خصومه تآمروا عليه .. وعبثوا بسيرته بعد وفاته:
الإمام البقاعي .. المفكر الثائر المجهول في عصر التقليد والخمول

آحمد صبحي منصور في الأربعاء 22 ابريل 2009


مقدمة :
كان من الممكن أن يسير النصف الثاني من القرن التاسع الهجري في تثاقل ورتابة وجمود وسكون لولا أن ظهر الشيخ البقاعي وأحدث ما أسمته المصادر التاريخية " كائنة البقاعي وابن الفارض " .
وجدير بالبقاعي أن يحدث هذه الهزة في عصره ، فلم يكن مجرد عالم مجتهد مفكر يسبح ضد التيار الصوفى السائد ، وإنما كان إلى جانب ذلك يؤمن بما يقول ويعلنه بصراحة وقوة ويتحدى خصومه الأقوياء بالمجادلة بالحجة أو بالمبارزة بالسيف في حضور السلطان ، مع أنه كان في ذلك الوقت شيخا طاعنا في السن . وحين عجزت مؤامرات خصومه عن النيل منه في حياته فإنهم حاولوا طمس الحقائق بعد وفاته ، فلم يعرف الناس عن " كائنة البقاعي " إلا من خلال ما كتبه عنه خصومه ، حتى كان لنا شرف اكتشاف الحقيقة ونشرها في رسالة علمية ومؤلفات لاحقة ، تعتمد على اكتشافنا للمخطوط الأصلي الذي كتبه البقاعي بيده في التاريخ وسجل فيه ما حدث له . ومع أن خصوم البقاعي قد عبثوا بذلك المخطوط ، بل وعبثوا بترجمة البقاعي في بعض الكتب الأخرى مثل تاريخ ابن الصيرفي " أنباء الهصر " مع ذلك فإن استنطاق الحقائق كان ممكنا لمن يفهم نبض الشارع المملوكي وخلفيته التاريخية .


عالم مجتهد ظلمه عصره :
1ـ والمؤرخ القاضى ابن الصيرفي كان أبرز ما يعبر عن المستوى العلمى و العقلى للقرن التاسع الهجرى ، ويظهر ذلك خصوصا فى كتابه ( الهصر ).
وكان ابن الصيرفى معاصرا للبقاعى فى القاهرة المملوكية وكان أبرز من يعبر عن رأى العصر فى البقاعى ، وقد شهد ابن الصيرفى ( كائنة البقاعى ) ، وقد هاجم البقاعي في كتابه " أنباء الهصر " وأرخ لكائنة البقاعي من موقع التحامل على البقاعي ، بل وكان من بين أولئك الذين تآمروا ضده كما نلمح بين سطور تاريخه ، ومع ذلك فإنه حين مات البقاعي كتب ترجمة للبقاعى في " أبناء الهصر " وذكر بعض الحقائق عن فضل البقاعي وعبقريته إلا أنه سرعان ما كان يعود للهجوم عليه.
يقول ابن الصيرفي فى تاريخه ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) إن البقاعي لازم الشيخ ابن حجر وتعلم على يديه. أى أن البقاعى قد حاز إعجاب شيخه ابن حجر لأنه رقاه وهو طالب وجعله قارئا للبخاري في حضور السلطان جقمق .
ويقول ابن الصيرفي إن ابن حجر كان يثني على قراءته وفصاحته ويعترف ابن الصيرفي بأن خصمه البقاعي يستحق ذلك ولكنه يسارع فينفي ذلك ، يقول " وكان يثني على قراءته وفصاحته وهو كذلك مع الدين والخير إلا أنه كان سيء الأخلاق جدا .. نعوذ بالله " .. كيف يكون فيه دين وخير ويكون سيء الأخلاق جدا في نفس الوقت ؟!
ويذكر ابن الصيرفي مؤلفات البقاعي بالإجمال وبعض التفاصيل ، يقول " وصنف وكتب وضبط أسماء الرجال وخرج الحديث العالي والنازل " أي كان بارزا في علم الحديث والجرح والتعديل.

2 ـ إلا أن أعظم ما كتب البقاعي هو كتاب " مناسبات القرآن " وفيه ينشئ البقاعي علما جديدا يتحدث عن المناسبة بين الآية القرآنية وما قبلها وبعدها ، والمناسبة بين السورة وما قبلها وما بعدها وهو علم يعتمد على فهم كامل للنسق القرآني وتدبر عميق للآيات وسور القرآن الكريم ، هذا في الوقت الذي انصرف جهد العلماء المجتهدين قبله إلى تفسير القرآن نحويا ولغويا وإيراد الأقاويل ونقل الروايات حتى المتعارض منها ..
وقد اجتهد البقاعي في هذا الباب الجديد من العلم ( علم المناسبة ) وهو علم عقلى بحت فى فهم القرآن ، سبق فيه البقاعى عصره ، فى وقت ساد فيه التقليد و انحدرفيه المستوى العلمى الى مجرد اجترار ما قاله السابقون دون عقل او فهم.
كتب البقاعى في (علم المناسبة ) مؤلفه العبقري " نظم الدرر " في ستة مجلدات لا تزال مخطوطة حتى الآن فيما نعلم .
والغريب أن جلال الدين عبد الرحمن السيوطي الذي كان خصما للبقاعي قد سطا على كتاب البقاعى بعد موت البقاعى ،وأوجز كتاب البقاعي في رسالة صغيرة سماها " تناسق الدرر في تناسق السور " ونقل فيها خلاصة فكر البقاعي ونسبها لنفسه، ومع ذلك فإن تلك الرسالة الصغيرة مطبوعة ، بينما يظل كتاب البقاعي مخطوطا منسيا مظلوما كصاحبه !
ويذكر ابن الصيرفي في ترجمة البقاعي ما حدث للبقاعي حين ألف هذا الكتاب فكوفئ من عصره بالاضطهاد يقول : " وصنف كتابا في مناسبات القرآن فقاموا عليه وأرادوا إحراق الكتاب وتعصب عليه جماعة وأغروا به الأمير تمربغا .. "
وبعد هذا الخبر الذي ينقله ابن الصيرفي عن التآمر على البقاعي وكتابه " المناسبات القرآنية " يحدث قطع في مخطوطة ابن الصيرفي وتضيع الصفحات التي تتكلم عن تلك المؤامرة ، وينبه محقق المخطوطة وهو الدكتور حسن حبشي على ضياع تلك الأوراق ولا يذكر السبب ، وعندي أن السبب هو امتداد التآمر على البقاعي بعد موته والتلاعب لطمس الحقائق ، وفعلوا نفس الشيء مع كتاب البقاعي نفسه في التاريخ وهو " الزمان بتراجم الشيوخ والأقران " .
3 ـ وكتب البقاعي كتابين في الهجوم على " ابن عربي " و " ابن الفارض " وهما " تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي " ، " تحذير العباد من أهل العناد " وقد أورد فيهما أقوال ابن عربي وابن الفارض في عقيدة الاتحاد الصوفية .
وابن عربي وابن الفارض ماتا قبيل العصر المملوكي " 632 هـ ، 638 هـ ولكن كان لأتباعهما سطوة في عصر البقاعي ، وكان منتظرا أن يقاسى البقاعي الاضطهاد من الصوفية الذين تحكموا في الحياة المملوكية في ذلك الوقت ، وجدير بالذكر أن الشيخ عبد الرحمن الوكيل يرحمه الله – وهو الرئيس الأسبق لجمعية أنصار السنة بمصر قد حقق كتابي الشيخ البقاعي ونشرهما في كتاب واحد بعنوان " مصرع التصوف " .
4 ـ ولم يكتف البقاعي بالاجتهاد الفكري في عصر الجمود والانغلاق وإنما أعلن دعوته في المسجد الذي كان يلقي فيه دروسه وهو جامع الظاهر بيبرس ، ووقف بنفسه يواجه سخط الصوفية والعوام والفقهاء والمماليك ، وحدث ذلك 874 : 875 هـ وهو ما يعرف بـ " كائنة البقاعي وابن الفارض ".
وقد ذكرت المصادر التاريخية أحداثها في غير ترتيب وفي غير إنصاف لأنهم كانوا خصوما للبقاعي مخالفين له في الرأي .
موجز كائنة البقاعي
1 ـ بدأت " كائنة البقاعي " يوم الاثنين 14 شوال 874 هـ حين ذهب البقاعي لكاتب السر أو سكرتير السلطان قايتباي ، وهو ابن مزهر الأنصاري ، وسلمه البقاعي رسالة تتضمن الحكم بتكفير عمر بن الفارض بسبب ما قاله ابن الفارض في قصيدة التائية الكبرى ، وقد أورد البقاعي نص هذه الرسالة في تاريخه ، ويبدو من دراستها أن البقاعي درس عقائد التصوف جيدا وأورد أقوال الفقهاء السابقين الذين حكموا بتكفير ابن الفارض من قبل ، وهو في هذه الرسالة يلقي بقفاز التحدي ضد عصره بأكمله حيث اعتاد الجميع توقير وتقديس ابن الفارض دون دراسة لأقواله. وفي معرض التحدي طلب البقاعي من رئيس الفقهاء ابن مزهر الإجابة ، وبالطبع فليست هناك إجابة عملية إلا بالموافقة على رأي البقاعي مهما كانت مؤلمة .

2 ـ وقبل أن يرسل البقاعي لكاتب السر ابن مزهر أرسل منها نسخا لبعض أصدقائه ومنهم ابن الديري ، وعلم الصوفية بما حدث فأرسلوا يحتالون على ابن الديري لأخذ رسالة البقاعي منه ، بحجة أن كاتب السر يريد الإطلاع عليها ، وعلم البقاعي بتلك الحيلة فأذن لهم بنسخ الرسالة بشرط أن يردوا عليها ردا علميا ، فعجزوا عن الرد فعلم البقاعي أنهم سيلجأون للمكر والتآمر ، خصوصا وأن معهم العوام والمماليك وكاتب السر ومعظم الفقهاء ، وقد تزعم الصوفية في تلك الحرب الشيخ عبد الرحيم الفارضي شيخ الطريقة الفارضية المنسوبة لعمر بن الفارض . وبذلك بدأوها حرب إشاعات وتخويف وذلك في مجال يغلبون فيه البقاعي وهو فقيه ملتزم بالشرع يقول عنهم فى تاريخه المخطوط (الزمان بتراجم الشيوخ والأقران) : " فشرعوا يشنعون علىّ وعلى من أيد مقالتي ، وانبثوا في البلد وهم كثير ومعهم الجاه وهم أهل مكر وكذب .. وأصحابي قليل ولا جاه لهم ، وهم مقيدون بقيد الشرع ، لا يقولون إلا ما له حقيقة ، سواء كان يعجب المخاطب أو يكرهه ، فكثر الشغب في ذلك ، وانتشر القال والقيل وعظم الشر " .
3 ـ ويبدو أن البقاعي قد اجتذب لصفه بعض العلماء فأيدوه وإن كانوا قلة فهو يقول عنهم " وأصحابي قليل "، ويذكر في تاريخه أنه كان معه قاضي القضاة الحنفية ابن الشحنة وابنه عبد البر والبرهان الديري والبرهان اللقاني وابن أمام الكامليه وقاضي الحنابلة .
وبعضهم وقف مع البقاعي لأسباب خاصة ربما لم يعلمها البقاعي ، فقد كانت العلاقة سيئة بين ابن الشحنة وابن مزهر كاتب السر صاحب النفوذ الأكبر فى عهد السلطان قايتباى ، وابن مزهر الأنصارى هو المؤيد الأكبر للصوفية لذا اختار ابن الشحنة قاضى القضاة الحنفية تأييد البقاعي ليكيد لكاتب السر وليظهر للسلطان قايتباي جهله في العلم وعجزه عن الرد على رسالة البقاعي . وأيد البرهان الديري البقاعي لأن الديري كان قد عزل عن قضاء الحنيفية إلا أنه كان يتمنى العودة للمنصب وفقا لما ذكره صديقه المؤرخ ابن الصيرفي ، لذا كان يجادل الشيوخ ويتعاظم عليهم ، ووجد في البقاعي وعلمه متنفسا لرغباته .
4 ـ وأولئك الذين كان لهم مآرب في الزوبعة التي أثارها البقاعي علا صوتهم مع البقاعي تأييدا له لأغراض خاصة ، وبحكم مناصبهم فقد جعلهم المؤرخ ابن إياس – الذي جاء فيما بعد – قادة للهجوم على ابن الفارض ، يقول ابن إياس فى تاريخه ( بدائع الزهور ):" كثر القيل والقال بين العلماء في القاهرة في أمر عمر بن الفارض وقد تعصب عليه جماعة من العلماء بسبب أبيات قالها في قصيدته التائية .. وصرحوا بفسقه بل وتكفيره ونسبوه إلى من يقول بالحلول والاتحاد وكان رأس المتعصبين عليه برهان الدين البقاعي وقاضي القضاة ابن الشحنة وولده عبد البر ونور الدين المحلى وقاضي القضاة عز الدين المحلى وتبعهم جماعة كثيرة من العلماء يقولون بفسقه " .
5 ـ وخطط الشيخ عبد الرحيم الفارضي شيخ الطريقة الفارضية لقيام مظاهرة ضد البقاعي تبدأ بحفلة ذكر، ثم تسير في الشوارع لتجتذب العوام ، ثم تذهب إلى بيت البقاعي ليبيحوا للعوام أن ينهبوه ، ثم يفعلون نفس الشيء مع أصحاب البقاعي ، وكاد ذلك يحدث لولا أن خافوا من تطور الأمور في غير صالحهم .
ثم فكروا في حيلة أخرى فأشاعوا أن البقاعي قد أفتى بتكفير من يسكت عن تأييده ، وبذلك جعلوا الشيوخ المحايدين ينقلبون على البقاعي ، وكان منهم الشيخ زين الدين الاقصرائي ، ونجحوا أيضا في إثارة طلبة الجامع الأزهر ضده حتى كان البقاعي يخشى أن ينفذوا تهديدهم ويحرقوا بيته ، ونجحوا في الضغط على كاتب السر ليعلن تأييده لهم ، وحاول كاتب السر بن مزهر بدوره الضغط على أتباعه من العلماء ليفتوا بتأييد الصوفية وشيخهم ابن الفارض .
وحاول البقاعي الاجتماع بكاتب السر فلم يستطع ، وحاول الوصول إلى الأمير الكبير يشبك أو من يليه فلم يستطع .
6 ـ وفي تلك الأثناء تتكاثر المنامات التي يشيعها الصوفية ومنهم المؤرخ ابن الصيرفي وزكريا الأنصاري ، الذى حصل على لقب شيخ الاسلام فيما بعد حين أصبح زعيم الفقهاء فى القرن العاشر الهجرى مع مستواه العلمى البائس .
وتلك المنامات المصنوعة كان لها تاثير قوى فى الناس وقتها إذ كانت تتمتع بالتصديق و التقديس طالما رآها شيوخ يعتقد الناس فى ولايتهم . وكانت تلك المنامات المزعومة تتحدث عن خروج ابن الفارض من قبره وشكواه ممن يعترض عليه. وبسبب تلك المنامات اشتعل الجو بالغضب على البقاعي ، ولكنه صمد في هذه الحرب النفسية لتهديد الصوفية وزعيمهم كاتب السر وصمد أمام محاولات بعض أصدقائه معه ليرجع عن أرائه بالوعد والوعيد .
7 ـ ثم بدأ الميزان يعود لصالح البقاعي بعد ذلك الصمود فكاتب السر رأي في النهاية أن يلتزم الحياد خوفا على منصبه ، وطلب الاجتماع بالبقاعي ، وهنا اشترط البقاعي أن يكون ذلك الاجتماع في خلوة ، فخشي الصوفية أنه إذا اجتمع بالبقاعي فيصبح ضدهم لذلك سعوا في تعطيل ذلك الاجتماع ثم منعه ، واستمر البقاعي في مسجده يهاجم معتقدات خصومه ، وتكاثر الناس عنده ، وما لبث العوام أن انقلبوا إلى صفه بعد أن كانوا من قبل أشد أعدائه لأنهم رأوه يستمر في دعوته بينما عجز خصومه عن الرد عليه .
بعض تفصيلات من تاريخ البقاعى المخطوط :

1 ـ حاول البقاعى الاتصال بالداودار الكبير يشبك ابن مهدى أو حتى بالداودار الثاني تنبك قرا فلم يستطع، كان له صديق ذو صلة بالداودار الكبير وقد عده بأن يصله بالداودار الكبير، ولكنه خاف من تهديد الطلبة بالجامع الأزهر وقد كانوا متأثرين بالتصوف وتقديس أوليائه، وقد هددوا بإحراق بيته فرجع عن تأييد البقاعي، وحاول البقاعي أن يجتمع بالداودار الكبير بنفسه فلم يستطع، ومع ذلك فقد جاءته أخبار سارة بأن بعض العلماء اجتمعوا بالداودار الكبير وأخبروه بالحق، ولكن ظل كاتب السر ابن مزهر الأنصاري يضغط على أتباعه من المشايخ لإصدار الفتاوي التى تؤيد الصوفية وأتباع ابن الفارض مما سبب في اشتعال الموقف ضد البقاعي، يقول البقاعي فى تاريخه المخطوط : ( ثم سألت بعض أصحابي ليذهب معى إلى الداودار الكبير لأريه بعض ما أعلمه من كفر تائيتهم الصريحة ـ يقصد قصيدة التائية لابن الفارض ـ لأن ذلك الصاحب كانت له وصلة فمنعه أصحابه أن يذهب معى وقالوا أن أهل جامع الأزهر هددونا بأنهم يحرقون بيتنا يقصد الداودار الكبير بلا واسطة فلم يقدر الاجتماع به، وجدته مغلقاً عليه بابه وعند بعض الأمراء، وكان قصدي له بعد أن بلغني أن بعض من يسره الله للخير قد اجتمع به وأخبره أنما نحن فيه هو الحق وحدثه بأقوال أهل الوحدة ـ أى مذهب وحدة الوجود كابن عربي وابن الفارض الذين لا يرون فارقاً بين الخالق والمخلوق ـ فقاله له لعلهم مثل النسيميةـ وهم طائفة صوفية ملحدة منحلة خلقياًـ فقال نعم: فقالـ أى الداودار الكبير ـ أن النسيمية يتكلمون بأشياء صعبة وكذا قال ذلك الرجل. فشد بذلك قلوبنا بعض الشد، وقصدت الداودار الثاني تنبك قرا فلم يقدر به اجتماع فرجعت إلى بيتى وأنا في غاية الكسرة، وكان ذلك يوم الجمعة ثاني عشر من ذى الحجة من هذا العام 874 ، وكان الأمر يتزايد كل يوم بل كل لحظة بما يظهره كاتب السر من الفتاوي في القلعة ويقرره من الكلام في ذلك فصار البلد كله شعلة نار، القلعة وما دونها،) .

2 ـ ثم تأتى أوراق أخرى في مخطوطة البقاعي تتحدث عن حربهم النفسية ضده ومخاوفه ثم محاولات بعض أصدقائه إثناءه عن أرائه وتهديده وإغرائه ، ويرسم البقاعي صورة صادقة لما اعتمل فى نفسه من مشاعر انتهت إلى تمسكه بالحق مهما حدث له فنراه يطلب منهم واحداً من ثلاثة أما المجادلة وأما المباهلة وإما المقاتلة، ولا زال بأولئك الذين أوتوا للتأثير عليه إلى أن تأثروا هم به وأصبحوا من مؤيديه.. يقول البقاعى : ( صاحوا وأجلبوا وأظهروا أنهم أظفروا بى، فيرسل لى كاتب السر من يخيفني وأنا في غضون ذلك أسأل الله أن ينزل على السكينة ويلزمنى كلمة التقوى فألقى الله سبحانه في قلبي من الثبات ما لا يحصر، فآخر ذلك أنه ـ أى كاتب السر ـ أرسل إلى الناصري محمد بن جمال الدين الشهابي أحمد بن السخاوي.. وهما من أصدقائى فقالا كلاماً كثيراً منه: إنا رأينا ما لم تر وسمعنا ما لم تسمع والأمر عظيم ونحن نشير عليك أن ترجع عما أنت فيه وقد فعلت أكثر مما يجب عليك، والقاضى أى كاتب السر يريد أن ينصحك ويقول أن الناس كلهم عليك، السلطان فمن دونه، وأصحابك كلهم صاروا عليك، فقلت: أنى والله قد وضعت بين عينى القتل بالسيف والضرب إلى أن أموت منه فرايته أهون عندي من أن يُجهر بالكفر في بلد أنا فيه ويقال أن الصلاة حجاب والصوم حجاب والقرآن باطل أو شرك (وهذه شطحات الصوفية من أصحاب وحدة لوجود) ويُراد خلع الشريعة لمحمدية ويظهر دين الكفر على دين محمد صلى الله عليه وسلم ، فإما أن يعيننى الذين يريدون سكوتى بمال أقدر به على الانتقال من هذا البلد فإنه والله لو كان معى مال أتجهز به هاجرت منها ، وإما أن يختاروا منى واحدة من ثلاث بحضره السلطان والقضاة الأربعة وساير العلماء، وهى : المجادلة ثم المباهلة ثم المقاتلة، فيعطينى السلطان سيفاً وترساً ويعطي أشبهم ـ أى أكثر شباباً ـ سيفاً وترساً ويخلى بيننا قدامه في حوش القلعة وينظر ما يكون منى على شيخوختى فإن قتلت كنت شهيداً وإن قتلت خصمى عجلت من أٌقتله في النار، والأمر كما قال الله تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدي الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، ثم قلت لهم أنى أطلب منكما أن تسمعا لى في هذا المذهب الخبيث، فقالا: أنه يؤولون ما في التائية ـ أى قصيدة ابن الفارض التائية ـ ويتناشدونها بحضرة كاتب السر ويطيبون لما ينشدونه منها، فقلت: اسمعا، وقرأت لهما من كلام ابن عربي فصلاً فكان ابن جمال الدين يذكر بعض ما سمع من تأويلاتهم فأرخى له وأقول له اسمع، فلما تكرر على سمعه كفره وقال بحدة مفرطة: لعن الله من يقول هذا أو يستجيز سماعه، وتفرقا وهما يكادان يتزايلان غضباً. )

3 ـ وعرف الصوفية فبذلوا جهدهم حتى لا يحدث اجتماع بين البقاعي وكاتب السر مخافة أن ينجح البقاعي في إستمالة كاتب السر إليه، يقول البقاعي : ( فكأنهم سعوا في عدم إرساله إلىّ فإنهم يعلمون أن ما أقوله لا يسمعه مسلم إلا نفر منه أشد نفرة، ولما عملت الميعاد أى الندوة في جامع الظاهرى الحسينية يوم الجمعة.. وكان في قوله تعالى في سورة التغابن: زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا.. إلى قوله تعالى: وعلى الله فيتوكل المؤمنون، قررت لهم أمر البعث وأمر التوحيد وقلت أن فرعون ادعى أنه الرب الأعلى فعليه لعنة الله، وثمة طائفة تنصر مذهبه ويدعون أنهم يصلون إلى الله من طريق غير طريق نبيه محمد (ص) وقد كذبوا وكفروا وهم أذل وأقل عددا، ووصلت هذا بما يلائمه من إحاطة رسالة النبى (ص) ومن وعد الله بإظهار دينه على الدين كله إلى غير ذلك من المرققات ، إلى أن ضج الحاضرون ودعوا على من يتمذهب بذلك المذهب الأخبث ودعوا لى بالنصرة ونحو هذا، وكان مجلساً حسناً.)

4 ـ وبسبب ثبات البقاعي بدأت المشاعر تتجه نحوه وتميل عن الصوفية، وذلك هو الشأن في دعوات الحق التى تواجه العقائد الضالة، فتلك العقائد الضالة تستند إلى خرافات اكتسبت قدسية لمجرد أن القرون مرت عليها دون أن تجد من يتصدى لتنفيذها، فإذا وجدت عالماً شجاعاً يفعل ذلك ثار عليه المدافعون عن تلك الخرافات والأشياخ الذين يستفيدون منها وحاولوا إخافته بما ترسب في وجدانهم من خوف من الاعتراض على تلك الخرافات، فإذا ثبت صاحبنا على مبدئه ورأوا أنه لم تحدث له كارثة بسبب اعتراضه يبدأ الموقف يتغير لصالح، وذلك بالضبط ما حدث في كائنة البقاعي وما يمكن أن يحدث في أى حالة مماثلة.
ونرى العوام في بداية الأمر كانوا ضد البقاعي حتى لقد كانوا يؤذون أتباعه في الطرقات، وحتى لقد فكر خصمه عبد الرحيم أن يقودهم في مظاهرة لتقوم بقتل البقاعي وتنهب بيته، ثم بعد أن ظل البقاعى متماسكاً صامداً يقرر رأيه في المسجد جاءوا إليه يستمعون، وضجوا يؤمنون على دعواه على خصومه.
يقول البقاعي يصف ذلك التطور المبشر في قضيته: ( وكان مجلساً حسناً، ثم اطلعت على أن الله تعالى أيدنى عليهم حال استفتائهم بأمور منها، أنهم استفتوا قاضى الحنابلة المعز ابن نصر الله الكناني فكتب لهم بتكفير ابن الفارض وكل من تمذهب بمذهبه واحتج لذلك وذكر من قال به من العلماء، وأطال في ذلك، وأن البرهان بن العبري قال لعبد الرحيم، والله أنى لأخاف على رقبتك أن تضرب فاستمع منى فإني ناصحك ولا تغتر بمن يغرك، وكذا قال لهم البرهان اللقاني ).
إذن تشجع بعض الساكنين فأفتوا بتأييد البقاعي، بل وبدأ بعضهم يخوف عبد الرحيم بعد أن كانوا يخوفون البقاعي من قبل، وازداد أنصار البقاعي وتحول الرأي العام نحوه، يقول البقاعى : ( ثم عدوا.. من معى ستة قاضى الحنفية المحب بن الشحنة وولده السرى عبد البر والكمال ابن إمام الكاملية وقاضى الحنابلة المشار إليه والبرهان اللقاني، ولما رأى الناس تطاول القضية وهم دابرون ـ أى منهزمون ـ ولا يظهر لهم أثر مع أنى جالس في مجلسى على أحسن حال لم اجتمع بأحد علموا أنه لا قوة لهم فأطلق الله ألسنتهم بالثناء على وبان العز..) وما بعد ذلك ضائع من المخطوطة.
كان الأولى بقاضى الحنابلة عز الدين الكناني أن يكون أول من ينكر على الصوفية تِأسيساً بابن تيمية الحنبلي في القرن السابع ومدرسته من الفقهاء، ولكن المهم أن صمود البقاعي أمام حرب التخويف والأعصاب جعلته يكسب في النهاية ، ولما تطاول عليه الأمر دون أن يحدث له سوء بدأ العوام يغيرون رأيهم فيما فمالوا نحوه، وتعين على أعدائه من الصوفية أن يقبلوا المجادلة معه حسبما طلب، وكان ذلك في حد ذاته مشكلة عويصة لهم، فهم يدافعون عن مذهب لا يعرفون عنه شيئاً ويؤمنون بعقائد لا تستقيم مع العقل ولا مع الدين الحقيقي، وخصمهم البقاعي أعرف بمذهبهم منهم وهو أقدر على إفحامهم في الجدال، يقول البقاعي : ( عقدوا المشورة في أمرى عدة مرات، يديرون الرأى فيمن ينتدب لى في المناظرة وقت عقد المجلس، وكلما أعدوا واحداً للمناظرة قالوا هو فقيه فج يفوقه البقاعي بالمعقولات ـ أى بعلم المنطق ـ وإن ذكروا واحداً جمع النقل والعقل قالوا يفوقه بالتبحر في السنة، وإن رأوا آخر ظنوه جامعاً لذلك قالوا يفوقه بالتفوق وقوة العارضة والصلابة، فكان ذلك من أعظم المؤيدات وازدادت قوتى وضعفت قوتهم، فسافر عبد الرحيم إلى رزقه له ـ أى ضيعة ـ في الريف وخف الهرج والمرج في ذلك.)

موقف القاضى المؤرخ ابن الصيرفى من كائنة البقاعى :
1 ـ التجاهل
والعجيب إن كل ذلك الهرج والمرج لم يذكر عنه المؤرخ ابن الصيرفى شيئا ، مع أنه كان لصيقاً بكاتب السر ابن مزهر الأنصارى متتبعا اخباره ، ومهتماً بما يحدث في مجتمع الفقهاء والأشياخ، ولا شك إنه كان منغمساً فيما يحدث ضد البقاعى إلا أنه على العكس من ذلك تجاهل كل ما حدث فى كائنة البقاعي سنة 874، بل أنه اختصر أخبار شهور شوال وذى القعدة وذى الحجة التى حدثت فيها كائنة البقاعي في هذا العام سنة 874 فاحتلت صفحتين فقط في كتابه مع أن العادة أنه يكتب عشرات الصفحات في أحداث الشهر الواحد.
وبدأ البقاعي يذكر أول أخبار عن كائنة البقاعي في أول محرم 875ن فهو يقول: (فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئتة السلطان بالشهر العربي على العادة ولم يتكلموا في شيء من أمر ابن الفارض لا بنفي ولا إثبات، وطلع البرهان البقاعي في هذا اليوم قبل كل أحد وجلس بالجامع وصحبته كتب كبيرة، وليس راجعاً عما قاله في كلام الشيخ ابن الفارض وتكفيره، وبلغني من عدة جماعات أنه أوصى،ـ أى استعد للموت بالوصية ـ وعنده أن هذا الأمر ليس المتكلم فيه إلا قربة محضة ـ أى تقربا لله عز وجل واحتسابا ـ فإن قتل قتل شهيداً.)
وواضح مما ذكره ابن الصيرفي أن الشيوخ دخلوا على السلطان قايتباى يهنئونه بالشهر على العادة وقد تجنبوا الخوض في قضية البقاعي وتكفيره لابن الفارض، وفي نفس الوقت استعد البقاعي للمجادلة، وسبق الحاضرين في الحضور، واستحضر معه الكتب التى تؤيد كلامه، ولا ريب أن منها ديوان ابن الفارض وفيه التائية الكبري بالإضافة إلى فصوص الحكم لابن عربي والفتوحات المكية له، وغيرها من مؤلفات الصوفية أو مؤلفات المنكرين عليهم، وهو مصمم على رأيه، وقد بلغ ابن الصيرفي أنه قد كتب وصيته كأنه يتوقع الموت ويستعد له، وأنه يعتقد أن الأمر بالنسبة له قربة يتقرب بها لله، وهذا ما قرره ابن الصيرفي وهو كما سنعلم خصم في هذه القضية للبقاعي.
وواضح أن سكوت القضاة أمام السلطان عن الخوض في ذلك الموضوع وهو موضوع الساعة إنما كان بتأثير كاتب السر، وقد سعى في تأخير عقد ذلك المجلس ما استطاع خوفاً من أن ينتصر عليه البقاعي أمام السلطان، ولا شك أن مبادرة البقاعي بالمجيء مبكراً ومعه تلك الكتب قد أفزع كاتب السر، فذلك من شأنه أن يثبت للسلطان جهل خصوم البقاعى كلهم وأولهم كاتب السر.
وانتهى الأمر إلى لا شيء إذا أن خصوم البقاعي قالوا لكاتب السر: أن طلوع البقاعي على هذا الحال معناه أننا عنده أقل القليل وهذا ازدراء عظيم لا يحتمل، فقال لهم كاتب السر: لا أقدر أرد أحداً عن اعتقاده يقول البقاعي معلقاً "فعلم الآن أن لا شيء بيده".
2 ـ حرب المنامات :
وانتهى الأمر رسمياً بالإغضاء عن الموضوع وعدم عقد مجلس بشأنه، ولكن ابن الصيرفي لم يسكت ولم يسكت معه بعض ذيول الصوفية، يقول ابن الصيرفي ينشر دعايته ضد البقاعي "وقع لى من وجه صحيح أخبرنى به الشيخ العلامة الرباني شيخ الإسلام زكريا الشافعي أبقاه الله تعالى أن الجناب العالى العلائى على بن خاص بك صهر المقام شريف نصره الله، أنه ركب إلى جهة القرافة ورأى شخصاً أمامه عليه سمت وهيئة جميلة، فصال يحبس لجام الفرس وهو خلفه إذا وافي الرجل رجل عظيم الهيئة جداً فتحادثاً وانصرف الرجل المذكور أعنى الثاني فسأل سيدى على من الأول: من هو هذا الرجل؟ فقال له: أنت ما تعرفه؟ ثلاث مرات، وهو يقول لا. فقال: هذا عمر بن الفارض في كل يوم يصعد من هذا المكان وهو يسعى في أن الله تعالى يكفيه فيمن تكلم فيه" وذهب الرجل فلم يعرف من أى مكان توجه والله أعلم.
وهذه أسطورة حيكت لتجعل ابن الفارض يخرج من قبره ليدعو على من أنكر عليه، ومن شأنها أن تخيف أولئك الذين يقدسون الأولياء ويعتقدون في نفعهم وضررهم، وبعض من يقرؤها في عصرنا قد يتأثر بها، فكيف بهم في عصر قايتباى.
3 ـ محاولات الاعتداء على البقاعى
وذكر ابن الصيرفي حادثاً وقع يوم الجمعة 2 رمضان 875 يقول " أن البرهان البقاعي عمل ميعاداً بالجامع الظاهرى بيبرس البندقدارى خارج القاهرة بالحسينية (حى الظاهر الآن) فحضر جماعة إليه قصداً (أى عمداً) من معتقدى سيدى الشيخ عمر بن الفارض نفع الله به، وأساءوا عليه على ما بلغني، فشكاهم لقصروه الحاجب فطلبهم ورسم عليهم، ثم أن البقاعي طلب جماعة من جهته وأوقفهم في عدة مواضع ومفارق ومخارص من الطرقات وبأيديهم العصى والخشب، وقرر معهم إذا مروا عليهم فيضربونهم وينكلون بهم، فبلغ ذلك رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصاري كاتب السر الشريف عظم الله شأنه فأرسل إليهم بداوداره بركات فأطلقوهم أى أطلقوا أولئك الذين قبض عليهم قصروه الحاجب وتكاثرت الأدعية له، حفظه الله تعالى على المسلمين.
ثم في يوم السبت ثالثة أى 3 رمضان أصبح البقاعي على ما أمسى وشكى خصومه لبيت الأمير تمر حاجبل الحجاب وأعلمه بما أراد، فاجتمع الجم الغفير والخلائق أفواجا وحضر من العلماء والفضلاء جماعات منهم الشيخ بدرالدين بن القطان والشيخ تاج الدين ابن شرف والشيخ الخطيب الوزيري، وبرزوا للبقاعي وطلبوه فحضر بين يدى الأمير المذكور وأراد الطلوع من المقعد فما مكنه خصومه ووقف من تحت المقعد وجلس المشايخ المذكورون وادعى على جماعة منهم فيهم شخص شريف حضروا إليه إلى مسجده ليقتلوه بطبر، فقال له الشيخ بدر الدين بن القطان: لا تقل مسجدى فإن المساجد لله وترضوا عن الشيخ عمر بن الفارض ولعنوا وكفروا من يكفره، وحصل له أى البقاعي بهدلة ما توصف، وانفصلوا على غير طائل، ولم يحصل للبقاعي مقصوده، ولا غرضه، فإنه مخمول سيماً أنه يتعرض لجناب سيدى الأستاذ العارف بالله عمر بن الفارض ).
والصيرفي يوضح انحيازه ضد البقاعي في الفقرة الأخيرة، ويجعلنا لا نثق في صدق روايته للحادث، فلم نعرف منه أقوال البقاعي ولا رده على خصومه وإن كنا قد فهمنا منه أن بعضهم حاول إيذاءه وأنه استعان بأعوانه في حماية المسجد الذى يقرر فيه دعوته، وإن كاتب السر تدخل لإطلاق سراح أولئك المعتدين، وكذلك فعل أخرون حينما اشتكي البقاعي وأولئك الذين حاول قتله في المسجد، وانتهى الأمر علي غير طائل حسبما يقول ابن الصيرفي.
وتعرض ابن الصيرفي فيما بعد للبقاعي فترجم له في السنة التى مات فيها وحاول إنصافه، ثم ضاعت بقية الترجمة مثلما ضاعت صفحات من كائنة البقاعي في تاريخ البقاعي.
آثار كائنة البقاعى :
1 ـ وقد أثمرت حركة البقاعي هزة في تلك الحقبة الراكدة ظهر أثرها بين القضاة فانضم بعضهم إلى البقاعى فكون منهم جماعة أهل السنة على حد تعبيره، يقول في تاريخه المخطوط : ( تخاصم شخص من جماعة أهل السنة يقال له محمد الشغرى مع جماعة من الفارضيين من سويقة صفية فرفعوه إلى قاضى المالكية البرهان وأدعوا عليه أنه كفر ابن الفارض فأجاب بأنه قال بأن العلماء قالوا بكفره ، فضربه القاضى بالسياط وأمر بتجريسه بالمناداة عليه في البلد، هذا جزاء من يقع في الأولياء، ثم توسط القاضى الشافعي لدى المالكي حتى أطلقه من الحبس، وقال الشافعي: أيفعل مع هذا هكذا ولم يقل إلا ما قاله العلماء، ويرفع إليهم حربي ـ أى نصرانى أوربى ـ استهزأ بدين الإسلام في جامع من جوامع المسلمين ولا يفعلون به مثل ما فعلوا بهذا مع أنه حصل اللوم في أمره من السلطان ومن دونه ولم يؤثر شيء من ذلك.. هذا كله والحال أن البرهان المذكورـ أى القاضى المالكى سابق الذكر ـ قال لغير واحد: أن له أكثر من ثلاثين سنة يعتقد كفر ابن الفارض.).
وبمدرسة أهل السنة استطاع البقاعي أن يوقف الكثير من البدع مثل المصطلحات الجديدة التي أدخلها الصوفية في الأذن فوق المنابر.
2 ـ إن أثار حركة البقاعي لم تقتصر على الصراع السياسي وإنما امتدت إلى الناحية الثقافية والعقلية في ذلك العصر الراكد الساكن، فقد نشط خصومه فيما بعد للرد عليه فكتبوه "ترياق الأفاعي في الرد على البقاعي" والسيوطي الذى لخص البقاعي في المناسبات القرآنية لم يتورع عن الهجوم على البقاعي وحركته فألف كتاب "قمع المعارض في الرد عن ابن الفارض وبذلك حاولوا الرد على البقاعي وكتابيه "تحذير العباد" "وتنبيه الغبي".
وكأنها كانت قطعة حجر سقطت في بركة ماء ساكنة فأحدثت تموجات على السطح ولكن إلى حين، إذ ما لبث السكون أن عاد والحجر نفسه ما لبث أن غطته القواقع والطحالب، واستمرت البركة ساكنة بقواقعها إلى أن دهمها نابليون بونابرت فهرعوا إلى مقاومته بالأوراد وصحيح البخارى.
ختاما :
كائنة البقاعى هى مرحلة من مراحل الصراع بين دينى السّنة و التصوف ، وتعتبر امتدادا لمرحلة الصراع الكبرى التى أشعلها ابن تيمية فى القرن السابق للبقاعى ، ولكن من سوء حظ البقاعى أن جاء فى عصر خامل جامد . وهكذا كان حظ الإمام البقاعي المفكر الثائر المجهول في عصر الخمول .

اجمالي القراءات 23583

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (4)
1   تعليق بواسطة   محمد القراني     في   الخميس 23 ابريل 2009
[37482]

كتاب البقاعي على الانترنت

هذه اول مشاركة لي ، الموقع رائع ، والاستاذ احمد مثال العالم المتنور ، احب ان اشير الى ان كتاب الشيخ البقاعي موجود على شبكة الانترنت وبامكانكم تنزيله من خلال الموقع التالي


http://www.archive.org/details/nathmeldourare


2   تعليق بواسطة   ميرفت عبدالله     في   الأحد 26 ابريل 2009
[37631]

الدكتور احمد وإنصاف من ظلمهم التاريخ

الدكتور أحمد صبحي بصفته مؤرخا فذا يرى أن التاريخ أحيانا ما يظلم أحد الأشخاص فهو يحاول أن يرد هذ الظلم ما أمكنه هذا وهذا ما فعله قبل ذلك مع قراقوش الحاكم الذي ظلمه ابن مماتي ، وفي هذا المقال كان البقاعي هو المظلوم في عصره بسبب أن العصر كانت تسوده المتصوفة ، ولذلك تم ظلم الرجل في حياته ولم ينصف إلا بعد موته ، وهذا هو قدر الشرفاء عموما والذين لا يبحثون عن مزايا في عصرهم عن طريق نفاق الحاكم ولحس حذائه كما يفعل بعض كتاب السلطة في كل عصر ، ولكن تجده عادة ما يقف ضد الحاكم المستبد ويدفع الثمن بالسجن أو القتل أحيانا ، شكرا للدكتور أحمد على وقوفه في صف المظلومين عبر التاريخ ، ووقوفه في وجه الفساد والأفساد في الأرض ولينتظر المنافقون في كل زمان ومكان  من لاحسي حذاء الحاكم المسبد ما ينتظرهم عند ربهم .. وليفرحوا قليلا فإن أجل الله لآت .


3   تعليق بواسطة   نعمة علم الدين     في   الأحد 26 ابريل 2009
[37676]

يحدث دائما

فى الواقع عندما أقرأ للدكتور منصور مقالات تاريخية أجد نفسى وقد وقفت على كم هائل من المعلومات التاريخية وتحليل رائع لها ، والمستفاد دائما من التاريخ هو العبرة والعظة وتجنب الاخطاء التى تحدث عبر التاريخ ، ولكن الغريب أن التاريخ دائما يعيد نفسه وبنفس أخطاءه ، ولا أحد يتعظ ، فقد لفت أنتباهى فى هذا المقال فقرتان وهما


الأولى وهى " ثم فكروا في حيلة أخرى فأشاعوا أن البقاعي قد أفتى بتكفير من يسكت عن تأييده ، وبذلك جعلوا الشيوخ المحايدين ينقلبون على البقاعي " وهذا ما حدث مؤخرا مع إحدى مقالات الدكتور منصور والتى حدث لبس فى فهمها واتهم الدكتور منصور بأنه يكفر الأخر المختلف عنه فى الفكر ، وهذه إحدى سمات المعارضين فى كل زمان ومكان .


والثانية وهى " فهم يدافعون عن مذهب لا يعرفون عنه شيئاً ويؤمنون بعقائد لا تستقيم مع العقل ولا مع الدين الحقيقي، وخصمهم البقاعي أعرف بمذهبهم منهم وهو أقدر على إفحامهم في الجدال" وهذا ما يحدث الآن أيضا ، حيث يقوم المدافعون عن البخاري بالدفاع عنه باستماته حتى ولو ضحوا بأنفسهم ، رغم أنهم لم يقرأوا البخارى ولا يدرون شيئا عما به من تناقض واضح وصريح للإسلام وللقرآن ، والأولى بهم الدفاع عن كتاب الله عز وجل .


4   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الأحد 17 يونيو 2012
[67377]

التاريخ يعيد نفسه في التزاوج بين الدين و السياسة وتغييب عقول الناس

نجح زعماء الصوفية من ضم كاتب السر بن مزهر وأصبح نصيرا لهم يؤيدهم وينصرهم على البقاعي كما كان يقوم كاتب السر بدوره بالضغط على أتباعه من العلماء ليفتوا بتأييد الصوفية وشيخهم ابن الفارض . وحاول البقاعي الاجتماع بكاتب السر فلم يستطع ، وحاول الوصول إلى الأمير الكبير يشبك أو من يليه فلم يستطع .... إذن لعبت السياسة دورا مهما في نصرة طرف على طرف آخر ، ولم يدرك كاتب السر الخطا الذي وقع فيه بتأييده على حساب آخر إلا في النهاية فيفترض أن يكون على حياد خوفا على وظيفته ليس إلا !!! ثم يلجا الصوفية غلى سلاح آخر يقوم على استعداء العامة ضد البقاعي بحيلة اشتهروا بها وهي المنامات الصوفية التي كان العامة يصدقونها ففي تلك الأثناء تتكاثر المنامات التي يشيعها الصوفية عن شكوى ابن الفارض من الظلم وطلب الإنصاف !! فالتاريخ يعيد نفسه في استعانة الشيوخ بالساسة والمسؤلين والكلام كثير عن صفقات عقدت بين الإخوان والعسكري عندما توافقت المصالح بينهم ولجوء الإخوان إلى ابتزاز الجماهير عاطفيا بكل الوسائل ، فهل ننتظر منهم حرب منامات أخرى ؟ ام سيكتفى بكابوس الفتن الذي نعيش فيه الآن ؟ !


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4295
اجمالي القراءات : 39,272,503
تعليقات له : 4,571
تعليقات عليه : 13,358
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي