قرار الإخوان الصادم الذي تسبب في تأسيس حماس (وثيقة نادرة تنشر لأول مرة)

اضيف الخبر في يوم السبت ١٧ - سبتمبر - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


قرار الإخوان الصادم الذي تسبب في تأسيس حماس (وثيقة نادرة تنشر لأول مرة)

كثيرون من يتابعون حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ويعرفون تاريخ تأسيسها وأخبارها، لكن القليل جدًا من يعرف السر وراء تأسيسها، سواء من الباحثين المهتمين بها، أو بأخبار حركات المقاومة في فلسطين، فالمعلوم أن حماس تنتمي إلى تنظيم الإخوان المسلمين، وإن لم يكن هناك ارتباط والتزام تفصيلي بكل ما تلتزم به الجماعة، فهي من حيث الفكر والمنطلقات والتنظيم تتبع الإخوان، لكن لها استقلالية في تفاصيل كثيرة من تنظيمها حسب حالتها.

فقد كانت في بداية الأمر نابعة من التنظيم، وكان لاستقلالها كقسم أو فصيل من التنظيم قصة طويلة، ليس هنا مقام ذكرها، لكن السبب الرئيس لإنشاء حماس هو قرار صدر عن التنظيم الفلسطيني للإخوان المسلمين، وكان على جميع أفراده الالتزام به، وهو قرار يتعلق بالعمل المسلح داخل الأراضي المحتلة الفلسطينية، يمنع اشتراك أي عضو في الجماعة في أي عمل مسلح، وهو قرار صدر في سنة 1968م، وكانت له ظروف وملابسات توضحها هذه الوثيقة التي أنشرها اليوم، وهي لم تنشر من قبل، وغير موجودة في الغالب.

بعد صدور القرار بسنوات، ثار كثير من الشباب الإخواني الفلسطيني، إذ كيف تكون حركات التحرير والمقاومة موجودة من الجميع إلا الإخوان، فيتباهى الإخواني الفلسطيني بماضيه وأنه جاهد من قبل، ويتغنى غيره ويباهي بحاضره المقاوم، كانت هذه الغيرة الشرارة التي انطلقت لتتأسس حماس، أما القرار الذي كان سائدًا ثم ألغي رويدًا رويدًا، فهو ما نصت عليه هذه الوثيقة، ومن باب الأمانة وضعتها كاملة، حتى لا ينزع القرار من سياقه، سواء قبلنا مبرراته أو رفضناها[1].

نص وثيقة القرار:

رأينا في العمل المسلح داخل الأراضي المحتلة

إن موقف الإخوان المسلمين من أية قضية لا يجوز أن تمليه ردود الفعل أو تحكمه الانفعالات، وإنما يجب أن نتخذ مواقفنا بعد الدراسة الموضوعية المتأنية.

لقد سبق أن ذكرنا رأينا في قضية فلسطين أكثر من مرة، وآخر مرة كانت بعد العدوان الصهيوني في الخامس من حزيران سنة 1967م، ولا بأس أن نقول رأينا في موضوع العمل المسلح داخل فلسطين، ذلك العمل الذي يريده منا بعض إخواننا، فيطالبوننا أن نقوم بأعمال تخريبية ضد العدو الغاصب، وحجة إخواننا في ذلك أن الجهاد فريضة على كل مسلم قادر إذا اغتصبت أرض المسلمين واستبيحت أعراضهم، وخاصة أننا جماعة مجاهدة تربى أفرادها على الجهاد وحب الموت في سبيل الله، فلا يجوز أن نترك الميدان لغيرنا ممن لا يوثق في تدينهم وارتباطاتهم.

[مخاوف تمنع الإخوان من الجهاد]

إن القول (بأن الجهاد فريضة إسلامية واجبة علينا) قول صحيح وسليم، ولكنه لا يؤخذ على إطلاقه، ولا بد من النظر منه بعمق ودقة، وهنا لا بد أن نفرق بين أمرين..

أولهما.. أن تنشب حرب شاملة بيننا وبين عدونا لرده عن بلادنا ولتحطيم قوته وإبادتها، وفي هذه الحالة يكون من واجب كل مسلم قادر يحمل السلاح للمشاركة في المعركة الدائرة ويساهم الإخوان في ذلك بوصفهم أفرادًا في أمة تخوض معركة حاسمة من معاركها، ولقد قام إخواننا بواجبهم فعلًا على كل الجبهات إما جنودًا في الجيوش أو متطوعين في الحرس الوطني والمقاومة الشعبية، ولقد استشهد عدد منهم في بعض الجبهات رحمهم الله رحمة واسعة وأنزلهم فسيح جناته.

أما ثاني الأمرين.. فهو أن العدو قد تغلب على جيوشنا واحتل جزءًا من بلادنا فعلًا نتيجة لهزيمتها كما هو واقع في فلسطين الآن، فإذا خرجت الجيوش الرسمية من المعركة، والتفت الناس إلى جماعتنا يطالبونها بتحرير الجزء المغتصب متحملين عبء المعركة وحدنا، فإن الأمر في هذه الحالة يحتاج إلى دراسة وبحث موضوعي للقضية من جميع جوانبها، فلا بد أن نحدد ما المطلوب منا أن نعمله؟ وما هي طبيعة الميدان الذي سنتحرك فيه؟ وما هي طبيعة العدو الذي نواجهه؟ وهل نملك من الإمكانات ما يحقق الهدف من أعمالنا؟ ثم ما هي النتائج العكسية التي قد يجرها هذا العمل؟

[أسباب اتخاذ الإخوان لهذا القرار]

أ ـ إن طبيعة عدونا تختلف عن طبيعة الاستعمار الذي عرفناه في أي قطر من أقطارنا فهو ليس جيش احتلال قدم من دولة استعمارية معينة بغرض الاستعمار والاستغلال أو النفوذ، بل هو شعب من المغامرين المتعصبين قدموا بلادنا بقصد اغتصابها وإقامة دولة لهم على أرضنا، ولقد تمكنوا من ذلك بمساعدة دول الاستعمار الكبرى في العالم على اختلاف مذاهبها، والعمليات التخريبية المحدودة ضده لن تجعله يرحل عن بلادنا كما تفعل جيوش الاحتلال حينما تحس بعدم الاستقرار وانعدام الأمن، فعدونا يعتبر معركته معنا معركة حياة أو موت، وليس أمامنا إلا أن نخطط لإبادته وإزالة دولته، الأمر الذي لا تصلح معه عمليات محدودة، فلا بد من حشد طاقات الشعوب العربية وتنسيقها وتعبئتها بالعقيدة الإسلامية إذا كان يراد للمعركة أن تؤتي ثمارها المرجوة، وعلى عاتقنا يقع عبء هذا العمل.

ب ـ وهناك أمر ثان، أن عدونا في فلسطين لا يخشى الرأي العام العالمي، ولا يشعر بالمسؤولية الدولية، ذلك لأنه تمكن بعد جهد دائب على مر السنين من جعل الرأي العام العالمي أداة طيعة في يده، يوفر له الحماية والتأييد بدلًا من الوقوف في وجه مطامعه، إن عدونا لا يقيم وزنًا لأي اعتبار إلا اعتبارات أمته وسلامته، ولذلك فإنه يضرب القواعد التي يتحرك منها الفدائيون ضربات شديدة وأحيانًا لا يبالي في اجتياحها.

ج ـ إن مساحة فلسطين صغيرة نسبيًا والسكان اليهود فيها عدد كبير بالنسبة لمساحتها، ويسكنون مستعمرات محصنة منتشرة في طول البلاد وعرضها، وقد شحنوها بالجنود وآلات الحرب، مما أكسبهم ميزة التحرك السريع إلى أي مكان في زمن قصير، وأكسبهم القدرة على الدفاع ودون الحاجة إلى انتظار نجدات تأتي من مكان بعيد، مما يجعل الضربات الفدائية محدودة جدًا ويقلل من أثرها.

د ـ إن الدول العربية المحيطة بإسرائيل دول ضعيفة ولا تستطيع الصمود أمام العدو لأكثر من ساعات محدودة، وهذا أمر معروف للجميع، والعمل المتسرع يعطي العدو مبررات اجتياح أراض جديدة وتشريد المزيد من السكان العرب.

هـ ـ إن جميع العصابات المحاربة داخل فلسطين المحتلة قد وطدت علاقتها مع دول عربية معينة، فهي تمدها بالمال والسلاح وتقدم لها معسكراتها ليتدرب أفرادها عليها بل إن مخابرات تلك الدول هي التي تخطط لتلك الحركات وتتحكم إلى حد كبير في عملياتها، وهذا الأمر لا يمكن أبدًا أن يفعله الإخوان المسلمون، وحتى إذا فرضنا المستحيل فلن تسمح الحكومات العربية للإخوان بذلك.

و ـ إن جماعة الإخوان جماعة مضطهدة في جميع البلاد العربية التي يملك الإخوان فيها فعالية، ولذلك فإننا لا نستطيع التحرك المسلح بحرية وأمان، إلا إذا قمنا بعمليات محدودة جدًا وضعيفة الأثر، وهذه عمليات لا جدوى منها ولا فائدة.

الأضرار التي ستلحق بفلسطين لو جاهد الإخوان:

بعد هذا الاستعراض السريع لطبيعة العدو، وطبيعة الميدان الذي سنعمل فيه علينا أن نوضح النتائج التي سنحققها لو قمنا بالعمل المسلح داخل فلسطين.

لا شك أن النتائج ستكون سيئة وضارة بالنسبة لقضية فلسطين وبالنسبة للحركة الإسلامية أيضًا، حتى ولو قيست بالقليل من الدعاية التي ستصاحب هذا العمل والتي يتخيل للبعض أنها ستنفعنا أو تنصر قضيتنا وهي قضية الإسلام.

أما بالنسبة لقضية فلسطين فإن أعمالنا التخريبية ستجعل العدو يستغل الفرصة لطرد السكان العرب، ونحن نشاهد يوميًا مئات اللاجئين يعبرون الحدود إلى شرقي الأردن وستتحول القضية إلى قضية مساومات لإرجاع اللاجئين وإنهاء حالة الحرب، وفي نفس الوقت سيوجه ضربات شديدة وعاتية إلى الدول العربية التي يعتبرها مسؤولة عن أعمال الفدائيين فتضيف إلى تاريخنا هزائم جديدة وتسعى لتأمين المأوى للاجئين الجدد.

أما بالنسبة للحركة الإسلامية فإن العمل المسلح الآن وفي ضوء الاعتبارات التي سبق ذكرها سيتطلب منها أن تلقي بكل جهودها في المعركة دون نتائج إيجابية بل على العكس فسيؤدي هذا العمل إلى النتائج السلبية التي سبق شرحها.

خطة من أعداء الإخوان لإنهائها:

إن الذين يطالبوننا بالعمل المسلح الآن يريدون منا أن نستنفد قوتنا داخل فلسطين، وبذلك يفرغ الميدان داخل الدول العربية للعناصر الأخرى، كما أننا نعرض أنفسنا إذا بدأنا العمل لضربة تأتينا من الحكام العرب المتآمرين مع دول الكفر والاستعمار، والذين يجهلون قوة الحركة الإسلامية ويتحينون الفرص لضربها في الصميم، وقد يطالبنا إنسان ما بأن نقوم بعمل ضعيف وخفيف لنحمي أنفسنا وكتائبنا من الضربة، وهذا قول مردود ويسقط هيبة الجماعة لدى الناس وليس فيه أي مصلحة.

علينا أن نقدر الظروف التي تعيشها الحركة وأن نزن الأمور بميزان دقيق قبل الإقدام على أي عمل، فقد يؤدي العمل غير المدروس إلى عواقب وخيمة.

ما بدائل الإخوان عن النضال المسلح؟

وهنا يطرح سؤال هام وملح، ما دام قد تبين لنا عدم جدوى الأعمال الفدائية وحدها، فما البديل لذلك؟ وكيف سنسترد الوطن السليب؟

إن القوة المحيطة بإسرائيل هي القوة القادرة على هزيمتها وإزالتها من الوجود ولذلك فعلينا أن نبذل كل طاقاتنا وجهودنا لتجميع الشعوب العربية تحت راية الإسلام، لأن استجابتها للإسلام ودخولها المعركة تحمل لواء الله هو الأمل الوحيد في النصر، وقد يقول قائل: إن معنى ذلك أن تنتظر فلسطين سنين طويلة قبل أن يتحقق هذا الأمل، والرد على ذلك: أن قضيتنا في فلسطين قد مضى عليها أكثر من عشرين عامًا، انتقلت خلالها من نكسة إلى كارثة على أيدي الحكومات الديموقراطية سنة 1948 وعلى أيدي الثوريين العرب سنة 1967، وقضية فلسطين اليوم على أبواب تصفية سياسية تحيكها أيادي الخيانة والغدر في حكوماتنا العربية، فليس لنا خيار إذن، لا بد أن تنتظر قضية فلسطين حتى يهب صلاح الدين من جديد يقود الكتائب الإسلامية المظفرة لتحرير الأرض المقدسة، وتطهيرها من أرجاس المعتدين إلى الأبد.

قرار الإخوان بمنع العمل المسلح في فلسطين:

بناء على ما تقدم قررت اللجنة التنفيذية للإخوان المسلمين بالإجماع..

((امتناع الإخوان عن القيام بالعمل المسلح في فلسطين في ظل الظروف الحاضرة)).

الإخوان المسلمين – فلسطين –
اجمالي القراءات 117
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق