تعالوا بنا نجرح مشاعر المسلمين..!

سامح عسكر Ýí 2015-07-04


في جريدة مصرية قرأت هذا الخبر وهو استطلاع عن رغبة الشعب في معاقبة المفطرين المجاهرين في رمضان، وكانت النتيجة هي حوالي 80% موافقة ، وهي نتيجة طبيعية تثبت ما قلناه ونحذر منه أن الشعوب العربية أقرب من الفهم الداعشي للإسلام، وأن فرصة الاعتدال والسماحة قليلة وأحياناً تكون منعدمة.

يساهم في ذلك إعلام أرعن لا علاقة له بالتثقيف أو التنوير، وأن جل مهمة الإعلام الآن انحصرت في محاكاة رغبة الشعوب حتى لو كان رغبات عنيفة أو انتقامية أو طائفية، وهذا أراه متجلياً في الإعلام المصري الذي انقلب مؤخراً إلى إعلام طائفي نتيجة دعم السلطة السياسية للعدوان المذهبي على اليمن، وبما أن السلطة متورطة في العدوان أصبحت معها النزعة الطائفية مطلب شعبي لعلاقة هذه السلطة بثورة شعبية أزاحت الإخوان في 2013.

لا أفهم من سؤال الاستطلاع إلا تحريض على العنف تجاه المفطرين المجاهرين في رمضان، وبدلاً من كونه عيباً مجتمعياً في الماضي أصبح تمرد ديني واجتماعي على ثقافة المجتمع، وأنا أسأل من طرحوا هذا السؤال لحشد وتجييش الدهماء..ما بال المسيحيين في مصر الذين قال عنهم –وغيرهم- الله لا إكراة في الدين، ما بال من قال عنهم الله لكم دينكم ولي دين؟...ألا يفتح ما تفعلوه الباب لقمع الأديان؟..ألا يخالف مبدأ.."الاختيار"..الإنساني ؟..ألا يفتح ذلك الباب لصنع ملايين من المنافقين؟

المشكلة أن الدستور المصري ينص صراحة على حرية الرأي والتعبير والاعتقاد، ومن هذه المواد تمت تبرئة الباحث.."إسلام بحيري"..من تهمة ازدراء الأديان، أي أن السؤال هو مخالفة صريحة للدستور المصري وجعل المجتمع رهينة لمذهب فقهي متسلط.

يقولون أن المفطر المجاهر في رمضان هو.."يجرح مشاعر المسلمين"..وأنا أسأل ما الذي لا يجرح مشاعرهم مما يحدث حولنا؟..ألا تكفي مئات الرقاب التي تقطعها داعش لجرح مشاعرهم ..ألا يكفي الظلم الاجتماعي وملايين العاطلين والعانسين أن يجرح مشاعرهم؟..ألا تكفي مجازر الحرب اليمنية والسورية والعراقية والانشقاق العربي والتكفير والعنف لجرح مشاعرهم ؟..ألا تكفي مشاهد العري والإباحية في الإعلام المصري لجرح مشاعرهم؟

ثم أليس المواطن المسيحي يصوم الأربعاء والجمعة ؟..ألا يوجد في الفقه المسيحي صوماً أربعينياً؟...لماذا يفطر المسلمون في تلك الأيام ويجرحون مشاعر المسيحيين؟..

لماذا هذا التفصيل في القوانين والإجراءات والرغبات؟..لماذا تسيطر علينا نزعة الوصاية وأن نحمل الآخرين على آرائنا حملاً دون مراعاة لقناعاتهم ؟

إن هذه الرغبة الشعبية في قهر المعارضين والتسلط على أشقائهم في الوطن..لا يساعد في حوار الأديان أو تبادل الثقافات، بل يغذي النزعات المتطرفة ويُهدي لجماعات داعش والقاعدة والإخوان هدايا لا تقدر بثمن، وإثبات آخر أن الميول العربية لا تخلو من الداعشية تجاة الرأي الآخر، لكن إذا مس ذلك أمنهم وسمعتهم رفعوا شعارات التسامح والسلام، وإذا قيل لهم أن داعش هي إفراز طبيعي للعقلية العربية والتراث الديني يقولون أن داعش لا تمثل الإسلام..

حسنا..لو كانت داعش لا تمثل الإسلام لديكم.... لماذا صدعتمونا بالحرب الصليبية والتطرف المسيحي ومحاكم التفتيش وكهنوت العصور الوسطى؟..لماذا صدعتمونا بالخطر الشيعي وسب الصحابة وجرائم الرافضة ؟..لو داعش بريئة لديكم فلا يحق لكم اتهام المسيحية أو التشيع بالمثل، وإلا فهناك نماذج مسيحية وشيعية مبشرة تدعو للسلام والتعايش والانفتاح..فلماذا إذن تحملون أديان ومذاهب الخصوم حماقات بعضهم..بينما ترفضون تحميل دينكم حماقات البعض منكم؟

إن هذا الاستطلاع لهو نموذج على أزمة ثقافية كبرى تهدد مجتمعات العرب، لم يعد فيها مجال للمهادنة، ولم تعد قوى الردع العربية فاعلة في تحييد أخطار هذه الأزمة، وتتطلب ردعاً فورياً بنشر الحريات والفكر النقدي وفقه المحاسبة ونقد التراث، وتوظيف الإعلام بمهمته الرئيسية وهي التثقيف والتنوير..بدلاً من المهازل التي تحدث الآن من الإعلام الذي أصبح بوقاً للفتنة أكثر من كونه آداة للتواصل والانفتاح..

 

 

اجمالي القراءات 13834

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 7,518,237
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 411
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt