ي انتظار أن تسمح ظروف الأستاذ عدنان الرفاعي أن يكتب في الموقع،

ابراهيم دادي في السبت 26 يناير 2008


uot;ltr"> 

حقيقةُ الشفاعةِ وعدمِ الخروجِ من النار

 

المزيد مثل هذا المقال :

 

لقد تمَّ تشويهُ مسألةِ الشفاعةِ ( من قِبَلِ الكثيرين الذين يحسبونَ أنفسَهم أوصياءَ على منهجِ اللهِ تعالى )  بتصويرِها وساطة كوساطةِ البشر ، دون معيارِ حقٍّ أو عدل .. فالكثيرون من أصحابِ المعاصي ومن المقصّرين في عبادتِهِم للهِ تعالى ، ومن ناشري الفساد ، يتَّكلونَ على هذه الشفاعةِ بحجّةِ أنّهم مُسلمون ..

وهناك بعضُ الرواياتِ ( في كتبِ الصحاح ) التي تناقِضُ دلالاتِ القرآنِ الكريم مناقضةً صريحةً ، تُعطيهم حيثيّاتِ هذا التواكل .. لذلك علينا أنْ ندرسَ مسألةَ الشفاعةِ من كتابِ اللهِ تعالى لنرى حقيقتَها وحدودَها ..

ولنبدأ بوضعِ ما تحمِلُهُ رواياتُ الشفاعةِ من معانٍ ودلالاتٍ ، في معيارِ القرآنِ الكريم ، كخطوةٍ نحوَ إدراكِ حقيقةِ الشفاعةِ ، وتنزيهِها عمّا أُلصِقَ بها من افتراءٍ على اللهِ تعالى وعلى رسولهِ  r ..

[ 1 ] إنَّ الجزمَ بأنّ شفاعةَ  الرسولِ  r هي لأهلِ الكبائرِ من أمّتِهِ ، اعتماداً على الأحاديثِ التاليةِ ، يتناقضُ مع الكثيرِ من آياتِ القرآنِ الكريم ..

سنن الترمذي   - حديث ( 2359 ) :

( حَدَّثَنَا ..... عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي ..... ) ..

سنن أبي داود   - حديث ( 4114 ) :

( حَدَّثَنَا ..... عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي ) ..

مسند أحمد   - حديث ( 12745 ) :

( ..... عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي ) ..

سنن ابن ماجة  - حديث ( 4300 ) :

( ..... عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي ) ..

[ أ ] - لننظر إلى الصورتين القرآنيّتين التاليتين :

( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً )              [ النساء : 4/31 ]

( وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى  (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ .....)           [ النجم : 53/31-32 ] ..

إنّنا نرى  - في هاتين الصورتين القرآنيّتين  - أنّ اللهَ تعالى يُكفِّرُ عنّا سيئاتِنا إذا اجتنبنا كبائِرَ ما نُنهى عنه ، وأنّ الذين أحسنوا بالحسنى هم الذين اجتنبوا كبائرَ الإثمِ .. وبالتالي فإنّ الوقوعَ في هذه الكبائر مع عدمِ التوبةِ المقبولةِ ، يؤدّي إلى عدمِ تكفيِر السيئات ، وإلى ساحةِ الذين أساؤوا بما عَملوا ، الذين سيجزيهم اللهُ تعالى على ذلك .. وهذا يتعارضُ تماماً مع الشفاعةِ لأهلِ الكبائرِ الذين ماتوا دونَ توبةٍ مقبولة ..

[ ب ] يُبيّنُ لنا القرآنُ الكريمُ أنّ مرتكبي الكبائر ، إذا ماتوا دونَ توبةٍ مقبولةٍ ، فسيخلدونَ في جهنّمَ ، سواءٌ كانوا من الموحّدين أمْ من غيرِ الموحّدين ، وسواءٌ كانوا من أمّةِ  محمّدٍ r أم من غيرِهم ..

( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )                                        [ البقرة : 2/275 ] ..

( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ )              [ النساء : 4/14 ] ..

( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) [ النساء : 4/93 ] ..

( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً )    [ النساء : 4/123 ] ..

( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )                   [ يونس : 10/27 ] ..

إنّ آكلي الربا هم من الموحِّدين ومن غيرِ الموحِّدين ، ومن أتباعِ جميعِ الديانات .. والذين يعصونَ اللهَ تعالى ورسولَهُ كثيرٌ منهم مسلمون .. وقاتلي المؤمنين موجودون في جميعِ الأديان .. وكذلك الأمرُ بالنسبةِ لعاملي السوء ، ولكلِّ الكبائر ..

.. هؤلاء جميعاً إذا ماتوا دون توبةٍ مقبولةٍ ، سيخلدونَ في النارِ .. هكذا يقولُ اللهُ تعالى في كتابِهِ الكريم .. فكيف إذاً تتمُُّ الشفاعةُ بالنسبةِ لمرتكبي هذه الكبائر ؟ ! ..

وإذا قالَ قائلٌ .. إنّ تأويلَ ما نُسبَ إلى الرسولِ r  ( شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي ) ، أنّ هؤلاء الذين سينالونَ الشفاعةَ هم من أمّةِ محمّدٍr   ، الملتزمينَ بمنهجِ اللهِ تعالى .. نقولُ : لو كان الأمرُ كذلك ، كيف يقومُ هؤلاء بالكبائر التي يبيّنُ لنا القرآنُ الكريمُ أنّها لا تُكفَّر ؟ ! .. فالملتزمُ بما جاءَ به الرسولُr   من عندِ اللهِ تعالى ، لا يعملُ الكبائر ..

[ ج ] قولُهُ تعالى ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) [ الزمر : 39/19 ] ، يبيّنُ لنا أنّ الذين حقّتْ عليهم كلمةُ العذابِ - ومنهم كما رأينا أهلُ الكبائر من المسلمين  - موحِّدين كانوا أم غيرَ موحّدين ، لا يُنقِذُهُم حتى الرسول   rمن هذا العذاب ..

[ د ] قولُهُ تعالى .. ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) [ آل عمران : 3/192 ] ، وقولُهُ تعالى .. ( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) [ غافر : 40/18 ] ، يبيّنُ لنا أنّ الظالمين ما لهم من أنصارٍ ، ولا شفيعٍ يُطاع .. ومعلومٌ أنّ الظالمَ قد يكونُ من الموحّدين ، ومن أيِّ أمّةٍ ، ومن أتباعِ أيِّ دين ..

[ هـ ] ما نُسِبَ إلى رسولِ الله r ، من أنّ شفاعتَهُ لأهلِ الكبائر من أمّتِهِ  - كما رأينا  - يرُدُّهُ القرآنُ الكريم .. فقيامُ بعضِ المسلمين بالكبائر يُوجِبُ عليهم عقوبةً أكبرَ من العقوبةِ المترتّبةِ على غيرِهِم في حالِ قيامِ غيرِهِم بهذه الكبائر ذاتِها .. فالذي يعصي اللهَ تعالى عن عِلْمٍ بحقيقةِ هذه المعصيةِ وبحقيقةِ عقوبتِها ، عقوبتُهُ أكبرُ ممّن يعصيه عن غيرِ عِلْم ..

ويبيّنُ لنا القرآنُ الكريمُ أنّ عقوبةَ الرسولِ r وزوجاتِهِ  - فيما لو تمَّ وقوعُ الخطأِ  - هي ضعفُ غيرِهِما من عامّةِ المسلمين ، لأنّهُ  r وزوجاتِه أقربُ البشرِ إلى العِلمِ بحقيقةِ المنهج ..

( وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ) [ الإسراء : 17/74-75 ]

( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ) [ الأحزاب : 33/30 ] ..

والحواريّون الذين طَلبوا أن يُنزلَ اللهُ تعالى عليهم مائدةً من السماء .. عقوبتُهُم ستصبح أكبرَ بكثيرٍٍ بعد رؤيتِهم لهذا البرهان الإلهي ، فيما إذا كفروا ..

( قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ ) [ المائدة : 5/115 ] ..

وهكذا نرى أنّ ارتكابَ المسلمين للكبائر في حياتِهم الدنيا ، يُرتِّبُ عليهم عقوبةً  - فيما لو لم يتوبوا توبةً مقبولة  - أكبرَ من غيرِهِم الذي يقوم باقترافِ الكبائر ذاتِها ، لأنّهم أكثرُ عِلماً بالحقيقةِ .. وهذا يُناقِضُ تماماً صياغةَ الحديث .. فإذا كانت هناك شفاعةٌ لهذه الكبائر ، فغيرُ المسلمين أقربُ إليها ، لأنّهم لا يعلمون الحقيقةَ كما يعلمُها المسلمون ..

[ و ] ما نُسبَ إلى الرسولِ r من أنّ شفاعتَهُ لأهلِ الكبائر من أمّتِِِه ، يتناقضُ مع رواياتٍ أُخرى تؤكِّد أنّه حتى فاطمة بنت محمّد r ، لا يملكُ لها رسولُ الله r شيئاً ..

صحيح البخاري   - حديث ( 2548 ) :

( حَدَّثَنَا ..... أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ..... ) ..

صحيح مسلم  - حديث ( 304 ) :

( حَدَّثَنَا ..... عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا فَقَالَ يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ ) ..

[ 2 ] حديثُ الشفاعةِ الكُبرى  - التالي  - يتنافى مع الكثيرِ من آياتِ القرآنِ الكريم ..

صحيح البخاري   - حديث ( 6956 ) :

( حَدَّثَنَا  ..... فَقَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْتُونِي فَأَقُولُ أَنَا لَهَا فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْ النَّارِ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ....... قَالَ ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَقُولُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ..

[ أ ] هذا الحديثُ بهذهِ الصيغةِ يتناقَضُ مع قولِهِ تعالى ..

( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) [ البقرة : 2/48 ]

( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) [ البقرة : 2/123 ]

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [ البقرة : 2/254 ] ..

إنّنا نرى  - في هذه النصوصِ القرآنيّةِ  - كيف تُنفى الشفاعَةُ  التي تبدأُ مقدِّماتُها في الآخرةِ ، بأقوى صيغِ النفي ..... فالشفاعةُ التي تبدأُ مقدّماتُها في الآخرةِ لا وجودَ لها ..

 أمّا الصورُ القرآنيّةُ التي تربطُ الشفاعةَ بإذنِ اللهِ تعالى ، وبرضاهُ ، وباتّخاذِ العهدِ عنده ، وبشهادةِ الحقِّ ، فهي تصوِّرُ حقيقةَ الشفاعةِ التي تبدأ مقدّماتُها في الدنيا كما سنرى لاحقاً ، وتؤكِّدُ أنّ الشفاعةَ تعودُ في النهايةِ إلى اللهِ تعالى ..

وهكذا نرى في النصوصِ القرآنيّةِ الثلاثِ السابقة ، أنّه لا تُوجَدُ نفسٌ تستطيعُ إسقاطَ العقابِ عن نفسٍ أُخرى ، فلو استطاعتْ إسقاطَ العقابِ عن نفسٍ أُخرى لكانتْ قد أجزَتْ عنها شيئاً ، ولكانتْ قد نصرَتْها وشفعتْ لها ، ولكان في الآخرةِ وجهٌ من أوجهِ الشفاعةِ التي تبدأُ مقدّماتُها في الآخرةِ ، وهذا يتنافى تماماً مع صياغةِ هذه الآياتِ الكريمة ..

[ ب ] دخولُ الجنّةِ يرتبطُ بالعملِ وِفقَ منهجِ اللهِ تعالى ..

( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ النحل : 16/32 ] ..

( وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ الزخرف : 43/72 ] ..

فلو فرضنا  - جدلاً  - أنّ الموحِّدينَ سيخرجونَ من النارِ بالشفاعةِ ، على الرغمِ من تقصيرِهِم بالعمل .. فهل سيدخلونَ الجنّةَ بلا عمل ؟ ! ! ..

[ ج ] قولُهُ تعالى .. ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) [ غافر : 40/7 ] ، يُبيّنُ لنا أنّ غفرانَ اللهِ تعالى  - ووقايةَ عذابِ الجحيمِ - ينالُهُ التائبونَ المتَّبعونَ لسبيلِ اللهِ تعالى ، وبالتالي فغيرُ التائبِ وغيرُ المتَّبعِ لسبيلِ اللهِ تعالى ، لا ينالُ هذا الغفران ، ولا ينالُ الوقايةَ من النارِ ، وبالتالي لن تنفعَهُ الشفاعةُ ( التي تبدأُ مقدّماتُها في الآخرة ) ، وإنْ كان من الموحِّدين ..

[ د ] حينما تكونُ الشفاعةُ مخصوصةً لنوعٍ من البشرِ دون الآخرين ، أو لدينٍ محدَّدٍ دون غيرِهِ من الدياناتِ السماويّةِ ، أو لمذهبٍ محدَّدٍ .. فإنّها في النهايةِ ظُلمٌ لهؤلاءِ الآخرين ، لأنّها  - حين ذلك  - دونَ معيارِ حقٍّ يرتبطُ بالإيمانِ والعملِ .. وإنْ كانتْ وِفقَ معيارِ إيمانٍ وعَمَلٍ يشملُ جميعَ البشرِ ( وهي كذلك ) ، فلا بُدَّ أن يكونَ هذا المعيارُ من جملةِ المعايير التي يُحاسبُ عليها البشرُ في الآخرة ، قبلَ دُخولِهم إلى النارِ أو إلى الجنّةِ .. وحين ذلك فإنّ مفهومَ الشفاعةِ بالحيثيّةِ التي ترويها الأحاديثُ  - كما رأينا  - لا معنى لها ..

[ هـ ] هذا الحديثُ بهذهِ الصياغةِ يتناقضُ ما بين بدايتِهِ ونهايتهِ ، ففي بدايتهِ يذهبُ الناسُ يومَ القيامةِ إلى آدمَ وبعضِ الرسلِ عليهم السلام ، وهذا يكونُ قبلَ الدخولِ إلى الجنّةِ وإلى النارِ .. وفي داخلِ الحديثِ لا يذكرُ الرسولُ  r  إلاّ أُمّتَهُ ، مع العلمِ أنّ الذين أتوا إليه ليشفعَ لهم هم الناسُ على مختلفِ أديانِهِم .. ويُخرِجُ الرسولُ  r المشفوعَ لهم من النارِ ، مع العلمِ أنّه لم يتمّ الدخولُ  - حتى تلك اللحظةِ  - إلى النار ..

[ 3 ] إنّ الجزمَ بأنّ العبارةَ القرآنيّةَ ( مَقَاماً مَحْمُوداً ) في الصورةِ القرآنيّةِ التاليةِ ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ) [ الإسراء : 17/79 ] ، لا تعني إلاّ الشفاعةَ الكُبرى للرسولِ r يومَ القيامةِ ، وذلك اعتماداً على الحديثِ التالي .. هذا الجزمُ لا تُسعفُهُ الدلالاتُ التي تحملُها صياغةُ هذه الصورةِ القرآنيّة ..

صحيح البخاري  - حديث ( 4349 ) :

( حَدَّثَنِي…… قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثًا كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ يَا فُلَانُ اشْفَعْ يَا فُلَانُ اشْفَعْ حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ ) ..

سنن الترمذي   - حديث ( 3062 ) :

( حَدَّثَنَا …… عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا سُئِلَ عَنْهَا قَالَ هِيَ الشَّفَاعَةُ ……) ..

إنّ الشفاعةَ التي تصفُها الرواياتُ ، والتي لا يكونُ لها إلاّ الرسولُ r - كما رأينا في صحيحِ البخاري حديث ( 6956 )  - هي مسألةٌ معلومةٌ ومعروفةٌ ووحيدة ، ولا يقدرُ عليها إلاّ شخصٌ واحدٌ هو الرسولُ محمّدٌ  r .. وبالتالي ليستْ نكرةً ، وليست مَرْتَبَةً ما من مجموعةِ مراتب ..

ولو نظرنا إلى الصورةِ القرآنيّةِ التي قِيلَ إنّها تصفُ هذه المسألةَ ، لرأينا أنّ العبارةَ القرآنيّةَ   ( مَقَاماً مَحْمُوداً ) فيها ، تأتي بصيغةِ نكرةٍ موصوفةٍ ، ولم تأتِ بصيغةِ المعرفةِ الموصوفةِ ..فالشفاعةُ الكُبرى  - حسب ما تقولُ الرواياتُ  - تُناسبُها الصياغةُ ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ المَقَامَ المَحْمُودَ ) ..

ولذلك .. حتى الذين صاغوا عباراتِ الروايةِ الحاملةِ لهذه المسألةِ ( الحديث : 4349 ، في صحيح البخاري ) ، ونسبوها إلى ابنِ عمر ، لم يستطيعوا القفزَ فوقَ هذه الحقيقةِ اللغويّة .. فالعبارةُ (  فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ ) في الحديثِ المذكور ، تؤكِّدُ هذه الحقيقةَ ..

إنّ العبارةَ القرآنيّةَ ( مَقَاماً مَحْمُوداً ) ، تُصوِّرُ درجةَ بعثِهِ r ، المرتبطةَ بمقدارِ سموِّ درجةِ تهجّدِهِ .. ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً )الجذرُ اللغويُّ للشفاعةِ هو الجذرُ ( ش ف ع ) .. ودلالاتُهُ تدورُ ضمنَ إطارِ خلافِ الوترِ ، وبالتالي ضمنَ إطارِ الزوجِ .. والشفاعةُ  - كما تُستنبَطُ من مشتقّاتِ الجذرِ ( ش ف ع ) في القرآنِ الكريم  - هي المزاوجَةُ بين المُرادِ وبينَ وتحقيقِهِ ، أي طلبُ الشافِع بتحقيقِ مُرادِ المشفوعِ له ..

إنَّ الإرادةَ تتحوَّلُ إلى مشيئةٍ ( واقعٍ ملموسٍ ) بالعملِ ، وبالأخذِ بالأسبابِ ، أي بالمزاوجةِ بينها وبينَ العملِ .. أمّا حينما يُفقَدُ العَمَلُ ، ولا يُؤخَذُ بأسبابِ تحقيقِ المُرادِ ، فإنّ الإرادةَ لا تتحوّلُ إلى واقعٍ محسوسٍ ( مشيئة ) ، وتبقى مجرَّدَ هدفٍ وغايةٍ في نفسِ المُريد ..

فالشفاعةُ هي مزاوجةُ الدعاءِ إلى اللهِ تعالى والطلبِ منه والتوسّلِ إليه جلّ وعلا ( حيث يقومُ بذلك الشافِعُ ) ، مع مُرادِ المشفوعِ له ، لتحقيقِ هذا المرادِ ، لأنّ المشفوعَ له لم يُزاوِجْ إرادتَهُ هذه بالعملِ وبالأخذِ بالأسبابِ في حياتِهِ الدنيا .. إذاً الشفاعةُ هي لمن ملكَ إرادةً خيِّرةً للعملِ ( في حياتِهِ الدنيا ) ، ولم يقمْ بتحقيقِ هذه الإرادةِ بالعمل ..

ولو نظرنا إلى مشتقّاتِ الجذرِ ( ش ف ع ) في القرآنِ الكريم ، من منظارِ المنهجِ السليمِ لتدبُُّرِ كتابِ اللهِ تعالى ( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ ) [ آل عمران : 3/7 ] ، لرأينا أنّ الشفاعةَ الواردةَ في كتابِ اللهِ تعالى ، جميعَهَا مقدّماتُها في الدنيا ، وليس في الآخرة .. وفي الآخرةِ يتمُّ قبولُ هذه الشفاعةِ ( قبولُ مزاوجةِ دعاءِ الشافِعِ وتوسّلِهِ إلى اللهِ تعالى مع إرادةِ الخيرِ في الدنيا للمشفوعِ له ، من أجلِ رفعِ هذه الإرادةِ إلى مستوى العملِ المأجور ) ، أو يتمُّ عدمُ قبولِها ، وفقَ معاييرَ تتعلّقُ بصدقِ الإرادةِ - في الدنيا  - للمشفوعِ له ..

لننظر إلى الصورةِ القرآنيّةِ التالية ..

( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى )  [ النجم : 53/26 ] ..

( لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً ) ، أنّها تعني شفاعتَهُم الآن ( قبلَ الآخرة ) ..

وحتى لو تمَّ سحبُ هذه الشفاعةِ إلى الآخرةِ ، فإنّ العبارةَ القرآنيّةَ ( إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ) ، ساحتُها الدنيا حصراً ، لأنّها تصوِّرُ لنا مقدّماتِ قبولِ الشفاعةِ ... ومقدّماتُ قبولِ الشفاعةِ هي حصراً في الدنيا ( دارِ الامتحان ) ، لأنّها تتعلَّقُ بالإرادةِ الطاهرةِ للمشفوعِ لهم ، والتي أرادوها في الدنيا ولم يستطيعوا ترجمتَها إلى عَمَلٍ حسِّيٍّ ..

فَسَحْبُ مقدّماتِ هذه الشفاعةِ إلى الآخرةِ ( إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى )  ، يتنافى مع الآياتِ الكريمةِ التي تنفي أيَّ شفاعةٍ تبدأُ مقدّماتُها في الآخرةِ كما رأينا ..

( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) [ البقرة : 2/48 ] ..

( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ )  [ البقرة : 2/123 ] ..

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [ البقرة : 2/254 ] ..

وهكذا يكونُ تقديرُ الصورةِ القرآنيّةِ ( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ) ، على الشكلِ : (( وكم من ملكٍ في السماواتِ لا ينفعُ دعاؤهم وتوسّلُهم  - سواءٌ في الدنيا أم في الآخرةِ  - لمزاوجةِ هذا الدعاءِ والتوسّلِ مع إرادةِ البشرِ الخيّرةِ التي أرادوها في الدنيا ولم يستطيعوا مزاوجتَها مع العملِ ، من أجلِ رفعِ هذه الإرادةِ إلى مستوى العملِ المأجورِ ، إلاّ من بعدِ أنْ يأذنَ اللهُ تعالى بأن تتمَّ هذه المزاوجةُ لمن يعلمُ اللهُ تعالى صدقَ إرادتِهِ ، ويرضى عن هذه الإرادةِ الطاهرةِ ، وبأنّها أهلٌ لدخولِ ساحةِ مشيئةِ الله تعالى ورضاه ( لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ) ، وبالتالي لرفعِها إلى مستوى المشيئةِ )) ..

والشفاعةُ في عالمِ الدنيا كمقدّمات .. نراها في الصوَرِ القرآنيّةِ التالية ..

( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) [ البقرة : 2/255 ] ..

( مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ) [ النساء : 4/85 ] ..

( مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ) [ يونس : 10/3 ] ..

( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) [ الأنبياء : 21/28 ] ..

فالشفاعةُ التي تنفعُ في الآخرةِ ، يحتاجُ فيها المشفوعُ له إلى إرادةٍ طاهرةٍ لعملِ الخيرِ ، أرادها في الدنيا ( دارِ العمل ) .. هذه الحقيقةُ نراها في الصورةِ القرآنيّةِ التالية ..

( يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً )                      [ طه : 20/109 ]

فالعبارةُ القرآنيّةُ ( يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ ) ساحتُها الآخرةُ .. والعبارةُ القرآنيّةُ  ( إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ) ساحتُها الدنيا ..

والنصوصُ القرآنيّةُ التاليةُ تؤكِّدُ هذه الحقيقةَ ..

( لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ) [ مريم : 19/87 ]

( وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) [ سبأ : 34/23 ]

( وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )   [ الزخرف : 43/86 ]

فقولُهُ تعالى ( إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ) في النصِّ الأوّلِ ، يصوّرُ لنا العهدَ في الحياةِ الدنيا ، وبالتالي فمقدّماتُ هذه الشفاعةِ ساحتُها الدنيا .. وكذلك قولُهُ تعالى ( إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) في النصِّ الثاني .. وكذلك قولُهُ تعالى ( إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) في النصِّ الثالث ..

ولمّا كان الكافرون والظالمون لا يملكونَ إرادةَ خيرٍ في حياتِهِم الدنيا من الممكنِ مزاوجتُها مع دعاءِ الشافعين ، فإنّهم لا تنفعُهُم الشفاعةُ أبداً ..

( وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ) [ الشعراء : 26/ 99 - 100 ] ..

( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) [ غافر : 40/18 ] ..

( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ  (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ  (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ  (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ  (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ  (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ  (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) [ المدّثّر : 74/42-48 ] ..

إذاً من لم يملكْ مقدِّماتِ الشفاعةِ ( الإرادةَ الخيّرةَ الصادقة ) في الدنيا ، لا تُفيدُهُ أيُّ شفاعةٍ في الآخرةِ ، لأنّ أحدَ زوجي الشفاعةِ غيرُ موجودٍ .. وهكذا فالشفاعةُ التي تبدأُ مقدِّماتُها في الآخرةِ لا وجودَ لها على الإطلاق ..    

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [ البقرة : 2/254 ] ..

فقولُهُ تعالى ( مِنْ قَبْلِ أَ&a">( وَلا خُلَّةٌ ) ، بينما في الحياةِ الدنيا كانت الخلّةُ بين الكثيرِ من أفرادِ البشر .. فالخلّةُ تبدأُ في الدنيا ، وتنتهي في الآخرةِ إلاّ للمتّقين ..

( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) [ الزخرف : 43/67 ] ..

وقولُهُ تعالى ( وَلا شَفَاعَةٌ ) يُماثل تماماً ( لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ ) .. فاللهُ تعالى يقولُ .. لا بيعٌ ولا خلّةٌ ولا شفاعةٌ تبدأُ في الآخرةِ ، فالبيعُ والخلّةُ والشفاعةُ مسائلُ تبدأُ في الدنيا ، ويستفيدُ الإنسانُ - إيمانيّاً  - من نتائجِها في الآخرة ..

والنصّان القرآنيّان التاليان يؤكِّدان هذه الحقيقةَ ..

( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) [ البقرة : 2/48 ] ..

( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) [ البقرة : 2/123 ] ..

فالشفاعةُ التي لا تُقبلُ ولا تنفعُ ، هي التي تبدأ مقدّماتُها في الآخرةِ ( وَاتَّقُوا يَوْماً ) دون امتلاكِ مقدّماتٍ لها في الدنيا من إرادةِ خيرٍ ، كما رأينا ..

والشفاعةُ جميعُها تعودُ إلى اللهِ تعالى ، فهي معيارٌ من معاييرِ حسابِ اللهِ تعالى للبشرِ دونَ استثناءٍ ..

( وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) [ الأنعام : 6/51 ] ..

 ( وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ )          [ الأنعام : 6/70 ] ..

( مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ ) [ السجدة : 32/4 ] ..

( قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعا ) [ الزمر : 39/44 ] ..

وهكذا نرى أنّ الشفاعةَ كما يَصِفُها اللهُ تعالى في كتابِهِ الكريم  - لا كما لُبِّسَ على الرسولِ  r -  هي مزاوجَةُ الإرادةِ الخيّرةِ للمشفوعِ له ، مع دعاءِ الشافِعِ وطلبِهِ غفرانَ اللهِ تعالى للمشفوعِ له ، أي مع طلبِ رفعِ هذه الإرادةِ إلى مستوى المشيئة ... فصاحبُ هذه الإرادةِ عجزَ عن تحقيقِها بالعملِ وبالأخذِ بالأسبابِ في حياتِهِ الدنيا ..

                                   

 

 

                       

                        إرادة خيّرة للمشفوع             دعاء الشافِع وطلبه من الله

   الشفاعة       =         له أرادها في حياته       +       تعالى رفع إرادة المشفوع له

                            الدنيا                            إلى مستوى العمل في ميزان

                                                                 الآخرة ..

 

 

ومسألةُ الخروجِ من النارِ بعد انقضاءِ فترةٍ من العذابِ فيها ، بالنسبةِ لبعضِ الداخلينَ في النارِ ، هي مسألةٌ غيرُ واردةٍ في كتابِ اللهِ تعالى .. فبعدَ انتهاءِ الحسابِ وسوقِ أهلِ النارِ إلى النارِ وأهلِ الجنّةِ إلى الجنّةِ ، يدخلُ الجميعُ حياةَ خلودٍ لا تنتهي ، ولا تتبدّلُ بالانتقالِ من النارِ إلى الجنّةِ ، ولا من الجنّةِ إلى النارِ ..

فالقرآنُ الكريمُ يؤكّدُ أنّ أهلَ النارِ  - دون استثناءٍ  - لا يخرجونَ منها ..

(  كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ )     [ البقرة : 2/167 ]

( يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ )                   [ المائدة : 5/37 ]

ويوم القيامةِ ينقسمُ المكلّفونَ إلى فريقين .. فريقٌ تثقلُ موازينُةُ ، وفريقٌ تخفُّ موازينُهُ .. والذين خفَّتْ موازينُهُم نتيجةَ غَلَبَةِ شقوتِهم عليهم ، تلك الشقوة التي أدّتْ بهم في حياتِهم الدنيا إلى الضلال ، يطلبون الخروجَ من النارِ .. ويأتيهم الردُّ من اللهِ تعالى ، لا كما يريدون ..

( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ  (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ  (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ  (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ  (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ ) [ المؤمنون : 23/101-108 ] ..

فأهلُ جهنَّم .. سيخلدونَ فيها مجرَّدَ ما دخَلوا أبوابَها ، ولا يخرجونَ منها أبداً .. وكذلك الأمرُ بالنسبةِ لأهلِ الجنّة ..

( فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) [ النحل : 16/29 ]

( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً 00000 (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً 00000 فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) [ الزمر : 39/71-73 ] ..

( ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) [ غافر : 40/76 ]

 وبالتالي فإنّ الصورةَ القرآنيّةَ ( إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (21) لِلطَّاغِينَ مَآباً  (22) لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً ) [ النبأ : 78/21-23 ] ، تعني أنّ أهلَ جهنّمَ تَتَابَعُ علهم دوراتُ العذابِ وألوانِهِ المختلفةِ ، كلّما مضى لَونٌ من العذابِ تبعَهُ لونٌ آخر .. وهكذا إلى الأبد ..

هذه الحقيقةُ نراها في الصورةِ القرآنيّةِ ( كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) [ الحج : 22/22 ] ..فأهلُ جهنّمَ حينما يقتربُ لونٌ من العذابِ (حقبٌ) من الانتهاءِ ، يتّجِهُ قصدُهُم وغايتُهُم ( إرادتُهم ) باتّجاهِ الخروجِ من الغمِّ الذي هم فيه .. ولكنّهم يعودونَ فيدخلونَ لوناً جديداً من العذابِ ، وحينما يقتربُ هذا اللونُ الجديدُ من العذابِ من نهايتِهِ ، يتّجهُ قصدُهُم وغايتُهُم نحو الخروجِ من جهنّم .. ولكنّهم يعودون فيدخلون لوناً جديداً آخرَ من العذابِ .. وهكذا .. هذا ما تصوِّرُهُ هذه الصورةُ القرآنيّةُ ، كتبيانٍ للصورةِ القرآنيّةِ    ( لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً ) ..

والصورةُ القرآنيّةُ التاليةُ تؤكّدُ هذه الحقيقةَ ..

( ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ       (104) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ  (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ  (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ  (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ )    [ هود : 11/103-108 ] ..

إنّ المعنيَّ بالسماواتِ والأرضِ في العبارةِ القرآنيّةِ ( مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ) ، هو سماواتُ الآخرةِ وأرضُها ، بعد أن تُبدّلا عن سماواتِ الدنيا وأرضِها ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ) [ إبراهيم : 14/48 ] .. وهذه العبارةُ ( مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ) تعني الخلودَ - سواءٌ لأهلِ النارِ أمْ لأهلِ الجنّةِ - وهي متكاملةٌ مع العبارةِ القرآنيّةِ التي تسبقُهَا مباشرةً ( خَالِدِينَ فِيهَا ) ..

والمسألةُ التي حارَ بِها الكثيرون ، هي إدراكُ دلالاتِ العبارةِ القرآنيّةِ ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) .. ولإدراكِ دلالاتِها إدراكاً سليماً ، علينا أن نبيّنَ النقاطَ التالية :

[ 1 ] رأينا في تبيانِ القرآنِ الكريمِ أنّه لن يخرجَ أيٌّ من أهلِ النارِ من النارِ ،  ولن يخرجَ أيٌّ من أهل الجنّةِ من الجنّةِ .. ولذلك فإنّ أيَّ تصوّرٍ لتأويلِ هذه العبارةِ بأنّها تعني خروجَ قسمٍ من أهلِ النارِ من النارِ ، هو تصوّرٌ غيُر سليمٍ ، لأنّه يُناقِضُ صريحَ القرآنِ الكريمِ ، ولأنّه سيعني بالضرورةِ خروجَ قِسمٍ من أهلِ الجنّةِ من الجنّةِ ، فالآيةُ التي تتحدّثُ عن أهلِ النارِ تتلوها آيةٌ تتحدّثُ عن أهلِ الجنّةِ بصياغةٍ مشابهةٍ تماماً ..

[ 2 ] الأقوالُ والرواياتُ التي تقولُ إنّ بعضَ الداخلينَ إلى النارِ سيخرجونَ منها ، ويدخلونَ الجنّةَ ، هي أقوالٌ ورواياتٌ لا تُناقضُ صريحَ القرآنِ الكريمِ فحسب ، وإنّما ينقضُها القرآنُ الكريمُ مبيّناً أنّها أقوالٌ ورواياتٌ تُماثِلُ ما يزعمُهُ اليهودُ ..

( وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) [ البقرة : 2/80-81 ] ..

[ 3 ] إنّ الجزمَ بأنّ المقصودَ بالعبارةِ القرآنيّةِ ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) هو خروجُ بعضِ أهلِ النارِ من النارِ ، يقتضي - لو كان سليماً ولو كان لا يُنافي صريحَ القرآنِ الكريم  - ورودَ هذه العبارةِ القرآنيّةِ على الشكلِ ( إلاّ من شاء ربّك ) .. فالعاقلون  - كأهلِ النارِ وأهلِ الجنّةِ - تُناسبُهُم كلمةُ ( من ) دونَ كلمةِ ( ما ) ، إضافةً إلى أنّ هذا الجزمَ يقتضي خروجَ بعضِ أهلِ الجنّةِ من الجنّةِ .. وبالتالي لا يمكنُ الجزمُ بأنّ كلمةَ ( ما ) تعني مجموعةً من العاقلين الداخلين في النارِ ، أو في الجنّةِ ..

[ 4 ] لمّا كان ورودُ كلمةِ ( ما ) دونَ كلمةِ ( من ) في العبارة القرآنيّة ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك ) لا يُفيدُ الجزمَ باستثناءِ بعضِ أهلِ النارِ - أو بعضِ أهلِ الجنّةِ - كما رأينا .. فإنّ ذلك لا يقتضي ولا يفرضُ أنّ هذه العبارةَ القرآنيّةَ تعني استثناءً من زمنِ الخلودِ ، لأنّ ذلك سيؤدّي إلى أنّ الخلودَ التامَّ لا يُوجَدُ في النارِ ولا في الجنّةِ ، لجميعِ الداخليَن في النارِ وفي الجنّةِ دون استثناءٍ .. وهذا يُناقضُ صريحَ البيانِ القرآنيِّ في العديدِ من الآياتِ الكريمة ..

[ 5 ] إنّ القولَ بأنّ العبارةَ القرآنيّةَ ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك ) تعني استثناءَ زمنِ وقوفِ أهلِ الموقفِ في الموقفِ ، أو زمنِ عمرِهم في الدنيا ، أو في عالمِ البرزخ .. يُناقضُ كونَ الصورةِ القرآنيّةِ السابقةِ لهذه العبارةِ القرآنيّةِ ( خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ) تعني المرحلةَ بعدَ دخولِ النارِ ( فَفِي النَّارِ ) ، والمرحلةَ بعدَ دخولِ الجنّةِ ( فَفِي الْجَنَّةِ )  ، أي بعدَ الموقفِ ، وبالتالي بعدَ الدنيا وبعدَ عالمِ البرزخ .. وبالتالي فالعبارةُ القرآنيّةُ ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك ) تبدأُ ساحتُها بعدَ الدخولِ في النارِ ، وبعدَ الدخولِ في الجنّةِ ..

[ 6 ] تأويلُ هذه الصورةِ القرآنيّةِ على أنّ الخارجينَ من النارِ بعد عذابِهِم لفترةٍ محدّدةٍ ، والذين تعنيهم العبارةُ القرآنيّةُ  ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك ) في الآيةِ التي تتحّدثُ عن أهلِ النارِ ، هم ذاتُهم الذين تعنيهم العبارةُ ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك ) في الآيةِ التي تتحدّثُ عن أهلِ الجنّةِ .. أي أنّ الخارجينَ من النارِ اُستثني من خلودِهِم فيها زمنُ ما بعد هذا الخروج ، وهو ذاتُهُ زمنُ لبثِهم في الجنّةِ التي دخَلوها بعد خروجِهم من النارِ ، وهؤلاء ذاتُهم - بعد دخولِهم الجنّة  - اُستثني من خلودِهِم في الجنّةِ زمنُ وجودِهِم في النارِ ، قبل مجيئهم إلى الجنّةِ 000 هذا التأويلُ غيرُ سليمٍ ، لأنّ ابتداءَ الآيةِ التي تتحدّثُ عن أهلِ النارِ بالعبارةِ ( فَأَمَّا الَّذِين ) ، وابتداءَ الآيةِ التي تتحدّثُ عن أهلِ الجنّةِ بالعبارةِ ( وَأَمَّا الَّذِين ) ، يؤكّدُ لنا أنّن&Ccedacute;َ اللهِ تعالى لهم بالشقاء ..

[ 8 ] الخلودُ مسألةٌ تعني عدمَ الوصولِ إلى نهايةٍ .. فهو يعني سرمديّةَ النهايةِ ، ولا يعني سرمديّةَ البدايةِ ..

( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ) [ الأنبياء : 21/34 ]

( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ )  [ الشعراء : 26/129 ] ..

ولذلك فإنّ العبارةَ القرآنيّةَ ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك ) لا يمكنُ أن تكونَ استثناءً من الخلودِ ، فدخولُ بعضِ المكلّفينَ إلى النارِ في البدايةِ ثمّ خروجُهُم منها ودخولُهم الجنّة ، يتنافى مع مفهومِ الخلودِ الذي يعني استمراريّةَ الوجودِ للشيءِ - دونَ انقطاعٍ - بلا نهاية .. وبالتالي فالذي دخلَ النارَ ثمّ خرجَ منها لا يمكنُ وصفُ وجودِهِ فيها بالخلود ، أو اعتباره خلوداً تُستثنى منه مرحلةُ ما بعدَ الخروج .. وكذلك الأمرُ بالنسبةِ للذي تأخَّرَ دخولُهُ إلى الجنّةِ ، فلا يُمكنُ استثناءُ تأخّرِهِ من الخلودِ ، لأنّ هذا الاستثناءَ انقطاعٌ يُناقِضُ مسألةَ الخلودِ من أساسِها ..

[ 9 ] في الصورةِ القرآنيّةِ ( فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ  (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) ، لو تمَّ سحبُ العبارةِ القرآنيّةِ ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) على الاستثناءِ الزمنيِّ للخلودِ ، لتنافى ذلك مع منطقِ الاستثناءِ ذاتِهِ .. فمن المعلوم أنّ المُستَثنى هو  - بشكلٍ عامٍّ  - الجزءُ الأقلُّ من المُستثنى منه ..والمستثنى هنا هو الخلودُ بكامِلِهِ ما عدا فترة اللبثِ المحدودةِ في النارِ ( حسب تفسيرِهِم ) ، وهذا يُكوِّنُ معظمَ المستثنى منه ، لأنّ الخلودَ لانهائيٌّ ، ومهما حُذِفَ من اللانهائيّ يبقى لا نهائيّاً .. فهل يُعقَلُ أن يكون المُستثنى لانهائيّاً ، في الوقتِ الذي يُفترَضُ فيه أن يكونَ الجزءَ الأقلََََّ ، أو  - على الأقلّ  - الجزءَ المحدودَ ؟!!! ..

[ 10 ] الآيةُ الكريمةُ التاليةُ ، تؤكّدُ حقيقةَ ما نذهبُ إليه ..

( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ )  [ الأنعام : 6/128 ] ..

فالعبارةُ القرآنيّةُ ( إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ) تقعُ بين عبارتين ، تصوِّرُ كلٌّ منهما خطاباً مباشراً .. العبارةُ السابقةُ لها ( قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا ) تصوّرُ خطاباً مباشراً إلى الكافرين ( وهم في الموقفِ ) الذين يستحقّونَ الخلودَ في النارِ .. والعبارةُ التاليةُ لها ( إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) ، تصوّرُ خطاباً مباشراً إلى الرسول r ولكلِّ مؤمنٍ مستمعٍ لآياتِ اللهِ تعالى ..

وبالتالي فالعبارةُ القرآنيّةُ ( إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ) ، تتعلَّقُ بالعبارةِ التي تسبقُها تعلُّقَ تبيانٍ لماهيّة الخلودِ في النارِ .. وتتعلّقُ بالعبارةِ التي تليها تعلُّقَ النتيجةِ بمقدّمتِها ، فمشيئةُ اللهِ تعالى لهذا الخلودِ ، هي نتيجةُ إحاطةِ حكمةِ اللهِ تعالى بجعلِ الكافرينَ خالدينَ في النارِ ، ونتيجةُ علمِهِ جلّ وعلا بحقيقةِ استحقاقِ هؤلاءِ لهذا الخلودِ ..

[ 11 ] العبارةُ القرآنيّةُ ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) في الصورةِ القرآنيّةِ ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ  (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ )  ، هي تفصيلٌ وتبيانٌ للعبارةِ القرآنيّةِ التي تسبقُها ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) ..

إنّ المشيئةَ ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) هي  - كما رأينا في النظريّة الثانية ( القَدَر )  - تسخيرُ الأسبابِ المادّيّةِ ( الفعل ) لتحقيقِ المُراد ، وهذا ما تنطقُ به العبارةُ القرآنيّةُ ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) .. وبالتالي فالعبارةُ القرآنيّةُ   ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) تصوّرُ لنا حيثيّاتِ دوامِ الخلودِ ، المرافقِ لدوامِ سماواتِ الآخرةِ وأرضِها ، ولا تعني  - أبداً  - استثناءَ بعضِ الداخلينَ إلى النارِ ، ولا تعني  - أبداً  - استثناءً من زمنِ الخلودِ في النارِ .. وهذا ما رأيناه في النقاطِ السابقة ..

[ 12 ] العبارةُ القرآنيّةُ ( عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) في نهايةِ الصورةِ القرآنيّةِ ( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ )  ، تعني عطاءً غيرَ منقطعٍ وغيرَ منقوصٍ .. وهي ترتبطُ بجميعِ عباراتِ الآيةِ الكريمةِ التي تنتمي إليها .. فلا يستطيعُ أحدٌ أن يُبرهنَ بأنّها لا تتعلّقُ بالعبارةِ التي تسبقُها ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ )  ..

وإذا نظرنا إلى العبارةِ القرآنيّةِ ( عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) من منظارِ العبارةِ القرآنيّةِ ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ )  .. فكيف يكونُ النقصانُ من الخلودِ والانقطاعُ عن جزءٍ منه ( حسب تفسيِر الذين ذهبوا إلى أنّ كلمةَ إلاّ استثناءٌ ) عطاءً غيرَ منقطعٍ وغيَر منقوصٍ ؟ !!! ..

.. وهكذا نرى أنّ العبارةَ القرآنيّةَ ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) ليستْ استثناءً ، لا من زمنِ الخلودِ ، ولا من أهلِ النارِ ، ولا من أهلِ الجنّةِ .. وإنّما تدلُّ على أنّ الخلودَ - سواءٌ لأهلِ النارِ أم لأهلِ الجنّةِ أم لسماواتِ الآخرةِ وأرضِها  - لا يكونُ إلاّ بمشيئةِ اللهِ تعالى ، وتحتَ قيّوميّتِهِ جلّ وعلا ..

إذاً تقديرُ الصورةِ القرآنيّةِ ( خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) .. أنّ خلودَ أهلِ النارِ في النارِ ، هو خلودٌ دائمٌ ، لأنّ السماواتِ والأرضَ بعد أن تُبدّلا في الآخرةِ دائمتان لا تفنيان .. وهذا الدوامُ والخلودُ ما كان ليكونَ إلاّ بمشيئةِ اللهِ تعالى ، فحيثيّاتُ عدمِ الفناءِ ليستْ نابعةً من ذاتِ الجنّةِ ، ولا من ذاتِ النارِ ، ولا من ذاتِ من فيهما ، إنّما هي نتيجةُ تسخيرِ أسبابِ هذا الخلودِ لتحقيقِ مُرادِ اللهِ تعالى بدوامِ هذا الخلودِ .. وكذلك الأمرُ في تقديرِ الصورةِ القرآنيّةِ ( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) ..

وفي المقابلةِ بين العبارةِ القرآنيّةِ ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) وبينَ العبارةِ القرآنيّةِ ( عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) ، بيانٌ إلهيٌّ يصوّرُ لنا الفارقَ بين مفهومِ مشيئةِ اللهِ تعالى في الدنيا ، وبينَهُ في الآخرةِ ..

إنّ مشيئةَ اللهِ تعالى في الدنيا هي تسخيرُ اللهِ تعالى للأسبابِ ، لتحقيقِ مُرادِ اللهِ تعالى ( الإرادة الكونيّة ) ، ولتحقيقِ مُرادِ البشرِ [ كما رأينا في النظريّة الثانية ( القدر ) ] .. وإنّ هذه الأسبابَ مسخّرةٌ للمؤمنين والكافرين على حدٍّ سواء ، وبالحيثيّاتِ ذاتِها .. بينما مشيئةُ اللهِ تعالى في الآخرةِ تختلفُ بأن تكونَ مسخَّرة ً لإرادةِ الله تعالى الكونيّةِ بالنسبةِ لأهلِ النارِ ، دون أن ترتبطَ بإرادتِهم أبداً ، ودون أن تفعلَ الأسبابُ بين أيديهم .. وقد رأينا [ في النظريّة الثانية ( القدر ) ] كيف أنّ أهلَ النارِ لا يملكون سوى إرادة الخروجِ من النار ، ولا يملكون أيَّ مشيئة ..

ولذلك فمشيئةُ اللهِ تعالى  - بالنسبةِ لأهلِ النار  - تعني فِعْلَ الله تعالى وتسخيرَهُ للأسبابِ بحيث تُحقِّقُ مُرادَ اللهِ تعالى في عدمِ فناءِ النارِ ، وهذا ما تصوّرُهُ الصورةُ القرآنيّةُ ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) .. ولا تعني  - أبداً  - عطاءً من اللهِ تعالى لأهلِ النارِ بأن يُسخِّرَ الأسبابَ بين أيديهم ، كما كانَ الأمرُ في الحياةِ الدنيا ..

.. هذه الحقيقةُ نراها في الارتباطِ بين العبارتين القرآنيّتين المتتاليتين في الصورةِ القرآنيّةِ ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ  .. عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) .. فمشيئةُ الدنيا  - بالنسبةِ للإنسان  - عطاءٌ منقوصٌ ، لأنّها تحتاجُ إلى العملِ بالأسباب .. بينما مشيئةُ الآخرةِ بالنسبةِ لأهلِ الجنّةِ ، هي  - ضمنَ إطارِ مشيئةِ اللهِ تعالى  - عطاءٌ غيُر منقوصٍ ..

 

المــهندس عـدنان الرفــاعي

كاتـب ومـفـكِّــر إســـلامي

سورية – درعــا – تلشهاب

هاتف منزل   :  252300  15  00963

هاتف جوّال   :   252300  95  00963

 

 www.thekr.net

Email : adnan@ thekr.net
اجمالي القراءات 22269

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-11
مقالات منشورة : 401
اجمالي القراءات : 8,275,199
تعليقات له : 1,905
تعليقات عليه : 2,755
بلد الميلاد : ALGERIA
بلد الاقامة : ALGERIA