هل فى تونس شفاء أم شقاء للمصريين؟

سعد الدين ابراهيم Ýí 2011-10-29


 

مثلت تونس، منذ ثورتها على الرئيس زين العابدين بن على قبل عام مضى، «أيقونة» أو «سندريلا» لبقية شعوب الأمة العربية، التى كانت ترسخ تحت طُغيان أنظمة حُكم مُستبدة لأكثر من نصف قرن من الزمان.

و«الأيقونة» فى أدبيات اللاهوت الدينى هى تمثال صغير مُقدس، و«سندريلا» فى الأدبيات الشعبية الأوروبية والعالمية هى تلك «الأخت» المسكينة، التى فقدت أمها وهى طفلة، وتزوج أبوها، وأنجب أخوات أخريات، عاملن سندريلا مُعاملة استعلائية قاسية، حتى جاءت مُناسبة، كان يبحث فيها أمير البلاد عن فتاة ظهرت فى أحد حفلات العصر الملكى فجأة، واختفت فجأة،

ولم يكن لديه ما يهتدى به فى البحث عنها، إلا مُفردة «فردة» حذائها، التى تركتها وراءها، وهى تُسرع للخروج من القصر عند مُنتصف الليل، طبقاً للأوامر التى صدرت لها من الساحرة، قبل المجىء إلى الحفل الملكى، وعلى غير ما توقعت سندريلا، فإن أعوان الملك الذين تولوا البحث عن صاحبة «فردة» الحذاء ذلك، وصلوا إليها، وفرح الأمير باكتشافها واختارها عروساً له، وتضاعف حقد أخواتها وزوجة أبيها الشريرات.

ولأن تونس هى أحد البُلدان العربية الصغيرة سكاناً ومساحة، والتى لم يكن لها دور مرموق يُذكر فى عالم السياسة، فقد كانت ثورتها على حاكمها المُستبد، ونجاحها فى إسقاطه، مُفاجأة كُبرى لبقية العرب وللعالم بأثره، ومن هنا أوجه الشبه بين تونس وسندريلا، الفتاة التى كانت مغمورة ولكنها هى التى فازت بقلب الأمير الباحث عن عروس.

وكانت ثورة الشعب التونسى ونجاحها فى الإطاحة بالطاغية زين العابدين بن على، إلهاماً للشعب المصرى، فانتفض شبابه خلال أقل من شهر، بعد ثورة تونس، ونجح أيضاً فى الإطاحة بآخر الفراعنة المُستبدين فى تاريخ مصر الحديث، وهو الرئيس محمد حسنى مبارك.

وألهم نجاح الثورتين التونسية والمصرية، شعوباً عربية أخرى، ثارت على حكّامها المُستبدين فى اليمن وليبيا وسوريا، وهى الظاهرة التى أبهرت العالم، فأطلق عليها تعبير الربيع العربى للديمقراطية.

واستمرت تونس، سندريلا الديمقراطية العربية، فى إعطاء قدوة فى مرحلة التحول الديمقراطى، من ذلك أنها رسمت خارطة طريق واضحة، بدأت بدستور توافقى مؤقت، ثم بانتخابات برلمانية، عُقدت فى الأسبوع الماضى، وأبهر الشعب التونسى العالم مرة أخرى بنسبة المُشاركة غير المسبوقة، عربياً، ولا حتى دولياً، فقد وصلت نسبة التصويت أكثر من ٨٥%، وهى أعلى مُعدلات حتى فى أعرق الديمقراطيات الغربية.

ورغم أن حزب «النهضة» ذا المرجعية الإسلامية قد فاز بالأكثرية، فإن الأحزاب المدنية الأخرى المُنافسة له، بادرت بالتهنئة والتعبير له وللشعب التونسى، عن استعدادها للعمل والتعاون معه، من أجل بناء تونس ديمقراطية جديدة.

وبما أن الثورة التونسية كانت مُلهمة لشباب الثورة المصرية، فلعل الانتخابات التونسية، والروح الرياضية التى عمت إجراءها، تكون أيضاً، خير مُرشد للقوى السياسية المصرية فى الانتخابات البرلمانية القادمة.

وأول واجب لقوى المجتمع المدنى فى مصر، أن تضاعف من مجهوداتها من أجل:

١ـ تعبئة المواطنين للتهيؤ لمُتابعة الحملة الانتخابية، والمُشاركة فى أنشطة الأحزاب والحركات السياسية التى تملأ الساحة المصرية.

٢ـ أن تحضّ كل مواطن على أن يصبح، ليس فقط ناخباً نشطاً، يؤدى واجبه الانتخابى، ولكن أيضاً أن يُراقب سلامة ونزاهة العملية الانتخابية.

٣ـ أن يقوم شباب ثورة ٢٥ يناير، الذين تبعثروا بعد نجاح ثورتهم، بالتجمع من خلال الحركات الرائدة ـ مثل حركة ٦ أبريل، وكفاية، وشايفنكو، واتحاد المُحامين الليبراليين، ولجنة الحريات فى نقابة المُحامين، وباقى الائتلافات الأخرى ـ ومعهم مركز ابن خلدون، من خلال كاتب هذا المقال، الذى يظهر عنوان بريده الإلكترونى تحت اسمه أعلاه، أو بالتراسل مع مركز ابن خلدون، فى مقره ١٧ شارع ١٢ بالمقطم.

٤ـ أن يقوم الراغبون والقادرون من شباب الثورة بالانضمام إلى برنامج «شارك وراقب» الذى يرعاه مركز ابن خلدون، والذى يستغرق عدة أيام، يحصل بعده المُتدرب على شهادة تؤهله للقيام بالمُراقبة الدولية، داخل مصر وخارجها.

٥ـ أن يقوم من لم ينضم منهم إلى أحد الأحزاب القائمة، بالمُبادرة بالانضمام، عملاً بالقول المأثور «يد الله مع الجماعة»، وأن عضويته فى أى من هذه الأحزاب، تُضاعف من حيوية الحياة السياسية فى مصر. لقد كانت نسبة التصويت فى آخر انتخابات عُقدت فى عهد الرئيس السابق حسنى مُبارك، أقل من ١٠%، لأن المواطنين المصريين كانوا قد فقدوا الثقة والاهتمام فى العمل السياسى.

ولكنهم بعد الثورة، وفى أول استفتاء على التعديلات الدستورية، وصلت نسبة مُشاركتهم إلى أكثر من ٤٠%، أى أنها تضاعفت أربعة أمثال، ولذلك ليس من المُبالغة أن نتوقع استمرار اهتمام المواطنين المصريين بالمُشاركة فى الانتخابات القادمة.

وحتى إذا لم نصل إلى المُستوى الرفيع الذى وصل إليه الشعب التونسى، أى نسبة مُشاركة ٨٥% فلا أقل من أن نصل بنسبة المُشاركة إلى ٧٥%، وليس ذلك بكثير على مصر والمصريين، فليبهروا العالم كما بهروه بثورة يناير المجيدة.

وعلى الله قصد السبيل.

اجمالي القراءات 9058

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   السبت ٢٩ - أكتوبر - ٢٠١١ ١٢:٠٠ صباحاً
[61273]

أعتقد أن الأمر في مصر يختلف قليلا عن تونس خصوصا في مسألة الأمن

الأستاذ الفاضل / الدكتور سعد الدين ابراهيم


تشبيه جيدا جدا يبين ملمح هام من ملامح الدولة التونسية الشقيقة


لكن اتفق مع حضرتك في كل ما قلته في المقال ، لكن هناك أمر خطير وهام في نفس الوقت هو أن تونس لم تعاني من حالة انفلات أمنى يمكن مقارنته بما يحدث في مصر حتى الآن وحتى اليوم ، ومسألة الانتخابات في ظل حالة الفراغ الامني التي يعيشها المصريون ستؤدي لانصراف ملايين من المصريين عن المشاركة في الانتخابات خوفا من بطش البلطجية والمسجلين المسلحين بكل انواع السلاح ، وهذه المسألة ستؤثر حتما على مجريات العملية الانتخابية ونتائجها ، وهناك احتمال واحد فقط من الممكن ان يكون سببا في اتمام عملية الانتخابات في هدوء تام ودون المساس بأي مواطن مصري وهو أن يشعر ويتأكد القائمون على اشاعة الفوضى والفراغ الأمنى في مصر أنهم سيكسبون الانتخابات ويكتسحون وتكون لهم الغلبة وهم اكثر المستفيدين وهذا حدث فعلا بعد الثورة فبينما كان الشعب يعاني ويلات البلطجية والمسلجين في كل مكان لكن يوم الاستفتاء على التعديلات الدستورية لم نرى بلطجي واحد امام اي لجنة انتخاب ولم تسجل حالة اعتداء على مواطن مصري واحد في هذا اليوم ، ولابد ان نعقل ونسأل انفسنا ما هو الدافع وما هو السبب الذي منع البلطجية من الخروج .؟ 


..


 


2   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   السبت ٢٩ - أكتوبر - ٢٠١١ ١٢:٠٠ صباحاً
[61281]

تخوف واقعي يا أستاذ رضا

أشاركك الرأي في تخوفك هذا فهو واقعي وهذا ما نعيش فيه للأسف الشديد حتى يومنا هذا ! ما المطلوب إذن أن يحارب الناس البلطجية دون حماية ولا امن حتى يختاروا ما يريدون المفروض أولا حفظ الأمن وتهيئة الفرصة ، ثم بعد ذلك يأتي دور الانتخابات البرلمانية كانت أو رئاسية .


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 217
اجمالي القراءات : 2,343,477
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt