( ق 2 ف 2 ) ابن خلدون والمنهج القرآنى

آحمد صبحي منصور Ýí 2015-09-22


 

 ( ق 2 ف 2 )  ابن خلدون والمنهج القرآنى

كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية 

  القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون   

الفصل الثاني :  مدى تأثر إبن خلدون بعصره في المقدمة منهجيا وموضوعيا

 التأثر المنهجى  : ابن خلدون والمنهج القرآنى

  لمحة                    

1 ـ    ساد التصوف عصر إبن خلدون بحيث زال التعارض الحاد الذي كان محتدما بين الفقهاء والمحدثين من جانب والصوفية من جانب آخر، خصوصا بعد هزيمةإبن تيمية وصحبه في القرن الثامن الهجري . ومن ناحية أخرى فإن التقليد العلمي الذي أرساه التصوف ساعد على تقديس أئمة الفقه والحديث في عصور الإزدهار بالإضافة إلى تقديس الصحابة رواة الأحاديث ، ولايزال هؤلاء وأولئك حتى الآن يتمتعون بالتقديس والحصانة من النقد ، ولم يكن مستغربا أن يحظى جميعهم بالتقديس برغم ما كان بينهم من إختلاف سياسي وعقيدي ومذهبي ، سواء كانوا من الصحابة ، أو من الأئمة الفقهاء والصوفية وعلماء الحديث . لم يكن ذلك مستغربا لأن العصر أعطى العقل الناقد أجازة مفتوحة ، وعكف على التقليد الأعمى المذهبي ، لذلك كان معتادا في مناهج التعليم في الخوانق والأربطة والزوايا والمساجد تدريس التصوف مع الحديث والفقه ، وحفظ المؤلفات في هذا وذاك ، وهى – أي المؤلفات – عبارة عن شروح وملخصات ومتون ، تعيد إنتاج مخلفات الفكر السابق بصورة تزداد ضحالة وإسفافا في كل مرة .

2 ــ     وكان قدر إبن خلدون أن نشأ في شمال أفريقيا (تونس) وتنقل بين المغرب وتلمسان والأندلس قبيل نكبتها . وتردد في المقدمة وصفه لموطنه بالتأخر الثقافي والعمراني والحضاري بالمقارنة بمصر والمشرق . أي أنه نبت ونشأ في أكثر المناطق تخلفا ، وكان منتظرا منه – إذا كان شخصا عاديا – أن تتقاصر قامته العلمية أمام العلماء المصريين والمشارقة الوافدين إلى مصر ، ولكن حدث العكس ، وهذا في حد ذاته أكبر شاهد على عبقرية إبن خلدون وتفرده في عصره .

3 ــ     إلا أن هذا لا يعني أن إبن خلدون تمرد على عصره وأسس مشروعا فكريا متميزا . لم يحدث ذلك مطلقا على يد إبن خلدون ولا على يد غيره إلا حين بدأ محمد عبده في عصرنا الحديث ذلك المشرع الفكري في القراءة النقدية للتراث ( الصوفي والسلفي ) وناء بحمله ، وجاء تلميذه رشيد رضا فأجهض ذلك المشروع التنويري لصالح الفكر السلفي الوهابي ، ثم كان قدر كاتب هذه السطور أن يبنى على مشروع محمد عبده ليؤصل إسلاميا وتاريخيا التيار الفكرى القرآنى الاصلاحى فى مواجهة الوهابية وبقية أديان المحمديين الأرضية .

4 ــ     والمهم أن إبن خلدون كان في تناسق مع أساسيات المنهج الفكري السائد في عصره ، لم يتمرد عليه ، إلا أن عبقريته برزت بين السطور في شذرات هنا وهناك . ثم ظهرت جلية واضحة في مجال علم جديد إبتكره ، وهو علم العمران- الإجتماع  - وسار في ذلك العلم الجديد بدون أن يصطدم بالثوابت المقدسة لعصره ، ولذلك نجا من التكفير واتهاماته ومحاكماته، والتي كانت عادة سيئة في العصر المملوكي .  

5 ــ وأساسيات المنهج الفكري في العصر المملوكي دارت حول  نقيضين ، جعلهما التقليد العلمي صديقين ، وهما التصوف والسنة ، أو ( التصوف السنى ) الذى قام الغزالى بتقعيده وقام صلاح الدين الأيوبى بفرضه فى حربه ضد التشيع  . ففي القرن الثالث الهجري كان أرباب الحديث وأولياء التصوف في شقاق إلا أن الصلح الذي عقدهالغزالي في القرن الخامس بينهما أثمر عن التقليد والتقديس، فاصبح العصر المملوكي يقلد ويقدس هؤلاء وهؤلاء ويدرس هذا وذاك ، ويلتزم بعدم الإعتراض على شيخيه الصوفي والفقهي وأئمة عصره والعصور السابقة . ولم يخرج إبن خلدون عن هذا الإطار . هذا بالاضافة الى تقديس الصحابة ـ مع ما حدث بينهم من حروب أهلية يُطلق عليها تأدبا ( الفتنة الكبرى ).

6 ــ    ونحاول هنا أن نحدد موقع عقلية إبن خلدون من خلال المناهج الفكرية لنتعرف إلى أي حد إلتزم بمنهج عصره ، ثم بعد المنهج نسير مع القضايا الأساسية في المقدمة .

أنواع ثلاثة للمناهج الفكرية

1 ـ    وقد عرضنا للمنهج الفكري القرآني وعرفنا أنه يقوم بالنسبة لعالم الشهادة ( العالم المادى الطبيعى المُشاهد )على البحث التجريبي ، وبالنسبة لعالم الغيب على أساس الإيمان بالغيب المذكور في القرآن وحده ، واعتبار ما عداه خرافة . وعرفنا أن فكر الحضارة العربية الإسلامية سار على المنهج اليوناني في مرحلتيه ، المرحلة العقلية النظرية الأرسطية التي تهمل التجربة العملية وتفسر من خلال العقل النظري والمنطق الصوري عوالم الغيب والشهادة ، ثم إنتهت إلى لا شئ فيأتي البديل الأسوأ ، وهو المنهج الإشراقي القائم على العلم اللدني بزعم أن الرياضيات الصوفية ترفع الحجاب فتشرق الأنوار الإلهية ويفيض العلم اللدني ، ومن خلاله يأتي الغيب ومفاتيح العلوم .. وهذا هو الصفر الذى وصلت إليه الحضارة  (العربية الإسلامية) في العصر المملوكي حيث تسيد التصوف وسيطر على العقل والعلم والتعليم والسياسة والمجتمع.

2 ـ     فأي منهج من هذه المناهج اتبعإبن خلدون في المقدمة : المنهج القرآني ، أم العقلي الأرسطي ، أم الصوفي ؟

المنهج القرآني لدى إبن خلدون

1 ـ    بالنسبة للمنهج القرآني نجده غائبا عن ذهنية إبن خلدون . فمع أنه – شأن السيرة العلمية المعتادة في عصره – حفظ القرآن منذ الصغر ، وتعلم القراءات القرآنية ، إلا أن هذه النوعية من التعامل مع القرآن هي في نظرنا المسؤولة عن الإبتعاد عن المضمون القرآني ومنهجه الفكري ، إذ إنصب ذلك التعامل على الشكل في القراءات والإعراب مع فهم نصوص الآيات من خلال آراء المفسرين وروايات النزول . وفق ما هو سائد حتى الآن في مناهج الأزهر العقيمة.

2 ـ     إلا أن حالة إبن خلدون كانت فريدة في بابها . إذ يبدو واضحا ذلك التباعد بينه وبين  القرآن ويتجلى هذا في عدة مظاهر منها :

2 / 1 : -- أنه لايجيد الإستشهاد بالآيات القرآنية بحيث يأتي بآية بعيدة الصلة عن الموضوع ، فتراه مثلا يتحدث عن ضرورة السعي للرزق ، والمتوقع أن يستشهد بقوله تعالى " فَامْشُوا  فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ  : الملك 15 " وذلك ما يردده أي خطيب متواضع على المنبر ، إلا أن إبن خلدون يستشهد بآية أخرى هي قوله تعالى "فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ [1]   العنكبوت 17  "  وهذه الآية جاءت في خطاب إبراهيم عليه السلام لقومه المشركين الذين تركوا عبادة الرازق ولجأوا لغيره ، فالإستشهاد هنا ليس في محله ، وإن كان قريبا بعض الشئ من الموضوع .

وفي موضع  آخر يدعو إلى عدم  البحث في الأسباب أو مظاهر الطبيعة ويستشهد بقوله تعالى "   ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [2] . الأنعام 91" وهذا إستشهاد ليس في محله وبعيد تماما عن الموضوع ، لأن الآية لا تتحدث عن  ترك الأسباب وتجاهل البحث في مظاهر الطبيعة ، ولكنها تتحدث عن تجاهل بني إسرائيل للتوراة .

بل قد يأتي أحيانا باستشهاد قرآني يتناقض تماما مع مقصده مما يدل على إبتعاده التام عن مضمون الآية ، فقد دافع عن الأدارسة وانتسابهم للأشراف العلويين ، وقال إنه يجادل عنهم في الدنيا ليجادلوا أي يدافعوا عنه في الآخرة . واستشهد بقوله تعالى "هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة [3].النساء 109" مع أن هذه الأية وما قبلها  وما بعدها تنفي شفاعة النبي وتؤكد أن أحدا لايستطيع الجدال عن أحد يوم القيامة .    

2 / 2 :  وعموما، فإن إستشهاداته القرآنية في المقدمة ضيئلة ، ونفتقد تلك الإستشهادات حين نراه يتحدث بعقلية ناضجة عن مظاهر إجتماعية ويقول رأيا سديدا ، ويستطيع أن يستشهد بالقرآن ويستزيد منه علما وبحثا ولكنه لايفعل . لأن القرآن فيما يبدو غائب عن  منهجه الفكري وتفصيلاته البحثية ، وعلى سبيل المثال تراه يتحدث كثيرا عن أثر الترف والظلم في سقوط الدولة [4]  ويستشهد بآية وحيدة ، وهي " وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً : الإسراء 16 " ويتجاهل تفصيلات القرآن الأخرى في الحديث عن أثر الظلم والترف في إهلاك الأمم ، ويتجاهل العنصر الآخر وهو أن هذا الترف يعني تكدس الثروة لدى أقلية يجعلها هذا التكدس تقع في الترف والسرف ، بينما تكون الأغلبية جائعة محرومة مما يجعل المجتمع يتفجر من الداخل . وهذه حقائق قرآنية وتاريخية كان بإمكان إبن خلدون أن يرصع بها المقدمة إذا كان القرآن في بؤرة شعوره .

2 / 3 :  إلا أنه من الواضح أنه كان بمعزل عن حقائق القرآن حتى ما كان منها معروفا ومفهوما ، بدليل أنه يجعل من خصائص النبوة أن يكونالنبي ذا منعة في قومه [5] ، أي يكون عزيزا بعصببيته وأسرته ، ويتناسى قصص الأنبياء في القرآن واستطالة المشركين على النبي والمستضعفين الذين اتبعوه إلى درجة أن يأتي  الإهلاك للأمم السابقة ونجاة النبي بمن اتبعه ، وينسى قوللوط لقومه "  قَالَ يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ." قال ذلك حين اقتحموا عليه داره يريدون إغتصاب ضيوفه ، ثم قال لهم يائسا عاجزا"  قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ: هود78 : 80" كما يتناسى قول مشركي قريش عن خاتم النبيين {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ . الزخرف 31 } ومقياس العظمة لديهم هو الجاه والمال والنفوذ أي المنعة والعصبية في لغة إبن خلدون ، وهذا ما لم يكن متاحا للنبي في مكة ، ولذلك تعرض مع أتباعه للأذى واضطر للهجرة بهم إلى المدينة . وتلك حقائق قرآنية وتاريخية كان أولى بإبن خلدون أن يعتبرها .

 3 ـ    ولو كان المنهج القرآني حاضرا في ذهنية إبن خلدون ما وقع في هذه الأخطاء وأخطاء كثيرة أخرى ، وعليه فقد كان إبن خلدون إبن الفكر السائد للحضارة( العربية الإسلامية ) في ذلك التجاهل للمنهج الفكري القرآني .

 ويبقى بعد هذا أن نبحث عنه في منهجي حضارتنا ، المنهج العقلي الأرسطي ، والمنهج الصوفي ، أين كان موقعه فيهما .



[1]
- المقدمة ، الفصل الأول ، الباب الخامس

[2]- المقدمة ، الفصل العاشر ، الباب السادس

[3]- المقدمة ص21

[4]- المقدمة ، الفصل الثامن عشر ، الباب الرابع

[5]- المقدمة ، 78: 79

اجمالي القراءات 8046

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   عثمان محمد علي     في   الثلاثاء ٢٢ - سبتمبر - ٢٠١٥ ١٢:٠٠ صباحاً
[79123]

هذا كان ولا زال رأى فى إبن خلدون ..


 إلا أن هذا لا يعني أن إبن خلدون تمرد على عصره وأسس مشروعا فكريا متميزا . لم يحدث ذلك مطلقا على يد إبن خلدون ولا على يد غيره إلا حين بدأ محمد عبده في عصرنا الحديث ذلك المشرع الفكري في القراءة النقدية للتراث ( الصوفي والسلفي )



 



===



والمهم أن إبن خلدون كان في تناسق مع أساسيات المنهج الفكري السائد في عصره ، لم يتمرد عليه ، إلا أن عبقريته برزت بين السطور في شذرات هنا وهناك . ثم ظهرت جلية واضحة في مجال علم جديد إبتكره ، وهو علم العمران- الإجتماع  - وسار في ذلك العلم الجديد بدون أن يصطدم بالثوابت المقدسة لعصره ، ولذلك نجا من التكفير واتهاماته ومحاكماته، والتي كانت عادة سيئة في العصر المملوكي . 



==



شكرا استاذ ى دكتور منصور .على تحليلك لشخصية إبن خلدون ،وفكره .



وإذا كان لى الحق أن أقول رأى المتواضع فى إبن خلدون مع إحترامى الشديدة لعلمه وتفرده فى علم الإجتماع ... إلا أنى أرى أنه لم يقدم شيئا فى خدمة الإصلاح الدينى ،أو إصلاح الفكر الدينى .أو على الأقل رفض ما كان فى عصره من تقديس للتراث . على عكس إبن رشد مثلا الذى تمرد على التصوف وعلى تدين قومه آنذاك .



2   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الأربعاء ٢٣ - سبتمبر - ٢٠١٥ ١٢:٠٠ صباحاً
[79125]

لو كان المنهج القرآني حاضرا في ذهن إبن خلدون ..؟


السلام عليكم دكتور كل عام وأنتم بخير ،  خسارة كبيرة عقلية كعقلية ابن خلدون أن تتباعد عن المنهج القرآني وتكون ابنة لعصرها في الفهم التراثي للقرآن !!!  كنا ننتظر من هذه العقلية أن تكون أكثر التصاقا بآيات القرآن  من خلال كثرة الاستشهادات المفيدة  لنا .. وتسليط الضوء على عاقبة الظلم والظالمين من الحكام ووأعوانهم  فهل  كان يتحرج من ذكر عيوب الحكام ،  او يغض الطرف عن ذكرهم  دمتم بخير وشكرا 



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 5048
اجمالي القراءات : 55,210,231
تعليقات له : 5,382
تعليقات عليه : 14,716
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي