( شيال الحُمول يا متولى ) إستغاثة الصبر السلبى للمستضعفين المصريين

آحمد صبحي منصور في الثلاثاء 14 مايو 2019


( شيال الحُمول يا متولى ) إستغاثة الصبر السلبى للمستضعفين المصريين

مقدمة :

1 ـ المصرى العادى يهتف ( شيال الحمول يا متولى )، يستغيث بولى إسمه (المتولى ) يعتقد إن هذا ( المتولى ) (يحمل ) أو ( يشيل ) عنه الضائقة أو الألم الذى حل به . هذا أبرز مثال للصبر السلبى عند المصريين ، فى خمول وسكون ينتظرون وليا يأتى ليتحمل عنهم ما يقع عليهم من مصائب وآلام .

2 ـ نعطى بعض التفاصيل مستشهدين بالمؤرخ ابن إياس والشيخ الصوفى الشعرانى ، وكلاهما كان معاصرا للعصر العثمانى وفيه نبتت هذه الاستغاثة ( يا شيال الحمول يا متولى ) تعبيرا عن الصبر السلبى للمستضعفين المصريين .

أولا : بوابة المتولى ( باب زويلة ) :

1 ـ بوابة المتولى هو فى الأصل باب زويلة ، أحد أبواب القاهرة القديمة منذ أن بناها جوهر الصقلى . يقول المقريزى فى الخطط عن عام 485 أن الوزير الفاطمى بدر الجمالى ( أمير الجيوش ) نقل بابى زويلة القديم ، ورفع بدر الجمالى أبراجه وجهزه بزلاقة ملساء من حجر صوان حتى إذا هجم العسكر لم تثبت قوائم الخيل على الصوان لملاسته‏.‏ وقتها كان التهديد بغزو صليبى قائما .

2 ـ دخل باب زويلة التاريخ عندما أمر قطز بقتل رسل هولاكو المغولى الذين جاءوا لمصر يطلبون التسليم ، وتم تعليق رءوسهم على باب زويلة، وبعدها هزم قطز المغول فى عين جالوت. ثم تجدد دخول باب زويلة التاريخ عندما شنق السلطان العثمانى سليم الأول السلطان المملوكى المهزوم طومان باى ، وعلق جثته على باب زويلة. بعدها دخل باب زويلة الإعتقاد الشعبى تحت إسم جديد هو ( بوابة المتولى )

3 ـ حمل باب زويلة فى العصر العثمانى إسم (بوابة المتولى ) لأن متولى الخراج كان يجلس عنده يأخذ الضريبة من الناس  .

ثانيا : سقوط الدولة المملوكية وشنف طومان باى أخر سلاطينها

1 ـ إنتصر السلطان سليم العثمانى على السلطان الغورى وقتله فى مرج دابق بالشام . وجاء خبر الهزيمة للقاهرة . يقول ابن إياس ( ظلت البلاد بدون سلطان نحو خمسين يوما ، فلما دخل الأمراء للقاهرة اجتمعوا على تولية طومان باى فامتنع فاستعانوا بالشيخ أبى السعود الجارحى فحلفهم على المصحف بألا يخونوه ويرضون بقوله وفعله ثم حلفهم على ألا يظلموا الرعية .. فحلفوا على ذلك ) ( تاريخ ابن اياس 5 / 85 ، 103 ، 104 ) .

2 ـ الشيخ أبو السعود الجارحى كان أشهر شيخ صوفى وقتها ، ولا يزال ضريحه حتى اليوم. وهذا دليل على علو نفوذ التصوف وقتها بحيث يطلب الأمراء المماليك توسط أبى السعود الجارحى لإقناع طومان باى بتولى السلطنة ، ويقوم ابو السعود الجارحى بتحليف الأمراء على الولاء للسلطان الجديد.

3ـ ولقد مارس الصوفي أبو السعود الجارحى نفوذا غير مسبوق ، فقد وقع خلاف بين الزيني بركات المحتسب المشهور وقتها وبين أحد الدلالين ، واستجار الأخير بالشيخ الجارحى فشفع فيه عند المحتسب فلم يقبل شفاعته ، فأرسل الشيخ أبو السعود للمحتسب فحضر ووبخه وقال له :( يا كلب كم تظلم المسلمين ؟!. فحنق منه المحتسب فقام ، فأمر الشيخ بكشف رأسه وضربه بالنعال حتى كاد يهلك . ثم أرسل للأمير علان الداودار الكبير وأمره بأن يضعه في الحديد ويشاور السلطان عليه .. فأشار السلطان بأن يعمل فيه الشيخ ما يرى .. فأمر الشيخ بإشهاره في القاهرة ثم بشنقه على باب زويلة ، فأخرجوه من زاوية الشيخ وهو ماش مكشوف الرأس وهو في الحديد وهم ينادون عليه . ثم عاود الشيخ في أمره بأن عليه مالا للسلطان ومتى شنق ضاع على السلطان ماله فعفا الشيخ عنه من القتل ) . وقتها لم يكن معروفا ( بوابة المتولى ) بل باب زويلة . على أنه حادث غير مسبوق فى التاريخ المملوكى أن يكون لشيخ صوفى كل هذا النفوذ. وقال ابن اياس أن أبا السعود الجارحى صار ( يتصرف في أمور المملكة عزل وولاية )( تاريخ ابن إياس 5 / 112 : 115 )

4 ـ ولم يترك السلطان طومان باى وسيلة لإرضاء المتصوفة إلا وبذلها ، وقد رأى الشعراني بعينه السلطان طومان باى يقبل بفمه رجل الشيخ محمد عنان ، والشيخ ( مادُّ رجله لم يضمها ) ( البحر المورود 243 ، قواعد الصوفية 1/19 ). وعندما غرق الشيخ الصوفى ابن الكركى تردد طومان باى إلى بيته وذهب ماشيا إلى جنازته:( شذرات الذهب 8 / 104 )، واخلع طومان باى على ابن خليفة احمد البدوي الذي قتله سليم ( فقرره عوضا عن أبيه في الخلافة فنزل من القلعة في موكب حافل وعلى رأسه الأعلام ، وقدامه سائر الفقراء في الزوايا والمزارات بالقرافة وغيرها ، وفرق عليهم القمح لكل زاوية خمسة أرادب وقرأ عدة ختمات في المزارات ) (تاريخ ابن إياس 5 / 117 ، 128 ، 139 ، 154 ، 156 ، 160) . وبسبب العناية الفائقة بشيوخ التصوف فقد نقل الأثرياء أثاثهم ومقتنياتهم الى المؤسسات الصوفية . قال ابن اياس : ( وقد نقل أعيان الناس قماشهم إلى التراب وإلى المدارس والزوايا والمزارات وإلى بيوت العوام ) ( تاريخ ابن إياس 5 / 117 ، 128 ، 139 ، 154 ، 156 ، 160 ). كان هذا خوفا من نهب الجيش العثمانى القادم .

5 ـ بلغ نفوذ الصوفية أوجه فى العهد القصير للسلطان طومان باى ، كان فى حاجة اليهم فى محنته بإعتبارهم الأولياء المقدسين الذين يستغيث بهم العصر . وإنهزم طومان باى برغم شجاعته . وأمر سليم بشنقه ، وهو فى سيره الى المشنقة التى أعدها له العثمانيون كان يمشى ثابتا يحيى جماهير المصريين القاهريين الذين يبكون من أجله. مات طومان باى سريعا متمتعا بحب عوام المصريين، فلم يروا منه إلا الخير والتوسل مثلهم بالأولياء الصوفية .

6 ـ تعمّد سليم إنتهاك المقدسات الصوفية التى يتوسل بها المصريون ويستغيثون بها عند الأزمات . وخصوصا أن المماليك المنهزمين كانوا يفرون اليها لاجئين مستجيرين .وقد هجم العثمانيون على زاوية الشيخ عماد الدين وقبضوا على المماليك المختبئين فيها ، فاحرق العثمانيون البيوت التي حول الزاوية ونهبوا قناديلها والحصر التي فيها . وبعد هزيمة طومان باى فى معركة الريدانية يقول ابن إياس :( شرعت العثمانية تقبض على المماليك الجراكسة من الترب ) . ( الترب ) أى المدافن ، وكانت ممتلئة بالقبور المقدسة عند المصريين . وكان مشهد السيدة نفيسة من أكثر القبور قدسية . يقول ابن إياس إنهم ( ملكوا من باب القرافة إلى مشهد السيدة نفيسة ، فدخلوا إلى ضريحها وداسوا على قبرها ، واخذوا قناديلها الفضية والشمع الذي كان  عندها وبسط الزاوية وقتلوا في مقامها جماعة من المماليك ) . وأحرق العثمانيون جامع شيخو الذي احتمى به طومان باى . ثم صاروا يهاجمون الجوامع ليأخذوا منها المماليك ( فهجموا على جامع الأزهر وجامع الحاكم وجامع ابن طولون وغير ذلك من الجوامع والمدارس والمزارات ويقتلون من فيها من المماليك ). واستعذب العثمانيون نهب الأضرحة. يقول ابن اياس :( وبعد الأمان هجم العثمانيون على مقام الإمام الشافعي ونهبوا ما فيه من البسط ومن القناديل ... وكذلك مقام الإمام الليث  ). ومن الطبيعي أن تكون هزيمة المماليك هزيمة للمتصوفة المصريين ، فالمولد النبوي ( لم يشعر به أحدا من الناس ، وبطل ما كان يعمل في ذلك اليوم وما كان يحصل من الشقق والأنعام في تلك الليلة فبطل ذلك جميعه . وأشيع أن ابن عثمان لما طلع إلى القلعة وعرض الحواصل التي بها فرأى خيمة المولد فأباعها للمغاربة بأربعمائة دينار )( تاريخ ابن إياس 5 / 117 ، 128 ، 139 ، 154 ، 156 ، 160، 172 ).

7 ـ عاش الأولياء الصوفية فى رعب هائل يعبر عنه الشعراني بقوله : ( أُخذ علينا العهود إذا عملنا مشايخ على فقراء ( أى صوفية ) في زاوية أو على خرقة من الخرق المشهورة ( الطرق الصوفية ) أن نفر من طريق الناموس ( السلطة ) جهدنا ، ولا نمكن أحدا من الفقراء يقف بين أيدينا غاضا طرفه كما يقف في الصلاة ، ولو أن ذلك كان من عادة ذلك الفقير مع شيخ قبلنا فنأمره بأن يخالف عادته إذا حضر ، لأن هذه الأمور لا تناسب فقيرا ، وربما جره ذلك إلى النفي من بلده كما وقع للشيخ أويس بالشام والشيخ على الكارزوني بحلب . والقانون العثماني أن كل من تظاهر بصفات الملوك وعارض أركان الدولة فيما يفعلونه يحبسونه أو ينفونه، لخوفهم أن تكثر أشياعه فينازع السلطان في مملكته. نسأل الله اللطف .!! ) ( البحر المورود 328). لم يكن منتظرا في جو الإرهاب هذا أن يخالف شيخ صوفي القانون العثماني فيكثر أتباعه ويعظم نفوذه كما حدث في الدولة المملوكية .

8 ـ وأحس العثمانيون المحتلون بمحبة المصريين لسلطانهم المشنوق على باب زويلة ، وربما خشوا أن يتحول باب زويلة الى ما يشبه (نُصُب ) لذكرى هذا السلطان المشنوق المحبوب ، فعينوا شخصا يتولى بالعسف جمع الخراج فى نفس باب زويلة. بهذا إشتهر باب زويلة باسم جديد هو بوابة المتولى ، أى متولى تحصيل الضريبة.

9 ـ واجه الضمير الشعبى المصرى هذا بأن تخيل طومان باى شيخا صوفيا يستغيثون به ، وأسموه ( متولى ) وأضافوا لقبا وخصيصة به وهو انه ( شيال الحمول ) .

ثالثا : الحمول أو الحملات

1 ـ تعنى فى الثقافة المصرية وقتها المصائب ، وإشتهر فى العصر العثمانى إعتقادهم أن هناك أولياء يقومون بحمل المصائب عن الناس عندما يستغيث بهم الناس ، فالمرأة حين  طلق الولادة تستغيث بالولى المفضل لديها فيتحمل عنها الولى ــ حيا كان أو ميتا ـ آلام الولادة. فى العصر العثمانى ذبل ذكر السلطان طومان باى وتحول فى الاعتقاد الشعبى الى ولى ( يشيل ) أى يحمل او يتحمل آلام المرضى وكل من يستغيث به . وأصبح يقال عن هذا الولى الخيالى ( شيال الحمول يا متولى ) . وإشتهر إسم متولى بعدها ، وشاعت التسمية به بين المصريين . دون ان يعرفوا اصل الحكاية .

2 ـ الشعرانى هو أشهر شيخ صوفى وأشهر فقيه أيضا ـ عاش شبابه فى العصر المملوكى  وتسيد العصر العثمانى بمؤلفاته الكثيرة ، وقد تولى نشر أكاذيب كرامات الأولياء فى الحملات ، ووضع لها القواعد  وملأ بها كتبه ( صحبة الأخيار ) و ( تنبيه المغترين ) و ( لطائف المنن )و ( الطبقات الكبرى ـ الجزء الثانى ). وجعلها رائجة طيلة العصر العثمانى وبعده . ونال الولى المصنوع ( المتولى ) جانبا كبيرا من التوسل ، فأصبح يقال ( يا شيال الحمول يا متولى ). ونسى الضمير المصرى طومان باى ؛ إحتل مكانه ( المتولى ).

رابعا : كله من العصر العثمانى

1 ـ لم تكن أساطير الحملات معروفة قبل العصر العثمانى ، ولم يذكرها الشعرانى ضمن اساطير الكرامات للشيوخ الصوفية المشهورين فى تأريخه للصوفية السابقين فى كتابه (الطبقات الكبرى ) . أى هى منتج للعصر العثمانى شأن إسم ( متولى ) الذى شاع بين المصريين منذ العصر العثمانى أيضا . لماذا :

2 ـ الاجابة فى الظلم الهائل الذى قاساه المستضعفون فى العصر العثمانى.

فى العصر المملوكى كانت هناك قوة ظالمة واحدة ، هى المماليك وجهازهم الحاكم . فى العصر العثمانى تحولت مصر الى ولاية عثمانية بوال عثمانى وحامية عثمانية . الوالى العثمانى لا يهمه سوى تحصيل الجزية بأى كيفية ولا شأن له بما يجرى . الحامية العثمانية مجموعات من الأوباش تحترف السطو والسلب والنهب والقتل والإغتصاب . وضحاياهم المستضعفون المصريون . ثم هناك المماليك الذين يحكمون البلاد فعليا تحت السلطة الإسمية للخلافة العثمانية، وهم فى شقاق وتناحر فى القاهرة وفى المدن ينهبون المتاجر وينتهكون حرمة البيوت، ثم أعوانهم هم الذين يتولون جمع الضرائب وفق نظام الإلتزام ، يدفعون مبلغا من المال ثم يحصلون أضعافه يذيقون الفلاح المصرى سوء العذاب . تحمل المستضعفون ظلم العثمانيين والمماليك معا . وواجهوا هذا بخنوع وصبر سلبى يساوى جبل الظلم هذا  .

3 ـ وعكست هذا أمثالهم الشعبية ، كانت تحملهم أمواج الحياة من أزمة الى كارثة ، وهم يقولون ( نظرة يا متولى ) و ( يا شيال الحمول يا متولى ) ( الصبر مفتاح الفرج ) ( الصبر حرق الدكان ). ( اصبر على جار السوء لما يموت او تيجى له داهية تاخده ).

3 ـ بالصبر السلبى خسروا الدنيا ، وبإعتقادهم فى الأولياء خسروا الآخرة أيضا .!!

اجمالي القراءات 1242

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4066
اجمالي القراءات : 35,872,891
تعليقات له : 4,424
تعليقات عليه : 13,105
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي