د-عمار على حسن يكتب -سؤال للرئيس... نقص فى الموارد أم فائض فى اللصوص؟

اضيف الخبر في يوم الجمعة 17 فبراير 2017. نقلا عن: المصرى اليوم


د-عمار على حسن يكتب -سؤال للرئيس... نقص فى الموارد أم فائض فى اللصوص؟

١ )

كالأسماك، فسدت مصر من رأسها، والآن يعاير الرأس الذيل والجذع بأنهما الفاسدان. ولأن الرأس لا ينوى أن يصلح الأمر من أعلى، فإنه يزيح المهمة على الأسفل ويعيره ولا يترك فرصة إلا ويعلن غبنه منه، وتذكيره بأنه بائس فقير. ألم يقل الرئيس لنا «إحنا فقرا قوى»، مع أنه لم يقل قبلها للصوص والمحتكرين والفاسدين فى كل المؤسسات، ومن دون استثناء، «أنتم لصوص قوى»، ولم ينصت إلى صوت الشباب الواعى الذى قال بعد أيام قليلة من تنحى حسنى مبارك «العصابة هى هى.. شالوا حرامية وجابوا حرامية». حقا فمصر لا تعانى من ندرة فى الموارد الطبيعية والبشرية، لكنها دائما تعانى من جهل وانعدام خيال وضعف إرادة من يحكمونها ويديرونها، وأغلبهم لم يعرف قدرها، ولم يحلم يوما بأن يحكمها لكنها ألقيت فى حجره مصادفة أو بفعل الخديعة والتآمر. كما تعانى مصر أشد معاناة من توالى اللصوص على نهبها عبر الأزمان. وهو ما لخصه أبوالطيب المتبنى فى بيت عميق من الشعر يقول: «نامت نواطير مصر عن ثعالبها.. وقد بشمن وما تفنى العناقيد».

لقد قامت ثورة يناير لتضع حدا لهذا النهب التاريخى، والذى هو صنيعة الاستبداد بالأساس، فتحالف الفاسدون واللصوص عليها، ونعتوها بالمؤامرة، واستغلوا فى هذا اتهام لم يُحكم فيه إلى الآن لعشرة من الشباب على الأكثر كانوا على اتصال بمراكز أبحاث أو حكومات دول أجنبية، مع أن ثمانية عشر مليونا نزلوا الشوارع، وكان المتعاطفون معهم فى البيوت أضعاف أضعاف هذا العدد، ولم يكن ضد الثورة سوى قلة القلة، وأغلبهم من المنتفعين الفاسدين أو المتواطئين مع الفساد أو المضحوك عليهم والضالين، قادوا القوى المضادة للثورة، ولأن معهم المال والسلاح والإعلام والجهاز الإدارى، فقد تمكنوا من خداع أغلب الناس، وجعلوهم يرضون بما هو قائم، لاسيما بعد تجربة الإخوان المريرة، الذين ساعدوا من دون شك فى إنجاح الثورة المضادة بتعجلهم وغبائهم السياسى وأنانيتهم وغرورهم. والآن انحسر المشهد الحاشد بالجمهور، فأطل اللصوص من جديد، لكنهم هذه المرة أكثر تبجحا، ويتصرفون على أنهم محصنون أكثر، ولا تردعهم ملاحقات متقطعة خجولة تقع بين حين وآخر من أجهزة رقابية هى نفسها فى حاجة إلى التأكد من نزاهتها.

لقد جعلوا أغلب الناس، عبر الإعلام، يعتقدون أن السبب فيما هم فيه الآن هو الثورة، مع أن العلم والأخلاق والمنطق والبصر والبصيرة تقول جميعا إن السبب هو الثورة المضادة التى حكمت ولا تزال تحكم.

( ٢ )

سينضم الوزراء الجدد إلى قائمة المصدومين المندهشين حين يدركون، بعد وقت أقصر مما يتصورون، أنهم مجرد مجموعة من السكرتارية أو الموظفين البيروقراطيين البائسين، الذين عليهم أن يقفوا كل صباح ليؤدوا التحية بهمة ونشاط ويصرخوا بأعلى أصواتهم: تمام يا أفندم. ثم يسيرون بخطوة معتادة نشطة نحو مكاتبهم فى انتظار الأوامر.

بين أداء التحية وتلقى الأمر، يدخل عليهم دهاقنة الوزارات وكهنتها من كبار الموظفين الذين يقولون إن لزم الأمر: «اللائحة فى الراس» فإن احتاجوها من أجل تعطيل العمل يقولون: «اللائحة فى الكراس». مصر لا تحتاج إلى تغيير وزارة أو تعديلها، مصر تحتاج إلى تغيير أعمق من ذلك بكثير.

( ٣ )

لا يمر يوم على مصر إلا وتتسع رقعة التهميش الاجتماعى، والتفاوت الطبقى، فنجد فئات مستورة كانت تصنف على استحياء بأنها من الطبقة الوسطى قد تهاوت إلى القاع السحيق، لتستقر تحت خط الفقر، بعد أن فقد عائلوها القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية المتزايدة والملحة لأسرهم، بالوسائل المشروعة الشريفة، التى تقوم على تحصيل عائد عادل للجهد المبذول، سواء كان ذهنيا أم عضليا.

وفى المقابل تصعد إلى السطح فى زمن قياسى فئات الكسب السريع، الناتجة عن أعمال غير مشروعة أو هامشية أو طفيلية، لا تضيف قيمة تذكر إلى الاقتصاد الوطنى، بل تجور عليه، وتنهب منه لتنتفخ جيوب وبطون فئة ضيقة جدا، بما قد يجعل «مجتمع النصف فى المائة» فى خاتمة المطاف «مجتمع النصف فى الألف» وربما أقل، لتصبح فئة محدودة بمقدورها أن تتعامل بصفاء بال وراحة نفس مع متطلبات المعيشة من غذاء وكساء وإيواء ودواء وترفيه.

أمام هذا الوضع الذى ينتج خللا فى السوق، يوازيه انحدار فى القيم الإنسانية وتدهور فى الأخلاق، وفقدان الإحساس بالمصلحة العامة، أو الشعور بالأمان حيال المستقبل، يسعى كل فرد مسؤول أسريا أو راغب فى تكوين أسرة إلى تحصيل ما يسد رمقه وذويه بأى طريقة، وفى صورة مفرطة فى الأنانية، ودون أى اهتمام بما يفرضه القانون من واجبات، وما يجرمه من تصرفات، ودون توقف أمام أى سلبيات تنجم عن الرشاوى والاختلاسات، والتربح من المناصب والمواقع الإدارية العامة، حتى لو كانت من الدرجات البيروقراطية الدنيا. ويتم هذا فى حالة من التبجح واللامبالاة، فى ظل الاقتناع العام بأن التعفف يعنى الوقوع فى فخ الهلاك، وقت أن يعجز الناس عن ملء بطونهم.

وحين يصل الفرد إلى المستوى الذى تتساوى عنده كل الاحتمالات، مع الشعور العام بوصول الفساد إلى النخاع، تتصاعد المخاطرة فى شقها الردىء والإجرامى عند أعداد غفيرة، فيقدمون على تحصيل الأرزاق عبر وسائل قذرة، بأعصاب باردة، وضمائر ميتة، ويسعون إلى انتزاع أى موقع فى الزحام، بأى طريقة، خوفا من أن تدهسهم أقدام الصاعدين سريعا إلى قمة المجتمع، ممن يتحكمون فى الجزء الأكبر من حركة السوق، ويرسمون معالم الاقتصاد الوطنى فوق تلال هاوية.

وهذا السلوك لا يقتصر على المنخرطين فى صفوف الجهاز البيروقراطى المصرى المتورم، بل يمتد ليطوق حتى أصحاب المهن الحرة، بمختلف ألوانها، والأعمال الهامشية والموسمية، فى ظل حركة عشوائية غير صحية وغير صحيحة لإحداث أى قدر من التوازن أو الترميم الطبقى، حتى لو كان طفيفا.

وهنا يصطف أفراد المجتمع، كل حسب موقعه بالسلم البيروقراطى أو نوع المهنة التى يحترفها، فى طابور طويل، ليضع كل فرد يده فى جيب من يقف أمامه، ويترك جيبه لمن يليه، فى استمراء للسرقة الجماعية، ببلد معروف تاريخيا عن أهله طيبة القلب، والتساهل مع من يسرقهم. فالمصريون اعتادوا طيلة القرون التى خلت على النهب المنظم، وعايشوا احتلالا وراء احتلال غرف من خير مصر ما عن له، الأمر الذى لخصه المتنبى فى بيت بليغ من الشعر يقول: «نامت نواطير مصر عن ثعالبها.. وقد بشمن وما تفنى العناقيد».

بالطبع هناك استثناءات. لكن المبتعدين عن التردى فى السرقة العامة، لتعفف أو بعض ضمير ووطنية فى ظل خوف من الله سبحانه وتعالى أو تهيب للقانون، قد يتقلصون بمرور الأيام، مع استمرار فشل السياسات الاقتصادية، وارتخاء الدولة، وتآكل قدراتها على سد احتياجات الشعب، وانكسار مكانة القانون بعدم تنفيذ الأحكام والنفاذ من الثغرات التى تعيبه، وتقديم الأمن على ما عداه، والارتكان إلى استمرار النظام الحاكم بأى ثمن، واعتبار هذا غاية عظمى، مهما رتب من تبعات مؤلمة، ومهما ألقى من حمولات ثقيلة على كاهل المجتمع، فى مصادرة على الغد لحساب اليوم. وقد وصل الحال إلى أن البعض طالب بتقنين الرشوة، ما دامت قد فرضت نفسها بهذا الزخم، وتلك القوة، على المجتمع بجميع شرائحه. لكن هذا المطلب الهزلى المعوج، المنطوى على يأس جارف من إصلاح الحال، لن يجد صدى طيبا، إلا أنه يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات لا تنتهى عن الهوة الواسعة بين النصوص القانونية والدينية والواقع الذى ينحيها ليفرض شرائعه الخاصة، المشبعة بالفساد، والقادرة على الإفساد. وما يزيد الطين بلة غياب القدوة فى حياتنا العامة، فالصورة الذهنية عن قادة العمل السياسى والإدارى والاجتماعى والاقتصادى والثقافى سلبية، إذ يرى العامة أن الجميع فاسدون، إلا من ثبت بحقه عكس ذلك، وأن المطالبة بطهارة اليد والحرص على المصلحة العامة، لا تعدو أن تكون نداء من «اللصوص الكبار» إلى أتباعهم أو مقلديهم من «اللصوص الصغار».

اجمالي القراءات 167
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق