الذين يحاربون الله :
الذين يحاربون الله

أسامة قفيشة في السبت 16 مارس 2019


الذين يحاربون الله

نظرة و رؤية جديدة أطرحها عليكم جميعاً من خلال هذا المقال .

من خلال البحث و الاستقصاء في تشريع العقوبات الإسلامية الواردة في كتاب الله جل وعلا , تبين لي بأن تلك العقوبات الخاصة تقتصر في ثلاث أوجه فقط و هي ( انتهاك الأعراض و القتل و السرقة ) , و تلك النواحي الثلاث لها تفرعات و أشكال متعددة ,

و بناءاً على تلك الدراسة و تلك البحوث توصلت لنتيجة مفادها بأنه لا يوجد تشريع جزائي أو عقوبة شرعية خاصة بما يسمى ( بحد الحرابة ) .

حيث يقول جل وعلا ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ,

نبدأ بقوله جل وعلا ( يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) :

ما هي المحاربة و ماذا يقصد بهذا المصطلح , و ماذا يفهم بقولِ يحاربون الله و رسوله ,

هي اشتقاق لكلمة ( حرب ) , و الحرب لا تعني القتال و الاقتتال المباشر , بل الحرب هي حالة عامة , و مناخ عام غير مستقر , قد تكون حرباً إعلامية و قد تكون حرباً اقتصادية و قد تكون حرباً تجسّسيه , و غيرها من جبهات الحروب ,

فالحرب هي حالة المجابه و المواجهة لجهة معيّنة أو في جبهة معيّنة ,  

و منها مصطلح ( المحراب ) الذي نتوجه له بجبهاتنا لجهة القبلة .

يحاربون تعني يواجهون و يجابهون , و يحاربون الله و رسوله تعني يواجهون و يجابهون الله و رسوله , و رسوله هنا تعني رسالته , أي المقصود يواجهون و يجابهون شرع الله و تشريعاته الواردة في وحيه و رسالته .

و الهدف هو الرفض , و الرفض يفضي للمخالفة , فحين يأتي هذا الوحي الإلهي بتشريعاته التي تأمر بالعدل و الإصلاح و الفلاح , و حين يأتي الوحي مؤسساً لما يجوز و ما لا يجوز , حينها فالمخالف لأوامره و نواهيه يأتي بأفعال تجابهه و تواجهه ,

تلك الأفعال هي أفعالٌ فاسدة , لأن شرع الله جل وعلا هو شرع الفلاح و الصلاح , فكل مخالف لشرعه جل وعلا المتخصص بانتهاك حرماتههو رفضٌ و مجابهٌ و مواجهٌ له تستدعي الفساد في المجتمع , حيث يقول جل وعلا ( وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) ,

فمن تولى و رفض و أدبر و اعتدى على تلك الحرمات , فهو فاسدٌ مفسدٌ في الأرض مهلكاً للحرث و النسل , فالحرث و النسل هما كناية و وصف تمثيلي للحرمات .

( وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ) :

الفساد هو الناتج الحقيقي لمن أعرض و عمل على انتهاك الحرمات , و الفساد له عدة جوانب و عدة نواحي , و لكن الفساد المقصود هنا هو الفساد الاجتماعي الذي له تأثير عام و شامل لوجود مصطلح الأرض في الآية الكريمة , فهناك أيضاً فساد شخصي له تأثير على مرتكبه فقط و هذا مستثنى في كلامنا بخصوص هذه الآية الكريمة ,

فالفساد المقصود هنا هو الفساد الناتج عن انتهاك الحرمات التي حرمها الله جل وعلا و لها تأثير سلبي شامل على المجتمع عموماً , و هو الفساد الذي يستدعي العقوبة .

( أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ) :

العقوبات التي شرعها الله جل وعلا متخصصة و مقتصرة على حالاتها الثلاث ( العِرض و المال و القتل ) و كل اتجاه له تفصيلات مستقلة تبين عقوبة كل حالةٍ منها على انفراد ,

و لكن هذه الآية الكريمة قد جمعت العقوبات و أضافت عليها , و لخصتها بشكلٍ جامعٍ و شامل و بمظهرٍ عام ,

نحن نعلم بأن الجرائم التي وضع الشرع لها عقوبات هي جرائم محدودة , في حين قد ترك باقي الجرائم دون بيانٍ لعقوبتها , و ترك تلك العقوبات للتشريع البشري , حيث يقوم البشر بتشريع العقوبة المناسبة لكل جرمٍ بناءاً على المجتمع البشري نفسه ,

حيث يقوم المختصون في كل مجتمع بتشريع العقوبات المناسبة لتلك الجرائم , فقد ينظر مجتمع ما لجريمةٍ ما بأنها جريمة كبيره فيضع لها عقوبة كبيرة , و قد نجد مجتمعاً آخر لا يرى بأن تلك الجريمة هي جريمة كبرى فيضع عقوبة أقل لها ,

من هنا نلاحظ بان العقوبات الواردة في هذا الآية الكريمة هي عقوبات شاملة تتضمن بعضاً من عقوبات الحرمات الثلاث , كما تتضمن العقوبات التي يختارها البشر , و هذا يعني بان الله جل وعلا يقر العقوبات التي يقرها البشر للجرائم التي تمثل الفساد الاجتماعي و تهدد أمن و أمان المجتمعات ,

كما أرى بأن النفي من الأرض يشير للحبس , أي العزل عن المجتمع لفترة معينة و تلك من العقوبات التي يقرها البشر و لا ضير فيها , و من ضمن العقوبات التي من الممكن للبشر إقرارها كجزاء و عقاب لبعض الجرائم التي لم يضع الشرع لها عقوبة , هي عقوبة قطع القدم تماماً كقطع اليد في حق السارق , فهناك الكثير من الجرائم تم ترك العقاب فيها للتشريع البشري كما قلنا , و من ضمن تلك الجرائم على سبيل المثال لا الحصر ( الاختطاف , التجارة بالممنوعات , النصب و الاحتيال , التجسس ... الخ ) .

فالذين يحاربون الله و رسوله لا تعني أبداً الذين يقاتلون الله و رسوله , و تعالى الله جل وعلا عن ذلك علواً كبيرا , و إنما تعني انتهاك حرماته التي حرمها على الناس من اجل صلاح المجتمع , فكان كل من خالفها و فعلها مفسدٌ للمجتمع ,

فهي ليست أيه حصريه لجرمٍ معين بحد ذاته , بل هي شامله لبعض العقوبات التي أقرها الله جل وعلا و للعقوبات التي يمكن للبشر من إقرارها كعقوبات للجرائم الأخرى التي لم يشرع الله جل وعلا لها عقوبة خاصة ,

كما يجدر بنا التنويه بأن كل عقوبة لها شروط خاصة لتنفيذها , فلا يحق تنفيذ العقوبات دون سريان تلك الشروط .  

اجمالي القراءات 381

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-04-09
مقالات منشورة : 184
اجمالي القراءات : 630,273
تعليقات له : 209
تعليقات عليه : 404
بلد الميلاد : فلسطين
بلد الاقامة : فلسطين