كشف حساب للوزير الخرافي حلمي النمنم

سامح عسكر في الإثنين 09 اكتوبر 2017


 

لا أعلم من أين أبدأ؟

هل من تكليف وزير الثقافة حلمي النمنم بعد انتصار ثورة يونيو في إزاحة الإخوان وتوليه المسئولية بعد فترة من الرجعية، أم من تكليف السيسي مؤسسات الدولة بتجديد الخطاب الديني؟..أم من سمعة النمنم العلمانية المستنيرة قبل توليه المنصب؟

أيا كان فبعد عامين من توليه المنصب لم يظهر حلمي النمنم كرجل مثقف بل خرافي جدا، يتماهى مع التيار الرجعي المفترض أنه كمثقف يعارضه، ويغض الطرف عن سجن المثقفين وتقييد حرية الرأي، بل يدافع بشدة عن الأزهر باعتباره مؤسسة أمنية وليست تعليمية، رغم أن دوره كوزير ثقافة هو نشر الثقافة..وبما أن الدين جزء من الثقافة لا يجب أن يتحكم رجل الدين الأزهري في العملية الثقافية كما يحدث الآن، لا يعقل أن يتحكم الجزء في الكل..بل هو كممثل للكل يجب أن يُخضِع كل الأجزاء لسلطاته ولو بطريقة معنوية.

الرجل بعد عامين يظن أن الثقافة هي الشعر والأدب والغناء والموسيقى، هذا جانب فقط من جوانب الثقافة..هناك جوانب أعظم كالانفتاح المعرفي ومقارنات الأديان والمذاهب والأفكار والنماذج والفلسفات..فضلا عن التجريبي، وأحسب أنه بعيد بسنوات ضوئية عن تلك المفاهيم، بل بسياساته لم تظهر للثقافة المصرية أنياب يخترق بها حصون التخلف والرجعية التي أسسها المشايخ خلال عدة عقود..هو نفسه اعترف بها قبل توليه المنصب، لكن بعد التوليه ظهر أنه أحد تلك الحصون..ليس هو بشخصه، بل كقيمته كرجل مارس الثقافة سنوات حتى ظنناه مستنيرا..

أمس اطلعت على فيديو للوزير وتحقيق لجريدة المصريون يفيد بالعثور على (سجن النبي يوسف) في منطقة الجيزة المصرية، فإذ بالوزير يذهب للمكان ويزوره باعتباره أثر تاريخي، وهذا خلق عندي علامات استفهام، كيف بمثقف أن يخطئ هذا الخطأ الشنيع؟..كان يجب من حلمي النمنم أن يخضع المسألة للتحليل العلمي أولا..وأن يوثق الحادثة تاريخيا قبل الذهاب، وإلا تصويره هناك بلا معنى يعزز المنطق الخرافي لدى العامة بتقديس أي أثر ديني بغض النظر عن مطلب إثباته.

ليس المطلوب من حلمي النمنم أن يُكذّب قصّة النبي يوسف وسجنه، فهي مذكورة قرآنيا، لكن هو نفسه لا يستطيع إثباتها تاريخيا، فمقصد الأثر والأركيولوجيا عامة هو الإثبات ومن ثم البناء، بينما الوزير يبني دون إثبات..أي تخلف هذا أصاب الثقافة المصرية؟..ياسيادة الوزير ليس كل ما هو ديني قابل علميا، وتصرفك هذا أساء للدين والعلم قبل أن يسئ لشخصك ومركزك، وإلا ما الفارق بين فعلك هذا وأفعال زغلول النجار وذاكر نايك وبقية دراويش الإعجاز..!

ما المانع أن نرى الحقيقة من جانب لا نعتاده؟..بل أحسب أن هذه مهمة المثقف بتلقين الجمهور كيفية وأساليب الوصول، لا أن يتماهى مع الجمهور وينزل لمستواهم المعرفي خوفا على منصبه، وقد خطر في بالي بعد تصرف الوزير الشائن هذا كيف أن مشكلة الثقافة الإسلامية أثرت على الوزير ومن معه، فالذهاب لأثر شعبي بحجة أنه سجن النبي يوسف هذا من أعمال العامة والمشايخ وليس من أعمال المثقفين، يمكن أن يصبح عمل المثقفين في حالة واحدة وهي إثباته تاريخيا وتحليله بطريقة علمية..وهذا لم يحدث.

مهمة المثقف ليست هي مهمة الأصولي، الأول تقدمي يسحب الناس للأمام، أما الأصولي فرجعي يسحب الناس للخلف، وتصرفات الوزير لا تخدم التقدمية بشئ بل تلعنها ومعها أصبح وبالا على المستقبل، فبأفعاله يساهم في تضليل الشباب ممن يثقون في مؤسسات الدولة أنها لا تخطئ، فاللدولة قيمة معنوية ثقافية شئنا أم أبينا حتى لو كانت ضعيفة، تبقى في الأخير هي ملاذ يجمع الناس لفكرة واحدة أو أخيرة، وأحسب أن الوزير ومن معه لا ينتبهون لتلك الجزئية بإصرارهم على ضرب وإسقاط أي قدوة وقتل كل أمل بالتنوير.

قلت قبل ذلك أن حلمي النمنم في تحدٍ أمام الذات أولا بإفلاته من قبضة الاستبداد السيساوي والرجعية السعودية المتحالفة معه، فلو نجح من الفكاك من تلك المقصلة سينجح كوزير، والآن بعد عامين أصبح يُضرب به المثل في الضعف والتخلف والعُزلة، بل حتى طريقة أداءه وتواصله مع الجمهور سيئة، حتى معلوماته أغلبها مكرر وضعيف، فقد اختفى إبداعه الذي ميزه قبل توليه المنصب..وفي تقديري أن السبب اهتمامه بالوظيفة أكثر من العلم، فالوظيفة تفرض عليه السمع والطاعة والمهادنة..وكل هذه سلوكيات غير علمية تزرع في الجسد حب النفس والشهوات، ولمن لا يعلم فحب النفس والاستسلام للشهوة يقتل كل رغبة في العلم والاطلاع وتنمية المعارف.

أغلب الناس يرون أن الثقافة هي الكلام في كذا وكذا دون هدف سوى تحصيل بعض المعلومات التي في أكثرها تكون غير ضرورية، ويمارسون الثقافة من هذا الباب، وأحسب أن الوزير تماهى مع هذا التيار، بينما الثقافة تعني المعرفة ..وهذه غير ممكنة إلا بالشك والسؤال ، وهذا أيضا غير ممكن سوى بحرية الرأي والتعبير، إذن فمهمة الوزير الأولى هي (الحرية) وتكون موازية جنبا إلى جنب مع مهمة البرلماني بإقرار الحريات وتفعيلها قانونيا، وأنا أتساءل أين دور حلمي النمنم في إقرار الحريات بمجلس الشعب؟..الرجل مختفي تماما بل لا يكاد يظهر سوى بافتتاح معرض أو مكتبة أو حفل موسيقى أو مهرجان رقص..أين مهمتك الأساسية يا سيادة الوزير؟

توجد أسئلة صعبة عن الأديان والأفكار والنماذج والسياسات والتجارب والفلسفات، هذه يجب أن يُفتح لها الباب للمناقشة والتفاعل، فهي من صميم العمل الثقافي والاهتمام بها هو (لب التنوير) المطلوب إحداثه في تلك الفترة الحرجة، حتى جانب الاقتصاد وفشل وتعثر الدولة فيه هو مسئولية ثقافية، فلو كان للوزير أدنى اهتمام باقتصاد ومصالح الناس وربطها بالثقافة ما كان هذا ليحدث، ولكن يبدو أننا أمام رجل وكيان لا يؤمن سوى بأن الثقافة هي (الترفيه) فحسب دون أن يكون لها واقع عملي يمس حياة الناس.

قضية التعددية الدينية هذه أيضا من صميم العمل الثقافي.. أين الوزير منها؟..أين حقوق الأقباط والشيعة والبهائيين؟..ياأخي اعتبرهم أفكار يجب دراستها للعلم وليسوا مواطنين درجة ثانية وثالثة ، أين برامج الأقباط على التلفزيون المصري؟..أين جنازاتهم وشعائرهم الأسبوعية؟..إذا كنا نؤمن بأن التلفزيون الحكومي (مسلم) فلماذا تكذبون على الناس وتقولوا دولة مدنية؟..بل هي دينية لا تقول ولا تفعل إلا ما يرضي المسلمين..وفئة منهم تحديدا..لأن ليس كل المسلمين مؤيدين للوزير فيما يفعل ولا معترفين بأسلمة الوزارة على الطريقة السلفية السعودية.

كذلك فالسياحة قضية ثقافة لا تخص فقط وزارتي السياحة والآثار، بل تخص النمنم في المقام الأول، أين تطوير المعابد والمتاحف والترويج لها كما ينبغي؟..ألا يخدم ذلك السياحة والاقتصاد المصري؟..ألا يخدم ذلك معارف الشعب والترقي بعلومهم؟..ألا يخدم ذلك بإشاعة ونشر قيم الحضارة المصرية؟..حتى الاكتشافات الجديدة لا تجد من الوزير أي اهتمام فضلا عن تواجده أصلا..!

المفروض في وزير الثقافة تشكيل لجان عمل نوعية لدراسة كل مكتشَف أثري جديد وإخضاعه للتحليل العلمي الدقيق، بينما ترك النمنم هذا لوزير السياحة أو المحافظ ومديري الأمن...والسؤال: كيف يفهم ضابط في مسألة ثقافية، بل كيف يفهم مدير سياحة في تاريخ الحضارات، أفهم أن مهمة المرشد هي ترجمة أعمال المثقفين وتقديمها للسائح بطريقة وأسلوب، وليست من مهمته التفكير والاختراع والاكتشاف، هذه مهمة المثقفين المفترض أن النمنم رئيسهم، لكنه رئيس (على ما تُفرج) فعلى ما يبدو أن خسارة فاروق حسني ويوسف السباعي وثروت عكاشة لن تُعوّض.

الرجل يقدم نفسه على أنه علماني، بينما مهمة العلماني في نزع القداسة والسلطات التنفيذية عن رجال الدين، والسؤال: أين دور الوزير حلمي النمنم في تقييد سلطات رجال الأزهر؟..إنه يخدمهم بدفاعه عنهم وتبريره لسجن إسلام بحيري وعبدالله نصر وناعوت وغيرهم، إنه يظن أن التعلمن هو الكلام في الحداثة لكن (بعمة وقفطان) وتحت مظلة رئيس الدولة، إنه يظن أن سلطات بابا الأزهر وشيخ الإسكندرية أعلى من سلطاته كوزير فيسمح بتدخل الشيوخ والقساوسة (عرفيا ودينيا) في المشكلات الطائفية فتزداد تعقيدا، بينما المشكلة الطائفية عرض من أعراض أزمة الثقافة أصلا، أي كان يجب عليه قبل الإيمان برجل الدين هو تكليف لجان لحل وفهم ودراسة كل هذه المشاكل.

الخلاصة: إن دور وزارة الثقافة ممتد في كل فروع الدولة، في الدين والسياسة والاجتماع والثقافة والتعليم والاقتصاد ..إلخ، ليست المسألة محصورة في الأدب أو مهرجان أو مؤتمر لا يمس مشاكل الأمة وبعيد كل البعد عن اهتمامها، ودور النمنم كوزير هو (صفر) على الشمال لا يجيد أي شئ سوى نشر الخرافة تحت اسم الثقافة، وهذه مصيبة وبلوى حطت على المجتمع أن يتم تعيين وزير كهذا من فئة (الموظفين) في منصب إداري ومعرفي حساس.

أرجو أن يصل كلامي هذا للمسئولين ولمن يقرأه يجب أن يوصله بطريقته ونشره في أوسع نطاق، لعلنا نلقى آذانا صاغية ، فالعادات والسلبيات قد استفحلت والعقل لم يعد هو الحَكَم ، وانتشرت الرغبات والنزعات وساد التطرف بكل جوانبه الدينية والقومية، بل ارتفعت أسهم رجال الدين مرة أخرى بعد يونيو بعد أن قلنا ووثقنا تمامات أنها انتهت، لكن عادت وربما يعود الإخوان بشكل جديد، فكل ما يحدث يخدمهم، وعندما يعودون لن يجدوا شعبا واعيا يتصدى لهم أو دولة قوية تلفظهم، أو أغنياء من التعفف عن سؤالهم، حينها فقط سنفهم أن ثقافتنا كانت مشوهة بتولية الضعفاء وغير الأكفاء، وأن الدولة لم ولن تصل يوما للتنوير ما دمنا لا نقول لا لهذه النماذج.
اجمالي القراءات 1657

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 614
اجمالي القراءات : 2,842,065
تعليقات له : 79
تعليقات عليه : 326
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt