طالت جماعات وقبائل وأفراد... محاكم التفتيش الإسلامية في العصر العباسي

اضيف الخبر في يوم الأحد 03 نوفمبر 2019. نقلا عن: رصيف 22


طالت جماعات وقبائل وأفراد... محاكم التفتيش الإسلامية في العصر العباسي

ارتبط مصطلح "محاكم التفتيش" سيئ السمعة بحملات القمع التي مارستها الكنيسة في أوروبا بدءاً من القرن الثالث عشر حتى القرن التاسع عشر، حتى صار كناية عن القمع باسم الدين، لكن الخلافة الإسلامية لا سيما في العصر العباسي كانت سباقة إلى اختراع هذه المحاكم الفتاكة، وإنْ لم تكن بهذا الاسم، قبل ظهورها في أوروبا بقرابة خمسة قرون.

مقالات متعلقة :

عاثت "محاكم التفتيش الإسلامية" في البلاد والعباد قتلاً وتعذيباً، وأزهقت أرواح أمة كبيرة من الضحايا، في مقدمتهم كوكبة من الشعراء والأدباء والمفكرين المستنيرين، مثل عبد الله بن المقفع، ودفعت بآخرين إلى التقية خشية التعذيب والقتل مثل الجاحظ.

 

ورغم أن هذه المحاكم لم تبرأ منها دولة من الدول التي توالت في تاريخ الخلافة الإسلامية، غير أنها وصلت إلى ذروتها في عهد الدولة العباسية التي تُعَدّ، للمفارقة، العصر الذهبي للدولة الإسلامية.

محاكم الزنادقة

الزندقة كلمة فارسية معرّبة أصلها "زندكراي"، وفقاً لابن منظور في "لسان العرب"، وكانت هذه اللفظة تطلق على المانويين أو المنائية أو المنانية أو الثنوية من أتباع النبي الإيراني ماني (216–274م). ونظراً لحض المانوية على الشك وتمجيد العقل، اتسع مدلول الاسم وصار يشمل الملحدين (الدهرية) في ما بعد، ثم اتسع أكثر وصار يُطلق على المعربدين الماجنين المتهتكين.

ويذكر الدكتور حسين عطوان في كتابه "الزندقة والشعوبية في العصر العباسي الأول" أنه في زمن الخليفة أبي عبد الله محمد المهدي (745–785م) "قامت حملة عامة على الزنادقة، وقتل من المسلمين الخلق الكثير على الشبهة. وكان الفقهاء يتهمون الزنديق بأنه من أتباع ماني".

ويتحدث المستشرق الفرنسي دومينيك أورفوا في كتابه "المفكرون الأحرار في الإسلام" عن مأساة المانويين لأنهم كانوا يفتقدون إلى "الهامش التسامحي" الذي توفَّر لأهل الذمة نظراً لأن الشريعة الإسلامية "تجبر كل غير مسلم على الاختيار بين اعتناق الإسلام وبين الهلاك بدءاً بالاسترقاق وانتهاءً بالإعدام" وتعفي أهل الذمة (من اليهود والمسيحيين ويُضاف إليهم أحياناً المجوس بسبب كتابهم المقدس الـ"الأفيستا"، وحتى الصابئة أحياناً) من القتل في مقابل دفع الجزية.

يتابع أورفوا أن المانويين "لم يتمكنوا قط من أن يثبتوا أن لهم ‘كتاباً’، وبالتالي حرموا دائماً من شتى أشكال التسامح. بل نستطيع القول إن الاضطهادات استهدفتهم بشكل خاص. ومَن كان يعلن منهم أمام الناس أنه مانوي، يعرّض نفسه للخطر، بل للقتل".

وأدت ملاحقة الزنادقة أو المانويين وتعقبهم بالسيف إلى استئصال شأفتهم، حتى انقرضوا واختفى دينهم من الوجود، بعدما ترعرع في منطقة الشرق الأوسط بل وامتد من الصين شرقاً حتى الإمبراطورية الرومانية غرباً. ويشير عطوان إلى أن بداية شروع العباسيين في قتل المانويين كانت في عهد الخليفة أبو جعفر المنصور (714-775م) ثم خلفه ابنه المهدي (745–785م) الذي عين مسؤولاً خصيصاً لملاحقتهم سمي بـ"صاحب الزنادقة"، وهو عمر الكلواذي، فـ"جدّ في طلبهم والبحث عنهم في الآفاق وقتلهم" وقطع رؤوس كثيرين منهم... ثم تشدد الخليفة الهادي في تعقبهم، وصرع جماعة منهم. واستمر هارون الرشيد يلاحقهم في أرجاء الدولة، فأعدم بعضهم في خراسان، وآخرين في بغداد، وسار المأمون سيرة أسلافه معهم، فنكل بهم، وقتل غير قليل منهم".ويقول المستشرق الهولندي جاك وردينبيرغ في كتابهMuslim Perceptions of other religions إن اضطهاد الخليفة المهدي للزنادقة في عامي 780 و782 ومن بعده ابنه الهادي الذي استمر في اضطهادهم حتى عام 786 كان "أول حالة اضطهاد لدين غير الإسلام في التاريخ الإسلامي".

ويذكر الطبري (838–923م) في "تاريخ الرسل والملوك" أن الخليفة العباسي المهدي قال لابنه موسى الملقب بالهادي (764-786م)، حين "قدم إليه زنديق، فاستتابه، فأبى أن يتوب، فضرب عنقه وأمر بصلبه": "يا بني، إن صار لك هذا الأمر فتجرد لهذه العصابة... فارفع فيها الخشب، وجرد فيها السيف، وتقرب بأمرها إلى الله لا شريك له". وبعد عشرة أشهر من جلوس الهادي على العرش يذكر الطبري أنه قال: "أما والله لئن عشت لأقتلن هذه الفرقة كلها حتى لا أترك منها عيناً تطرف".

ويذكر ابن العبري (1226–1286م) في "تاريخ مختصر الدول" أنه في عام 169هـ/ 786-785م "تتبع الهادي الزنادقة وقتل منهم جماعة كانوا إذا نظروا إلى الناس في الطواف يهزلون ويقولون: ما أشبههم ببقر تدوس البيدر".

مراسم المحاكمة

في كتابه "من تاريخ الإلحاد في الإسلام"، يذكر عبد الرحمن بدوي محاكم التفتيش التي نصبت للزنادقة. "ففي سنة 163 هـ، بدأت حملة المهدي العنيفة على الزنادقة بأن أمر... بالقبض على كل الزنادقة الموجودين داخل البلاد... وأمر بقتل بعضهم، وتمزيق كتبه".

ويصف بدوي مراسم المحاكمة ويقول: "وكان يقبض على الزنادقة لأقل شبهة، ويؤتى بهم أمام القاضي، فيُطلب إليهم أن يرجعوا عن الزندقة إنْ اعترفوا بها، ويطلق سراحهم إنْ رجعوا عنها، ويقتلون إذا استمروا عليها... ولكي يتأكدوا من أنهم رجعوا عن الزندقة حقاً كان الخلفاء يستخدمون وسائل شتى، أشهرها تلك التي يُروى عن القضاة في عصر المأمون أنهم كانوا يلجأون إليها، وهي الطلب إلى الزنديق أن يبصق على صورة ماني، وأن يذبح طائراً بحرياً اسمه التذرج"، وكانت المانوية تحرم ذبح الحيوان.

راح ضحية هذه المحاكم عدد كبير من كبار المفكرين والشعراء والنساك، ومنهم:

أـ عبد الله بن المقفع

هو الأديب والمفكر العملاق روزبه بن دادويه أو عبد الله بن المقفع (724–759م) الذي قتل بإيعاز، إنْ لم يكن بأمر من الخليفة المنصور. يذكر الباحث محمد عبد الحميد في كتاب "الزندقة والزنادقة تأريخ وفكر" أنه قتل بتهمة الزندقة (المانوية)، وأنه كان "مترجماً في بلاط المنصور ونقل عدة كتب منها كتاب ‘كليلة ودمنة’ وأضاف إليه ‘باب برزويه’ وهو دعوة للمنائية... لكن خصوم ابن المقفع بدأوا يحوكون الدسائس ضده واتهموه بالزندقة عند المنصور، فأوعز إلى مَن يقتله".

وهناك أكثر من رواية لمقلته، بعضها يعزوه إلى أسباب سياسية وأخرى شخصية، لكن الروايات تكاد تتفق على أن الخليفة المنصور أوعز بالأمر إلى واليه على البصرة، سفيان بن معاوية.

ويذكر ابن خلكان في "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان" أن ابن المقفع لما دخل على سفيان أمر الأخير بإيقاد تنور "ثم أمر بابن المقفع فقُطعت أطرافه عضواً عضواً، وهو يلقيها في التنور، وهو ينظر، حتى أتى على جميع جسده، ثم أطبق عليه التنور، وقال: ليس عليّ في المثلة بك حرج، لأنك زنديق وقد أفسدت الناس". غير أن مؤرخ الأديان الفرنسي ميشيل تارديو يذهب في كتابه "المانوية" إلى أنه "اتهم بالزندقة سنة 759م ومات في السجن".

ويقول مأمون بن محيي الدين الجنان في كتابه "عبد الله المقفع/ حياته آثاره وأدبه" أن من أسباب قتله "اتهامه بالزندقة، ومعارضة القرآن وترجمة كتب الزنادقة، ومات وله من العمر ست وثلاثون سنة، وخلف ولداً اسمه محمد، ولم يطالب أحد بدمه بسبب ما قيل عن زندقته".

ب - صالح بن عبد القدوس

هو الشاعر الحكيم صالح بن عبد القدوس الذي قتل عام 784م، وكان من المتكلمين في البصرة. وذكر ياقوت الحموي في معجم الأدباء "أن صالحاً كان يجلس في مسجد البصرة للوعظ فيأسر القلوب". ويذكر الباحث محمد عبد الحميد أن الخليفة المهدي أمر بحمل صالح من دمشق إلى بغداد، وأحضره بين يديه، قبل أن يقتله ويصلبه على الجسر.

ويشير المؤرخ محمد بن شاكر الكتبي (ت. 1363م) في "فوات الوفيات والذيل عليها" إلى أن "صالح بن عبد القدوس، استقدمه المهدي من دمشق. قال المرزباني: كان حكيم الشعر زنديقاً متكلماً يقدمه أصحابه في الجدال عن مذهبهم، وقتله المهدي على الزندقة شيخاً كبيراً".

وينقل ابن شاكر عن المحدث أبي أحمد بن عدي الجرجاني (890-976م) أن "صالح بن عبد القدوس بصري، ممكن كان يعظ الناس بالبصرة ويقص عليهم، وله كلام حسن في الحكمة... وضربه المهدي بيده بالسيف فجعله نصفين، وعُلق ببغداد".

ج - بشار بن برد

هو الشاعر الكبير بشار بن برد (714–784م). كان أحد أنبغ شعراء العربية، رغم أن أصوله فارسية. ويؤكد المحقق مهدي محمد ناصر الدين في كتاب "شرح ديوان بشار بن برد" في ذكر مقتله: "أجمع الرواة أنه مات مقتولاً بأمر من الخليفة المهدي حيث رماه بالزندقة".

ويذكر في حادثة قتله أن الخليفة المهدي عندما زار البصرة مرّ بدار بشار الذي كان على سطح بيته سكراناً. "فعلم بحضور المهدي، وخاف أن يراه على حاله من السكر. فراح بشار يؤذن فقال المهدي: مَن هذا الذي يؤذن في غير الوقت؟ قالوا: بشار. قال: عليّ به. وحين مثل بين يديه قال: يا زنديق هذا من بذائك. تؤذن في غير الوقت. ثكلتك أمك. ثم أمر بصاحب الزنادقة فأخرجه معه في زورق. وأمر الجلادين أن يضربوه ضرباً متلفاً. وضُرب سبعين سوطاً حتى مات وألقي من على السفينة. فحمله الموج إلى شاطئ البصرة.

وهكذا، قتل الخليفة المهدي في عام واحد، عام 784م، اثنين من أعظم شعراء العربية بتهمة الزندقة.

د - عبد الكريم بن أبي العوجاء

يذكر الباحث محمد عبد الحميد أنه تتلمذ على الحسن البصري، واعتبره أبو الفرج الأصفهاني أحد الستة من أصحاب الكلام آنذاك في البصرة، وكان له تلاميذ ومريدون ليسوا بالقلة، ووصفه أبو منصور الثعالبي (961-1038م) بصاحب المظهر الأنيق والشكل الجميل واللهجة الفصيحة وكان من ظرفاء زمانه، وكان صديقاً لابن المقفع.

 
 

وقال عنه المحدث الشيعي محمد بن يعقوب الكليني (864–941م) "إنه رجل شجاع جريء لا يتراجع عما يعتقده ويدافع عنه حتى الموت... وكان يعتقد بأنه لا معاد بعد الموت". وقال الجاحظ: "كان ينكر النبوة عامة وينكر رسالة الرسول الأكرم". ونسب إليه المسعودي كتاباً في تأييد الدين المانوي.

يذكر عبد الحميد أن محمد بن سليمان، والي الخليفة المنصور على الكوفة، قبض عليه لوشاية وصلته بأنه كان ينشر مذهبه بين الأحداث الشباب ويدخلهم في ما هو فيه من خبث المعتقد، وهو ما يذكرنا بنفس التهمة التي وجهت إلى سقراط. وكان ذلك سبب قتله، بل إن الأديب المفضل الضبي (ت. 780م) كان يعدّه دهرياً وأقرب إلى فلاسفة اليونان، "فقد كان ينفي الصانع ويقول إن الأشياء تتكون من ذاتها بإمهال، فلا صانع ولا مدبر، وعلى هذا كانت الدنيا ولم تزل".

وينقل محمد عبد الحميد عن البيروني أنه "قتل لأنه كان مانوياً يؤمن بالتناسخ. ويشكك الناس بعقائدهم ويقول بالقدر". وهو ما يؤكده المستشرق الفرنسي أورفوا الذي يقول إن ابن أبي العوجاء أعدم عام 772م بتهمة الزندقة وكان يهاجم الإسلام، لصالح المانوية، وطرح مشكلة الشر والألم الإنساني في ميزان العدالة الإلهية.

هـ- ابن وزير المهدي

وصلت دموية الخليفة المهدي في الفتك بالزنادقة إلى قتل الشاب عبد الله، ابن وزيره أبي عبيد الله، بتهمة الزندقة نتيجة وقيعة لفقها أحد خصوم الوزير الذي رمى ابنه بالزندقة.

ويذكر ابن طباطبا في كتابه "الفخري في الآداب السلطانية" أن الخليفة انطلت عليه الوشاية ويضيف: "كان المهدي شديداً على أهل الإلحاد والزندقة لا يزال يتطلع عليهم ويفتك بهم. فلما رسخ في ذهن المهدي زندقة ابن الوزير استدعى به فسأله عن شيء من القرآن العزيز فلم يعرف. فقال لأبيه، وكان حاضراً: ألم تخبرني أن ابنك يحفظ القرآن؟ قال: بلى، يا أمير المؤمنين، ولكن فارقني منذ مدة فنسيه. فقال له: قم فتقرب إلى الله بدمه. فقام أبو عبيد الله فعثر ووقع وارتعد. فقال العباس بن محمد عم المهدي: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تُعفي الشيخ من قتل ولده ويتولى ذلك غيره؟ فأمر المهدي بعض مَن كان حاضراً بقتله، فضربت عنقه".

محاكم التفتيش الإسلامية العباسية كانت أشد قسوة من نظيرتها الأوروبية، وتعددت منطلقاتها، فتارة استهدفت المانويين، بحجة أنهم كفار كما سبق ذكره، وتارة أخرى استهدفت الحرنانيين بذريعة أنهم من غير أهل الذمة، ومرة استهدفت أهل الذمة من المسيحيين لأنهم غير مسلمين كما فعل الخليفة المهدي مع قبائل تنوخ، بل وصل الأمر إلى قتل المسلمين السُنّة لأنهم غير معتزليين كما حدث في محاكم خلق القرآن، ومرة أخرى استهدفت الصوفيين لأنهم ليسوا سُنّة، فراح ضحيتها أيقونة شهداء الصوفية، الحلاج.

محاكم الحرنانيين

الديانة الحرنانية أو الحرانية كانت ديانة غنوصية تقوم على عبادة الكواكب، وذكر الشهرستاني في "الملل والنحل" أنهم كانوا دهريين لا يؤمنون بالقيامة، ويعتقدون بتناسخ الأرواح والحلول. وتعرضت هذه الطائفة للملاحقة في عهد الدولة العباسية، بمجرد ما اكتشف الخليفة المأمون (786–833م) وجودها.

ذكر ابن النديم (ت. 990م)، في "الفهرست"، "أن المأمون اجتاز في آخر أيامه ديار مضر يريد بلاد الروم للغزو. فتلقاه الناس يدعون له، وفيهم جماعة من الحرنانيين، وكان زيهم إذ ذاك، لبس الأقبية، وشعورهم طويلة... فأنكر المأمون زيهم، وقال لهم: مَن أنتم؟ من الذمة؟ فقالوا: نحن الحرنانية، فقال: أنصارى أنتم؟ قالوا: لا، قال: فيهود أنتم؟ قالوا: لا، قال: فمجوس أنتم؟ قالوا: لا، قال لهم: أفلكم كتاب أم نبي؟ فمجمجوا في القول، فقال لهم: فأنتم إذاً الزنادقة، عبدة الأوثان وأصحاب الرأس في أيام الرشيد والدي، وأنتم حلال دماؤكم، لا ذمة لكم، فقالوا: نحن نؤدي الجزية، فقال لهم: إنما تؤخذ الجزية ممن خالف الإسلام من أهل الأديان الذين ذكرهم الله عز وجل في كتابه، ولهم كتاب وصالحه المسلمون عن ذلك، فأنتم ليس من هؤلاء، ولا من هؤلاء، فاختاروا الآن أحد أمرين، إما أن تنتحلوا دين الإسلام، أو ديناً من الأديان التي ذكرها الله في كتابه. وإلا قتلتكم عن آخركم".ويذكر ابن النديم أن المأمون أمهلهم حتى يعود من سفره، فدب الفزع فيهم واضطروا إلى تغيير زيهم وحلاقة شعرهم وتنصر بعضهم "وأسلم منهم طائفة" لكن بقي منهم شرذمة لم تشأ أن تتحول عن دينها، لكنهم كانوا يخشون القتل، "وجعلوا يحتالون ويضطربون" حتى وجد لهم شيخ فقيه من أهل حران، مخرجاً وفق ما ذكره ابن النديم إذ قال لهم الشيخ: "وجدت لكم شيئاً تنجون به وتسلمون من القتل، فحملوا إليه مالاً عظيماً من بيت مال لهم أحدثوه منذ أيام الرشيد لهذه الغاية، وأعدوه للنوائب... فقال لهم: إذا رجع المأمون من سفره، فقولوا له نحن الصابئون، فهذا اسم دين قد ذكره الله جل اسمه في القرآن، فانتحلوه فأنتم تنجون به".

ويذكر الباحث أحمد العدوي في كتابه "الصابئة منذ ظهور الإسلام حتى سقوط الخلافة العباسية" أنه في أواخر عهد الخليفة المقتدر (895–932م) وقعت حادثة كادت تعصف بطائفة الصابئة، ذلك أن قاضي حران ويدعى هارون بن إبراهيم بن حماد وقع إليه كتاب فيه أدعية وتراتيل وطلسمات للآلهة التي يعبدها صابئة حران، فأمر على الفور أحد المترجمين السريان بترجمته، وأرسل به مترجماً للعربية إلى الوزير علي بن عيسى في بغداد يسأله فيه تحكيم شرع الله في الحرنانية.

أمر المقتدر بتفتيش هياكل الحرنانية بحران والرقة، وعثر بالفعل داخل أحدها على جمجمة بشرية، فأمر بإخراج كهنته وبدفن الرأس. وبعد مقتل المقتدر، يتابع العدوي، "بات من الواضح أن الحرنانية في بغداد على وشك الدخول في محنة خطيرة"، فقد نصّب شقيق المقتدر لخلافة المسلمين وتلقب بالقاهر بالله (899–950م) "فبدأ عهده بحملة تطهير منظمة لكل من عرف بولائه لأخيه المقتدر" ومنهم طبيباه الصابئيان.

ويستطرد العدوي: "لم يلبث القاهر بالله أن أقدم على خطوة خطيرة بدون مقدمات معروفة، فقد استفتى الفقهاء في أمر قبول الجزية مجدداً من صابئة حران. فأتاه اثنان من كبار فقهاء الشافعية في عصره، وهما: أبو سعيد الإصطخري (ت. 939) وأبو الحسن المحاملي (ت. 941م) بعدم قبول الجزية إلا من أهل الكتاب الذين ذكرهم القرآن الكريم، وأن الصابئة قوم لا ذمة لهم، لأنه تبين لهما أنهم يخالفون اليهود والنصارى، وأنهم يعبدون الكواكب والنجوم، ويعتقدون أنها آلهة مدبرة. ومن ثم يعرضون على السيف، فإن أبوا الإسلام يقتلون".

ويذكر العدوي أن الخليفة رأى في تلك الفتوى فرصة سانحة لابتزاز طائفة ثرية، ولذلك سرعان ما رضي بقبول مبلغ خمسين ألف دينار منهم ليقرهم على دينهم ويقبل منهم الجزية.

محاكم المعتزلة

رغم أن المعتزلة من أشهر الفرق الإسلامية المنقرضة التي شاع عنها انتصارها للعقل، غير أنها كانت مسؤولة عن حملة التنكيل التي شنها الخليفة المأمون (786–833م) ضد أهل السنّة والجماعة، وهي واحدة من أكبر محاكم التفتيش في التاريخ العربي والإسلامي، وهي الواقعة المعروفة بـ"محنة خلق القرآن".

ويذكر الباحث المصري رجائي عطية في كتاب "دماء على جدار السلطة" أن هذه المحنة بدأت بسؤال بسيط وهو: "هل القرآن أزلي أم مخلوق؟" وكانت هذه المسألة من القضايا التي يتعاطاها علم الكلام (اللاهوت) الإسلامي، وأثيرت أثناء المناقشات الدائرة في بلاط الخليفة المأمون (786–833م).

ويؤكد عطية أن المؤرخين اتفقوا على أن المأمون فتح أبواب هذه المحنة عندما أرسل خطاباً سنة 218هـ إلى واليه على بغداد، إسحق بن إبراهيم الخزاعي، "يأمره فيه بامتحان الفقهاء والقضاة والمحدثين امتحاناً عظيماً، في مسألة خلق القرآن".

وبالفعل، جمع الوالي الفقهاء والقضاة والمحدثين الذين أمر بهم الخليفة، واستجوبهم، فأجاب بعضهم إن القرآن مخلوق، وهو رأي الخليفة والمعتزلة، ويذكر عطية أن أحدهم قال: "أجبنا خوفاً من السيف!". وطفقت الاستجوابات تدور في أرجاء الخلافة، يصر خلالها إسحق بن إبراهيم على أن ينتزع اعترافاً صريحاً من الفقهاء والعلماء بأن القرآن مخلوق، وهم يحاولون الالتفاف على ذلك بالاكتفاء بالقول إن "القرآن كلام الله".

ويقول المؤرخ المصري أحمد أمين، في كتاب "ظهر الإسلام": "ظل الأمر على هذا الحال، وقتل خلق كثير، حتى طال بعض المعتزلة أنفسهم الذين خرجوا عن السرب" مثل ابن حائط، وفضل الحذاء، وابن الراوندي.

وظلت المحاكمات قائمة حتى جاء الخليفة المتوكل "فرأى ناراً في كل مكان، وامتحانات ومحاكمات، وضرباً ونفياً وتشريداً، والرأي العام ساخط على هذه الحالة، ومَن لم يقل بخلق القرآن، وتحمل العذاب عد بطلاً، فأراد الخليفة المتوكل أن يحتضن الرأي العام، وأن يكسب تأييده، فأبطل القول بخلق القرآن، وأبطل الامتحانات، والمحاكمات".

وبخلاف محاكم التفتيش الثلاث الكبرى (الزنادقة والحرنانيين وخلق القرآن) في تاريخ الدولة العباسية ثمة محاكم تفتيش أخرى على نحو مصغر إحداها طالت قبائل تنوخ المسيحية الثرية جنوب سوريا، وأخرى للصوفي المثير للجدل أبي منصور للحلاج.

محاكمة قبائل تنوخ

يذكر شيخ مؤرخي العرب ابن الكلبي (737–819م) في كتابه "معد واليمن الكبير" أن الخليفة المهدي (754–785م) مرّ بقبيلة تنوخ وهو في طريقه إلى الشام، "وهم على الخيل عليهم العمائم، فقال مَن هؤلاء؟ قيل تنوخ وهم نصارى، فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا، فضرب عنق سيدهم ابن محطة فأسلم الباقون وهدم بيع [كنائس] تنوخ فليس من تنوخ نصراني".

ورواية إكراه قبيلة تنوخ على الإسلام أوردها كذلك ميخائيل السرياني في تاريخه الكبير وابن العبري في تاريخه بصيغ متشابهة. ويذكر المستشرق روبرت هويلاند في كتابه Seeing Islam as others saw it أن الخليفة المهدي "غضب عندما وجد أن ثمة عرب ما زالوا غير مسلمين، فأمر بأن يتحولوا عن دينهم ويعتنقوا الإسلام "فارتد 5000 رجل عن دينه".

محاكمة الحلاج

هو الحسين بن منصور، ولد في البيضاء وهي مدينة في فارس في كورة أصطخر، سنة 858م. اختلفت الأقوال فيه غير أن أغلبها يذهب إلى أنه كان صوفياً وكان يدعو إلى "الحب الإلهي". ويذكر الباحث والمحقق محمد باسل عيون السود في كتاب "ديوان الحلاج ومعه أخبار الحلاج وذكر مقتل الحلاج لابن زنجي" أن قاضي بغداد محمد بن داود الظاهري، استهجن ما اعتقده الحلاج بشأن الحب الإلهي، لأن الحب بنظره "مقصور على العلاقة الزوجية... وإطلاق العنان لمفهوم الحب يؤدي، كما يرى ابن داود، إلى الضلال".

وسرعان ما رفع القاضي أمر الحلاج إلى ساحة القضاء لمحاكمته بتهمة الكفر، غير أن القاضي الشافعي ابن سريج الذي كان مطلعاً على آراء الصوفية، ومتفهماً لمعانيها أبى إدانة الحلاج، الذي واصل دعوته حتى تربص به الوزير حامد بن العباس.

يذكر أن الوزير سعى إلى تشكيل محكمة للانتقام من الحلاج، واتهمه بما وجده مكتوباً في دفاتره عن "أن الإنسان إذا أراد الحج أفرد في داره بيتاً وطاف به أيام الموسم، ثم جمع ثلاثين يتيماً وكساهم قميصاً قميصاً، وعمل لهم طعاماً طيباً، فأطعمهم وخدمهم وكساهم، وأعطى لكل واحد سبعة دراهم أو ثلاثة، فإذا فعل ذلك، قام له ذلك مقام الحج، فلما قرأ ذلك الفصل التفت القاضي أبو عمر إلى الحلاج وقال له: من أين لك هذا؟ قال: من كتاب ‘الإخلاص’ للحسن البصري، قال: كذبت يا حلال الدم!".

ويشير عيون السود إلى أن الوزير استغل فلتة لسان القاضي لإعدام الحلاج ورغم أن القاضي تلكأ في كتابة حكم بإهدار دمه مثلما تلكأ الخليفة المقتدر في ما بعد في تنفيذ الإعدام غير أنهما استجابا تحت إلحاح الوزير. وصدر أمر الخليفة بضربه ألف سوط فإن لم يمت منها ضربت عنقه. وبالفعل جلد الحلاج ألف جلدة "ثم قطعت يده ثم رجله ثم حز رأسه وأحرقت جثته" ثم قاموا بتقليب جثته على الجمر "ونصب الرأس يومين ببغداد، ثم حمل إلى خراسان وطيف به" فكان مقتله في عام 922م وبعده بسنتين قتل الوزير مسموماً.

اجمالي القراءات 152
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق




مقالات من الارشيف
more