هل من خطة لخروج العراق من مأزقه أم أن أبواب الجحيم ستبقى مفتوحة؟

اضيف الخبر في يوم الجمعة 10 يناير 2020. نقلا عن: رصيف 22


هل من خطة لخروج العراق من مأزقه أم أن أبواب الجحيم ستبقى مفتوحة؟

ي الجزء الأخير من سلسلة هاري بوتر، ينجو الثلاثي من مغامرة اقتحام بنك غرينغوتس، فتقول هيرموني غرينجر: "علينا أن نضع خطة"، ويعترض هاري بوتر محتجاً بأنه كلما وضعوا خطة انفتحت بوجوههم أبواب الجحيم.

أبواب الجحيم دائمة الانفتاح في العراق. ولعلّ سؤال "ماذا بعد؟" يختصر طبيعة القلق بشأن المستقبل والخوف من المجهول. وللسؤال صيغة أخرى: هل هناك من خطة؟

 

ماذا بعد أنْ قتل الجيش الأمريكي قائد فيلق القدس قاسم سليماني ومؤسس كتائب حزب الله أبو مهدي المهندس؟ وماذا بعد رد الحرس الثوري الإيراني بقصف قاعدة عين الأسد؟ هل هناك من خطة أو وماذا سيأتي من بعد؟

ترامب لم يقل الكثير

بعيداً عما إذا كان الفعل الإيراني مساوياً للفعل الأمريكي، تبدو المشكلة في القادم أكثر مما في ما مضى.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يبالِ في خطابه إلا بالاتفاق النووي، واكتفي بنفي تسبب هجمات الإيرانيين بخسائر، دون أن يقلل أو يهوّل من شأن ما تعرّضت له قواعد جيش بلاده، واعتبر أن خصمه يريد تهدئة الموقف.

بدا ترامب وكأنه لم يرد أن يقزّم عملياً ما فعله خصمه، وكأنه يوجه خطابين أحدهما إلى شعبه يطالبه بالاطمئنان على حياة الأمريكيين، والآخر إلى إيران يقول فيه إنه يدرك أن نظامها تعمّد عدم إصابة جنوده.

وربما تنفس الصعداء كون العملية أقل من المتوقع، ويُحتمل أنه ابتلع الصفعة التي وصفها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي بغير الكافية. ومن المحتمل أنه لم يُرِد مواصلة السجال واستفزاز خصمه أكثر.

قد تكون هناك صفقة قادتها قطر وعُمان في الأيام الفاصلة بين مقتل سليماني وضرب عين الأسد، لتخفيف التوتر. هناك احتمالات عدّة. ما يهم منها هو ما تؤدي إليه من أوضاع وخيارات وتداعيات.

حراك العراق وحكومته

التصعيد الأخير جاء في ظل انتفاضة عراقية واصلت حراكها، وفي ظل وضع سياسي مربك، فيه سلطة رسمية أثبتت ضعفها أمام سلطة الظل التي قادتها الميليشيات.شهد العراق اغتيالات للمتظاهرين وهجمات منسّقة عليهم. والسلطة شاركت بشكل مباشر في قمع الناس، وجريمة قتل المحتجين في ذي قار مثال على ذلك إذ كانت من فعل المؤسسة العسكرية. وفي الوقت نفسه ظهرت بأضعف حالاتها أمام تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على الأرض العراقية منذ قصف معسكر (K1) مروراً بالغارات على معسكرات كتائب حزب الله ثم اقتحام السفارة الأمريكية في بغداد وبعدها تصفية سليماني وانتهاء بقصف عين الأسد.

قوة الحراك الشعبي وضعف السلطة الرسمية كانا عاملين رئيسيين في التطورات الأخيرة، حرّكا الدور الخارجي بشكل حاسم. واضح أن الولايات المتحدة أدركت أن النظام الإيراني كان يواجه أياماً صعبة داخل العراق. خسر سمعته بسبب الحراك. والسلطة الحاكمة لم تعد تمتلك خيوط اللعبة، بل الميليشيات، خصوصاً بعد إجبار رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على الاستقالة. تدخّلت. ضربت بقوة وعنف مُحدِثة زلزالاً غير مسبوق في تاريخ المواجهات بينها وبين خصمها الإقليمي الأساسي.

أما طهران، فقد تحركت بعد أن أدركت مأزقها. صواريخ الكاتيوشا كان سلاح أذرعها في العراق. قصفت أكثر من مرة لتخرج من الخناق الشعبي، باحثة عن تغيير المعادلة. ثم هجم موالوها على السفارة الأمريكية، وكانت مسرحية سيئة الإخراج، زادت من حدة إخفاقها.

 
 

لكنّ الاغتيال الأمريكي لسليماني أعاد لها بعض التعاطف في العراق، فالعراقيون شعب عاطفي يتغيّر بسرعة أمام مثل هذه الأحداث، وليس معنياً بأجندة الأمريكيين وما يريدونه.

إيران الخائفة في العراق ومنه

انتهى الاثنان من اللحظة الراهنة، على الأقل. بالطبع، طهران لن تنسى ما حصل لها، لكن نظاماً استطاع أن يستمر لعقود رغم كثرة الخصوم، سيؤجل الانتقام، ولطالما أجله أياماً أو بضع سنين. سيركز الإيرانيون على إعادة ترتيب أوراقهم في البلد الرئيسي الذي بدا أنهم فقدوه.

خلال الأيام الماضية، حضر العراق في خطابات الإيرانيين بشكل غير مسبوق على شكل مديح وتوسل وحرص، بعكس السنوات الماضية. ففي أدبيات الجمهورية الإسلامية وحلفائها غير العراقيين، لطالما كانت النظرة إلى العراقيين متعالية ومحتقِرة. إنهم منفّذون للأجندات فقط.

تعمدت إيران، هذه المرة، تخفيف ذلك التعالي. عمدت إلى المزج بين سليماني والمهندس باعتبارهما شريكين، كرسالة بأن العراق حاضر لديهم. ذِكر خامنئي إياه بشكل حميمي في خطابه، ورفع أعلام العراق في مسيرات تشييع سليماني، ومديح زعيم حزب الله حسن نصر الله للشعب العراقي والتمني عليه أن يقف ضد الأمريكيين لإخراجهم... هي بعض مساع لمس العصب العاطفي عند شعب عاطفي.

التركيز الإيراني واضح على العراق، غير أنه لا يؤدي إلى أن تدفع طهران حلفاءها إلى التصرف بما يستدعيه استحقاق بناء دولة عراقية مستقرة وغير فاسدة. عوّدتنا في سياستها على أنها لا تصنع التغيير من خلال ذلك الطريق. هي بالنهاية محتاجة إلى جارها كساحة نفوذ ومساحة لتصفية الحسابات وفتح ثغرات في الحصار الاقتصادي والاستثمار لتدعيم "محورها" الواصل بين الخليج والبحر المتوسط.

"من غير المستبعد أن تتصاعد موجة استهداف المؤثرين في الحراك الشعبي العراقي... يوجد ما يشير إلى أن اللعب في العراق لن يقتصر على تشكيل الحكومة أو تقوية الأجنحة المسلحة، بل سيكون أيضاً ضد احتمالات حدوث أي حراك شعبي آخر"
"التركيز الإيراني واضح على العراق، غير أنه طهران لن تدفع حلفاءها إلى بناء دولة عراقية مستقرة وغير فاسدة... هي بالنهاية محتاجة إلى جارها كساحة نفوذ ومساحة لتصفية الحسابات وفتح ثغرات في الحصار الاقتصادي عليها والاستثمار لتدعيم محورها"

وليس واضحاً ما إذا كان بالمقدور إعادة الثقة المكسورة بين جلّ العراقيين وإيران الرسمية. ومرجح أن تحجم طهران في المرحلة الراهنة عن إرسال جنرال للمشاركة في التسويات السياسية. ستعتمد على شخص غير عسكري للقيام بهذه المهمة، وستحصر دور جنرالها البديل عن سليماني في شؤون الميليشيات.

ومن غير المستبعد أن تتصاعد موجة استهداف الناشطين والمؤثرين في الحراك الشعبي، خصوصاً في حال تلاشت التظاهرات. توجد سلوكيات تشير إلى أن اللعب في العراق لن يقتصر على تشكيل الحكومة أو تقوية الأجنحة المسلحة، بل سيكون أيضاً ضد احتمالات حدوث أي حراك شعبي آخر.

واشنطن والرؤية السياسية المفقودة

أما في واشنطن، فلا مؤشرات على خطة فعلية واضحة المعالم باستثناء الحصار الاقتصادي على طهران.

الحراك الأمريكي السياسي غاب عن العراق في السنوات الأخيرة. ترامب عوّل على ملايين العراقيين المناهضين لدور ولاية الفقيه، وقال إنّه الوقت المناسب لتحرّك تلك الملايين، لكن حراك العراقيين غير مرتبط بتحركات الأمريكيين العسكرية.

ربما أوهمت ترامب أوساطٌ أمريكية تأخذ الرأي والمشورة من بعض الناشطين السياسيين العراقيين الموجودين في الولايات المتحدة وقالت له إن رسائله للعراقيين ستؤخذ بعين الاعتبار وستحرك الجموع. ولكن في الحقيقة، تلك الرسائل ليست كافية، لأن التحركات الشعبية تنتمي إلى نفسها وتقود نفسها بشكل داخلي، وما يُظن أنها مجموعة ناشطين مؤثرين في واشنطن أو خارج العراق، إنما هي مفيدة لدعم الحراك وليس للتأثير فيه أو قيادته.

مشكلة الولايات المتحدة باستمرار، وهذا ما كان واضحاً في تجربة عام 2003، أن القوة العسكرية والإمكانيات المالية الكبيرة والجهد الإعلامي الوافر، لا تتصاحب مع رؤية سياسية متكاملة بشأن العراق وغيره.

غالباً ما يوجد إخفاق سياسي صريح. الطريقة الأمريكية تعتمد على الاستفادة من الواقع وتوجيهه لتحقيق المصالح. وحتى الديمقراطية التي رفع لواءها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن لم تعتمد على رؤية سياسية وخريطة عمل محددة سلفاً.

قواعد اشتباك جديدة

غياب المؤشرات على وجود رؤية سياسية، لا ينفي أن هناك قواعد اشتباك جديدة أرسيت في الأيام الماضية، ستكون لها انعكاساتها على البلدان غير المستقرة، وهي قواعد لا تبتعد كثيراً عما تريده طهران من أن تعترف واشنطن بدورها الإقليمي، وما تريده واشنطن من ألا يكون لطهران دور أبعد من الخطوط الحمراء التي ترسمها.

ولا أظن أن الطرفين يمتلكان خريطة طريق واضحة، بل خططاً آنية، لأنهما غيّرا قواعد الاشتباك، ولم يعد كل منهما يفهم الآخر بنفس المستوى السابق.

ويستمر العراق وسط المعادلة، كساحة للحرب وبلاد يُستفاد منها لتعزيز النزاع بين قوة إقليمية ودولة عظمى. الإرادة السياسية لامتلاك زمام المبادرة مفقودة تماماً. إنّها إرادة تشبه حالة رئيس حكومة تصريف الأعمال، عادل عبد المهدي، الذي يبلغه الأمريكيون والإيرانيون بأنهم سيهجمون على بعضهم قبل وقت قصير، ثم يخرج ويتحدث عن السيادة والمساس بها... إنهم يبلغونه فقط، ولا يأخذون رأيه.

اجمالي القراءات 455
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق




مقالات من الارشيف
more