لمجرد العظة والنصح والارشاد:
الى شيخ الأزهر

آحمد صبحي منصور في الأحد 06 اغسطس 2006



الى شيخ الأزهر
لمجرد العظة والنصح والارشاد
( تعليقا على هجومه على مركز ابن خلدون)
بقلم د. أحمد صبحي منصور
المدير السابق لرواق ابن خلدون والمستشار الاسلامي السابق للمركز
 
 فى صحيفة الرأى العام الكويتية فى 8/10/2004 شن شيخ الأزهر هجوما ضاريا على مركز ابن خلدون بسبب المؤتمر الذى عقده المركز تحت عنوان "الاسلام والاصلاح" بهدف اصلاح المسلمين بالاسلام . وجاء هجوم شيخ الأزهر تاليا ومبررا لهجوم آخر بدنى ولفظى استهدف أعضاء المؤتمر أثناء عقدهم المؤتمر الصحفي ، ونقلت صحيفة الوفد هجوم شيخ الأزهر فى اليوم التالى 9/10/2004 ، ولأننى من علماء الأزهر المناضلين فى سبيل اصلاح الأزهر واصلاح المسلمين ، ولأن مركز ابن خلدون شهد جزءا من هذا النضال خلال مؤتمراته ورواقه الإسبوعي الذى أنشاته فيه منذ 2 يناير 1996 ، فإن من حقى أن أرد على شيخ الأزهر دفاعا عن المركز، وعن الاسلام الصحيح ، وليس هجوما على شيخ الأزهر ، وانما ابتغاء نصحه ووعظه وارشاده.


أولا : ان شيخ الأزهر يؤكد بين سطور هجومه "عقيدة الكهنوت" التى يرفضها الإسلام ويرفضها قانون الأزهر نفسه . وملامح الكهنوت فى حديث شيخ الأزهر تتلخص فى :


1- الألقاب الدينية .
2- ادعاء الاحتكار للدين .
3- تكفير الآخرين والدعوة الى محاكمتهم واستعمال العنف معهم.


الألقاب الدينية :
تقول جريدة الوفد " طالب فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف :" وأقول ليس فى الإسلام بعد لقب النبي والرسول ألقاب دينية تطلق على أي مسلم ، وليس بعد خاتم النبيين عليه السلام "إمام" ، إذ أنه – عليه السلام - هو إمام المسلمين بعده ، إذا أن شيخ الأزهر يجعل نفسه "الإمام الأكبر للمسلمين" فإذا كان هو الإمام الأكبر ، فماذا أبقى لخاتم النبيين عليه السلام عليه وعليهم السلام ؟.


ادعاء الاحتكار للدين .
وشيخ الأزهر يحتكر الاسلام لنفسه وللأزهر ، لذا يغضب أشد الغضب من مشاركة مراكز غربية لتتحدث عن الإسلام ، متجاهلا أن المتحدثين فى المؤتمر كلهم من المسلمين المتخصصين، ويدافع عن احتكاره للإسلام حين يطالب المسئولين بالتدخل بقوة لمنع هذه المهاترات ؟!! "خاصة أن التوصيات دعت دعوة صريحة فى البند الثاني الى التصدي لأفكار المؤسسات التى تحتكر الحديث بإسم الدين فى محاولة لخلق مدرسة اجتهاد جديدة تحمل مشاعل تجديد الفكر الديني فى الاسلام ، معتبرا أن مؤسسة الأزهر هى المقصودة بالتحديد بهذه التوصية" وأقول ، كما أنه ليس فى الاسلام ، بعد خاتم النبيين شيخ للإسلام أو إمام للمسلمين ، فإنه ليس فى الاسلام أيضا مؤسسة دينية أو دولة دينية أو ألقاب دينية .


ان من حقائق الاسلام التى أكدها رب العزة جل وعلا فى القرآن الكريم أن من اهتدى فقد اهتدي لنفسه ، وأن من ضل فقد ضل عليها ، وهو يتحمل المسئولية عن نفسه واختياره أمام الله تعالى يوم القيامة . أى أن الهداية مسئولية شخصية منوطة بكل انسان ، وحتى النبي لا يستطيع أن يهدى من أحب . وعليه فليس من مسئولية الدولة أو المجتمع أو أى مؤسسة هداية الناس أو ادخالهم الى الجنة . ان مسئولية الدولة فى الاسلام تنحصر فى رعاية حقوق العباد "حقوق الانسان فقط" ولذا فقد أكد رب العزة جل وعلا فى أكثر من ألف آية قرأنية حرية الإنسان فى المعتقد ومسئوليته أمام الله تعالى فقط يوم القيامة ونفى الواسطة أو الكهنوت بين الناس ورب الناس ، وهذه هى عظمة الاسلام ودولته العلمانية بمفهومها الاسلامي ، التى تتناقض مع الدولة الدينية التى قامت فى تاريخ المسلمين وأفرزت مؤسسات دينية كهنوتية ، كان منها الأزهر . ومن هنا يأتي العلاج للمسلمين ، بالإسلام العظيم الذى يأبي أن يحتكر دين الله تعالى دولة أو مؤسسة أو طائفة أو شخص. ودين الله تعالى أسمى وأعظم من ذلك ويكفى ما قاله رب العزة لخاتم النبيين " فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ : الغاشية 21-22" ، " اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ، وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ : الأنعام 106-107 " ، " وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ : يونس 99".


واذا كان الاسلام يرفض أن يحتكره أحد فإن قانون الأزهر نفسه لم يخوّل للأزهر احتكار الدين ، بل أنه طبقا للقانون ، فإن الأزهر مؤسسة مدنية تتخصص فى الشأن الديني الإسلامي ، ولا تحتكره. واذا قيل أن الأزهر مؤسسة دينية كهنوتية ، فمعنى ذلك طبقا لاعتقاد الكهنوت أن الله تعالى هو الذى اختارها وفرضها على الناس ، وجعل رئيسها متحدثا بإسم الله ، ناطقا بالوحي الالهي. إلا أن الأزهر مؤسسة مدنية يقوم رئيس الدولة باختيار شيخ الأزهر ، الذى يتمتع بمنصب وظيفي يماثل رئيس الوزراء ، أو نائب رئيس الوزراء ، وللأزهر وزارة وقانون بشري مدني ، ومسئوليات ومرتبات وعلاوات شأن باقى الموظفين ، وهو ، أى شيخ الأزهر ، موظف كبير يخدم سياسة الدولة وتقلباتها ، ولذلك تتناقض فتاويه التى تعبر عن تقلبات السياسة ، أو عن وجهة نظره ، وتخالف الآخرين فى داخل الأزهر وخارجه ، وكل ذلك يخرج عن اطار الكهنوت المزعوم ويدخل فى دائرة التوظيف.


التكفير
ومن ملامح الكهنوت فى هجومه تكفير مخالفيه فى الرأى ، إذا أنه بعد ادعاء الاحتكار للدين ، يتهم مخالفيه فى الرأى بالخروج على هذا الدين الذى احتكره لنفسه ، وهو يتهمهم مرتين بأنهم "أعداء خارجون" ، (ان هؤلاء جماعة خارجون وسبق أن اتهم أحدهم بخيانة البلاد) ويدعو الى مواجهتهم بقوة لأنّ ما فعلوه (وصمة عار ونكبة يجب أن يتداركها المجتمع والمسلمون) ويطالب بقوة ( بمنع هذه المهاترات ) و (ضرورة ايقاف مركز ابن خلدون لدورها التخريبي فى المجتمع المصري) وأنه ( يجب ايقافها ومحاكمتها).


وأقول جاءت هذه الفتاوى التكفيرية مصحوبة بالمطالبة بالتدخل بالقوة والمنع وانشاء محاكم التفتيش ، وهنا يضع شيخ الأزهر الدولة المصرية فى مأزق: فإما أن تتدخل طبقا لفتاويه كما فعلت فى الماضي وبذلك يكسب مركز ابن خلدون عالميا ، وتخسر الدولة المصرية أضعاف أضعاف ما خسرته فى غارتها السابقة على المركز ، وإما أن تتجاهل الدولة فتاوى شيخها الأزهرى وتترك الفرصة للمتطرفين كي يقوموا عنها بذلك الدور ، وبذلك يتكرر ما حدث فى اغتيال فرج فودة ، حين أصدر الشيوخ ضده – وضدي- فتاوى الردة ، ثم بعد اغتيال فرج فودة أعلن أحدهم فى محاكمة القتلة أن فرج فودة مرتد ومستحق للقتل وأن القاتل افتأت على السلطة حين قتل من يجب أن تقتله الدولة. ان خطورة هذا التكفير محققة وتستهدف اغتيال د. سعد الدين ابراهيم ورفاقه ، خصوصا القرآنيين. والسوابق تؤكد ذلك من حادثة فرج فودة الى نجيب محفوظ وغيرهم . وهنا فإن شيخ الأزهر د. محمد سيد طنطاوي ، بشخصه ، يعتبر مسئولا مسئولية مباشرة عن أى أذى يلحقه المتطرفون الإرهابيون بشخص د. سعد الدين ابراهيم ورفاقه ، ويعتبر هذا بلاغا مقدما ، ليس فقط للنائب العام فى مصر ، ولكن لكل المؤسسات الدولية الداعية للاصلاح فى مصر والشرق الأوسط والمعنية بحقوق الانسان.


ثانيا : ان شيخ الأزهر فى اندفاعه للهجوم غفل عن حقائق علمية قرآنية وتاريخية وقانونية انه يقول " ان توصية المركز بتنقية التراث الديني ، لا سيما ما يتعلق بالحديث النبوي والسنة واعتماد النص القرآني مرجعية حاكمة وحيدة هى دعوة صريحة لإغفال مصدر رئيسي فى الاسلام وهو السنة النبوية "
وأقول أنه :


1- ينكر أن يكون القرآن مرجعية حاكمة وحيدة .
2- يهاجم تنقية التراث والأحاديث والسنن .
3- يعتبر السنة النبوية من مصادر التشريع فى الإسلام.


ونرد عليه بإيجاز قدر المستطاع :
1- ينكر أن يكون القرآن مرجعية حاكمة وحيدة :
وهو بذلك يتجاهل قوله تعالى "أفغير الله ابتغي حكما ، وهو الذى أنزل اليكم الكتاب مفصلا : الأنعام 114 " ، والقرآن هو وحده الذى نحتكم اليه حين نختلف ، وعادة ما يحدث الاختلاف بسبب الأحاديث الضالة المنسوبة كذبا للنبي عليه السلام أو لله تعالى ، ولذلك فإن الله تعالى يقول قبل الآية السابقة "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ الأنعام 112"، فهنا يشير الله تعالى الى الوحي الشيطاني بأحاديثه الضالة المزخرفة ، ثم يقول عمن يتبع هذا الحديث الضال "ولتصغى اليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون : الأنعام 113" ، أى يهواها الذين لا يؤمنون بالآخرة ويفسدون فى الأرض. ثم تأتى الآية التالية لتجعل الإحتكام الى القرآن وحده فى تلك الأحاديث الضالة ،"أفغير الله أبتغى حكما ، وهو الذى أنزل اليكم الكتاب مفصلا : الأنعام 114". ثم تأتى الآية التالية تؤكد تمام القرآن وصدقه وعدله "وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ، لا مبدل لكلماته ، وهو السميع العليم : الأنعام 115" ويدور سؤال: ماذا اذا خالف البشر جميعا آية قرآنية واحدة ، وتأتى الإجابة من رب العزة سبحانه وتعالى "وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ : الأنعام 116 " اذن هم يتبعون الظن بدلا من كتاب الله الذى لا ريب فيه . وعلماء الحديث يقررون أن الأحاديث تقوم على الظن ، وليس على اليقين ، وهم بهذا يؤكدون اعجاز القرآن ، فيما نبأ بما سيفعله بعض المسلمين بعد نزول القرآن ، حين ينسبون للنبي أحاديث بعد موته بقرون ، ويسندون تلك الأحاديث الى الصحابة الذين ماتوا بعد انهماكهم فى السياسة والفتوحات والفتنة الكبرى. ماتوا دون أن يعرفوا ماذا أسند اليهم الرواة بعد موتهم بقرون فى العصر العباسي.


والحقيقة المؤسفة أن شيخ الأزهر برفضه الاحتكام للقرآن فى تلك الأحاديث أنه يعترف ضمنا بتعارضها مع القرآن ويخاف عليها من الاحتكام الى القرآن بشأنها وينحاز اليها دفاعا عنها ، فيهاجم مركز ابن خلدون فى دعوته الى الاحتكام الى القرآن.


2- تنقية التراث من الأحاديث والسنن :
ان شيخ الأزهر حين يهاجم تنقية التراث بأحاديثه وسننه ، انما يغفل حقائق تاريخية عليه أن يعرفها ويعترف بها . فأئمة الاجتهاد فى الفقه والحديث انصب اجتهادهم على تنقية التراث الشفهى ، أو الأحاديث الشفهية. فمالك انتقى كتابه "الموطأ" بأحاديثه التى تزيد قليلا على الألف حديث من عشرات الألوف من الأحاديث الرائجة فى عصره. والبخاري انتقى صحيحه "حوالى 3 آلاف حديث" من بين ستمائة ألف حديث . ومسلم لم يقتنع باجتهاد البخاري ، فكتب "صحيح مسلم" بمقدمة رائعة عن الوضع فى الحديث ، أو الكذب فى الحديث ، و"الحاكم" استدرك على البخاري ومسلم معا. وجاء ابن حنبل ،فألغى أبوابا كاملة من الحديث ، حين قال "ثلاثة لا أصل لها ، التفسير والملاحم والمغازي" بل إن ابن حنبل ألغى "الإجماع" من مصادر التشريع لدى المسلمين حين قال "من ادعى الاجماع فى شيئ فقد كذب، ومن أدراه أن الناس قد اختلفوا ، وهو لا يعلم ؟" ، ثم جاء الحنابلة أتباع ابن حنبل ، فأكثروا من وضع الحديث ، ومنها حديثهم المشهور "من رأى منكم منكرا ، فليغيره " . وقد تصدى لهم أئمة الحنابلة أنفسهم ، ومنهم ابن الجوزي فى القرن السادس ، فى كتابه " اللألئ المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة" وابن تيمية فى القرن الثامن فى كتابه " أحاديث القصاص" ، وابن القيم صاحب ابن تيمية فى كتابه "المنار المنيف فى الصحيح والضعيف" ، ثم السيوطي فى القرن العاشر فى كتابه المشهورعن الموضوعات فى الحديث. وحتى عصرنا الراهن كتب الألباني "وهو فى الأصل ساعاتي من البلقان" كتب موسوعته فى الأحاديث الضعيفة ، وكل ذلك فى نفس الإطار "تنقية الأحاديث ، أو تنقية التراث " وقد قام بها علماء من خارج الأزهر قبل وبعد انشائه.


على أن علماء أجلاء من الأزهر قاموا أيضا بنفس الدور ، فالشيخ محمد عبده فى تفسيره أنكر الشفاعة وأنكر علم النبي بالغيب ، محتكما فى ذلك الى القرآن العظيم. وصار على نهجه الشيخ شلتوت ، شيخ الأزهر ، فى كتابيه "الفتاوي ، والاسلام عقيدة وشريعة" وان لم يقترب من عبقرية الإمام محمد عبده. ولا ننسى جهد أستاذ المحققين أحمد أمين فى كتبه "فجر الإسلام ، ضحى الإسلام ، ظهر الإسلام".


والى عهد قريب كان يقال أن هناك لجان فى الأزهر لتنقية التراث ، وكان أولى لشيخ الأزهر د. طنطاوي أن يقوم بهذا العمل ، ليس فقط خدمة للإسلام ، واصلاحا للمسلمين بالإسلام ، ولكن أيضا لأن ذلك ما يمليه عليه واجبه الوظيفي . ان قانون الأزهر يفرض على أساتذة الأزهر " تجلية حقائق الاسلام" وهذا يعني أن هناك حقائق اسلامية خفية يجب اظهارها، وأن هناك أباطيل منسوبة للإسلام يجب كشفها وفضحها وازالتها ، والمعيار فى ذلك هو الميزان الكتاب الفرقان القرآن العظيم. ولكن شيخ الأزهر لم يتقاعس فقط عن هذه المهمة ، وانما تطاول على المجتهدين الذين تطوعوا للقيام بهذا العمل حبا فى الاسلام ، واصلاحا للمسلمين.


3- ان شيخ الأزهر يعتبر السنة "سنة البخاري وغيره" من مصادر التشريع فى الاسلام وهذا خطأ فى التعبير ، فهل يعقل أن تظل مصادر التشريع فى الإسلام ناقصة الى أن يأتي البخاري وغيره بعض موت النبي بقرون ليكملوها ؟ وماذا نفعل بقوله تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا : المائدة 3" ان العبارة الصحيحة هي :ان القرآن الكريم هو المصدر الوحيد للتشريع فى الاسلام ، أما المسلمون فقد أضافوا له مصادر اخرى توسعت بها الفجوة بينهم وبين الاسلام ، وكان من بين تلك المصادر الأحاديث والسنن ، وكلهم مختلفون فيها جزئيا وكليا.


ان تلك الأحاديث ليست جزءا من دين الاسلام وأولئك الذين يعتبرونها جزءا من الاسلام ، انما يتهمون النبي عليه السلام بأنه لم يبلغ الدين كاملا وبأنه فرط فى تبليغ هذا الجزء وهذا اتهام نرفضه ، لأنه عليه السلام بلّغ الدين كاملا ، وهو القرآن العظيم المحفوظ الى يوم القيامة. ولتأكيد هذا فإنني أورد تلك الحقائق الاسلامية لتذكير شيخ الأزهر وغيره :


1. أن القرآن الكريم وحده هو الحديث الذى يجب الايمان به وحده " أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ :الأعراف 185 ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ : المرسلات 50 " ، وكما ينبغي الايمان بالله وحده الاها ينبغي الايمان بالقرآن وحده حديثا " تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ الجاثية 6" ويتكرر فى القرآن الكريم التأكيد على أن أفظع الظالمين ظلما هو من افترى على الله كذبا أو كذّب بآياته. وبعضهم يكذب آيات الله اذا تعارضت مع البخاري ، ويرفض الاحتكام الى القرآن فى أحاديث البخاري وغيره.


2. القرآن وحده أصدق الحديث وأصدق القول " اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا " ، " : النساء 87، وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً : النساء 122" . والقرآن وحده هو أحسن الحديث ، وما عداه من كلام فى الدين هو طاغوت ، حتى ولو كان حسنا مزخرفا " الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ---- اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ الزمر 17-23".


1- يكتفى المؤمن بالله تعالى ربا " أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ : الزمر 36 " ويكتفى أيضا بالقرآن كتابا وحيدا " أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ :العنكبوت 51" ، وكما أنه ليس لله تعالى مثيل " فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ : الشورى 11" فإنه ليس للقرآن مثيل " قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا :الإسراء 88".


2- النبي محمد والمؤمنون مأمورون بإتباع القرآن وحده " كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ، اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ: الأعراف 2-3" ، " وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ : الأنعام 153".


3- هناك فرق فى مفاهيم القرآن فيما يخص النبي محمد بين لفظى النبي والرسول. محمد النبي هو شخصه وعلاقاته بمن حوله ، لذا يأتى له الأمر باتباع الوحي بصفة النبي" وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا الأحزاب 2" ويأتيه العتاب واللوم بصفة النبي "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ : التحريم 1" ويأتى الحديث عن علاقاته بمن حوله بصفة النبي "، " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا الأحزاب 28 ، " يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا الأحزاب 30"، " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ :الأحزاب 53" أما محمد الرسول ، فهو عندما يبلغ الرسالة . وبعد موت النبي وتبليغ الرسالة كاملة ، فإن الرسول هو القرآن وحده ، نفهم هذا من قوله تعالى " وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا: النساء 100 " ، " وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ : آل عمران 101" ، " أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ، رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا :الطلاق 10-11" ، بل أن كلمة الرسول قد تأتى بمعنى كلام الله أى صفة من صفاته ، ويستحيل أن يكون مقصودا منها النبي محمد ، نفهم هذا من قوله تعالى " لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا:الفتح 9" ، إن المطاع فى قوله تعالى "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، هو واحد ، وهو الله تعالى فى كتابه الذى بلغه الرسول فى حياته ، وذلك فإن الضمير يعود بصيغة المفرد فى قوله تعالى "وإذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم : النور 48" لم يقل عن الله ورسوله "ليحكما بينهما" لأن التحاكم هو للرسالة ، للقرآن.


4- لقد كانت وظيفته عليه السلام التبليغ فقط ، ويشمل التبيلغ أنه كان شاهدا ومبشرا ومنذرا وداعيا الى الله ومعلما للقرآن ومزكيا للمسلمين بالقرأن، ولكنه كان فى كل ذلك يتكلم بالقرآن فقط " كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ: الأعراف 2" ، " وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ : الأنعام 51 " ، " نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ : ق 45 " ومن الطريف أن النبي عليه السلام خطب الجمعة أكثر من خمسائة مرة ومع ذلك فلم يحفظ له العصر العباسي خطبة جمعة واحدة لأنه كان يخطب الجمعة بالقرآن ، ولأنه كان مبلغا فقط فلم يكن من حقه التشريع ، لأن التشريع حق الله وحده ، لذلك كان يسألونه عن أشياء تكرر ذكرها فى القرأن من قبل وكان فى وسعه أن يجيب بمجرد قراءة القرآن والاستشهاد به ، ولكنه كان ينتظر أن تأتى الإجابة من الله " يسألونك عن " ، "قل".


5- مفهوم السنة فى القرآن هو "الشرع والمنهاج" ولذلك تأتى السنة منسوبة لله فى شرعه ، كقوله تعالى للنبي " مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا : الأحزاب 38" ، فالسنة هنا هي سنة الله أو فرض الله أو أمر الله ، ويقول تعالى فى منهاجه فى التعامل مع المشركين "سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا:الفتح 23" والنبي محمد هو أول الناس طاعة لسنة الله تعالى وشرعه ، ونحن نتخذه قدوة حسنة لنا فى هذا ، يقول تعالى " لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة : الأحزاب 21" ، لم يقل سنة حسنة وانما قال أسوة حسنة.


6- إلا أنهم يعتبرون ما كتبه البخاري وغيره هو السنة النبوية الالهية ويدعون أنها وحي من السماء ، وان ذلك الوحي قد امتنع عن كتابته الرسول فى عهده والخلفاء الراشدون وغير الراشدين الى أن جاء بعض الناس كالبخاري وغيره فتطوعوا بدافع شخصي لتدوين تلك السنة ، فظل الاسلام ناقصا الى أن تطوع البخاري وغيره لإكماله فى عصور الفتن والاستبداد والانحلال. ولستر عورة هذا الافتراء يحرفون معاني القرآن ، ليجعلوا طاعة أحاديث البخاري طاعة للرسول ، أو يؤولون معني قوله تعالى " وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ " فيقولون أن الذكر الأول هو السنة التى تبين للناس ما أنزل اليهم وهو القرآن عندهم . وهم بذلك يخرجون الآية عن سياقها اذ تتحدث عن أصحاب الكتب السماوية السابقة ودور القرآن فى توضيحها ، يقول تعالى " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ : النحل 43-44" ويتكرر نفس المعنى فى نفس السورة " تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ : النحل 63-64" ، ويتأكد هذا فى صورة أخرى " إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ : النمل 76".


وهم يدعون أن الحكمة هي السنة حين تأتى مرادفة للكتاب "أى القرآن" فى نحو قوله تعالى "وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة" : النساء 113" ويعتبرون واو العطف تفيد المغايرة ، اى أن الكتاب غير الحكمة ، وهذا خطأ ، فواو العطف فى القرآن تفيد التوضيح والتبيين ولا تفيد المغايرة ، يقول تعالى " ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكراً للمتقين : الأنبياء 48" ، فالفرقان والضياء والذكر كلها صفات للتوراة وتوضيح لها ، ويقول تعالى لعيسى عن الإنجيل والتوراة "واذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل" المائدة 110، فالكتاب والحكمة هنا وصف للإنجيل ، بدليل قوله تعالى عن عيسى ، "فلما جاء عيسى بالبينات ، قال قد جئتكم بالحكمة : الزخرف 63" وعليه فإن الكتاب والحكمة هما من صفات القرآن الكريم الذى أحكمت آياته وهي من صفات التشريعات فى القرآن ، والله تعالى جاء بأوامره فى العقيدة والشريعة فى سورة الاسراء ، بدءا من قوله تعالى "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين احسانا " وختم الأوامر بقوله تعالى"ذلك مما أوحي اليك ربك من الحكمة : الاسراء -39 " وقال تعالى لنساء النبي " واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة: الأحزاب 34" ، فآيات الله القرآنية هى الحكمة المأمور بتلاوتها. ولذلك فإن الضمير يعود على الاثنين معا ، الكتاب والحكمة بصيغة المفرد ، لأنهما شيئ واحد ، يقول تعالى "وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به: البقرة 231 " ولم يقل يعظكم بهما ، لأن الحكمة هى الكتاب ، هى القرآن.


7- وهم يحتجون بالصلاة وتفصيلاتها التى لم تأت فى القرآن ، ويتخذون من ذلك حجة لإتهام القرآن بأنه ناقس وأنه محتاج لتفصيلات البخاري وغيره ، ونقول أن ما ورد من أحاديث البخاري عن الصلاة يفسد الصلاة ويشكك فيها ، وقد تعلم أجدادنا المسلمون الصلاة والقرآن من الفاتحين العرب قبل مولد البخاري وغيره.


والصلاة والزكاة والحج متوارثة من ملة ابراهيم ، والقرآن الكريم ما فرط فى شيئ ، حيث يورد التبيين لكل ما يحتاج للتبيين . والصلاة وهى السنة العملية المتوارثة لا خلاف فى عدد ركعاتها وكيفيتها ، لذلك لم يوضح رب العزة فى القرآن من ملة ابراهيم المتوارثة الا ما أحدثه العرب فيها من تغيير أو ما أنزله الله فيها من تشريع جديد، مثل التشريع الجديد فى الصوم "البقرة 183-187" أو فى صلاة الخوف "البقرة 238، والنساء 101-104 ".


8- ان البخاري الذى يخاف شيخ الأزهر من مناقشته والاحتكام فيه الى القرآن ، انما يحوي فى داخله أفظع الاتهامات للنبي عليه السلام ،ولدين الاسلام العظيم وتشريعاته ، وكل ذلك كنا قد أوضحناه فى كتاب لنا بعنوان "القرآن وكفى مصدرا للتشريع" أثبتنا فى الفصل الأول أن القرآن وحده هو المصدر التشريعي للإسلام وفى الفصل الثاني عرضنا أحاديث البخاري التي تطعن فى النبي وفى الاسلام وتشريعاته ، وقد أبى الناشر إلا أن يغير عنوان الكتاب فجعله "القرآن لماذا" وإلا أن يغير اسم المؤلف ، فجعل اسمه د. عبد الله الخليفة ، ومع ذلك فقد صودر الكتاب من المطابع سنة 1991، وفهم الشيوخ –وهم أحيانا يفهمون- أن المؤلف هو كاتب هذه السطور.


وختاما نقول ،ان عصرنا ، عصر الانترنت سينهى سطوة شيخ الأزهر وأمثاله من الذين يضعون المتاريس أمام حركة العقل والفكر ، ونذكر شيخ الأزهر بأن مشروع اصلاح التعليم الديني فى مصر ، الذى بدأه مركز ابن خلدون وكان لى شرف وضع مناهجه الدينية وتزعم الأزهر الحملة ضده ، حتى أسقط سنة 1999 ، هذا المشروع هو الذى نبه العالم الى خطورة الفكر المتعصب والى التناقض بينه وبين صحيح الاسلام. وذلك المشروع الذى رفضه الأزهر وحاربه فى أواخر التسعينيات أصبح مطلبا عالميا فى أوائل هذا القرن. وقد تمخض عنه رغبة العالم فى اصلاح الشرق الأوسط سياسيا ودينيا. وقد رفض المسئولون ذلك الاصلاح بحجة أنه اصلاح وافد وأن الاصلاح ينبغى أن يأتي من داخل الدين، وحين قام مركز ابن خلدون ببحث الاصلاح ، اصلاح المسلمين بالاسلام ومن داخل الاسلام وبعرض التراث المخالف للاسلام على القرآن الكريم جاء رد شيخ الأزهر للتكفير والتخوين ليؤكد أن القضية غاية فى البساطة ، هى قضية سلطة ، ومقاعد للحكم والتحكم يتمسك بها بعض أشخاص من الذين شاخوا على مقاعدهم حتى لو أدي الأمر الى خراب المجتمع والدولة.


ان الاسلام هو قمة الاصلاح ، وكل نبي كان مصلحا لقومه وناصحا لهم "ان أريد إلا الاصلاح ما استطعت : هود 88" وكان من العادة أن يهلك القوم المفسدون ويأتي النبي يتأسف على هلاكهم ، يقول "لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين: الأعراف 79" ، وليس الاصلاح وظيفة الأنبياء فقط ، بل هي وظيفة كل من يقتدى بهم ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى ، مثل مؤمن قوم فرعون الذى قال لقومه "فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمرى الى الله ، إن الله بصير بالعباد : غافر 44".


حين احتل صدام الكويت كنت قد كتبت بحثا عن قوانين الإهلاك فى القرآن الكريم مؤداه أنه حين يعم التكذيب بآيات الله وحين يرتبط ذلك التكذيب بتقسيم المجتمع الى أقلية نصف فى المائة تحتكر الثروة والسلطة فى مواجهة أغلبية جائعة من الشعب ، فإن الانفجار أو الإهلاك أو التدمير بألفاظ القرآن الكريم لابد أن يحيق بهذا المجتمع ، إما يأتيه من الداخل بحروب أهلية أو غيرها ، أو من الخارج ، وقد طبقت هذا على حالة العراق بعد احتلال الكويت ، وعلى حالة بغداد فى عصر الخليفة المستعصم العباسي حين دمره المغول هو ودولته ، ونشرت ملخص هذا البحث فى الأخبار تحت عنوان "ليس دفاعا عن هولاكو" وقد نقل الشيخ محمد الغزالى هذا المقال بأكمله فى كتابه "تراثنا الفكري" وقال "كتب الدكتور أحمد صبحي منصور هذا الفصل النفيس فى النقد الذاتي للتاريخ الاسلامي ، ننقله عنه مقدرين للفكر الذكى الذى أملاه" تراثنا الفكرى ص 108 – 113.


لقد تنبأت سنة 1991 بالتدمير الذى سيحدث للعراق وهو ما يحدث الآن. وقبلها سنة 1982 فى خاتمة كتابي "السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة" تنبأت بأن الصدام سيحدث بين الشباب المتدين والسلطة المصرية إذا لم يتم تنقية التراث من تلك الأحاديث الكاذبة وحدث ما توقعت بعد عشر سنين من صدام بين السلطة والشباب المتدين خلال النصف الأول من عقد التسعينيات . وأنا الآن فى غربتي عن بلدي الحبيب أخشى من نبوءة ثالثة ، إننا إن لم نصلح أمرنا بأيدينا فسيأتي الدمار. "فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمرى الى الله ان الله بصير بالعباد
 

اجمالي القراءات 18964

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (4)
1   تعليق بواسطة   محمد شعلان     في   الإثنين 26 مارس 2007
[4641]

إلى من ألقى السمع وهو شهيد

عند قراءتي الموضوعية لهذا المقال وجدت الأتي وجدت أن كاتب هذا المقال يملك من الشجاعة والعلم ما يخاطب به شيخ الأزهر ويبين له أخطائه الاستراتيجية في كونه على رأس اكبر مؤسسة دينية في مصر ، وجدت أيضا أن الدكتور كاتب هذا المقال أبان لنا موقف شيخ الأزهر ممن يريدون الصلاح للمسلمين من خلال تنقية الفكر الديني السائد في هذه الأيام ، واتهام شيخ الأزهر لهم بالضلال والخروج عن الدين ، وفي هذا تحريض من شيخ الأزهر للمتطرفين فكرياً لأن يٌصَفٌوا المجتهدين في مجال الاصلاح الديني والسياسي جسدياً كما فعلوا مع الراحل فرج فودة , وهل هذا يعقل من من ما يسمونه الإمام الأكبر ، وجدنا في المقال القدرة العظيمة المستندة إلى التخصص العلمي الدقيق في تاريخ المسلمين وتاريخ تأليف الأحاديث المنسوبة ظلما للرسول الكريم للنقد والتنقية للكثير والكثير مما جاء في التراث ، وجدنا التوفيق من الله تعالى في القدرة على الاستنباط من القرآن الكريم ، وجدنا أيضاً الأمل في غد مشرق يكون فيه دوراً للفكر القرآني والتعاليم القرآنية السامية أن نصحح ما لحق بالإسلام من تشويه وظلم بين من أهل الإسلام عن قصد وبدون قصد ، والحقيقة أن هذا المقال يجبرك أن تٌقرأه أكثر من عدة مرات حتى تستوعب منه الكثير والكثير وفي هذا ذكرى لمن ألفى السمع وهو شهيد .

2   تعليق بواسطة   فيصل بهلول     في   الثلاثاء 08 يناير 2008
[15304]

طلب تفسير

و ما محمد الا رسول قد خلت منه الرسل                                                                                                                                                                                                                                                   هو الدى يصلى عليه و ملائكته يا يها الدين امنواصلوا عليه وسلموا تسليما                                                                                                                                                                                                      101البقرة              


3   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الأحد 21 فبراير 2016
[80547]

الدكتور منصور يدافع عن حرية الرأي ..عن الإسلام .. ضد كهنوت الأزهر


دفاع الدكتور أحمد صبحي عن مركز ابن خلون في سنة 2004  ضد كهنوت  شيخ الأزهرالسابق   ،لو وجد آذان ضاغية من وقتها لما وجدنا انفسنا نعيد نفس الحوارات ونعاني من نفس العقول ، بل قد ازدادا الكهنوت مناعة وسوءا كهنوت شيخ الأزهر تمثل في ثلاث نقاط لاتزال موجودة حتى الأن :الألقاب الدينية2- ادعاء الاحتكار للدين .3- تكفير الآخرين والدعوة الى محاكمتهم واستعمال العنف معهم.  هل الألقاب الدينية التي تطلق على شيخ الأزهر لها وجود في الإسلام ، قول جريدة الوفد " طالب فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف :" وأقول ليس فى الإسلام بعد لقب النبي والرسول ألقاب دينية تطلق على أي مسلم ، وليس بعد خاتم النبيين عليه السلام "إمام" ، إذ أنه – عليه السلام - هو إمام المسلمين بعده ، إذا أن شيخ الأزهر يجعل نفسه "الإمام الأكبر للمسلمين" فإذا كان هو الإمام الأكبر ، فماذا أبقى لخاتم النبيين عليه السلام عليه وعليهم السلام ؟.  



هل الإسلام يعطي  للرسول حقا في إرغام الناس على الهداية ؟ 



 الهداية مسئولية شخصية منوطة بكل انسان ، وحتى النبي لا يستطيع أن يهدى من أحب . وعليه فليس من مسئولية الدولة أو المجتمع أو أى مؤسسة هداية الناس أو ادخالهم الى الجنة . ان مسئولية الدولة فى الاسلام تنحصر فى رعاية حقوق العباد "حقوق الانسان فقط" ولذا فقد أكد رب العزة جل وعلا فى أكثر من ألف آية قرأنية حرية الإنسان فى المعتقد ومسئوليته أمام الله تعالى فقط يوم القيامة ونفى الواسطة أو الكهنوت بين الناس ورب الناس..



4   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الأحد 21 فبراير 2016
[80548]

تكفير المخالفين في الرأي بعد ادعاء الاحتكار للدين ، مسلسل لاينتهي


,ومن ملامح الكهنوت في هجومه تكفير المخالفين في الرأي إذ انه بعد ادعاء الاحتكار للدين يتهم المخالفين بالخروج ويحرض بضرورة التدخل بالقوة والمنع وانشاء محاكم التفتيش ، وهنا يضع شيخ الأزهر الدولة المصرية فى مأزق: فإما أن تتدخل طبقا لفتاويه كما فعلت فى الماضي وبذلك يكسب مركز ابن خلدون عالميا ، وتخسر الدولة المصرية أضعاف أضعاف ما خسرته فى غارتها السابقة على المركز ، وإما أن تتجاهل الدولة فتاوى شيخها الأزهرى وتترك الفرصة للمتطرفين كي يقوموا عنها بذلك الدور ، وبذلك يتكرر ما حدث فى اغتيال فرج فودة ، هل برأيكم ، دام فضلكم ، انتهى هذا المسلسل أم فاق المسلسلات التركية طولا ومللا وكآبة!!! مع احترامي لمحبي المسلسلات التركية ،إذ انها وسيلة للتسلية والترفيه ،لا تخلو من فائدة .. 



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 2857
اجمالي القراءات : 22,753,086
تعليقات له : 3,652
تعليقات عليه : 11,308
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي