أكذوبة حديث خير أجناد الأرض

سامح عسكر في الإثنين 12 ديسمبر 2016


كثر الحديث مؤخرا عن حديث خير أجناد الأرض ونصه كما يلي.." إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا فذلك خير أجناد الأرض"..(فتوح مصر لابن عبدالحكم 1/167)

وقبل الحديث أوضح أن البحث علمي مجرد لا علاقة له بانتماء وطني أو ديني، فتلك عصبيات نهانا الله عنها.

أولا: الحديث ضعيف السند، فقد رواه ابن الحكم من خطبة طويلة لعمرو بن العاص عن عمر بن الخطاب مرفوعا، وفي سنده.."عبدالله بن لهيعة"..ورتبته ضعيف عند الذهبي والبخاري، ومدلس عند السيوطي وابن العجمي ، حتى من وثق بن لهيعه لرواية مسلم له قلت (سامح عسكر): مسلم روى له مقرونا بعمرو بن الحارث، والإقران في علم الحديث يعني عدم ثقة مفردا كمن يرفض شهادة واحد إلا بشهادة آخر له

ثانيا: أول من روى الحديث هو المؤرخ المصري .."ابن الحكم"..والرجل ولد وتوفى بمصر عام 257 هـ، وعامل الوطن والأرض لا يخفى في مثل هذه الأحوال، فضلا عن تأخر تدوين الحديث للقرن الثالث وحصريا فقط بمصر فلم يعرفه أحد من البلدان الأخرى، وعلى ما يبدو أنه قيل بمصر فسمعه ابن الحكم ودونه في كتابه.

ثالثا: لم يكن هناك جنود مصريين في زمن الرسول حتى يشهد لهم..مصر كانت محتلة من الدولة الرومانية..والجيش والقادة كانوا من الرومان..وتاريخيا لم يُجنّد المصريين في الجيش منذ الاحتلال الآشوري العراقي في القرن 7 ق.م ثم الإخميني ثم الإغريقي ثم الروماني ثم العربي في القرن 7 م إلى عصر محمد علي باشا الكبير في القرن 19م ، أي ظل الأجانب يحكمون مصر طيلة 2600 سنة كان فيها المصري غير موثوق فيه عسكريا من قبل السلطة.

رابعا: المصريون عملوا في الجيش الروماني البيزنطي صحيح ولكن خدميا فقط..يعني توفير الطعام والشراب وخلافه..أما ما تُعرف.."بالكتيبة الطيبية"..ظهرت لعدة سنوات من جنود مصريين في الصعيد سرعان ما تم قتلها وتصفيتها لأسباب مذهبية تخص الصراع بين المصريين وكنيسة روما.

خامسا: الحديث ظهر بعد الغزو العربي لمصر بقصد تجنيد المصريين لصالح دولة الخلافة..والنص يقول أن القائل وقتها كان متمكن بدلالة..(اتخذوا)..وهي مرحلة ما بعد الانتصار..ويظهر ذلك من جهل المحدثين به حتى زمن الدارقطني وابن زولاق في القرن الرابع الذي دونه الأول في كتابه.."المؤتلف والمختلف"..ومنه إلى تاريخ دمشق لابن عساكر ثم اشتهر بعد ذلك لأسباب سياسية خصوصا في مصر.

سادسا: خيرية الجنود بالشجاعة والصبر والحكمة..وكلها صفات نسبية بين الشعوب ومتغيرة بتغير الأحوال..يعني وارد أن يكون الجندي المصري خير أجناد الأرض في حرب أكتوبر لكن أسوأ جنود الأرض في النكسة، قس ذلك على بقية الشعوب والأمم..

سابعا: الحديث صنع شعور من الفخر الزائف والتناقض بين المصريين..لم يدركوا أن خير أجناد الأرض قد يكون إسرائيلي هزم جنود ستة دول عربية في حرب فلسطين..وهذا طرح قد يكون صادم وغير مقبول مصريا لكن مقبول علميا.

ثامنا : ضعف الحديث مشهور بين العلماء..ولكن غلبة السياسة والمصالح جعلت مواقفهم متضاربة..يعني المصلحة هي ما تتحكم في إثبات ورد الحديث..كتصحيح شيوخ الأزهر له..كونهم يدعمون الجيش المصري..في المقابل تضعيف شيوخ الإخوان والسلفية للحديث لأنهم ضد الجيش المصري..كذلك شيوخ السعودية لا يقبلوه من ناحية قومية ومناطقية وكذلك مذهبية..فالمصريون أشاعرة جهمية عند الحنابلة ..ولن يقبلوا أن يكون الأفضل منهم على بدعة...

تاسعا: كل خبر لفضائل المدن والبلاد والقرى منسوب إلى الرسول هو موضوع قولا واحدا، فالخيرية والفضل بالعمل الصالح والتقوى لا بالمنطقة ولا الانتماء، وما أهلك العرب اليوم إلا اعتقادهم بفضائل مكذوبة كفضائل الشام واليمن ومصر والعراق..إلخ..كل هذا موضوع في حقبة التخلف والفوضى العلمية المشهورة تاريخيا بحقبة الرواية الشفهية في القرن الثاني الهجري والتدوين في القرن الثالث.

عاشرا وأخيرا: بدلا من الانشغال بأخبار وتراث مشبوه أثبت أنك فعلا خير جنود الأرض..ولا تنتظر شهادة الآخرين.. فنشر الحديث -وبهذه الصورة- دلالة ضعف كامن..إذ ما الذي يدفع شيخ أو مواطن للاعتقاد بأفضلية بلده دينيا إلا أنه على المستوى الشخصي ضعيف يحتاج لعون الرب له

اجمالي القراءات 3153

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   أبو أيوب الكويتي     في   الإثنين 12 ديسمبر 2016
[83875]

جميل !


بارك الله فيك ،،، شكرًا جزيلا 



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 547
اجمالي القراءات : 2,349,561
تعليقات له : 71
تعليقات عليه : 296
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt