الدوامة.. سارتر.. الوطن

يوسف الحسينى   في الخميس 21 ابريل 2016


تنبيه مهم:

«لا تقرأ هذا المقال إذا كنت متطرفاً، فلن يجلب لك سوى أنكد المشاعر، فهو عن رجل أشك أنك تعرف اسمه بالأساس» !!

چان بول سارتر، ذلك المفكر العبقرى الذى أجاد ببراعة صياغة رمزية الموقف إن جاز المصطلح.. وبشكل ما، وعن غير عمد بالتأكيد، ساهم سارتر بعمق فى تكوين شخصية الكاتب لا أفكاره عندما بدأ فى قراءة «الدوامة» عندما بلغ الـ16 من سنوات عمره التى تعدت الـ41 عاماً، ففى مطلع الشباب يمتلئ الكثيرون ممن يعيشون تحت حكم الطغاة وفى ظل الاستبداد بزخم لا بأس به ولا عيب فيه من سلوك ثائر قد يفتقر إلى حد كبير لما يطلق عليه «الرشاد»، وقد يغرق البعض فى شطط الأفكار أو يسعفه الحظ أحياناً أو السعى أحياناً أخرى بمنظِّر أو معلم. وفى حالة الكاتب كان «الدوامة» للعاملين السابقين، إلا أنه عند تجاوز الأربعين بـ14 شهراً كان هناك سعى حثيث لإعادة قراءة نفس الكتاب ولكن بمنظور آخر فيه شيب صار يحتل مساحة لا بأس بها من لحيته، بل آثر الكاتب أن يقدم ملخصاً لما قرأ به نظرته الخاصة فى رسالة للرئيس المنتخب وللشباب الممتلئ بتسونامى الوطنية، وشخصه المتواضع.

فى ذلك البلد الذى ليس بالبعيد وليس بالقريب، والذى يكاد يكون صورة طبق الأصل من عشرات الأوطان فى هذا الكون الفسيح، حاكمه طاغية يُدعى «چان آجيرا» نموذج الطاغية وعدو الشعب رقم واحد.. تشتعل الثورة ضده، وتنجح ويُقتل بحكم محكمة الثورة بعد أن يصارح المرأة «هيلين» التى أحبها فى صمت وخوف.

لكن لسيدى القارئ كل الحق فى أن يعلم من هو «چان آجيرا» الحقيقى لا الحاكم الطاغية وزير النساء ومعاقر الخمر، ففى واقع الأمر، ومنذ أعوام قبل حكمه، كان هو نفسه «چان آجيرا» الفقير الجائع ثم -للمفارقة- الثائر أيضاً، ثم الحزبى والقائد لثورة أطاحت وقتها بالطاغية السابق عليه والذى كان وصياً على عرش البلاد وكرهه الناس لأنه أفقر الشعب، إذ منح جميع الحقوق البترولية لشركة استخراج أجنبية لمدة 120 عاماً، وهو ما استنهض وقتها روح «چان» الوثابة المتطلعة لثورة تقضى على سلب الشعب حقوقه وإجلاء الاحتلال الأجنبى المتواطئ مع الحاكم، لكن بعد نجاح الثورة وانتصارها كان الاتهام الرئيسى لـ«چان» هو عدم تأميم البترول بل والمساعدة التى قدمها لأصحاب الأعمال الأجانب بغية قهر حركات الإضراب!

الغريب فى الأمر أن «چان آجيرا» يقرر الصمت وبكل هدوء يستقبل الحكم عليه بالموت! ومن قبَل رفاقه القدامى فى الثورة الذين ثاروا عليه لأنه لم ينفذ أهداف الثورة.. لكن قبل أن يتم اقتياده لتنفيذ الحكم، يحكى لصديقه «فرانسوا» الذى سيخلفه عن حديثه مع «لوسيان» أخيه ورفيقه عما حاول فعله وما يجب فعله (تصنيع الأرياف) ولو بالقوة.. جرارات، أسمدة كيمياوية، استثمارات جماعية.. كان الفلاحون يعارضون هذه التدابير التى من شأنها إصلاح الأوضاع الاقتصادية فى البلاد، فحطموا الجرارات ورموا الأسمدة بل وحرقوا الدبابات!! فقط لأنهم لا يعرفون أم لأن الكل لم يحاول أن يعرّفهم.. فقط لأنهم لا يستوعبون أم لأنهم تعرضوا أيضاً لقمع واستبداد؟!

لم يكن بوسع «چان آجيرا» إلا أن يلغى امتيازات الدولة الأجنبية ويخوض حرباً، خصوصاً أن المندوب السامى يذكّره باستمرار: أذكّرك يا سيدى بأن بلادك صغيرة وبلادنا كبيرة! الحرب واضحة النهاية سلفاً.

هنا يرى «چان آجيرا» أن الشعب قد خذله بعد أن كافح به ولأجله وقتل وضاع وانهار إنسانياً لأجله .. ولم يحاول «چان آجيرا» أبداً أن يعتبر نفسه مذنباً ولو بالقدر الضئيل، فهو الذى لم يعتمد مبادئ الشفافية والمصارحة والمكاشفة وإنما اختزل الحق والحقيقة فى نفسه وفضّل شعوره بأن يكون هو الضحية.

لا تنتهى القصة عند هذا الحد، بل تمتد لبضع صفحات قليلة، حيث إن «فرانسوا»، الذى حلّ محل جان، يكرر الردود نفسها التى كان يرد بها «چان» على المندوب السامى والتى حوكم وأُعدم لأجلها!!

ما الذى يريد أن يصل به سارتر إلى عقولنا جميعاً:

1- ستظل الأمور هى نفسها، بل ستستمر فى تكرار سقيم ما دام الشعب لم يتغير.. فى اتهام صريح ومباشر وقاطع للشعب الاتكالى الفاقد للتعليم، ومن ثم النوّارات الأولى للوعى، ولهذا سيبحث يومياً عن ضحية جديدة.

2- قتل الطاغية هو حالة رمزية بمثابة قتل فكرة أو محاولة للقضاء عليها، ولكن ينبهنا «سارتر» إلى أن قتل الشخص أو «رأس النظام» لا يقتل دائماً الوضع والظروف التى أدت إلى أن يكون ما هو عليه، بل ذهب إلى أن الطاغية ليس بالضرورة إنساناً فاسداً بقدر ما هو نتيجة محتومة أو محصلة شعب (لا يعرف) وظروف سياسية سيئة، وأن قتل هذا الطاغية لا يتعدى كونه نوعاً من الاستبدال بآخر لأنه أياً كان الذى سيحل محله سيجد نفسه مضطراً للتصرف بالأسلوب نفسه.

3- يضعنا «سارتر» أمام معضلة جدلية أو دائرة جهنمية، ما هو السبيل للخروج منها وليس بالضرورة الإجابة عن كل أسئلتها، ولكن على الأقل الأسئلة الجذرية منها مثل حتمية المواجهة وظرفية المكاشفة.

لا تتوقف الدوامة عند سارتر، وإنما تمتد أو تستمر هذه الدوامة لأكثر من عصر ومرحلة كيفما يتفق لها الظرف الاقتصادى أو السياسى أو كلاهما معاً، فى حضور تربة خصبة هى الشعب المتخلف عن شعوب كثيرة قريبة أو محيطة أو على قدر من الاتصال. ولا ترتبط الدوامة بأرض أو إقليم، وإنما ترتبط بإرادة التغيير الحقيقى الذى لا أبوية فيه من قبَل الحاكم ولا ارتكان فيه من قبَل المحكوم ولا تنظير يفيض صلفاً من قبَل زعماء أو قادة أو نخب.

المؤكد أن دوامة سارتر التى لا تنتهى قد طالت دول الربيع العربى، بل وستطال بعضاً ممن لم يلحقوا بالقطار، وسيقفز فى عربته الأخيرة حتى وإن لم يكن راغباً فى ذلك، سواء اتفقنا أو اختلفنا على إيجابية هذا الربيع أو سلبية رياحه الخماسينية أحياناً! إلا أن رياح التغيير لم تهدأ بعد، ولهذا وجب علينا جميعا الالتفات إلى «إدارة التغيير» بكفاءة، فالقوة فى الإدارة لا تعنى بالضرورة النجاح، وفى أغلب الأحيان تؤدى القوة المفرطة إلى هزيمة محتومة..

وهنا يطرح الكاتب سؤاله الذى لن يجيب عنه سارتر أبداً: أيهم أكثر شرفاً.. چان، لوسيان، أم فرانسوا.. أم تراه الشعب؟!

اجمالي القراءات 4523
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   عبد الرحمن اسماعيل     في   الخميس 21 ابريل 2016
[81218]

مقال فلسفي ليوسف الحسيني ..!!


ربما تختلف او تتفق مع يوسف الحسيني وخاصة عند تأييده المطلق للسيسي .. أو حتى معارضته للسيسي عندما باع الجزيرتين للسعودية ..



ولكنه لا خلاف على كون يوسف الحسيني ومثله ملايين الشباب في مصر .. همهم الاساس هو مصر رغم اختلافهم وتنوعهم  .. 



الخلاف كل الخلاف على طريقة ادارة الخلاف بين المحتلفين .. الذين لا يزالون مختلفين في السياسة أو الدين او المصالح الخ ...وسيطل الاختلاف للابد لأنه سنة الحياة ..



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق