العمل الأهلي في كل من مصر وتركيا

احمد شعبان في السبت 06 يونيو 2009


;سة الإسلام والديمقراطية بواشنطن، ويحررها الكاتب والناشط المدني المعروف الأستاذ صلاح الدين الجورشي، بإلقاء الضوء على النشاط الجمعياتي في العالم العربي من خلال استعراض حالات كل من: المغرب وتونس ومصر والسودان وفلسطين وسورية، مع مقارنتها بتجربة بلد ينتمي إلى نفس الدائرة الحضارية ـ وهو تركيا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية الإسلامي.
وما يهمنا في هذا السياق هو المقارنة بين التجربتين المصرية والتركية، اللتين كتب عنهما في الدورية كل من محمد العادل وحمدي عبد العزيز، تحت عناوين: 'المجتمع المدني التركي.. تخلص من المزج بين الفعل المدني والسياسي'، و'العمل الأهلي في مصر.. الواقع والفعالية'.
شهدت حركة المجتمع المدني التركية قفزة نوعية في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية حيث زاد عددها بحوالي 40' ليتجاوز عدد الجمعيات التركية في الوقت الراهن 173 ألف منظمة أكثر من 110 آلاف منها يغطي نشاطها كل أنحاء تركيا وما بقي منها جمعيات محلية تنشط في القرى والمدن الصغيرة.
أما في مصر فتذكر دراسة للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (2008) أن عدد الجمعيات الأهلية قد بلغ 22102 جمعية عام 2007، وبالطبع لا يدخل في هذا الإحصاء ـ كما يشير تقرير التنمية البشرية لمصر 2008 ـ عدد لا بأس به من الجمعيات، التي لم تسجل إما برغبتها أو بفضل العوائق الحكومية.
وقد فسح قانون الجمعيات في تركيا الذي تم تطويره عام 2004 المجال أمام حركة المجتمع المدني وأعطاها مساحة حراك واسعة تجعلها تتحمل مسؤولية كبيرة ليس فقط في مسيرة التنمية الشاملة بل وإدراجها أيضا في آليات صنع القرار السياسي والاقتصادي حيث يعطي القانون لها الحق في المشاركة في اللجان البرلمانية المكلفة بصياغة القوانين المطروحة على مجلس الشعب التركي كما يحق لها الاعتراض على النصوص القانونية أمام المحكمة الدستورية أو أمام لجان برلمانية معينة.
أما في مصر فيمثل القانون رقم 84 لعام 2002، الإطار القانوني لعمل الجمعيات الأهلية، لكن أخطر العوائق أمام حرية التنظيم الأهلي يظل هو منح مزيد من الصلاحيات للدور الذي تقوم به الأجهزة الأمنية، وهو ما لا يقتصر على رفض التسجيل فقط، وإنما التدخل في عملها، والتحرش بالناشطين، والتوصية بإلغاء الترخيص .. إلخ.
وعلى الرغم من أن هذا القانون اتسم بالمرونة النسبية مقارنة بالقانون السابق إلا أن نصوصه، ولائحته التنفيذية ضمنتا قدرة الجهة الإدارية على الإشراف والتدخل في تحديد هامش الحركة الممنوح للجمعيات الأهلية، ومن الأمثلة على المعوقات الواردة في القانون: حق رفض الترخيص واعتماد منهج التقييد وليس الإخطار في عملية الإشهار من خلال تبني نظام الترخيص، واشتراط موافقة الجهة الإدارية للحصول على التمويل مع وضع العديد من القيود على قبول التبرعات والأموال وإرسالها (من الداخل، ومن الخارج، وإلى الخارج)، وأن تقوم المنظمات الحقوقية بإعادة توفيق أوضاعها والخضوع له، وحق حل الجمعيات الذي سبق وأن أعطته قوانين سابقة للقضاء، والتأكيد على أن سلطة الجهة الإدارية فوق سلطة الجمعية العمومية.
يحق لحركة المجتمع المدني في تركيا الاستفادة من الميزانية العامة للدولة باعتبار أنها تشارك إلى جانب المؤسسات العامة في تحقيق التنمية الشاملة بالبلاد، ولكن يقع على عاتق المجتمع التركي القسم الرئيسي لتمويل أنشطة المجتمع المدني نظراً لأنه يدرك أهمية الحفاظ على حركة المجتمع المدني وتفعيل دورها لتشكيل التوازن داخل تركيا.
وتعتبر البلديات التركية واحدة من أبرز شركاء المجتمع المدني حيث تساهم بقسم كبير في تمويل مناشط الجمعيات والمنظمات بل إن البلديات تعتبر جزءا لا يتجزأ من حركة المجتمع المدني التركي لأنها منتخبة في اقتراع مباشر ولكونها مستقلة عن السلطة التنفيذية وبالتالي ليست ذراعا لها أو جهازا تابعا لها.
كما أن تركيا الحديثة التي احتضنت الوقف من الدولة العثمانية قامت بتنظيم نشاطها، الأمر الذي ساهم في تنمية حركة المجتمع المدني من خلال الأوقاف والعقارات التي أوقفها الميسورون لفائدة الجمعيات وهو ما ساهم في توجه المجتمع المدني التركي منذ وقت مبكر إلى التخصص واختيار مجال محدد للنشاط.
أما في مصر المحروسة فتثير قضية التمويل عموما والتمويل الأجنبي تحديداً جدلا حادا خصوصا في الأوقات التي تشهد انتقادات لحالة حقوق الإنسان في مصر، من جانب أمريكا والاتحاد الأوروبي، وهنا تقع الجمعيات الحقوقية بين مطرقة الدولة التي ترفض توجيه المساعدات والإعانات إليها حيث يحق لها الحصول على تلك المساعدات وأي إعانات عاجلة بنص القانون، وبين سندان بعض الجهات الأجنبية المانحة التي تشترط توفير الميزانيات في مقابل تنفيذ مشروعات بحثية أو موجهة لفئات مهمشة، وهو ما قد يفتح الباب أمام فساد جديد ربما لا يقل عن فساد نظام الحكم.
والتمويل الأجنبي الذي تحصل عليه جمعيات مصرية عاملة في مجال حقوق الإنسان ـ وفقا لتقرير التنمية البشرية - يعتبر ضئيلاً جداً مقارنة بما يحصل عليه المجتمع المدني المصري ككل من تمويل أجنبي، وبالتالي يجب ألا يكون السؤال حول التمويل وإنما حول مساره وأهدافه وتأثيراته في التنمية والديمقراطية.
وعموما تظل قضية التمويل الداخلي والأجنبي والصعوبات التي يواجهها البعض في الحصول عليه، في مقابل 'تخمة' البعض الآخر منه، احدى المشكلات التي تعترض العمل الأهلي في مصر، وهو ما يتطلب إعادة النظر في ميزانية الإعانات للجمعيات وزيادتها، وتشجيع القطاع الخاص المصري على التوسع في إنشاء مؤسسات أهلية كجهات مانحة، والتفكير في نظام الوقف لتحرير أجندات الجمعيات من أي نفوذ داخلي أو خارجي.
يحتل المجتمع المدني التركي موقعا بارزا في الحركة الديمقراطية وحقوق الإنسان حيث يشارك بمختلف مدارسه الفكرية في هذا المجال، رغبةً منه في الإسهام في تطوير البناء الديمقراطي والرقي بأوضاع حقوق الإنسان في تركيا.
وقد تخلص قطاع كبير من المجتمع المدني التركي من المزج بين الفعل المدني والسياسي حيث لم تعد منظمات المجتمع المدني التركي واجهات سياسية وذلك كنتيجة طبيعية لحرية التنظيم السياسي والأحزاب.
ومن جهته رأى حزب العدالة والتنمية أهمية إطلاق الحريات أمام المجتمع المدني والتحالف مع قطاع كبير من المنظمات من أجل نشر الوعي في أوساط المجتمع التركي بأهمية الإصلاحات السياسية التي يقوم بها وضرورة التفاعل مع تلك الإصلاحات وحمايتها.
في المقابل تعاني الجمعيات الأهلية من 'سوء توزيع'، سواء جغرافياً من خلال تركيز الأعمال في الحضر وتهميش الريف، أو فيما يخص القيام بنشاط حقيقي للمجتمع، فنجد أنها تعمل في 20 نشاطاً، يأتي فى مقدمتها الخدمات التثقيفية والدينية، ثم المساعدات الاجتماعية، تليها تنمية المجتمعات المحلية، وأخيراً الدمقرطة وحقوق الإنسان.
وفي الوقت الذي تقوم الجمعيات الخيرية الإسلامية بتوزيع العطاء الاجتماعي من الزكاة والصدقات دون التفكير حتى الآن في عمل مشروعات تنموية، فإن جمعيات التنمية التي ابتكرتها الحكومة وتشرف عليها وزارة الشؤون الاجتماعية، تنشط في مجال الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية والنقل والمواصلات والخدمات الثقافية والدينية، وهو ما يعني شبكة هائلة من المحاسيب وعلاقات المحسوبية التي يمكن تحريكها عند اللزوم لصالح النظام السياسي وخصوصا أثناء الانتخابات.
ومن اللافت أن معظم المنظمات لا تركز على مشروعات التنمية وتتسم بالنخبوية بمعنى أنها لا تتواصل مع القواعد الاجتماعية بما يؤدي إلى محدودية تأثيرها. وفي هذا السياق توصلت إحدى الدراسات الميدانية إلى أن غالبية القادة العاملين في الجمعيات الأهلية لا يؤمنون بأهمية تجديد القيادة خصوصا عندما يكون المقصود هو قمة نظام الحكم الداخلي في الجمعية. ورغم كل ذلك لا ينبغي أن نغفل حقيقة أن الجمعيات الأهلية في مصر تكافح من أجل توفير الحد الأدنى من 'الكفاف' الإنساني للمواطن المصري وقد اكتسبت أرضاً جديدة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان.
لكن استمرار المواجهة بين النظام السياسي والمجتمع المدني يؤكد حاجة الجمعيات الأهلية إلى تفعيل دورها الراهن والمستقبلي، وهو ما يتطلب شروطا جديدة تتجاوز النضال لتنظيم الحدود والاختصاصات في المجال العام، منها: التغيير الديمقراطي داخل البناء الإداري لهذه الجمعيات، البحث عن حلول جديدة لقضية التمويل كالوقفيات، القيام بتوعية للقواعد الاجتماعية وتعزيز ثقافة التطوع والمشاركة لديها، معالجة التوتر مع الدولة بإقناعها بمنطق الشراكة بديلاً لمنطق الصراع.

اجمالي القراءات 10754

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (4)
1   تعليق بواسطة   محمد مهند مراد ايهم     في   الثلاثاء 09 يونيو 2009
[39901]

الاستاذ احمد شعبان

جميل جدا ما تكتبه ولو شملت المقارنة دولا عربية اخرى لكان ادهى وامر


استاذ شعبان ارجو منك اعطائي عنوان البريد الالكتروني الذي تستخدمه


ولك الشكر


2   تعليق بواسطة   احمد شعبان     في   الثلاثاء 09 يونيو 2009
[39902]

شكر وابتهاج

أخي الكريم الأستاذ / محمد


تحية مباركة طيبة وبعد


شكرا لك أحي على مرورك الكريم ، وتواصلك المخلص .


وابتهاج بما طلبت والذي يدل على رغبة في صداقة مخلصة .


وعنواني الإلكتروني هو : resaletnour@hotmail.com


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


3   تعليق بواسطة   محمد مهند مراد ايهم     في   الأربعاء 10 يونيو 2009
[39908]

الاستاذ احمد شعبان

يرجى مراجعة ايميلك


لك الشكر


4   تعليق بواسطة   احمد شعبان     في   الأربعاء 10 يونيو 2009
[39924]

اخي الفاضل الأستاذ / محمد مراد

تحية مباركة طيبة وبعد


ايميلي سليم ، ولزيادة التأكيد أخذت منه كما هو موجود نسخة ، ووضعتها على محرك البحث جوجل ، فأخرجت لي بعض أعمالي .


وعليه أؤكد على أن الإيميل صحيح ، وأنا أتابعه يوميا .


دمت أخي بكل خير .


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . 


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-09-27
مقالات منشورة : 144
اجمالي القراءات : 1,677,884
تعليقات له : 1,291
تعليقات عليه : 915
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt