أماكن انتشارهم معروفة والسكان يخشون الإبلاغ عنهم.. عصابات مسلحة تسطو على الأهالي وتقطع الطرق بمصر

اضيف الخبر في يوم الثلاثاء ١٨ - يناير - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: عربى بوست


أماكن انتشارهم معروفة والسكان يخشون الإبلاغ عنهم.. عصابات مسلحة تسطو على الأهالي وتقطع الطرق بمصر

فجَّر حادث السطو المزعوم الذي تعرَّض له فريق عمل مسلسل "حلم الأسمرات"، والذي يفترض أنه يجري تصويره لإبراز إنجاز الحكومة المصرية في القضاء على العشوائيات، جدلاً واسعاً في مصر، عن تزايد جرائم السطو المسلح في الفترة الأخيرة، وانتشار ما بات يُعرف بالعصابات المسلحة في بعض محافظات مصر، بسبب تردي الأحوال المعيشية وانشغال الشرطة بالأمن السياسي.


وكان المخرج حسني صالح قد أثار ضجة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بمنشور كتبه عن تعرضه وفريق عمل المسلسل التسجيلي عن حي الأسمرات للسرقة أثناء التصوير، بعدما هاجمته مجموعة من المسلحين بالمنطقة.

قال حسني في تصريحات: كنا نصور بعض مشاهد مسلسل "حلم الأسمرات" بعد منتصف ليل الجمعة في منطقة الشيخ زايد، لنتفاجأ بهجوم مسلح من مجهولين، يحملون أسلحة آلية، وروعوا فريق العمل، وسرقوا إحدى كاميرات التصوير، بالإضافة إلى طاقم عدسات تقترب قيمته من مليوني جنيه.

ورغم قيام الشرطة بالقبض على المخرج لاحقاً وتوجيه تهمة نشر أخبار مغلوطة له، قامت الشرطة بحسب بيان صادر عنها بإعادة المعدات المسروقة بعد ساعات من وقوع حادث السطو، إلا أن الجدل حول انتشار ظاهرة هذه المجموعات المسلحة في مصر لم يخمد بعد.

أين تنتشر العصابات وما حقيقة وجودها؟
عن أماكن انتشار تلك العصابات وحقيقة وجود خريطة أمنية تبين مناطق تواجدها، يقول باحث بالمركز القومي للبحوث الجنائية في اتصال مع "عربي بوست"، إن أغلب التشكيلات العصابية في نطاق القاهرة الكبرى (تتضمن محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية)، تتركز في المناطق العشوائية والشعبية البعيدة عن سيطرة الشرطة، مثل أحياء إمبابة وبولاق والباطنية وعين شمس ومدينة السلام في القاهرة، حيث يتمتع أفراد العصابات بأمان أكبر من الملاحقات الأمنية في تلك المناطق.

وذلك بسبب الازدحام وخوف السكان من بطش العصابات، وبالتالي عدم تعاونهم مع الشرطة، بجانب تعدد المشاكل الأمنية في تلك المناطق، ما يُشتت جهود رجال الشرطة في التعامل معها، وترتيب الأولويات في التصدي لها، وهناك تواجد لافت لبعض العصابات في المدن الجديدة التي لم يكتمل عمرانها بعد، مثل الشيخ زايد والسادس من أكتوبر والتجمع.

أماكن انتشار العصابات المسلحة في مصر
ما كان لافتاً للانتباه بالنسبة للباحثين في المركز انتشار تشكيلات عصابية في محافظات أخرى تعد مفاجأة بالنسبة للباحثين، لأنها لم تكن في السابق من المناطق المهددة، مثل محافظات الدلتا الزراعية، كفر الشيخ والشرقية والغربية والدقهلية، تم رصد بعض التشكيلات العصابية تمارس نشاطها، متخذة من الطرق الصحراوية والقرى النائية وبعض المناطق البعيدة عن نطاق الكتل السكانية مسرحاً لاصطياد ضحاياها وتنفيذ عملياتها، وهناك طبعاً محافظات الصعيد، بداية من بني سويف وحتى سوهاج، التي تعد المنطقة التاريخية الحاضنة للعصابات المسلحة، مشيراً إلى أن الطرق السريعة والصحراوية بدائرة محافظة بنى سويف مثلت مكاناً آمناً للتشكيلات العصابية على مدار الـ5 سنوات الأخيرة.

كشف مصدر أمني لـ"عربي بوست" أن السبب في عدم تعامل وزارة الداخلية مع ظاهرة العصابات المسلحة، باعتبارها خطراً محدقاً يستحق التعامل معه كأولوية أمنية، أن الأمر ليس متكرراً ومنتشراً، ولا يزال تحت الحد الأدنى، لاعتباره ظاهرة إجرامية، حيث تلجأ تلك العصابات إلى حيلة معروفة، هي اتخاذ هدنة بين كل جريمة وأخرى، حتى لا يتحول نشاطهم إلى ظاهرة تتطلب تدخلاً قوياً من "الداخلية".

وعن السمات المشتركة والمختلفة بين تلك العصابات، قال المصدر إن أسلوبهم يكاد يكون واحداً، وهو السرقة بالإكراه وبيع المسروقات عبر شبكة من التجار المعروفين لهم، أو الخطف تحت تهديد السلاح، ثم التفاوض مع ذوي الضحايا عبر وسطاء لإطلاق سراحهم مقابل فدية، وعادة ما ترفض أسرة الضحية إبلاغ أجهزة الشرطة، خوفاً من تنفيذ العناصر الإجرامية لتهديداتها بقتل الشخص المختطف، إلى جانب قناعة المواطنين، خصوصاً في محافظات الصعيد، بأن قوات الشرطة لن تستطيع مهاجمة أوكار المجرمين، نظراً لطبيعة الأماكن التى يتخذونها مأوى لهم في المناطق الجبلية الوعرة.

واعترف المصدر الأمني أنه خلال الفترة الماضية كثرت جرائم السطو واستهداف السيارات المحمّلة بالسلع مرتفعة السعر، مثل السكر والحديد والأسمنت، بجانب الهجوم على سيارات خاصة ودراجات بخارية، بغرض الاستيلاء عليها، ثم مفاوضة صاحبها على دفع مبلغ مالي مقابل استعادتها.

ووصل الأمر إلى جرائم منظمة على المصالح الحكومية في بعض المناطق، ورغم جهود القوات الأمنية للحد من انتشار تلك الجرائم التي تُهدّد أرواح المواطنين في كثير من المحافظات، فإن المسألة آخذة في الانتشار، بسبب تزايُد الضغوط الاقتصادية، متوقعاً أن تزداد في الفترة المقبلة مع الزيادات المتوقعة في أسعار السلع والخدمات في مصر خلال العام الجديد.

عدم جدية الشرطة وعدم تعاون المواطنين من أسباب انتشار العصابات المسلحة
أصاب الذهول محمد. أ، ويعمل مهندساً بشركة مقاولات عندما كان يصلح سيارته الخاصة بإحدى الورش الصغيرة بمنطقة إيديال الشعبية القريبة من وسط المدينة، حيث جاء للورشة رجل معه سيارة قديمة من طراز فيات 131، التي يعود تاريخ صنعها إلى سبعينات القرن الماضي.

وكان يبدو على الرجل عدم الاتزان، ويتلفت حوله، ودار حديث بينه وبين صاحب الورشة، انتهى بانصراف الرجل عن الورشة في هدوء، لكن ما سبَّب ذهول المهندس ما قاله صاحب الورشة لاحقاً، بأن الرجل فرد في عصابة مكونة من ستة أشخاص معروفين بالمنطقة، كان يعرض عليه شراء السيارة مقابل خمسة آلاف جنيه، بعد أن استولى ومن معه عليها، بعدما قطعوا الطريق على صاحبها وثبتوه بالأسلحة، ثم طمسوا اللوحات المعدنية الخاصة بها.

ولم يقف الأمر عند عوام المواطنين، ولكن تعرض بعض المشاهير لحالات سطو مسلح، منهم المطرب الشعبى سيد حلمي، الذي تعرض للسرقة بالإكراه والسطو المسلح على الطريق الصحراوي بالقرب من قرية بياض العرب، إحدى قرى محافظة بني سويف، من قِبل مجهولين، عقب أدائه فقرة فنية بحفل زفاف بالقرية، حيث استوقفه ملثمون مسلحون يستقلون دراجات بخارية، واستولوا على مبلغ مالي وهاتفين محمولين كانا معه، وتمكنت قوات الأمن من ضبط الجناة الخمسة وعرضهم على النيابة، وجميعهم في مرحلة العشرينيات من العمر وبدون عمل.

واقعة أخرى بطلتها ربة منزل، قادت تشكيلاً عصابياً لإغواء الرجال وتصويرهم عرايا وسرقتهم وابتزازهم تحت تهديد السلاح، حيث تعددت البلاغات لمديرية الأمن، تفيد بقيام ربة منزل وعدد من الرجال باستدراج الرجال لمنزلها، وإجبارهم على التوقيع على إيصالات أمانة وسرقتهم تحت تهديد السلاح.

مسؤول سابق في جهاز الأمن الوطني المصري، قال في اتصال مع "عربي بوست"، إن تفاقم مشكلة العصابات المسلحة يعود إلى سببين رئيسيين، الأول عدم جدية وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية في الدولة في التعامل مع الظاهرة، والإصرار على عدم اعتبارها ظاهرة تستحق إيلاء أولوية لها.

والسبب الثاني تقاعس المواطنين عن مساعدة الشرطة في القبض على تلك العصابات، رغم أن ما لديهم من معلومات منذ أن كان هو شخصياً لا يزال في الخدمة، أن الأهالي في كل منطقة يعرفون أفراد العصابات والبلطجية بالاسم والعائلة، لكنهم لا يبلغون عنهم، إما لخوفهم من انتقام أفراد العصابة أو أقاربهم منهم لاحقاً، أو لقناعة بعض الأهالي أن تلك العصابات تعمل بمباركة من بعض رجال الشرطة.

وهناك أكثر من حالة لتورط رجال شرطة مع العصابات المسلحة، أحدثها ما تم الكشف عنه بصدور قرار من النيابة العامة في مصر بضبط ضابط شرطة كوّن تشكيلاً عصابياً تخصَّص في سرقة الناس بالإكراه.

وحسب المصدر الأمني تعود تفاصيل الواقعة إلى يوم 18 أكتوبر/تشرين الأول عام 2020، حينما تلقَّى قسم شرطة أول مدينة نصر بلاغاً بتعرض سيارة نقل أموال للسطو المسلح وسرقة 370 ألف جنيه، حيث اعترضها مسلحون واستولوا على الأموال من داخلها وفروا هاربين، وتم تكوين فريق بحث جنائي من الأجهزة المختصة في وزارة الداخلية، وتوصلت التحريات إلى أن وراء الواقعة ضابطاً يعمل بقسم شرطة أول مدينة نصر، وأنه كوّن تشكيلاً عصابياً من المسجلين خطر لسرقة المواطنين بالإكراه في دائرة القسم الذي يعمل به، فتم القبض عليه، وإحالته للنيابة العامة، التي باشرت التحقيق معه منذ ذلك الوقت.

المصاعب المترتبة على نقص المياه دفعت بعض المزارعين لتكوين عصابات لكسب عيشهم!
باحث بإحدى الجمعيات الحقوقية في مصر يعترف بأن ما تشهده القاهرة من حالات سطو مسلح يعد "لعب عيال"، مقارنة بما يحدث في المحافظات الأخرى، خصوصاً في منطقة وسط الدلتا، التي ظلت لعقود طويلة أماكن آمنة ينشغل سكانها بالزراعة، لكن يبدو أنه مع المصاعب التي تواجه المزارعين في السنوات الأخيرة بسبب نقص المياه، تحول بعضهم إلى تشكيل عصابات مسلحة لكسب عيشهم.

وروى واحدة من القصص المأساوية التي تعج بها قرى محافظات الدلتا، خصوصاً الشرقية وكفر الشيخ والغربية، فقال "خرج الشاب "إسلام" البالغ من العمر 28 عاماً، المتزوج ولديه طفلان، عقب صلاة المغرب لتوصيل أحد أقاربه إلى قرية "سلمنت"، وفجأة خرج عليه عند حدود القرية أربعة مسلحين ببنادق آلية، لا تسأل من أين حصلوا عليها ولا كيف يخفونها عن أعين الشرطة الغائبة عن القري! وأمروا الشاب بالنزول من السيارة وترك المفاتيح بها، غير أن حماسة الشباب أو تهوره أو القدر -صفها كما تشاء- جعلته يحاول الانطلاق بالسيارة، فما كان من الأوغاد إلا أن أطلقوا النار عليه ليسقط إسلام شهيد الدفاع عن نفسه وماله، وليست الحادثة الأولى كما لن تكون الأخيرة من نوعها.

بل هناك مئات المآسى الأخرى الأكثر ألماً وحزناً، حيث خطف البلطجية طفلاً لم يتجاوز عمره العامين وقتلوه، ثم اتصلوا بأهله يساومونهم على دفع 200 ألف جنيه مقابل ابنهم، وما حدث أنهم حصلوا على المال وأعادوا إليهم جثة الطفل ولم يقبض عليهم ولم يحاسبوا.

كذلك يتحدث الأهالي عن "عزبة العرب" الواقعة في الطريق إلى قرية أنشاص، إحدى القرى التابعة لمركز بلبيس في محافظة الشرقية، وكيف أصبحت بؤرة لتجارة المخدرات والسلاح وتحول كثير من أهلها إلى قطاع طرق مسلحين.


لا ينكر محمد سعيد، وهو ضابط مباحث وجود عصابات وقطاع طرق منتشرين في المحافظات، لكنه يؤكد أن هناك جهوداً مضنية تبذلها الوزارة للقبض عليهم، وقد تمكنوا خلال العام المنقضي فقط من ضبط 4 تشكيلات عصابية خطرة، تخصصت جميعها في سرقة السيارات من مالكيها بالإكراه، وتحت تهديد السلاح في محافظات الشرقية والإسكندرية وكفر الشيخ وسوهاج، بإجمالي 17 متهماً.

استخدم أحدهم تطبيقات الموبايل لنقل الركاب لإيقاع ضحاياهم، وعصابة أخرى تزعمتها سيدة لتسهيل مهمة السرقة من قائدي السيارات، كما تمكنت الشرطة مؤخراً من تفكيك العديد من البؤر الإجرامية بالمحافظات، التي كانت تخرج من رحمها العصابات المسلحة، في ظل تنفيذ الأحكام بصفة دورية، ما يحقق عنصر الردع لكل من تسول له نفسه ارتكاب الجرائم.


ومنذ أسابيع تمكنت أجهزة وزارة الداخلية من القضاء على أكبر وأخطر التشكيلات العصابية الإجرامية المسلحة بمحافظة أسوان، تخصصت في جلب والاتجار بالمواد المخدرة، والتنقيب عن خام الذهب، واستخراجه بطرق غير مشروعة بمناطق مختلفة، أشهرها منطقة مرسى علم بالبحر الأحمر، بجانب ارتكاب جرائم قتل وخطف وبلطجة.

أما في محافظة المنيا، فقد ألقى ضباط إدارة البحث الجنائي بمركز سمالوط، القبض على تشكيل عصابي، تخصص في السرقات المتنوعة، وفي محافظة سوهاج، تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط عناصر تشكيل عصابي تخصص في ارتكاب جرائم سرقات مركبات "التوك توك".

عصابات أجنبية تسللت إلى المناطق العشوائية
خبير أمني حلل ظاهرة انتشار العصابات المسلحة، فقال لـ"عربي بوست" إن هناك عاملين أساسيين وراء تزايد الجرائم الجنائية بوجه عام في مصر، من بينها جرائم العصابات، الأول انشغال الأجهزة الأمنية بالأمن السياسي وملاحقة معارضي النظام، والثاني هو انتشار الفقر والعوز بين ملايين المصريين، ما يجعل بعضهم على استعداد لفعل أي شيء مقابل المال.

وأرجع ارتفاع معدلات الجرائم لهذين السببين، حيث تزايدت معدلات السطو المسلح، مشيراً إلى أن هناك عصابات أجنبية وجدت في تردي الحالة المعيشية للمواطنين بيئة مناسبة لدخول البلاد، وإيجاد الكثير من الأشخاص الذين يقبلون القيام بأعمال مخالفة للقانون مقابل حفنة من الدولارات، خصوصاً في المناطق العشوائية، التي ظلت لسنوات طويلة معمل تجارب بشرية للدولة من جهة ورجال الأعمال من جهة أخرى، حيث جرى استغلال سكانها في أعمال العنف والبلطجة والحشد الاجتماعي وقمع الخصوم السياسيين والتجاريين.

وهناك أيضاً بعض المدن الجديدة التي نشطت فيها الجريمة بسبب غياب الحضور المؤسسي للدولة، ما سمح للتشكيلات العصابية بالسيطرة على تلك المناطق، خصوصاً التي تملك أماكن استراتيجية مثل المطرية الجديدة التي تقع على طرق تجارة كبيرة للمخدرات، مثل طريق بلبيس الزراعي والصحراوي.
اجمالي القراءات 509
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق