا الملف فان الامر لا يقتصر على عودة العراقيين بمفهوم الانتقال الى بلدهم بالكامل وترك بلد الهجرة، فقد لا يستطيع الكثير منهم فعل ذلك لاسباب قانونية اوفنية او حياتية اوعائلية او غير ذلك، ولذلك يجب ان تضع الدولة العراقية برامج مختلفة للاستفادة منهم ، كل بحسب الطريقة التي تلائمه والاسلوب الذي يقدر عليه، فبعضهم يمكن ان يقدموا استشارات في مجالات اختصاصهم، والبعض الاخر يمكنه ان يساعد على ايجاد فرص تطوير الكفاءات العراقية المحلية من خلال زيارات ميدانية ودورات تاهيلية في فترات زمنية محددة، وهكذا.

اعتقد ان من المهم جدا ان تتشكل لجنة متخصصة بهذا الامر، لتستمع الى العراقيين، قبل ان ترسم استراتيجيتها، فهم اعرف من غيرهم بالطرق التي يمكنهم من خلالها خدمة بلدهم.

السؤال السابع:

كيف تنظرون الى الثقل السياسي والديني والاجتماعي الذي يمثله التيار الصدري على صعيد ساحة الاحداث والوقائع السياسية والاجتماعية؟.

الجواب:

يعد التيار الصدري احد اهم اعمدة العملية السياسية الجارية اليوم في العراق.

انه يترك بصماته واضحة عند كل منعطف منها.

لقد ورث هذا التيار من مؤسسه الشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) ارثا جهاديا ضخما عمده الشهيد بدمه الطاهر ودم ولديه الشهيدين، والتيار، كما نعرف، هو آخر تيار جهادي كان قد تاسس في ظل النظام الشمولي الديكتاتوري البائد، ولطهارة التيار وصدق نوايا المؤسس، وضخامة القاعدة التي بناها، لا زال هذا التيار يمتلك زخما كبيرا واندفاعا قل نظيره، بالرغم من كل الضربات الموجعة التي تلقاها من العدو والصديق والـ……حليف.

ومن اجل تحسين اداء التيار اعتقد انه بحاجة الى ترشيد على اربعة مستويات:

الاول، هو المستوى الفكري والثقافي.

الثاني، هو المستوى السياسي والقيادي.

الثالث، هو المستوى الديني والمرجعي.

والرابع والاخير، هو المستوى التنظيمي.

على المستوى الاول، اعتقد بان التيار بحاجة ماسة الى ان يبذل جهدا اضافيا من اجل الارتفاع بالمستوى الثقافي والفكري لابنائه، وخيرا فعل السيد مقتدى الصدر عندما اعلن العام الماضي عن البدء بحملة تثقيفية واسعة للتيار للنهوض بالمستوى الفكري له.

ان من المهم جدا ان ينهض التيار بمستوى الوعي الديني لابنائه ومريديه وانصاره، على اعتباره تيار ديني بالدرجة الاولى.

اما على المستوى السياسي والقيادي، فان التيار بحاجة ماسة الى ترشيد وعيه السياسي للتقليل من التناقضات والاخطاء السياسية التي يقع بها ويتورط فيها بين الفينة والاخرى.

فبالرغم من ان السيد مقتدى الصدر بذل جهدا كبيرا من اجل بلورة قيادة سياسية واضحة المعالم، عندما اعلن عن تشكيل المجلس السياسي قبل حوالي العامين، الا ان ذلك لم يحل تناقضات التيار على المستويين القيادي والسياسي، وكلنا نعرف فان العراق يمر الان بمرحلة سياسية هامة وخطيرة تتطلب من المتصدين للعملية السياسية، ومنهم التيار الصدري، الكثير جدا من الوعي السياسي ووحدة المواقف السياسية، لذلك اعتقد ان من الضروري جدا للتيار ان يهتم اكثر فاكثر بهذا الموضوع لحساسيته وخطورته، اذ لا يعقل ان يظل التيار يتناقض مع نفسه في المواقف، واحيانا يتقاطع حتى مع مواقف السيد الصدر نفسه.

هنا، اعتقد ان من المفيد جدا ان تتخذ القيادة السياسية في التيار بعض الفاصلة بينها وبين السيد مقتدى الصدر، حتى لا تضطره لان يزج نفسه في كل خطوة سياسية تخطوها قيادة التيار، فاتخاذ مسافة معقولة بين الصدر والقيادة السياسية يعود بالنفع على الطرفين، خاصة وان السيد الصدر اعلن العام الماضي عزمه على التوجه للدرس والبحث الحوزوي.

ان ابتعاد القيادة السياسية عنه، يمكنها اكثر فاكثر من ان يكون قرارها بالشورى، فترفع بذلك الحرج عنه، فالصدر، بالنتيجة، زعامة دينية ليس من مصلحته ولا من مصلحة التيار ان يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، وليبق كالاب الروحي للتيار، يتدخل في الاستراتيجيات، وعند الضرورات القصوى.

ولا ننسى ان ذلك امر ضروري، كذلك، في ظل الظروف الامنية التي يمر بها السيد الصدر.

على المستوى الثالث، ارى لو ان التيار يعيد النظر في ولائاته المرجعية، فيتخذ من الشيخ اليعقوبي مثلا، مرجعا دينيا له، فهو من اقرب المراجع الى التيار وتوجهاته، وهو، كما نعرف ولد من رحم التيار، كما انه كان من اقرب مساعدي السيد الشهيد، كما ان اليعقوبي المعروف بالحكمة والوعي الديني والسياسي والخطاب التنويري، يمكن ان يساعد على توحيد اجنحة التيار، ما يكسبه قوة الى قوته الحالية.

كما ان انفتاح المرجع اليعقوبي على الزعامات السياسية العراقية والعربية والعالمية، التي تحرص على الاجتماع به والاصغاء اليه كلما زارت مدينة النجف الاشرف، يمكن ان يساعد التيار على الاندماج بواقعية اكبر مع الساحة السياسية.

اما على المستوى الرابع والاخير، فاعتقد ان على التيار ان يغربل صفوفه بين الفينة والاخرى حتى لا يبتلى بالعناصر المتسللة التي شكى منها السيد مقتدى الصدر اكثر من مرة.

لقد سالني مجموعة من الاخوة والاخوات في الكتلة الصدرية في مجلس النواب عندما اجتمعت بهم العام الماضي في العاصمة بغداد خلال زيارتي للعراق، عما يمكن ان اقترحه عليهم لتحسين اداء التيار، فقلت لهم، انني اقترح عليكم ان تبادروا الى الاعلان عن تاسيس حزب سياسي واضح الاهداف والمعالم، والقيادة السياسية، لتحلوا اشكالية التناقضات في المواقف والتردد والتذبذب في الاراء، فالعمل السياسي، كما هو معروف، لا يتحمل التناقضات والتردد والتذبذب في المواقف، خاصة في حالة العراق اليوم الذي لا زال يعاني من مخلفات آثار النظام الشمولي البائد من جانب، وآثار الاحتلال من جانب ثان، وآثار العنف والارهاب من جانب ثالث.

ان تحول التيار الصدري الى حزب سايسي، يصنع منه اتجاها سياسيا واضح المعالم، ويبعده عن الغموض ويجنبه التناقض، ويحول دون تحوله الى جسر يعبر عليه كل من ينوي الصعود على اكتافه او اراد تحقيق اهداف ما.

كما ان ذلك يساعد التيار على ان يمسك بخيوطه وقراره، فلا يخترق بعناصر مشبوهة او يتدخل في شؤونه كل من هب ودب.

كما ان ذلك يعلمه فن العمل الديبلوماسي، في اطار العمل السياسي، فيترك رويدا رويدا العنف والتشنج في المواقف، والتي لا يتحملها الوضع العراقي كثيرا، خاصة منذ الان فصاعدا، بعد ان بدات استحقاقات جديدة تنتظر العملية السياسية.

لقد خسر التيار الكثير من شعبيته وقواعده، وهذا ما اشارت اليه نتائج الانتخابات الاخيرة، لاسباب كثيرة، لسنا بصدد سردها وتعدادها، الا ان الذي يهمني في الامر هو ان يكون ذلك سبب ودافع للتيار من اجل ان يعيد النظر في خططه وحساباته ووسائله ورموزه وتحالفاته، وفي كل شئ، ليحول الخسارة الى ربح، والهزيمة الى نصر.

السؤال الثامن:

كيف تقيم واقع الاعلام العراقي لمرحلة ما بعد عام 2003، عام التغيير؟.

الجواب:

لا يختلف اثنان على ان الاعلام العراقي شهد قفزة نوعية كبيرة الى الامام منذ سقوط الصنم ولحد الان.

ففي العراق اليوم اعلام حر الى درجة كبيرة، وهناك اليوم مساحة واسعة لحرية التعبير، كما ان هناك اليوم تنوع في وسائل الاعلام ان على صعيد المصدر والتملك او على صعيد النوعية، فهناك اليوم محطات فضائية متنوعة وهناك عدد كبير جدا من المحطات الاذاعية الى جانب هذا الكم الكبير من الصحف والمجلات.

لقد امسك المواطن العراق اليوم بخياره، فلم يعد النظام الحاكم يجبره على مشاهدة محطة تلفزيونية معينة، او يقرا عمودا بعينه، او يطالع تحقيقا صحفيا بذاته، بل ان المواطن اليوم هو الذي يختار لنفسه المحطة التي يرغب في متابعتها او الاذاعة التي يحب او يثق باخبارها، كما انه يختار الصحيفة التي يشاء، والمجلة التي يريد والدراسة التي يحتاج، وكل هذا تسبب في ثلاثة امور:

اولا: اطلق ارادة المواطن في الاختيار، وبالتالي حقق مبدا حرية الاختيار.

ثانيا: اطلق مبدا التنافس الايجابي بين المصادر الاعلامية، ما يساهم في تنمية الطاقات وتحسين الاداء.

ثالثا: اطلق مبدا الرقابة والمحاسبة التي يجب ان يضطلع به الاعلام في اي بلد ديمقراطي، ليتحول شيئا فشيئا الى سلطة اولى وليس رابعة كما يسميه البعض.

الى جانب كل ذلك، فانا اعتقد بان الاعلام في العراق الجديد بحاجة الى ما يلي:

اولا: دعم كبير من الدولة العراقية، ليتمكن من النهوض بمسؤولياته، وواجباته.

ثانيا: ترشيد اكثر فاكثر ان على صعيد الرسالة الاعلامية او على صعيد الاداء والمادة والاسلوب والجوانب الفنية، وكل ذلك يمكن انجازه من خلال الدورات التاهيلية وورش العمل وغير ذلك.

ثالثا: الاسراع في اصدار القانون المتعلق بالاعلام والاعلاميين، من اجل حماية هذه السلطة المهمة والخطيرة في آن.

رابعا: التواصل مع المؤسسات الاعلامية العالمية، خاصة الناجحة التي تمتلك تراكما في الخبرة والتجربة، من اجل التواصل مع احدث وسائل الاعلام ولغاتها المهنية وادواتها ومهاراتها، ليواكب الاعلام العراقي الاعلام العالمي بشكل مستمر ودائم.

على صعيد الاداء، فان الاعلام العراقي بحاجة الى ما يلي:

اولا: ان ينتقل من مرحلة الدفاع الى مرحلة الهجوم، فبدلا من ان يلاحق الاعلام العراقي الاعلام المعادي ليرد عليه او ان يدافع عن نفسه، عليه ان يستعد لمرحلة الهجوم ليجبر الاعلام المعادي على ملاحقته، والدفاع عن نفسه، بعد ان يكون قد وضعه في قفص الاتهام.

ثانيا: ان يقلب الاعلام العراقي هرم الرسالة الاعلامية فبدلا من ان يبدا من المسؤول الى المواطن العادي يجب عليه ان يبدا من المواطن العادي لينتهي بالمسؤول، وهذه فلسفة اعلامية اتمنى ان تسعفني الفرصة لشرحها اكثر وبلورتها بصورة افضل، لننهض بالاعلام العراقي الى مصاف الاعلام العالمي.

ثالثا: ان يبادر الاعلاميون العراقيون الى تشكيل شبكة من الاعلاميين في داخل العراق وخارجه، لضمان حرية تسرب المعلومة (الخطيرة) التي لا يستطيع الاعلامي في الداخل تداولها لاسباب امنية، ليتم التعامل معها من قبل الاعلاميين العراقيين في الخارج، وبذلك سنطور من اداء الاعلام العراقي على صعيد الرقابة من خلال ملاحقة المعلومة (الخطيرة) وتاليا ملاحقة المسؤول المتورط بها، وهو اهم مفصل في رسالة الاعلام على الاطلاق.

السؤال التاسع:

ما هي المشاريع التي يمكن ان تعمل عليها لخدمة العراق في المجال الثقافي والاعلامي؟ وهل لديك خطط بهذا الشان؟.

الجواب:

شخصيا، انا اعتقد واؤمن بان العراق الجديد بحاجة اولا الى اعادة صياغة الانسان العراقي وشخصيته التي دمرتها سياسات النظام الشمولي البائد.

لذلك فانا اولي الثقافة اهمية كبرى في كتاباتي وابحاثي، وفي مشاريعي الانية والمستقبلية، فلقد كتبت كثيرا في الثقافة كان آخرها سلسلة (حتى يغيروا) ذائعة الصيت التي لقيت اهتماما واسعا وكبيرا من العراقيين، والحمد لله، والتي صدر منها حتى الان (14) حلقة، على امل ان استمر بها بعدد آخر من الحقات.

املي ان يوفقني الله تعالى في ان ابني مشروعا ثقافيا واعلاميا يساهم في اعادة صياغة الشخصية العراقية، فان ذلك، برايي، هو حجر الزاوية في التغيير الجذري المرتقب الذي نامل ان يشهده العراق.

وعندما نتحدث عن اعادة بناء الشخصية، فلا يعني ان ذلك يقتصر على المواطن العادي، ابدا، بل انه يشمل كل العراقيين، واولهم الزعماء والقادة والمسؤولين، فهؤلاء مشمولون بالمشروع، ولا يمكن استثناءهم، فهم، في بعض الاحيان، لب المشكلة واس الازمة الثقافية والاخلاقية التي يعيشها العراق، والا بالله عليكم، ماذا تفسرون تورط مسؤول من التيار الديني في قضايا فساد مالي واداري، وهو الذي قضى عمره يستمع الى المنبر الحسيني ويحضر حلقات الدرس التي يكرر فيها المتحدث آيات القران الكريم واحاديث رسول الله (ص) وائمة اهل البيت عليهم السلام، ويحضر حلقات احزاب دينية عمرها عقودا من الزمن؟.

لقد سالت احد هذه النماذج مرة عن سبب تورطه بالسرقة من المال العام، وما اذا كان ذلك مشروعا، ومبررا من الناحية الثقافية التي يحملها في شخصيته؟ فاجابني مبررا سرقته، وياليته لم يجبني، بانه لا يسرق لنفسه وانما للحزب الذي ينتمي اليه.

وزير آخر من هذا النموذج، سالته عن علة تورط جماعته باللصوصية والفساد والسرقة، فاجابني بقوله (كما تعرف يا حاج فان السرقات منتشرة حتى في الولايات المتحدة الاميركية) فاجبته، نعم، ولكن في الولايات المتحدة الاميركية يسرقون بانصاف، اما انتم فتسرقون بلا انصاف، ثم، اضفت، اين الله والدين وثقافتك الحزبية وانت تنتمي الى حزب ديني؟.

الا تحتاج مثل هذه النماذج الى اعادة صياغة الشخصية المملوءة بالتناقض والنفاق وعدم ادراك المسؤولية؟.

بكلمة مختصرة اقول، ان العراق الجديد بحاجة الى نهضة ثقافية شاملة، لاعادة صياغة شخصية الانسان العراقي، لا تقتصر على المواطن العادي، فحسب، وانما تشمل الزعماء والقادة والمسؤولين كذلك، للحد من ظواهر الفساد المالي والاداري، ولنامن على مستقبل البلاد ومستقبل ابنائنا، بعد ان نطمئن من اننا سلمنا الامانة الى ايادي امينة، ترعى فينا الا وفي الوطن ذمة وفي المال العام ضميرا حيا.

السؤال العاشر:

هل انت متفائل ام متشائم بمستقبل العراق؟.

الجواب:

منذ ان وعيت الحياة وانا اعيش التفاؤل، ولولا ذلك لما ناضلت ضد الديكتاتورية قرابة اربعين عاما لاشهد اليوم مع بقية العراقيين سقوط الصنم وبتلك الطريقة المدوية، بل لما شهدنا جثة الطاغوت وهي تتدلى من على حبل المشنقة.

ان الانسان يعيش بالامل وبالتفاؤل، هكذا علمنا الاسلام، وهكذا علمتنا سيرة ائمة اهل البيت عليهم السلام، فلقد كانت السيدة العقيلة زينب الكبرى متفائلة حتى في احلك الظروف التي مرت بها، وهي اسيرة واقفة في مجلس الطاغية يزيد بن معاوية لعنه الله واخزاه، عندما خطبت بتفاؤل وامل كبيرين ححقهما لها رب العزة والجلال، وهي تقول مخاطبة الطاغية الذي ظن انه انتصر على الحسين السبط عليه السلام عندما قتله في كربلاء في عاشوراء وسبى عياله{فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا} ومن الواضح جدا فان مثل هذا الكلام لا يقوله الا متفائل ينظر الى المستقبل بعين ايجابية مفعمة بالامل.

وان تفاؤلي هذا لا ابنيه على وهم ابدا، وانما على اسس حقيقية، اولها حضور الانسان العراقي في ساحة المواجهة والعمل والبناء، فلقد نفض العراقيون عن انفسهم غبار الياس والقنوط ليتواجدوا في الساحة بشكل قوي، ما يضيع الفرصة على كل من يسعى لاستغفالهم من جديد لاعادة عقارب الزمن الى الوراء.

ان حضور الشعب العراقي في ساحات الشان العام، هو الضمان الاول والاكبر في حماية منجزاته التي رواها بالدم، ولقد راينا كيف ان الناخب العراقي عاقب في الانتخابات الاخيرة كل من اساء اليه، وما تغيير كل المحافظين واسقاطهم عن عروشهم الا دليل بسيط على ما اقول.

ختاما:

اود ان اتقدم بجزيل الشكر والتقدير للكادر العامل في صحيفتي (الدعوة) و (العهد) واخص بالذكر الاخ العزيز (قاسم الرديني) الذي اتاح لي هذه الفرصة لاتحدث من خلالها الى القراء الكرام، تواصلا معهم في مناقشة الافكار والاراء.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

اجمالي القراءات 5486
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق