(عدو الله ) فى الفتنة الكبرى الثانية ( حركة المختار الثقفى )

آحمد صبحي منصور في الإثنين 24 يونيو 2019


(عدو الله ) فى الفتنة الكبرى الثانية ( حركة المختار الثقفى )   

مقدمة :  

1 ـ قلنا فى تحليل نفسية الخوارج أن عُقدتهم النفسية كانت فى الحقد على قريش ، لذا صنعوا لهم دينا شعاره ليس ( لا إله إلا الله ) ولكن ( لا حكم إلا لله ) وهو يعنى الكفر بحكم قريش وأن الحكم لله جل وعلا وحده ، ويعنون الحكم السياسى ، ثم يعتبرون أنفسهم ممثلين لرب العزة ، ويعتبرون أعداءهم أعداء الله جل وعلا ، ويجعلون رب العزة تابعا لهم .

المزيد مثل هذا المقال :

2 ـ فى فوضى الفتنة الكبرى الثانية ظهر المختار الثقفى طامحا للسلطة . لم يكن له أن يحقق طموحه مع الخوارج ، سيظل تابعا لأحد زعمائهم ، فالمختار من ثقيف وهى من قبائل ( مُضر ) ومعظم الخوارج من قبائل ( ربيعة ) . ثقيف المُضرية هى الأقرب لقريش المضرية ، لذا كان عليه أن ينحاز الى الجانب القرشى ، وهم ثلاثة أجنحة ( االهاشميون) و ( الأمويون ) و ( الزبيرون ). وأيضا لن يكون سوى تابع صغير لو إنضم للأمويين ، وهو يريد أن يكون قائدا كبيرا ، ورأى أن هذا سيتحقق لو كان الى جانب الهاشميين ، فلم يبق منهم سوى محمد بن الحنفية ( إبن على بن أبى طالب ) و ( على زين العابدين ابن الحسين ) وابن عباس ، وهم جميعا فى وضع حرج ، فى وقت علا فيه نفوذ عبد الله بن الزبير. وخلا الجو للمختار بهزيمة الشيعة التوابين وقتل زعيمهم سليمان بن صرد . وفى البداية تقرب الى عبد الله بن الزبير ، ولم يثق فيه ابن الزبير ، وفى النهاية إصطدما ، وكانت نهاية المختار على يد مصعب بن الزبير عام 67 هجرية.

2 ـ على أن المختار الثقفى إحتاج الى رتوش دينية كُفرية يعطى بها نفسه مشروعية دينية ، ليس فقط فى إستعمال ( عدو الله / أعداء الله ) ولكن فى مفتريات أخرى لم يقع فيها الخوارج . الخوارج كان بدوا سفاكى دماء ، وأسرفوا فى قتل غيرهم من نساء وأطفال وشيوخ ، وكان هذا أكبر مظهر لعبادتهم وجهادهم . ولم يكن لديهم وقت للتفكير والرأى ولم تكن لهم ثقافة تجعلهم يؤطرون لهم آراء دينية . ظهر هذا متأخرا فى العصر العباسى بعد أن ضعفت ثم خمدت ثوراتهم المسلحة ، وظهر من يتبع رأيهم ويصوغ فيه آراء فكرية . بهذا يكون المختار الثقفى رائدا فى خزعبلاته الدينية ، سبق بها عصره ، وتأثر بها من جاء بعده من الشيعة فى العصر العباسى . ونعرض لها :

أولا : كرسى أو تابوت المختار :

 1 ـ ( كرسى ) كان المختار يستنصر به هو جنوده . وظهر هذا فى مسير إبراهيم بن الأشتر إلى  قتال عبيد الله بن زياد ، وهى المعركة التى انتهت بقتل ابن زياد وهزيمة جيشه . تقول الرواية : عن خروج ابن الأشتر ( فخرج يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة سنة ست وستين، وخرج معه المختار يودعه في وجوه أصحابه، وخرج معهم خاصة المختار، ومعهم كرسي المختار على بغل أشهب ليستنصروا به على الأعداء، وهم حافون به يدعون ويستصرخون ويستنصرونويتضرعون‏.‏.. واستمر أصحاب الكرسي سائرين مع ابن الأشتر..)

2 ــ وروى الطبرى أن طفيل بن جعدة بن هبيرة هو الذى أعطى هذا الكرسى للمختار على أنه فيه (أثرة من علم ) . فاشتراه منه باثني عشر ألفاً، ، تقول الرواية عن الطبرى : ( فخطب المختار الناس فقال‏:‏ إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله، وأنه قد كان في بني إسرائيل تابوت يستنصرون به،وإن هذا مثله‏.‏ ثم أمر فكشف عنه أثوابه وقامت السبئية ( الشيعة ) فرفعوا أيديهم وكبّروا ثلاثاً ..‏) ( .. فلما قيل‏:‏ هذا عبيد الله بن زياد قد أقبل، وبعث المختار ابن الأشتر، بعث معه بالكرسي يحمل على بغل أشهب قد غشي بأثواب الحرير، عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة‏. ‏فلما تواجهوا مع الشاميين ... وغلبوا الشاميين وقتلوا ابن زياد، ازداد تعظيمهم لهذا الكرسي حتى بلغوا به الكفر‏.‏ )

ثانيا :

جنود المختار هم ( شُرطة الله ).!! 

1 ـ  كان عبد الله بن الزبير قد حاصر بنى هاشم فى شعب أبى طالب فى مكة لإرغامهم على بيعته فرفضوا فكان على وشك إحراقهم بالنار، فوصل الخبر الى المختار وهم المتحكم فى الكوفة ، فأرسل مجموعة مسلحة بالخشب ( إحتراما للحرم المكى ) ، وقال لهم : "  يا شرطة الله لقد اكرمكم الله بهذا المسير ، ولكم بهذا الوجه عشر حجج وعشر عُمر.! " . هنا نرى المختار يؤله نفسه يجعل جنده ( شُرطة الله ) بل ويصدر تشريعا بإعطائهم عشر حجات وعشر عُمرات ، ويصدر تصريحا بإسم رب العزة بأن الله جل وعلا قد أكرمهم بهذا المسير .

2 ـ وإستعمل ابراهيم بن الأشتر قائد المختار هذا التعبير حين كان يقود جيش المختار  ضد عبيد الله بن زياد ، تقول الرواية : (فجعل الأشتر يناديهم‏: ‏إلي يا شرطة الله، أنا ابن الأشتر.. )

ثالثا :

الملائكة وجبريل فى خدمة المختار  

1 ـ زعم ان جبريل كان يأتى اليه يجالسه .  يقول  رفاعة القتباني: ( دخلت على المختار فألقلى إلي وسادة وقال لولا أن أخي جبرائيل قام عن هذه ــ وأشار إلى أخرى عنده ــ  لألقيتها لك ).

 2 : وأذاع المختار تقاتل مع جنده ، أى هم فى خدمته . وكان الشاعر (سراقة  بن مرداس الأزدى البارقى ) أسيرا لدى المختار بعد هزيمة ابن زياد . وقد إستغل زعم المختار بأنه يعلم الغيب وأن الملائكة تقاتل معه ــ إستغل هذا فى أن ينجو من القتل  تقول الرواية : (كان قد قاتل المختار فأخذه أسيرا ، وأمر بقتله ، فقال : لا والله ، لا تقتلنى حتى تنقض دمشق حجرا حجرا . فقال المختار لأبى عمرة : من يخرج أسرارنا ؟ ثم قال : من أسرك ؟ قال : قوم على خيل بلق ، عليهم ثياب بيض ، لا أراهم فى عسكرك ( يعنى الملائكة )  ، فأقبل المختار على أصحابه فقال : ( إن عدوكم يرى من هذا ما لا ترون . ) قال : إنى قاتلك.  قال : والله يا أمين آل محمد انك تعلم أن هذا ليس باليوم الذى تقتلنى فيه ، قال : ففى أى يوم اقتلك ؟ قال : تضع كرسيك على باب دمشق ، فتدعونى يومئذ فتضرب عنقى . فقال المختار لأصحابه : يا شرطة الله من يرفع حديثى . ثم خلّى عنه..).

 رابعا :

المختار يجعل رب العزة تابعا له .!!

1 ـ ألبس المختار طموحه السياسى ثوبا دينيا مزيفا . كان فى السجن حين إنهزم سليمان بن صرد وجماعته ( التوابين ) ، وخلت الساحة الشيعية من زعيم فوجدها المختار فرصة ليقدم نفسه بديلا لإبن صرد وبمؤهلات إلاهية . من سجنه بعث لأحد كبار الشيعة ( رفاعة بن شداد ) رسالة يقول له فيها : ( أما بعد ، فمرحبا بالعصب الذين أعظم الله لهم الأجر حين انصرفوا ورضي انصرافهم حين قفلوا ، أما ورب البنية التي بنى ما خطا خاط منكم خطوة ولا رتا رتوة إلا كان ثواب الله له أعظم من ملك الدنيا. ). هنا يتقول على رب العزة بأنه أعظم لهم الأجر والثواب فى خروجهم وفى هزيمتهم ، ثم منح سليمان بن صرد  درجة عليا مفتريا الكذب على الله جل وعلا ، قال : ( إن سليمان قد قضى ما عليه وتوفاه الله فجعل روحه مع أرواح الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ) ثم يقدم نفسه بأنه ــ وليس سليمان بن صرد ـ الذى سنتصرون به : ( ولم يكن بصاحبكم الذي به تنصرون )، وقال عن نفسه : ( إني أنا الأمير المأمور والأمين المأمون وأمير الجيش وقاتل الجبارين والمنتقم من أعداء الدين والمقيد من الأوتار فأعدوا واستعدوا وأبشروا واستبشروا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى الطلب بدماء أهل البيت والدفع عن الضعفاء وجهاد المُحلّين والسلام ).

2 ـ وتمكن المختار من قتل كل من شارك فى قتل الحسين وآله فى كربلاء ومنهم شمر بن ذى الجوشن  وعمر بن سعد وابنه ، ويقول المختار فى رسالة لابن الحنفية : ( بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد بن علي من المختار بن أبي عبيد،سلام عليك أيها المهدي، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد‏: ‏فإن الله بعثني نقمة على أعدائكم فهم بين قتيل وأسير، وطريد وشريد، فالحمد لله الذي قتل قاتلكم ). هنا يلقب محمدا بن على بن أبى طالب بالمهدى ، ويجعل نفسه مبعوثا من رب العزة جل وعلا لقتل أعداء العلويين ، ثم ينسب القتل لرب العزة جل وعلا : (فالحمد لله الذي قتل قاتلكم ). وهى نفس العادة الكافرة فى جعلهم رب العزة عاملا عندهم . تعالى الله جل وعلا عن هذا علوا كبيرا. وتبّا لحطام الدنيا الذى يهبط بالبشر الى هذا السّفل والسفالة .!

3 ـ تكرر هذا الإفك من المختار فى الحثّ على إفناء من قتل الحسين ، قال فى دعوته لإهلاكهم : ( ما من ديننا ترك قوم قتلوا الحسين يمشون أحياء في الدنيا آمنين ) ، أى حو دين جديد له ولصحابه يتمثل فى قتل قتلة الحسين . ثم قال عن نفسه : ( بئس ناصر آل محمد أنا إذا في الدنيا أنا إذا الكذاب كما سموني ، فإني بالله أستعين عليهم ، الحمد لله الذي جعلني سيفا ضربهم به ورمحا طعنهم به وطالب وترهم والقائم بحقهم )، أى يفترى  أن الله جل وعلا جعله سيفا ورمحا والذى يطلب الثأر لهم والقائم بحقهم. ثم ينحطّ فى الكفر إذ يقول : ( إنه كان حقا على الله أن يقتل من قتلهم وأن يذل من جهل حقهم فسموهم لي ثم اتبعوهم حتى تفنوهم . ) . أى يجعل حقا على رب العزة أن يقتل أولئك وأن يذلّ من جهل حقهم. علي هذا المختار لعنة الله جل وعلا .

خامسا :

إستعمال مصطلح ( عدو الله / أعداء الله )

1 ـ وطالما أن المختار قد زعم لنفسه مكانة تفوق رب العزة جل وعلا ، فليس غريبا أن يجعل خصومه ( أعداء الله ) .

2 ـ فى عام 66 إستولى المختار على الكوفة فى 14 ربيع الأول وهرب إبن مطيع والى ابن الزبير عليها ، وتتبع المختار بالقتل ، ليس فقط الزعماء بل الأفراد. جىء ببعضهم اليه معتقلين . تقول الرواية : ( .. فقال لهم المختار: " يا أعداء الله وأعداء كتابه وأعداء رسوله وآل رسوله : أين الحسين بن علي ؟ ) .

3 ـ وفى المعركة التى دارت بين ابراهيم بن الأشتر قائد المختار وجيش عبيد الله بن زياد عام 67 قال المتحدث باسم جيش ابن زياد للمتحدث باسم جيش المختار : ( ألا يا شيعة أبي تراب ( أى على بن أبى طالب ) يا شيعة المختار الكذاب " ) فأجابه المتحدث باسم جيش المختار : ( ما بيننا وبينكم أجل من الشتم ، فقال لي :" يا عدو الله إلام تدعوننا أنتم تقاتلون مع غير إمام " فقلت له : " بل يا لثارات الحسين ابن رسول الله ادفعوا إلينا عبيد الله بن زياد فإنه قتل ابن رسول الله وسيد شباب أهل الجنة حتى نقتله ببعض موالينا الذين قتلهم مع الحسين فإنا لا نراه لحسين ندا فنرضى أن يكون منه قودا.. ") . هنا يتهم المتحدث بإسم الجيش الأموى المتحدث يإسم جيش الشيعة بأنه عدو الله .

4 ـ فى إنقاذ بنى هاشم من تحريق ابن الزبير: وصلت إستغاثة محمد بن على بن أبى طالب ( إبن الحنفية ) الى المختار ، تقول الرواية : ( .. فنادى في الناس ، وقرأ عليهم الكتاب ، وقال : " هذا كتاب مهديكم وصريح أهل بيت نبيكم وقد تركوا محظورا عليهم كما يحظر على الغنم ينتظرون القتل والتحريق بالنار في آناء الليل وتارات النهار، ولست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا وإن لم أسرب إليهم الخيل في أثر الخيل كالسيل يتلوه السيل حتى يحل بابن الكاهلية ( ابن الزبير )  الويل " ) وأرسل مجموعات مسلحة   دخلت الحرم المكى : (  وهم ينادون يا لثارات الحسين ، حتى انتهوا إلى زمزم ، وقد أعد ابن الزبير الحطب ليحرقهم ، وكان قد بقي من الأجل يومان ، فطردوا الحرس وكسروا أعواد زمزم ، ودخلوا على ابن الحنفية ، فقالوا له " " خل بيننا وبين عدو الله ابن الزبير " ، فقال لهم : " إني لا أستحل القتال في حرم الله " . ) . هنا نرى الشيعة يقولون عن عبد الله بن الزبير أنه ( عدو الله ) .

جدير بالذكر أن إبن الزبير هرب من المواجهة ، تقول الرواية : : ( فسار القوم ومعهم السلاح حتى اشرفواعلى مكة ، فجاء المستغيث  : " اعجلوا فما أراكم تدركونهم  " فقال الناس : " لو ان اهل القوة عجلوا" ، فانتدب منهم ثمانمائة ، رأسهم عطية بن سعد بن جنادة العوفي ، حتى دخلوا مكة فكبروا تكبيرة سمعها بن الزبير ، فانطلق هاربا حتى دخل دار الندوة ،  ويقال بل تعلق باستارالكعبة،  وقال : " انا عائذ بالله" ) .

5 ـ عليهم جميعا لعنة الله جل وعلا ..  

اجمالي القراءات 1131

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4066
اجمالي القراءات : 35,871,928
تعليقات له : 4,424
تعليقات عليه : 13,105
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي