محاولات مضنية للبحث عن الرئيس مبارك

محمد عبد المجيد في الأحد 19 اغسطس 2007




وهذا المقال مرت عليه ستة أعوام تقريبا، عندما كانت لهجة كتاباتي أقل حدة، بل تهمس في أذن الرئيس بجرائمه، وتترك الباب مفتوحا لبصيص أمل لا تراه العين المجردة.
أما الآن فلا أرى في الأفق غير حل واحد وهو محاكمة الطاغية حسني مبارك عن جرائم يعجز إبليس نفسه عن الإتيان بمثلها.


ترى كيف أصف المشهد المصري بعد خمس سنوات أو عشرة أعوام إن ورث الابن عن والده ملكية أرض مصر وشعبها وخيراتها ورقاب أهلها؟

أوسلو في مايو 2001

قا&aac قال لي صاحبي وهو يحاول أن يخفف عني بعضا من كارثة أوجاع القلب المتلاحقة على أم الدنيا بأنه لا فائدة من توجيه مئات الرسائل والاستغاثات والصرخات اليومية للسيد الرئيس حسني مبارك، ومن الأفضل أن يحتفظ المرء العاشق لمصر بما لديه من بقايا عقل عن أن يصبح نزيلا دائماً في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية أو أنْ يطلق على نفسه رصاصة الرحمة الأخيرة

وفي محاولة أخيرة يختلط فيها الحزن باليأس حاولت البحثَ بمفردي عن السيد الرئيس، فزملاء المهنة في مصر لن يشتركوا في البحث، ومعاركهم في حب مصر يخوضونها مع دمى متحركة في رئاسة مجلس الوزراء ومجلسي الشعب والشورى والمحافظين وبعض الوزراء، وقد وضعوا لأنفسهم قواعد صارمة بعدم الاقتراب، تصريحا أو تلميحا أو رمزا، من الرئيس حسني مبارك، فكل السلبيات والأزمات والمشاكل والقضايا تظل في دائرة مسؤوليات كل موظفي الدولة الكبار من رئيس الوزراء إلى أصغر وكيل وزارة، فإذا تم وضع حل لأي معضلة أو أزمة أو افتتاح مشروع أو نجاح معرض أو حتى انتصار كروي متواضع في مباراة محلية فإن الأقلام والمسؤولين يتسابقون لامتداح الرئيس على توجيهاته الحكيمة.

أشعر بنوع حاد من"القرف" والتقزز والاشمئزاز والغثيان من متابعة جزء من الكم الهائل من النفاق والمديح الزائف والتزلف المقيت، ولو بعث الله نَبياً لما جمع حوله هذا العدد الهائل من المؤلفة قلوبهم والممزقة ضمائرهم كما يحدث الآن في أرض الكنانة

استغرقت رحلة البحث عن الرئيس حسني مبارك عقدين كاملين من الزمان، ولم أعثر على سيادته بعد

بدأتُ رحلة البحث في موقع ظننت بسذاجتي وطيبة قلبي أن الرئيس يعرفه جيدا، فسكانه الذين يربو عددهم على المليونين هم رعاياه، وبؤسهم وشقاؤهم وكرامتهم مسؤولية القصر الجمهوري، فاقتربتُ من سكان المقابر في قاهرة المعز فهم شهود أحياء على معجزة الإنجازات التي يُصَدّع بها رؤوسَنا كل رؤساء تحرير الصحف القومية والمعارضة في افتتاحياتهم قبل أن يستقلوا مع الرئيس طائرته في رحلة خارج مصر للبحث عن مصر، ولم أعثر على سيادته، فالرئيس لا يزور الفقراء، وسكان المقابر ينبغي أن يتوجهوا بالدعاء آناء الليل وأطراف النهار على النعم التي تقول وسائل إعلام صفوت الشريف بأنها تجري من تحت

أرجلهم ومن بين يديهم في جنة الفردوس في ولاية الرئيس الرابعة.

تملّكَني خجلٌ شديد وهم ينظرون إليّ ولسان حال كل منهم يكاد يتهمني بالسخرية والتهكم من أحوالهم، فالرئيس لم يعرف في العشرين عاما المنصرمة ولن يعرف فيما بقى لسيادته من عمره المديد أن رعاياه يقيمون في المقابر مع الموت، وأن الرئيس لم يتوقف للحظة واحدة طوال أعوام الإنجازات العملاقة (!!) ليطرح على الأمة مشروعا وطنيا للقضاء على بؤرة الحزن المصرية، ومركز أوجاع كل المصريين وذلك بنقل سكان المقابر إلى مدينة صغيرة يستطيع أي من أثرياء مصر الجدد أو لصوصها أن يقوم ببنائها على نفقته الخاصة.

وتركتُ المكانَ خلسة ثم توجهت إلى مقار الصحف المصرية، القومية والمعارضة والمستقلة، ووجدت مئات من حملة القلم والشرف والضمير يخوضون معارك ضد الفساد والاستبداد والبيروقراطية والنهب والاستيلاء على أراضي الدولة وغلاء المعيشة، فقرأت سطور كتاباتهم التي اختلطت فيها دماء القلب مع عشق الوطن لكنني لم أعثر في أي سطر منها على السيد الرئيس، باستثناء بعض الكتابات التي جاءت على استحياء تطالب الرئيس بأن يتكرم ويتفضل رغم وقته الثمين بإصدار توجيهاته لحل مشكلة عجزت كل أجهزة الدولة عن وضع حل لها.
أما كل معارك زملاء المهنة وتوجهاتهم واستغاثاتهم وصرخاتهم فهي كما ذكرت من قبل تبحث عن مفاتيح الحرية في أعناق العبيد، وتقرأ مزامير حقوق الإنسان على مسامع الرقيق، وتستصرخ ضمائر من لا قلوب في صدورهم، لكنهم، أي زملاء مهنة البحث عن المتاعب، يضعون غشاوة سميكة على قلوبهم إن تجرأ قلم أي منهم وحاول تجاوز الخطوط الحمراء بالإشارة إلى احتمال تحمل الرئيس المسؤولية!
فالرئيس لا يعرف، وهو مهموم ومشغول بقضايا أهم وأخطر وأعمق من تقارير وكتابات كل إعلاميي مصر وكُتّابها ومثقفيها ومفكريها وعلمائها وخبرائها، لذلك يؤثر الزملاء السلامة، ويقاتلون أشباحا في ظلام دامس في المكان الخطأ.

بحثت عن السيد الرئيس في آلاف المقالات والتقارير والعموديات والافتتاحيات وخبطات الصحف المعارضة وبين أسطر أكثرهم شجاعة، فلم أجد إلا لِماماً أو رمزا أو تلميحا خفيا بأن الرئيس ربما يكون على علم بما يحدث، ثم يتراجع صاحب القلم فورا، ويلتقط في الطريق كبش فداء، قد يكون وزيرا أو محافظا أو نائبا في مجلس الشعب، فالرئيس معصوم من الخطأ!

وَلّيتُ ظهري لزملاء المهنة، وتركتهم يتصارعون على إرضاء الرئيس، ويتقاتلون على التقرب منه، ودلفت إلى مبنى ماسبيرو حيث الإذاعة والتلفزيون والإعلام بكل قوته وزخمه وسطوته وتاريخه وميزانيته، وآلاف العاملين المؤمنين بأنهم يعملون في أهم صرح إعلامي في المنطقة، وكدت للوهلة الأولى أن أتراجع ظنا مني أنني أخطأت الطريق فدخلت متحف الشمع لمدام توسو، أو مبنى الكتبخانة في الدولة العثمانية، أو أحد قصور الثقافة في الدلنجات، إلى أن تعرفت مصادفة في أحد الممرات العتيقة على وجوه موميائية شاهدتها من قبل عشرات المرات وهي تقدم في القنوات التلفزيونية برامج للمعتوهين والمتخلفين والساذجين، فعرفت على الفور أنني في ماسبيرو، مركز صناعة القرار الإعلامي الأكثر بلاهة وبلادة، وأيضا مركز تجمع أولاد الذوات وأقارب المسؤولين ورجال الأعمال والوزراء المتقاعدين الذين لا تكترث قيادة التلفزيون لكفاءاتهم أو لغتهم العربية السليمة أو معلوماتهم أو ثقافتهم، فهؤلاء دخلوا وزارة الإعلام من أوسع أبوابها، أي الواسطة والمحسوبية والسوس الذي ينخر فسادا في عظام الوطن الحبيب.

بحثت عن السيد الرئيس فقيل لي بأن سيادته أهدى وزارة الإعلام للأستاذ صفوت الشريف منذ سنوات طويلة يفعل بها ما يشاء، ولكن وزير الإعلام يتحرك مع السيد الرئيس كظله في سفرياته ورحلاته واجتماعاته، وقد ترك الوزيرُ الهديةَ أمانة في أعناق بعض قيادات الإعلام الذين توقف الزمن عندهم، وتحنط الفكر في خيالهم، ولم يعودوا قادرين في مصر العظيمة إلا على منافسة الفضائيات الليبية والموريتانية!

هرولت مسرعا من المبنى الدائري العتيق لعلي أجد الرئيس قبل زوال شمس ذلك اليوم، واتجهت لتوي إلى مجلس الشعب مُمَنّيا النفس بأن أجد سيادته واقفا أمام ممثلي الشعب، طارحا رؤيته في مئات التساؤلات والاستجوابات، وكانت المفاجأة غير المتوقعة، فنصف أعضاء المجلس غائبون عن حضور الاجتماع، وثلث الحاضرين نائمون وأكثر غير النائمين تائهون في عالم آخر يبدأ من التزلف لدى الوزراء لتخليص وحلّ معضلات بعض أبناء البلدة أو القرية، ولا ينتهي عند طرح أسئلة لا تَمُتّ بصِلة لهموم الوطن أو قضايا الأمة أو أوجاع المصريين.

قلت لنفسي لعل من بين هؤلاء الذين يملكون حصانة من سيتذكر أن لمصر حاكما أوحدا يعز من يشاء ويذل من يشاء، يملك وادي النيل بين إصبعين من أصابعه، وكل من حوله وأمامه وخلفه أصفار غير ذات قيمة، وربما يطرح ممثل الأمة وعضو مجلس الشعب سؤالا أخفاه المصريون لعقدين كاملين بين جوانبهم وخلف ضلوعهم وتحت أغشية قلوبهم عن مسؤولية السيد الرئيس في آلاف القضايا الممتدة من الأمية والمستشفيات الاستثمارية والفساد ونواب القروض وامتهان كرامة المواطن وغلاء المعيشة وسكان المقابر وتلوث المياه وتدهور السياحة والإعلام المتخلف ونهب أراض الدولة والبلهارسيا والزراعة وجلد المواطنين في أقسام الشرطة وعدم تنفيذ أحكام القضاء، واستمرار الوزراء الفاشلين والمحافظين ورئيس مجلس إدارة مصر للطيران وغيرهم.

وهنا ظهرت أمامي خطوط حمراء سميكة ترسم علامة تحذير واضحة وجلية، لا تخطئها العين المجردة، ولا تغيب عن ذهن كل الذين يؤثرون السلامة والعودة إلى بيوتهم آمنين مطمئنين، ومن أراد النجاة فعليه أن يقنع نفسه بأن الأنبياء والرسل والقديسين والحكماء غير معصومين من الخطا.

أما السيد الرئيس، ووفقا لما تنشره الصحف وكل المطبوعات وإعلام صفوت الشريف وتصريحات كل رجال الدولة لا يصنع إلا المعجزات، فقررتُ الهروب فورا من الباب الخلفي لمجلس الشعب، ووجدت الطريق على غير العادة سالكا لمكتب رئيس مجلس شركة مصر للطيران.

وقفت قليلا أمام مرآة مبتسما لأنني سأجد أخيرا السيد الرئيس بشحمه ولحمه وتوجيهاته الملزمة والحاسمة داخل الشركة الوطنية للطيران التي تمثل واحدة من أهم مؤسسات الدولة .

تقدمتُ للأمام خطوتين فتذكرت أنني جئت هذا المكان من قبل للقاء المهندس محمد فهيم الريان لتقديم شكوى عن سرقة محتويات الحقائب بعد وصول الطائرة لمطار القاهرة الدولي، وتأخر العاملين على "السير المتحرك" حتى يتسنى لهم العبث بمحتويات الحقائب وذلك باتفاق مسبق مع من يهمه الأمر



وكان موعدي في المرة السابقة قد تحدد ولكن تم منعي من قبل بعض الموظفين، ولما هددت برفع الأمر للسيد رئيس الجمهورية ضحك أحدهم حتى بدت نواجذه وقال لي بأن رئيس الدولة نفسه لا يستطيع أن يمس السيد المهندس رئيس مجلس إدارة مصر للطيران.

ومرت سنوات، والفساد ينخر في الشركة الوطنية للطيران، وسمعة الشركة في الدرك الأسفل، وكل المصريين قدموا شكاوى للسماء تبدأ بلا حول ولا قوة إلا بالله ولم يكن الطيار المناضل علي مراد آخرهم، وكانت النتيجة طوال السنوات التي جرت فيها دموع المصريين أنهارا علي مصر للطيران أن تولي السيد الرئيس بنفسه التجديد السنوي للمهندس محمد فهيم الريان حتى بعد بلوغه سن المعاش!

أدرت ظهري وخرجت بخطوات متسارعة فكل الدلائل تشير إلى أنني لن أجد السيد الرئيس هناك، ولعل سيادته، حفظه الله وأطال في عمره، قد نسيها كما نسي من قبل وزارة الإعلام.

ازدادت حرارة الجو سخونة ولهيبا، وبدا لي أنني أتنفس بصعوبة كأنني أصّعَدْ إلى السماء، وامتلأت الشوارع بالموظفين العائدين إلى بيوتهم يذكرونني بقصيدة أحمد فؤاد نجم التي يقول فيها " التهمة مصري.. الاسم صابر على البلىَ أيوب حمار..مفيش مخالفة ركبتها ضد القانون لأني خايف.. والقانون سيفه في ايديه.. تسأل عليّ المخبرين في كل حين.. أغرق في أنهار العرق طوال النهار..وألِمّ همي في المِسا وأرقد عليه |.

قلت لنفسي ربما أجد السيد الرئيس في مكان يحمل في طياته مختصرا للدولة برمتها، من قانون وسلطة وهيبة دولة وشرطة في خدمة الشعب وضباط عاهدوا الله على احترام كرامة المواطن ومعرفة بالحقوق والواجبات وهو قريب من النيابة العامة والقضاء والمحاكم وتوجيهات وزير الداخلية ويصل دبيب النمل بأي قسم من أقسام الشرطة في طول مصر وعرضها إلى جدران القصر الجمهوري، فهنا الحد الفاصل، وأي سلطة في عالمنا الثالث لا ينام زعيمها قبل أن يطمئن على أمنه وسلطته وحياته وموقع الروح من نفسه وذلك بتقريرين منفصلين يحتويان أدق التفاصيل، فيقرأ الزعيم التقرير الأول عن كل زنزانة وتخشيبة وحجرة حجز في كل أقسام الشرطة وسجون الوطن ومعتقلاته قبل أن يتجرأ سلطان النوم من الاقتراب من جفونه، وأما التقرير الثاني فيأتي صاغرا للزعيم في العالم العربي أو الولايات المتحدة الأفريقية ( وهو الإسم السِرتى الجديد للقارة السمراء وضعه لها رسول الصحراء العقيد معمر القذافي) وفيه وصفٌ كامل لكل تحركات العسكريين ومأكلهم ومشربهم وأحذيتهم الثقيلة ونياشينهم التي تثقل الكتفين، وهنا يمكن للزعيم أن يخلد إلى النوم ويستمتع بأحلام تطير فوق سجادة حمراء فاقع لونها تسر الناظرين، فالعرش لا يزال في قبضته، والرعاع بملابسهم الرثة وبطونهم الخاوية يصفقون للزعيم ويبتهلون للعلي القدير أن يديم عليهم نعمة أحلام القصر

تسارعت نبضات قلبي وأنا أقترب من قسم الشرطة وبين يدي آخر تقرير من منظمة العفو الدولية الصادر في الثامن والعشرين من شهر فبراير لهذا العام، فأعدت قراءته على عجل وتراقصتْ أمام عيني كل أشباح الدنيا والآخرة ولكنني عاتبت نفسي الأمّارة بالسوء، وقلت لها بأنني سأجد حتما السيد الرئيس في الداخل يربت على أكتاف رعاياه ويقرأ التقارير، ويعاتب ضباط الشرطة مؤكدا لهم بأنه لن يسمح بامتهان كرامة المواطن ،

قلت لها أيضا،أي نفسي الأمارة بالسوء،بأن السيد الرئيس بالداخل يُفرج بنفسه عن رعاياه الذين برّأتهم المحاكم وأعادت الشرطة القبضَ عليهم، وكدت أشاهد وبأم عيني قبل الدخول إلى قسم الشرطة الرئيس حسني مبارك وقد غضب غضبة اهتزت لها مصر كلها عندما رأى مواطنيه معلقين كالخراف في أقسام الشرطة وقد تناثرت أجهزة التعذيب هنا وهناك، ومأمور القسم الذي أقسم على احترام الدستور والقانون في عهد الرئيس يتلذذ بسعادة غامرة وهو يصعق مَواطن العفة في أجساد المصريين بأجهزة تعذيب تم استيرادها من الشريك الأمريكي قبل أن ترسل واشنطن لجنة حقوق الإنسان.

قرأتُ لنفسي بصوت مسموع بعض الفقرات من تقرير منظمة العفو الدولية منها المعلومات التي جمعنها منظمة العفو الدولية على مدى العقدين الماضيين، فضلا عن غيرها من المنظمات المصرية والدولية لحقوق الإنسان، ومن خلال المقابلات التي أجريت مع الضحايا وأقاربهم، والكشوف الطبية والأحكام الصادرة عن المحاكم الجنائية والمدنية المصرية نفسها، تشكل كمّا من الأدلة الدامغة على الطبيعة الراسخة لنمط التعذيب السائد في مصر و بالمثل وثقت منظمات حقوق الإنسان المصرية وغيرها من المنظمات الدولية انتشار ممارسة التعذيب في مصر على نطاق واسع، ومن أهم الوسائل استخدام الصعق بالصدمات الكهربائية وعمليات الضرب والجلد والتعليق من المعصمين أو الكاحلين، ومختلف ضروب التعذيب النفسي، ومن بينها التهديد بالقتل أو الاغتصاب أو إلحاق الأذى الجنسي بالمعتقلين أو قريباتهم، ورغم انتشار التعذيب على نطاق واسع، فإن السلطات المصرية لا تعترف إلا بحالات فردية لانتهاكات حقوق الإنسان

تثاقلت خطواتي، لكنني لم أفقد الأمل في العثور على السيد رئيس الجمهورية واقفا بقامته الرياضية، ومهددا بصوته كل من يتجرأ على المساس بكرامة الموطنين، فهم رعاياه، وأمانة في عنقه، وشهود يوم الحشر أمام الله عز وجل، وقد منحوه الثقة والأمن والمحبة لعشرين عاما في أربع ولايات، وأحسب أن هذا الشعب الطيب على استعداد للتصويت لسيادته حتى يبلغ من العمر مثلما بلغ نوح عليه السلام، ولكن من سيقف أمام الطوفان؟

أكملتُ القراءة بصوت مسموع في وثيقة منظمة العفو الدولية وشغاف القلب تتمزق ألما وحزنا وكمدا، يقول التقرير " من الأمور التي سَهّلت التعذيب وسوء المعاملة على نطاق واسع طوال العقدين الماضيين الاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي، وتقاعس الدولة عن التحقيق في عمليات التعذيب، والإفلات شبه التام لقوات الأمن المسؤولة عن ارتكاب هذه الجرائم من العقاب وتواصل الحكومة رفض تنفيذ ضمانات بسيطة لمنع التعذيب وسوء المعاملة

ويصل تقرير منظمة العفو الدولية إلى الكارثة عندما يقول" قدّم الضحايا وأقاربهم ومحاموهم ومنظمات حقوق الإنسان المصري إلى السلطات منذ تولى الرئيس حسني مبارك الحكم آلاف الشكاوى المتعلقة بالتعذيب من دون أن يجري التحقيق فيها على الإطلاق، وقد تقاعست الحكومة عن اتخاذ أي إجراء في آلاف من حالات التعذيب، فقد ينتظر ضحايا التعذيب وأقاربهم سنوات طويلة دون معرفة نتائج التحقيق، ولهذا فقد العديد ون الثقة في هيئات التحقيق.

والتقرير المطول الذي يحوي تفاصيل تنزف صديدا من الذل جعلني أسرع في البحث عن الرئيس في كل غرفة حجز من أقسام الشرطة في مصر كلها، من الثغر الهادئ الجميل إلى وادي حلفا وحلايب والنوبة، وكلما طرحت سؤالا على مأمور القسم انفجر ضاحكا وساخرا ونظر إلى" الفلكة" المعلقة فوق مكتبه، ونفى نفيا قاطعا أن يكون قد تلقى توجيهات مباشرة من القصر الجمهوري بحفظ كرامة المواطنين، أو يكون قد فهم بأن الرئيس سيلقي خطابا إلى الأمة يحذر فيه كل رجال الأمن من المساس بأي مواطن في دولة الحرية والمؤسسات والكرامة الإنجازات العملاقة، وما أطلق عليه سمير رجب بأن كرامة كل مصري من كرامة السيد الرئيس

حملتني قدماي بصعوبة شديدة إلى ركن قَصّي في أحد شوارع عاصمة الحزن ولم أستطع منع دموعي من إغراق وجهي كله عندما همس أحدهم في أذني بكلمات كأنها صواعق متلاحقة أو شهب تقذفها حمم من السماء، وقال لي: هل تظن بسذاجتك وحماقتك وغفلتك أن الرئيس لا يعرف طوال عشرين عاما شيئا عن آلاف من قضايا التعذيب والصعق بالصدمات الكهربائية والاعتداء والضرب والسحل؟ لو لم يكن السيد الرئيس راضيا تماما عن قهر المواطن وتعذيبه وامتهان كرامته لما استمرت هذه الدائرة الجهنمية كل تلك الأعوام، وسقطتُ مغشيا علي من هول الكارثة!

استيقظت في صباح اليوم التالي وقد احمرت عيناي وانتفختا، لكنني مازلت مُصرّا على استمرار البحث عن الرئيس، فقلت لنفسي لا ريب في أن سيادته يتفقد المدن والقرى السياحية لاهتمامه بالجانب الاقتصادي والسياحي الذي يُدّر على الدولة أمولا طائلة تساهم في المشروعات الإنتاجية الأخرى

تعجبت كثيرا فالحركة السياحية في عهد الدكتور ممدوح البلتاجي لا تقارن بمثيلاتها في قبرص ومالطا ولاس بالماس وأثينا وروما وجزر الكناري، والفساد والسياحة أصبحا توأمين لا ينفصلان. فتحت سمع وبصر وزير السياحة الذي أهداه الرئيس الوزارة كما تلقى مثلها صفوت الشريف وتسلم الدكتور يوسف والي أيضا وزارة كاملة تتحكم في طعام المصريين وشرابهم ومياههم، تجري كل صور استغلال السياح وتشويه وجه مصر وترك القبضايات والبلطجية يتحكمون في واحد من أهم الموارد المالية للدولة

عندما تهبط طائرة شركة سفريات في أحد المطارات القريبة من البحر الأحمر فإن مظروفا صغيرا به أربعمائة جنيه مصري يتم تسليمه فور هبوط الطائرة وإلا فإن كل الخدمات ستتوقف من المطار إلى الفندق

وعندما يصل السياح إلى الفندق الذي أعفته الدولة من ضرائب كثيرة ومنحت صاحبه المستثمر كل الإمتيازات التي لا يتمتع بها في مكان آخر، يحتفظ موظف الاستقبال بجوازات السفر حتى يتسلم بها بضائع من السوق الحرة بأسماء أصحابها الذين لا يعرفون ما يدور خلف ظهورهم

آلاف من السائحين يجلسون في غرفهم لتناول الطعام ، فالأسعار ضعفا مثيلاتها في أوروبا الغربية والدول الاسكندنافية، ونهب السائح والاحتيال عليه ظاهرة منتشرة تبدأ من أصحاب الجِمال في منطقة الأهرام ، وهؤلاء تم تقديم شكاوى ضدهم بعدد الشعرات البيضاء في رأس وزير السياحة، ولم يتحرك الدكتور ممدوح البلتاجي قيد شعرة

والقرى السياحية التي يقيمها مستثمرون تسمح لرجل المال والأعمال الذي يمتلك الأرض أن يضم إليه قطعة من الشاطئ ومياه البحر ويمنع عباد الرحمن من المرور أمامها،أما ظاهرة البلطجة ورفع الأسعار بين المواطن والسائح في قيمة تذكرة دخول أي متحف ومئات من الأشياء الأخرى في المطاعم والفنادق وإجبار السياح على دفع قيمة خدمات إضافية وغيرها، فكلها ظهرت في عهد الدكتور ممدوح البلتاجي وكان أمرا طبيعيا أن يتم التجديد له وزيرا في كل حكومة جديدة، فمصر العظيمة غير قادرة في نظر من يشكل الحكومة على إنجاب عباقرة مثل يوسف والي وصفوت الشريف وممدوح البلتاجي وكمال الشاذلي وغيرهم.

لم أكمل جولتي السياحية للبحث عن السيد الرئيس فتقارير الدكتور ممدوح البلتاجي التي يساهم إعلام صفوت الشريف في الترويج لها تؤكد للسيد الرئيس أن مصر في مقدمة أحلام السفر لدى كل سائح من مهده إلى لحده

فجأة شعرت أن هناك من جاء يهمس في أذني طالبا منى التوجه لنائب رئيس الجمهورية لعله يستطيع أن ينقل للرئيس ما يخفيه عنه مستشاروه! قلت له ولكن الرئيس لم يعين نائبا له منذ عشرين عاما، وسيادته يرفض تماما فكرة أن يشاركه أحد في الحكم، ثم إن الرئيس صرح مرات كثيرة بأنه لا يجد في مصر كلها، بملايينها وعبقرية أبنائها وطيبة أهلها وكفاءة سياسييها ومثقفيها ومفكريها، من يستحق أن يتشرف بمنصب نائب الرئيس حتى أن سيادته قال في حديث لمجلة" نيوزويك" الأمريكية بأن الرئيس الراحل أنور السادات كان محظوظا لأنه وجد نائبا له ، أما الرئيس حسني مبارك فقد ظل يبحث لعشرين عاما متواصلة عن مصري واحد ليقف بجواره، ولكن للأسف الشديد فمصر صكّت وجهها وقالت: عجوز عقيم

ولا يزال البحث جاريا بين سبعين مليونا عَمّن يستحق شرف ثقة الرئيس الذي يزدري ويحتقر أمة من أعرق أمم الأرض حضارة وتاريخا وعبقرية وشعبا، لك الله يا مصر، فأم الدنيا لم تنجب بعد من يبحث عنه السيد الرئيس.

فجأة قفزت إلى ذهني فكرة البحث عن الرئيس لدى رجال الأعمال فربما يكون هناك في محاولة لإقناعهم بالمساهمة في التخفيف عن أعباء المصريين وإقامة المشروعات الإنتاجية والعلمية والثقافية، ووددت أن يكون الرئيس قد تمكن من إقناع أحدهم بتمويل البحوث العلمية والطبية كما يفعل بيل جيتس وماردوخ وغيرهما من أباطرة المال في الغرب الذين يساهمون في تقدم المجتمع. سألت أحدهم عن الرئيس وعن توجيهاته الكريمة له فكاد يسقط على قفاه من الضحك، وقال لي إن السيد الرئيس يعلم أن أرباحي من الهاتف المحمول تجاوزت المليار جنيه مصري، وأن كل هذه الأموال اقترضتها من البنوك المصرية، وسددتُ جزءا كبيرا من القرض من الأرباح المخيفة التي تصب في حسابي ثم أردف قائلا بصراحة وقحة بأنه يحصل على سبعمائة جنيه مصري من فتح أي خط هاتفي للمحمول، فضلا عن أرباح المكالمات ثم همس في أذني قائلا: هل شاهدت من قبل فيلم" البحث عن سيد مرزوق" للمخرج داوود عبد السيد؟ في هذا الفيلم يقول سيد مرزوق بأن مشكلته كرجل مال وأعمال في مصر بأنه كلما أنفق قرشا جاءه من حيث لا يدري قرشان. وقبل أن أدير ظهري للملياردير نبهني إلى أنه تمكن من جعل المكالمات الهاتفية في مصر أعلى سعرا وأكثر غلاء من مثيلاتها في كل دول العالم ولم ولن يتلقى تأنيبا أو عتابا أو رجاء من السيد الرئيس في اعتدال الأسعار أو حتى نقل خمسين ألفا من سكان المقابر لمكان آخر يليق بكرامتهم ومواطنتهم.

انتقلت فورا لحوت آخر ممن فتحت خزانةُ الدولة أبوابَها لهم ولم تتأخر المصارف الخاصة والوطنية عن تلبية كل طلباتهم حتى لو وضعوا اقتصاد مصر كلها في حساباتهم، فلاحظ دهشتي ثم قال قبل أن أبدأ سؤالي: لا تسألني عن ثروتي فأموال الدولة أيضا تتبخر في الهواء ونواب القروض نهبوا أكثر من مليار جنيه مصري وكانت الصحافة تكتب وتحذر وتصرخ، وكان بإمكان السيد الرئيس أن يترك- كما يحدث في الدول المتقدمة للمخابرات ومباحث أمن الدولة، مهمة إعداد ملفات أمنية ومالية كاملة عن كل نواب مجلس الشعب والشورى ثم قطب جبينه وقال لي قبل أن يختفي وراء دخان سيجاره الكوبي العتيق: هل تعلم أن اتحاد الإذاعة والتلفزيون يعاني من ديون تقدر بأكثر من خمسة مليارات من الجنيهات ولا يزال يحقق الخسائر والفشل ويهدر أموال الشعب المسكين، فتكون النتيجة استمرار ثقة السيد الرئيس في أي فاشل والتجديد له طوال العشرين عاما الماضية وبالتالي استمرار كل القيادات الفاشلة؟

لم أستطع إكمال زيارتي للحيتان من رجال المال والأعمال فسبعة منهم أو ثمانية قادرون على زلزلة الاقتصاد المصري إن أرادوا، ولو كشروا عن أنيابهم فلا تستطيع الدولة أن تمسهم بسوء أو تثير غضبهم.

وقادتني قدماي إلى مكان ظننت في أول الأمر أنه ساحة معركة تحولت إلى سوق للخضار ثم انقلبت إلى مزاد يبيع كل شيء.

إنه ساحات المحاكم المصرية حيث يعمل الجنود المجهولون، أي القضاة والمستشارون، في أصعب ظروف عمل يمكن أن يواجهها حماة القانون وناشرو العدالة.كأنني عثرت على آلة الزمن وعادت بي إلى سوق عكاظ!
مئات الآلاف من الملفات التي تكتظ بها دور القضاء والتي لم يتم البت فيها بعد، فالعدل البطيء ظلم بَيّن، والقوانين التي تتراقص من بين سطورها تبدو خارجة لتوها من بيروقراطية تركية تختلط بأختها المصرية التي مضت عليها آلاف السنوات وهي في موقعها محنطة في تابوت من الفكر المتجمد.
نحن الذين نصنع قوانيننا، والمفترض أن التجديد سُنّة الحياة ، وأن المكان الذي ينبغي أن تبدأ به الدولة التغييرات والتحديثات، وأن يشرف عليه مباشرة رئيس الدولة، هو القضاء بكافة أشكاله وأنواعه والحقيقة أنني لم أجد أي أثر للرئيس هناك، ووجدت آلافا من النساء المصريات اللائي يبكين دما لأن الرئيس يرفض مساواة أبنائهن بأشقائهم المصريين، فيولد الطفل في مصر ويكبر ويترعرع ويغني للوطن وينحني للعَلّم ويُقَبّل تراب مصر ويدافع عنها ويتحدث لغتها- فهو خارج من رحم أم مصرية- لكن قوانين مصر في عهد الرئيس ترفض مصريته، وتغض الطرف عن مستقبله في ظل الظلم الذي تغمره به قوانين بالية،ووجدت عشرات الآلاف من المظلومين الذين يؤجل القضاء البت في قضاياهم سنوات طويلة حتى لو كانوا ضيوفا في السجن الاحتياطي لمعتقلي الرأي والضمير.

ووجدت آلافا من القضايا المعرقلة للعدالة والتي رفعها متزمتون ومتشددون دينيون ضد الإعلاميين والصحفيين وكل من يساهم في إضاءة شمعة استنارة لهذا الوطن.

تقدمت بحذر شديد من أحد القضاة وسألته عن عدم تدخل الدولة في أحكام القضاء، فسألني: هل أنت ساذج أو جاهل؟

ألا تعلم أن أحكام القضاء النزيه تتبخر في الهواء بمجرد إعلانها، وأن البراءة للمتهم لا ترتبط بالضرورة بنسمة الحرية، فالمحكوم لهم بالبراءة يتم تجديد حبسهم في ظل قوانين الطوارئ التي يتمسك بها السيد الرئيس، وأن المحاكم العسكرية تتولى محاكمة المدنيين؟

تركت ساحات المحاكم والتي تتكدس بها أكثر من مليون قضية، وفشلت تماما في العثور على السيد الرئيس، فقد ذهب بي الظن للوهلة الأولى إلي أنني سأجده هناك قبل أن يعلن مشروعا قوميا وطنيا لتسهيل عمل القضاة وتنقيح القوانين وإلغاء ما يعرقل الأمة والإسراع في الانتهاء من القضايا الإنسانية والتعهد للشعب بألا يتم تجديد حبس أي مواطن تحكم له المحكمة بالبراءة.

أعياني البحث عن الرئيس حسني مبارك فلم أجد مَفَرّاً من القيام بزيارة سريعة إلى القرى والنجوع وأعماق الريف والصعيد، ويا ليتني لم أفعل ذلك!

قبل التوجه إلى هناك قرأت مجموعة كبيرة من المقالات والافتتاحيات والتي كتبها الزملاء الكبار رؤساء تحرير أهم الصحف القومية عن الإنجازات العملاقة التي حققها الرئيس في كل قرية، ولكل شارع، والرفاهية التي تعم حياة الفلاحين، والمستشفيات والمراكز الصحية ومراكز محو الأمية وإعلان الحرب على البلهارسيا والفشل الكلوي وإنارة القرى وغيرها.

وكان المشهد أكبر من طاقتي على التحمل، وسألت أول فلاح قابلته بالقرب من ترعة صغيرة عن الرئيس، فرد علي قائلا: تقصد الرئيس يوسف والي أمين الحزب ونائب رئيس الوزراء والرجل الذي يملك كل نقطة مياه، ويتحكم في طعامنا وشرابنا وأرضنا ومزروعاتنا؟

ونفيت على الفور أن يكون الدكتور يوسف والي هو الرئيس حتى لو قضي في حكم الأرض الزراعية عشرين عاما أخرى، ولو أصبحت ملفاته لدى منتقديه أكثر مما هو مكدس في الشهر العقارى، ونحن نعرف قوته وجبروته وسطوته، والحمد لله أنه لم يسمعني فقد كان في حفل السفارة الإسرائيلية بمناسبة اغتصاب أرض فلسطين.

قلت للفلاح الفصيح: هذا الرجل لا يساوي جناح بعوضة في أوامر القصر الجمهوري، ولو أراد السيد الرئيس أن يلغي في عشية وضحاها الحزب الوطني وأن يحيل كل أعضاء الحكومة إلى التقاعد، وأن يقضي على مراكز القوى كلها فلن يستغرق الأمر أكثر من الزمن الذي يحتاجه الورق ليجف حبر قلم سيادته.
عشرون عاما كان من الممكن أن يصنع فيها الرئيس معجزات بكل المقاييس وفي مقدمتها كارثة الأمية والبلهارسيا والتلوث والبطالة والمخدرات وحقوق المواطن وكرامته والإفراج عن معتقلي الرأي وسجناء الضمير.
شعرت بآلام شديدة من جراء الإحباط الذي أصابني وأنا أشاهد البيوت الطينية الصغيرة وحياة الفلاح المصري والبؤس والفقر والبطالة، ووقفت عاجزا عن تكملة زيارتي، فلن أعثر قطعا على السيد الرئيس هناك، وعدت أدراجي إلى القاهرة لأبحث عن سيادته في أهم مراكز رصد عيون وضمير ورؤية وقوة السيد الرئيس أي أرشيف كل الصحف والمطبوعات المصرية منذ أن تولى الرئيس حسني مبارك الحكم عقب اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات.

قضيت أياما وليالي أقرأ وأجمع آلافا من القضايا والمشاكل والنداءات والاستغاثات والتقارير والنصائح في كل شؤون المصريين وهمومهم، وسألت عن ردود فعل الرئيس، فلزم الصحفيون الصمت كأن على رؤوسهم الطير.

ثم فجأة انتفض رئيس تحرير صحيفة قومية وصاح هائجا إن وقت السيد الرئيس لا يسمح بمتابعة القضايا الداخلية، فلديه الأكثر أهمية خاصة اللقاءات والاجتماعات والاستقبالات والسفر إلى الخارج والتوسط بين قوات الاحتلال الصهيونية وبين أصحاب الأرض، أما هذه السخافات والصغائر مثل الأمية والبلهارسيا والتلوث والفساد واعتقال الآلاف وتعذيب المواطنين وعدم احترام أحكام القضاء والتزوير في الانتخابات والاستيلاء على أراضي الدولة وتدهور الإعلام وأكاذيب البيانات السياحية ومحاكمة المفكرين واستمرار حبس آلاف من الأبرياء وفشل معظم الوزراء، فإننا نحن رؤساء تحرير الصحف القومية ننأى بالرئيس عن أن يهتم أو يضيّع وقته الثمين في هذه التفاهات، ثم سحب زميل له الكلام من بين شفتيه وأكمل قائلا: إن الرئيس يبذل جهودا لا طاقة لبشر على مثلها، فهو في اجتماعات متصلة من أجل مصر، وأكثر من نصف وقت سيادته مرهون لدى دعاة السلام، ألم تقرأ حديث الرئيس في مجلة"نيزويك" وقوله بأنه حاول مرارا إقناع القيادة الفلسطينية بوقف العنف، أي وقف الانتفاضة ثم تأتي أنت وتدّعي البحث عن الرئيس في الشارع المصري.

أسرعت إلى المطار وركبت أول طائرة ثم قمت بجولة بين التجمعات المصرية في الخارج، وما إن طرحت أول سؤال على أحد المغتربين حتى بدا لي أنه ظن بي مسا من الجنون ثم قال: متى وجه الرئيس خطابا عن المهاجرين والمغتربين ومس قضاياهم وحفظ كرامتهم؟ هل تريد مني أن استدعي من القبور أربعة آلاف مصري أرسلتهم سلطات صدام حسين في توابيت خشبية إلى مصر بعد قتلهم وسحلهم ليشهدوا بأن الرئيس لم يتحرك له جفن واحد، فضلا عن أن يغضب ويثور ويجند مصر كلها من أجل كرامة من بقى من المصريين حيا؟ إن أقصى ما فعله سيادته هو رسالة لمستشاريه لكتابة تقرير عن ضحايا صدام من المصريين، وتم طي الصفحة السوداء، وجاء عيد ميلاد الرئيس لننسى كلنا حكاية كرامة المواطن المصري.

هل سمعت الرئيس يدافع عن عشرات الآلاف من المصريين الذين طردهم العقيد معمر القذافي وسرق أموالهم وداس على كرامتهم بحذائه وتخلف نظامه العفن ورجال أمنه الغوغائي؟ في الواقع فإن كرامة المصريين في الخارج لم تشغل دقيقة وحدة من وقت السيد الرئيس، ثم كيف ينشغل سيادته وكرامتهم في الداخل وفي السجون والمعتقلات وبين فكي مأمور قسم الشرطة وعلى الكف الغليظة للمخبر وهو يهوي بها على قفا المواطن المصري لم تكن مطلقا موضع اهتمام رئيس الدولة؟

تذكرت الكلمة التي أشرت إليها مرارا والتي أكد لي فيها صديقي المحامي السويسري بأن العرف جرى في أوروبا وفي كل دول العالم بأن المصري هو المواطن الوحيد الذي يمكن لأي سلطة أمنية أن تهينه وتمسح بكرامته الأرض ولن يرتفع إصبع واحد لرئيس دولته بالاحتجاج أو الدفاع عنه.

توقفت عن البحث عن الرئيس وأنا أعلم أنه موجود في مصر لكنه ليس مع المصريين، ولم أقص على أحد من نبأ رحلة البحث المضنية فصوتي سيضيع حتما في غمرة الاحتفالات بالإنجازات العملاقة للرئيس حسني مبارك.

خُمس قرن ولم أفهم بعد فلسفة السيد الرئيس في قانون الطوارئ السيئ الصيت والذي بدأ الرئيس عهده به ولم يفكر لحظة واحدة في تجسيد دولة المؤسسات المدنية بإلغاء قانون الطوارئ، وهو في الواقع قانون مؤقت في حالات الحرب والكوارث وتعرض البلاد لخطر يتهددها.

كل الدلائل تشير إلى أن السيد الرئيس لا يثق بشعبه، فالأخطاء والتجاوزات التي يرتكبها الوزراء لا تؤثر في قرار رئيس الدولة بأهمية الاحتفاظ بنفس الوجوه الفاشلة التي عجزت عن مواكبة العصر، وعندما كادت مصر كلها تركع أمام الرئيس وتستجديه أن يستعين بأبناء هذا الشعب العظيم من العباقرة والمتميزين وشباب جيل المستقبل، رفض سيادته رفضا قاطعا واحتفظ بتسعة عشر وزيرا
ومصر كلها تكاد تركع أمام سيادته ليلغي القمع والقهر والتعذيب في مراكز الشرطة ومعه قانون الطوارئ لكن فلسفة الرئيس في الحكم لم تتغير، ومن أراد أن يشج رأسه ويلطم وجهه أو يضرب عن الطعام أو ينتحر حزنا وألما ووجعا أو يشكو إلى العلي القدير، فليفعل، ولكن الرئيس لن ينصت أو يستجيب ولو ألقي كل المصريين أنفسهم في مياه النيل...واهب الخلد للزمان.
أما أن يحلم شاب مصري عبقري بمكان له تحت الشمس في أرض الكنانة، محافظا أو وزيرا أو مستشارا للرئيس أو وكيل وزارة أو رئيسا لمجلس إدارة مصر للطيران أو مساهما في صناعة القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري، فالحلم هنا يصبح وهما وخداعا للنفس وسذاجة، فالرئيس سيحتفظ، أطال الله في عمره، بكل ما يمنحه الأمان سواء كان قانون الطوارئ أو خلو منصب نائب الرئيس والملتصقين بكرسي الحكومة أو حتى أجهزة القمع في مراكز الشرطة.

إن نفسي، كما قال المسيح عليه السلام، حزينة حتى الموت، والقضية الرئيسية، الوطنية والأخلاقية، هي كيفية الجمع بين عشقنا لهذا البلد الطاهر، وأنهار دموعنا عليه. كيف يمكن أن تصبح الزعامة وثيقة تمليك لبلد يحتل الصفحة الأولى في كل دروس تاريخ الإنسانية؟


محمد عبد المجيد 
طائر الشمال
أوسلو
http://taeralshmal.jeeran.com
http://www.taeralshmal.com
Taeralshmal@hotmail.com
http://Againstmoubarak.jeeran.com
http://blogs.albawaba.com/taeralshmal

اجمالي القراءات 8274

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-07-05
مقالات منشورة : 462
اجمالي القراءات : 3,014,857
تعليقات له : 486
تعليقات عليه : 1,198
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Norway