مصيبة

أحمد صبحى منصور   في الخميس 26 سبتمبر 2013


 

الأخ العزيز محمد دندن ، أكرمه الله جل وعلا ، ذكّرنى بأهمية الحقيقة قرآنية فى أن الله جل وعلا يصيبنا بالخير والشر معا ، وأن المصائب ليست فى الشّر وحده بل فى الخير ايضا ، فكتبت هذا المقال فى القاموس القرآنى عن مصطلح ( مصيبة ) ومشتقاته .  

أولا : المصيبة بالشر أو بالخير هى إحدى الحتميات الالهية

1 ـ يقول جل وعلا : ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الحديد )، أى إن كل مصيبة تحدث لانسان أو فى الأرض إلا تم مسبقا تقديرها فى علم الله جل وعلا ، قبل وجودنا فى هذه الحياة . وبالتالى فعلى المؤمن أن يتخذ موقف معتدلا وسطا من هذه الحتميات التى لا بد له من مواجهتها ، سواء كانت بالخير أو بالشرّ ، فلا يفرح ويغتر بالخير منها ولا ييأس ولا يحزن بالسىء منها .

2 ـ وبالتالى فكل المصائب بإذن الله جل وعلا ، والمؤمن هو الذى يتقبل ذلك راضيا شاكرا صابرا ، وبهذا يستريح قلبه وينصلح باله ، يقول جل وعلا :( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) التغابن ) .

3 ـ ولأنّ المصائب خيرها وشرّها من عند الله جل وعلا ، فهو وحده جل وعلا الذى يملك كشف الضرر ، ولا يستطيع مخلوق منع مصيبة بالخير قدرها الله جل وعلا لمن أراد من عباده ، يقول جل وعلا للنبى محمد عليه السلام :(  وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) يونس ) . وبالتالى يجب أن يتوجّه الانسان لربّه وحده يتوسّل به وحده ، ويدعوه وحده ، ويرجوه وحده ، ويستغيث به وحده ، لا شريك له . فالنبى محمد نفسه لا يملك لنفسه فضلا عن غيره نفعا ولا ضرا .

4 ـ وتتداخل المصائب خيرها وشرها بالابتلاء بالشر والخير لاختبار البشر ، يقول جل وعلا : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)( الأنبياء )

5 ـ وأصعب إختبار هو فى القتال فى سبيل الله جل وعلا ، والمجاهدون المؤمنون يتجلى معدنهم الأصيل فى هذا الاختبار ، كما حدث مع الربانيين فى قصص الأنبياء السابقين ، يقول جل وعلا عن ثباتهم وصمودهم لما ( أصابهم فى سبيل الله ) : (  وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)وجزاؤهم : ( فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)) آل عمران ).

وعن مسئولية المؤمنين فى هزيمة (أُحُد ) يقول جل وعلا يعتبرها مصيبة أصابتهم : ( وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)(آل عمران)، يقول جل وعلا (أَصَابَكُمْ ).  كما يقول عن نفس الهزيمة :( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) ( آل عمران ). وقد صمد بعض المؤمنين فطاردوا العدو برغم ما أصابهم من جراح ، وبرغم تخويف البعض لهم ، فقال جل وعلا: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)آل عمران )، قال (أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ ).

ويقول جل وعلا تحفيزا على الجهاد برغم ما يترتب عليه من مصائب : (مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ )(120) التوبة )، قال (يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) .

6 ـ وتتداخل المصائب مع عذاب فى الدنيا يصيب من يستحقه ، فتتحول النعم الى نقم ، وتتحول المنحة الى محنة ، وهذا ما حدث للمنافقين الذين ابتلاهم الله جل وعلا بالمال والأولاد فعصوا ، فكان عذابهم الدنيوى فى أموالهم وأولادهم:( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55))( وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85)(التوبة). وهذا قانون الاهى يسرى على كل من يكفر بالنعمة ، فتتحول مصائب الخير الى مصائب شر ونقمة ، وقد قالها جل وعلا عن قريش : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113))( النحل ).

ونبّأ رب العزة فى سورة مكية بما سيحدث للعرب قوم النبى من عذاب دنيوى ومصائب بسبب تكذيبهم ، وما سيترتب عليه هذا التكذيب من حروب أهلية أو ما يعرف بالفتنة الكبرى التى لا زلنا نعيش فيها : (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) ( الأنعام ) .

لذا جاء التحذير مقدما لنا ولهم ولكل من بدّل نعمة الله جل وعلا كفرا : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29)( ابراهيم ). وحكام العرب بدّلوا نعمة القرآن الى ما يعرف بالسّنّة ، وبدلوا نعمة البترول الى نقمة وتقاتل وفساد ، وخراب فى الدنيا ، وينتظرهم جحيم فى الآخرة . لذا يقول جل وعلا يحذّر البشر من كفران النعمة ، وكيف سيحل بدلا منها عذاب دنيوى : ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)( السجدة ). وحتى هذا العذاب الدنيوى بالمصائب السيئة قد يكون خيرا لو نتج عنه توبة ، ورجوع للحق .

ثانيا : المصائب تتداخل ما نحسبه خيرا أو شرا :

القاعدة هنا أننا نحكم حكما قاصرا على الأشياء :  يقول جل وعلا : ( وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216)البقرة ). ومثلا فالذى يتربى فى بيئة حرمان قد يكون هذا الحرمان لصالحه عاملا أساسا فى بلوغه المعالى ، وعلى العكس يكون الطفل المدلل فى بيئة يتوفر له فيها كل شىء ، فلا يكون له دافع للنبوغ . هذا مع أننا نرى فى الحرمان والفقر شرا ، ونرى فى الثروة خيرا . ويدخل فى هذا العوامل الطبيعية المؤثرة فى المناخ من الريح والمطر ، وهى من المصائب الالهية ، وتختلف نظرتنا الى تأثيرها ، عن الصواعق التى يصيب بها رب العزة من يشاء يقول جل وعلا : ( وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ )(13) الرعد)، وعن الرياح التى يصيب بها جل وعلا من يشاء يقول جل وعلا : ( اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) الروم )، (أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ ) (43) النور ).

ثالثا : وأحيانا يتهم البشر بعضهم بأنه مصدر المصائب ، وينسون أنها كلها من عند الله جل وعلا.  ومن حُمق بعض الصحابة الخائفين من تشريع القتال بأنهم كانوا يتهمون النبى محمدا عليه السلام بأنه السبب فيما يحدث لهم من مصائب ، ومنها الموت ، فقال جل وعلا  لهم : ( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78)النساء ).

رابعا : مصيبة المحنة تأتى عقوبة على الظلم والعصيان

1 ـ وهناك فارق بين مصدر المصائب بالخير أو الشّر ، وهو الله ، وبين سبب المصائب الشريرة ، وهو عصيان البشر وما يترتب عليه من عقاب بالمصائب .  لذا يقول جل وعلا فى الآية التالية يخاطب النبى محمدا نفسه : ( مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (79) النساء ) ، أى فمع أن كل المصائب من خير وشرّ تأتى من لدن الله جل وعلا ، فإن ما يكون منها شرا وضررا يأتى عقوبة ، أى يكون الانسان مسئولا عنها . فالمصيبة الحسنة هى فضل ونعمة من الله جل وعلا ، والمصيبة بالضرر هى عقوبة على ما ترتكبه النفس البشرية .

2 ـ وهى كثيرة ، الآيات التى تؤكّد أنّ الاصابة بالشرّ والضرر تأتى عقوبة الاهية على عصيان بشرى يقع فيه الفرد أو مجموعة من البشر . فإهلاك الأمم السابقة كان بسبب عصيانها ، ونقرأ هنا قوله جل وعلا : عنهم : ( فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (34) النحل )ـ أى كان إهلاكهم نتيجة لسيئات أعمالهم . وهذا ما نعظ به الآن قومنا ، فما يحدث من مصائب الحروب أهلية هى نتاج سيئات أعمالنا ، خصوصا ممّن يرتكب أفظع الكبائر وينسبها لدين الله جل وعلا .  وقد حذّر النبى شعيب عليه السلام قومه من هلاك الأمم السابقة فقال لهم : ( وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89)هود)   . وقبله قالت الملائكة للنبى لوط عليه السلام قبيل إهلاك قومه :(  قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ) (82) هود ) وفى تحذير مباشر لنا يقول جل وعلا فى الاية التالية : ( مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) هود )، أى ليس العذاب الذى وقع بقوم لوط بعيدا عن أى مجتمع ظالم يأتى فيما بعد . ومعروف أن فاحشة الشذوذ تنتشر مرضا بين أتباع الديانات الأرضية من المسلمين . فهنيئا لهم بعذاب قائم وقادم .

3 ـ وفى تحذير مباشر للعرب فى حياة النبى قال جل وعلا عن الأمم السابقة:( فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) وأتبع ذلك رب العزة يقول عن الظالمين فى عهد النبوة : ( وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) الزمر )، فالمصائب تأتى نتيجة للظلم . فهل العرب الآن هجروا الظلم أم هم فيه واقعون غارقون ؟ .

4 ـ  وفى المدينة حذّر رب العزة جل وعلا من كان يتخلف عن مجالس الشورى حين كان ينادى المنادى باسم الرسول ليدعوهم لحضور الاجتماعت لمناقشة أمورهم فيما يشبه الجمعية العمومية . إذ كان بعضهم يتخلف بدون عذر ، وكان بعضهم يحضر ثم يتسلل لواذا فنزل قوله جل وعلا يهددهم بمصائب وعذاب : (  لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) النور).

5 ـ ونزل تحذير آخر بالمصائب والعذاب لأعراب تخلفوا عن القتال الدفاعى بلا عُذر ،بل وقعوا فى الكذب والتكذيب : (  وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنْ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) التوبة )، توعدهم رب العزة جل وعلا بعذاب أليم ، فكيف بمن أسّس دينه الأرضى على إفتراءات وأحاديث وروايات نسبها زورا وبهتانا للرسول عليه السلام ؟

6 ـ وفى كل قرية ( أى مجتمع ) يوجد أكابر المجرمين الذين يستبدون بالأمر ، ويرفضون الاصلاح تكبرا وإستعلاءا ، ويتوعدهم رب العزة بمصائب تجلب لهم الذل والهوان والعذاب الشديد ، يقول جل وعلا يتوعدهم :( سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) الانعام )، ونلاحظ هنا إستعمال الفعل المضارع الذى ينطبق على كل الذين أجرموا(  سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ). وهنيئا بمصائب آتية لمجرمى العرب والمسلمين ، وكل مستبد ساع للثروة والسلطة باساليب الظلم والخداع وخلط السياسة بالدين .

7 ـ وبعض إعتداءات العصاة تكون مصيبة وشرا لمن يقع عليه الاعتداء ، ومن حق من يقع عليه الاعتداء أن يردّه منتصرا لنفسه :( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) الشورى )

8 ـ  ومع أن بعض المصائب السيئة تكون عقوبة بما كسبت أيدى الانسان ، إلّا إنّ الله جل وعلا يعفو عن الكثير من الذنوب ، طبقا لعلمه جل وعلا ورحمته ، يقول جل وعلا : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) الشورى ). وبالتالى فليس كل الذنوب يترتب عليها مصائب ، ولقد قال جل وعلا للنبى عليه السلام عن بعض أهل الكتاب : ( وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) المائدة  ). أى يصيبهم ببعض ذنوبهم ، ويعفو عن الباقى .

خامسا : الإختلاف فى تقبل إختبار المحنة بين المؤمن وغيره

1 ـ حكى ربّ العزّة  الاختلاف فى مواقف بعض الصحابة من وقوع مصائب لهم بسبب عصيانهم.  فالمنافقون ، كانوا يشمتون بالنبى إذا وقعت عليه مصيبة سيئة ، ويسوؤهم أن تقع له مصيبة حسنة : (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) التوبة ) وأمر الله جل وعلا رسوله أن يقول لهم أن المصائب كلها مكتوبة سلفا عند الله جل وعلا الذى يعلم المستقبل ، وأن المؤمنين يتوكلون على الله جل وعلا ويعتمدون عليه : ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (51) التوبة ) وبذلك فالمؤمنون المتوكلون على الله جل وعلا الراضون بقضائه سينالون إحدى الحسنيين ، أما المنافقون فينتظرهم عذاب بمصائب تحل عليهم بأيدى المؤمنين ( بحرب دفاعية لو إعتدوا على المؤمنين ) أو تأتى مباشرة من رب العزة كمرض أو غيره :( قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) التوبة ).

وبعض المنافقين حين كانت تنزل عليهم مصيبة جزاء عصيانهم كانوا ينتبهون ، ويأتون للنبى يحلفون ويعتذرون : (  فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً (62) النساء ). وبعضهم عند الحرب كان يفرح بمصيبة الهزيمة للمؤمنين إذ لم يكن حاضرا ، أما إذا إنتصر المؤمنون فكان يتمنى لو حضر : (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73) النساء  ).

2 ـ وعموما فقد أوضح رب العزة موقف البشر من وقوع إختبار المصيبة بالخير أو بالشر . فقال جل وعلا عن الخاسر فى الاختبار :( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) الحج )، وقال عن الفائز الصابر فى الاختبار يبشرهم بالجنة : ( وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) الحج ) ، ويبشرهم بالرحمة الالهية:  ( وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ (157) البقرة ) ، ونصح لقمان إبنه فقال له : ( يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (17) لقمان ).

أخيرا : أنظر الى شريط الأخبار لترى أن لعنة المصائب تحيق بالمسلمين وحدهم . وهو عقاب الاهى قد نبّأ به الرحمن جل وعلا : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)( الأعراف ).

اجمالي القراءات 10685
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق