صفحات من تاريخ التنوير (3)

سامح عسكر Ýí 2014-11-23


من الأمور التي لا ينتبه إليها البعض حين الحديث عن العقل أو التنوير أن المقصود به هو إعلاء المنطق فحسب...وهذا خطأ، فالتنوير يُرادف العقلانية، ولا يمكن تجاهل دور المشاعر في هذه العقلانية، لأن الإنسان ليس كائناً متبلداً بل هو كائناً روحانيا تُماثل قوة المشاعر لديه قوة المنطق، أي أن عملية التنوير أكبر وأشمل من المنطق، واختصارها في معادلة.."منطق+عاطفة=عقل"... أما المنطق هو جزء من عملية التفكير التي تتأثر بالعاطفة، وهي العلاقة الأزلية بين مشاعر العاطفة من حب وكراهية وحزن وسعادة وبين عناصر المنطق من ملاحظة ورصد وتحليل وتفكيك وتركيب.

ولو افترضنا أن الخرافات والأساطير جزء من المشاعر والعواطف فيعني ذلك أن الأساطير جزء من عقل الإنسان، وعليه لا يمكن إغفال دور الخرافة في تاريخ الإنسان وتأثيرها عليه منذ نشأته.

إن استعراض هذه الصفحات من تاريخ التنوير نعني به عرض جوانب من صراع الإنسان مع نفسه، بصورة صراع مع عقله، أي قوة المنطق أمام قوة العاطفة، فكل حدث تنويري يتضمن هذا الصراع بحذافيره، بينما نتائجه هي هي منذ أناكساجوراس وسقراط مروراً بابن رشد وجاليليو وجوردانو برونو وانتهاءً بعصرنا الذي بدأ بقمع طه حسين وعلي عبدالرازق ولويس عوض وانتهى بقتل فرج فودة وتكفير نصر أبو زيد .

ولماذا نذهب بعيداً ولدينا في الجانب الديني تاريخ الأنبياء، فكل نبي هو في الأصل مُصلح فيلسوف قد اكتسب ثقة مجتمعه فعمل على علاج أمراض المجتمع الثقافية والبيئية، ولا يهمنا ما فعل أتباع الأنبياء بعد ذلك أو حتى ما فعل النبي نفسه، حيث في هذا السياق خلافات بنيوية أيدلوجية عميقة تكاد تقف بين نقيضين الأول يُثبت ويُبرر والثاني يَنفي ويُنزّه، كمثال الصراع بين التنويريين في الجسد الإسلامي وخصومهم من عَبَدة التراث وفقهاء المصالح والمتعصبين للمذاهب.

ليس فقط داخل الجسد الإسلامي بل في الجسد المسيحي توجد نماذج شهيرة كالفيلسوفة .."هيباتيا"..المصرية، ماتت في أوائل القرن الخامس الميلادي أي قبل ولادة النبي محمد ب150 عاماً على الأقل، لكنها كانت في مصر حيث سيادة الدين المسيحي بنسخة متطرفة أدت بهم إلى قتلها بعد سحلها، والجريمة أنها تفكر وتُنكر على المسيحيين معتقداتهم، هنا اشتعل الصراع الشهير بين العقل والعاطفة، تعزز بوجود رموز متعصبة كالأسقف كيرلس أسقف الاسكندرية..خطب في الناس وشحنهم ضد هيباتيا بعد وصفها بكل أوصاف الكفر والمروق من الدين، وكان الرد سريعاً أن أحاط بها الهمج وسحلوها وقتلوها ثم مثلوا بجُثتها في حادثة بشعة سجلتها أقلام التاريخ لتصوير معركة من معارك التنوير.

من المشهور عن هيباتيا أنها كانت إبنة العالِم الفلكي الشهير.."ثيون"..أي أنها من عائلة علمية مرموقة، وهذا يفسر شجاعتها في التعبير عن رأيها، على ما يبدو أنها اعتمدت على قواها العقلية في الإقناع ومركزها الاجتماعي بين العلماء، كان بإمكانها أن تعزف عن التعبير، وتحتفظ بعلومها لنفسها كمثل العديد من الفقهاء والمفكرين خشيةً على أنفسهم من البوح بما يجول في خواطرهم.

وفي ذلك يقول الدكتور مراد وهبة عن الفيلسوف الألماني.."إيمانويل كانط"..ت1804م أن.." الكسل والجُبن هما السبب في بقاء معظم البشر في حالة اللارشد"..ويعني باللارشد أي الجهل والتخلف، ويقول كانط أيضاً.."كن جريئاً في إعمال عقلك"..ويُضيف.."إنه يطيب لنا أن نكون من غير الراشدين، بل يطيب لنا أن يكون الكتاب بديلاً عن عقلي، والكاهن بديلاً عن وعيي، والطبيب مرشداً لما ينبغي تناوله من طعام"..(ملاك الحقيقة المطلقة ص19).

ومعنى كلام كانط أن الإنسان يستريح ويطمئن لجهله، وأنه يفضل أن لا يفكر كطبيعة راسخة فيه، ويعني هذا أن الكسل طبيعة من طبائع الإنسان المختلفة، فلو لم يفكر لأرجـأ تفكيره إلى آخرين يفكرون بدلاً عنه، من ناحية أنه لا يبذل جهداً يُشغله عن أولويات لديه، ومن ناحية أخرى أن لا يتحمل مسئولية ما يقول فيدافع عن آراء لا يثق فيها أو يفهمها أو يقع في مواضع محرجة.

لكن هيبايتا التزمت بمبادئها فلم تستسلم للكسل وللجُبن الكامن في طبيعتها، وأعلنت بشجاعة عن رأيها متحديةً أرباب الجهل والفسوق من أمثال كيرلس وبطرس القارئ وأتباعهم، صحيح أن ذلك كلفها حياتها.. ولكن نظراً لأن التنوير لا يأتي إلا بالشجاعة والتعبير عن الرأي بصراحة قامت بدورها لإيمانها بالتنوير وضرورة تثقيف الناس ، ونجحت في التأثير على تلاميذها حتى نشروا قصصها وحكايتها ومأساتها التي دونها التاريخ بعد أكثر من 1500 عام على قتلها.

يُروى عن هيباتيا أيضاً أنها كانت حاضرة وقت إحراق المتعصبين المسيحيين لمكتبة الاسكندرية، وأنها استطاعت مع والدها.."ثيون"..وبعض تلاميذها من إنقاذ بعض الكتب والمجلدات من الحرق، وظهر ذلك في مشهد درامي من الفيلم الأسباني الأمريكي المشترك.."آجورا-agora"..للمخرج الأسباني .."أليخاندرو أمينابار"..وآجورا هي ساحة رئيسية في وسط أثينا لا زالت معالمها إلى الآن، كانت موطناً لالتقاء الفلاسفة من أمثال هيباتيا ، والفيلم يروى مفارقة لطيفة أن المتعصبين المسيحيين الذين أحرقوا المكتبة كانوا يضطهدون المرأة ويمنعونها من العمل والقراءة، وبالتالي كانت جريمة هيباتيا لديهم جريمة مُركبة، من ناحية أنها كسرت معتقداتهم وخرافاتهم ومن ناحية أنها امرأة ، في تصوير دقيق لموقف المتعصبين المسلمين ضد المرأة بالعموم.

يقول الفيلسوف الانجليزي.."برتراندراسل"..في كتابه الموسوعي.."تاريخ الفلسفة الغربية ص101.." كان القديس كيرلس رجلاً غيوراً على الدين، غيرة فيها هَوَس التعصب، فاستخدم منصبه في إثارة المذابح ضد الجالية اليهودية في الاسكندرية، وقد كانت جاليةً كبيرةً جدا، وأشهر ما يُعرف به محاكمته ومعاقبته لهيباتيا غير مستندٍ إلى قانون، وهي سيدة ممتازة ، انصرفت في عهد التعصب الديني إلى الفلسفة الأفلاطونية الجديدة، واتجهت بمواهبها إلى الرياضة، فانتُزعت من عربتها انتزاعاً، وعُرّيت من ثيابها، وجُرّت إلى الكنيسة، وذُبحت ذبحاً وحشياً على يد بطرس القارئ، وطائفة من المهووسين الغِلاظ القلوب، القُساة من غير رحمة، وكُشِط لحمها عن عظامها بمحار حادّ الأطراف، وقُذفت أعضاء جسمها في النار وهي ترتعش بالحياة"..انتهى

اجمالي القراءات 4755

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 6,870,899
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 411
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt