نقلا عن ( المصرى اليوم ):
الإسلام والثورة . د . حسن حنفى

hasan Ýí 2012-07-12


 

الإسلام والثورة

بقلم د. حسن حنفى 12/ 7/ 2012

يصعب وصف الثورة المصرية منذ بدايتها 1952، ثورة الضباط الأحرار حتى الثورة المصرية الثانية 2011، ثورة الشعب، بمعزل عن علاقتها بالإسلام ممثلاً فى جماعة الإخوان المسلمين أكبر تنظيم إسلامى فى العصر الحديث منذ نشأتها على ضفاف القناة، الإسماعيلية 1928 حتى وصول رئيس منتخب منها بإرادة شعبية حرة عام 2012، وهناك مئات الدراسات والرسائل الجامعية والمقالات فى الموضوع، والمهم الآن هو رؤية دورة التاريخ واكتماله من عداء الثورة للجماعة فى عهد الرئيس الثانى، عبدالناصر، إلى عداء الجماعة للثورة المضادة فى عهدى الرئيسين الثالث والرابع.

والحقيقة أن الإسلام والثورة بدآ متعاونين، فقد كان نصف أعضاء مجلس قيادة الثورة تقريبا من الإخوان. وكان الوصى على العرش قبل إزاحة الملك، والتحول إلى النظام الجمهورى من الإخوان، وكان الإخوان على علم بموعد قيام الثورة، وعهد إليهم ليلتها بحراسة المنشآت العامة، وكان الفريقان قد تعاونا من قبل أثناء حرب فلسطين 1948 ثم أثناء مقاومة الفدائيين فى القناة 1951 قبل اندلاع الثورة، وقد اختارت الثورة سيد قطب ليكون أمينا لهيئة التحرير «التنظيم السياسى للثورة»، وكان معروفا لدى الضباط الأحرار بكتاباته عن «العدالة الاجتماعية فى الإسلام» و«معركة الإسلام والرأسمالية» و«السلام العالمى والإسلام» قبل أن يتحول تحت آثار التعذيب إلى «معالم فى الطريق»، وطلبت منه الثورة إلقاء أحاديث إذاعية عن الإسلام والثورة.

بدأت الثورة بالتوافق مع الإسلام فى عهد الرئيس الأول الذى لم يدم طويلا. ثم ضحت به الثورة كما ضحت بالإخوان فى 1954، وعندما بدأ الصراع بين «ناصر» و«نجيب» يطفو فوق السطح وعبر «نجيب» عن اتجاهه الإسلامى الثورى، انحاز الإخوان إليه، ولما خسر «نجيب» الصراع وبعد حادث إطلاق النار فى المنشية على «ناصر»، واتهام الإخوان بمحاولة اغتياله انفكت الرابطة بين الإسلام والثورة. ودخل الإخوان السجون ولاقوا داخلها أشد أنواع التعذيب والنفخ. وظلوا كذلك حتى وفاة «عبدالناصر» فى 1970، وظهر الإسلام الدعائى الذى يبرر اختيارات النظام. وظهرت أدبيات الإسلام والتأميم بعد تأميم القناة فى 1956، والإسلام والوحدة بعد الوحدة مع سوريا فى 1958-1961، والإسلام والاشتراكية بعد قوانين يوليو الاشتراكية 1962-1963، ثم ظهر الإسلام الدعائى للمقاومة بعد هزيمة 1967 (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ).

ثم انقلب على نفسه وبنفس الرجال، فقهاء السلطان، بعد كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)، واتهم كل من عارض المعاهدة مع إسرائيل بأنهم خوارج العصر، وأخرجهم الرئيس الثالث من السجون لاستعمالهم ضد الناصريين وجموع اليسار المصرى عندما انقلب على الثورة بعد نصر أكتوبر 1973، وقرر الانفتاح الاقتصادى 1974 وأصدر قانون الاستثمار 1975. لعب بهم الرئيس الثالث واستعملهم لإضفاء شرعية دينية على نظامه بعد أن نقد الشرعية الثورية، وسمى المجتمع المصرى مجتمع العلم والإيمان، وهو خامس الخلفاء الراشدين، كبير العائلة. وأفسح المجال لبرامج العلم والإيمان فى القنوات التليفزيونية ليتستر على استبداده وفساده وتبعيته لأمريكا وإسرائيل، واستمرار قطيعته مع إيران. ولما قامت هبّة يناير 1977 قرر إيجاد حليف فى الخارج بعد أن سيطرت صور «عبدالناصر» على مصر كلها من الإسكندرية إلى أسوان، واستعد هو للمغادرة إلى صديقه شاه إيران لولا تدخل الجيش ضد الثوار وإنقاذه، وقرر زيارة إسرائيل فى نوفمبر من العام نفسه، وعقد مفاوضات السلام فى كامب ديفيد فى 1978، ثم معاهدة السلام فى 1979.

فانقلب الإخوان عليه بعد أن وضع كل معارضيه بالآلاف من كل الأطياف فى السجن فيما يعرف بمذبحة سبتمبر من العام نفسه، ولما سار فى شوط الثورة المضادة أبعد من اللازم إلى حد الخيانة قررت إحدى الجماعات الاسلامية، جماعة الجهاد، تصفيته للتخلص منه فى أكتوبر 1981. ولما استمر الرئيس الرابع فى نفس الثورة المضادة لسلفه مع مزيد من الاستبداد، واستمرار الإخوان فى السجون والمعتقلات أفرج عن التائبين منهم، الذين قاموا بمراجعات النفس بمساعدة الأمن، ورفضوا العنف، وخرجوا من السجون مواطنين يمارسون الدعوة سلماً. واستمر الرئيس الرابع فى الثورة المضادة مع مزيد من الفساد، وتزوير الانتخابات، وإعداد المسرح السياسى والدستورى للتوريث، وأوحى للغرب بأن عليه أن يختار بينه وبين الإسلاميين أنصار حزب الله وإيران المناهضين لإسرائيل. ففقدت مصر الإسلام والثورة على حد سواء.

ثم أتت ثورة يناير 2011، وانضم الإخوان إلى الثوار، وتحولوا من المحظورة إلى حزب شرعى، وعاد الوئام بين الإسلام والثورة لولا الصراع على السلطة مع فرقاء النضال، وحرص الإخوان على الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب: المقاعد فى مجلسى الشعب والشورى، الأعضاء فى اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، والانتخابات الرئاسية. ونجح مرشح الجماعة بفارق ضئيل عن مرشح النظام السابق الذى صوت له الكثيرون كراهية فى الإخوان، كما صوت الكثير للإخوان رفضاً للنظام السابق، بينما فضل البعض المقاطعة أو إبطال الصوت رافضين الخيارين: الاستبداد الدينى والاستبداد العسكرى. وها هو الرئيس الجديد باسم الجماعة التى استقال منها كى يكون رئيسا لكل المصريين، وباسم الثورة التى عاد إليها بعد أن خسر تأييده لها بانعزاله عنها، وجمع بين الإسلام والثورة عوداً على بدء عندما بدأت الثورة المصرية فى 1952 فى عهد الرئيس «نجيب» قبل أن يطيح به رفقاء النضال وانشقاق الإخوان عن الثورة فى مأساة مارس 1954.

فظلت الثورة بلا أساس من الموروث الشعبى، وها هو الرئيس المنتخب يجمع من جديد بين الاسلام، انتمائه وولائه، والثورة، حاضره وميدانه. فيجد فى الشعب خير سند له. يقسم أمامه اليمين الدستورية فى الميدان. ناصر فى قلوب الجماهير. حاضر فى ذاكرتهم. يشاهدون آثاره فى الإسكان الشعبى، ولجان تقدير الإيجار، والصناعات، والإصلاح الزراعى الذى استفاد منه الرئيس الجديد بفدانين، والسد العالى، والجمعيات التعاونية والتأمين الصحى ومجانية التعليم وكرامة مصر، وريادتها وزعامتها فى محيطها العربى، وأثرها على الساحة الدولية، والإسلام موروث الشعب الثقافى وأساسه النظرى. فلا الثورة ضد الإسلام، ولا الإسلام ضد الثورة. جمع الرئيس الجديد بين الإسلام والناصرية، وهما المكونان الرئيسيان للوجدان الشعبى. الناصرية بمفردها تكون فى فراغ. يسهل العصف بها.

والإسلام بمفرده شعائرى شكلى عقائدى سلطوى تبريرى للنظام أو تنظيم سرى ضده. هذا هو الطريق الثالث الذى يمثله الرئيس الجديد، طريق الإسلام الثورى أو الثورة الإسلامية، وما سمى من قبل عند بعض المفكرين «اليسار الإسلامى»، وهو القادر على تجاوز هذه الاستقطابات المصطنعة بين الدولة الدينية، الدولة المدنية، بين السلفى، والعلمانى، بين الإسلامى والليبرالى وكأن الإسلام ليس ليبراليا وكأن الليبرالية ليست إسلامية. وهذا سيؤثر فى الوطن العربى كله، ويعود به إلى عصر التحرر الوطنى فى الخمسينيات والستينيات عندما كان الإسلام هو المكون الرئيسى للتحرر الوطنى فى المغرب والجزائر واليمن ومصر وليبيا وتونس، وتقل المحافظة الدينية فى الساحة والسيطرة على الثقافة الشعبية، وتزيد مساحة الليبرالية بكل أصنافها قومية أو اشتراكية، وتنزل من نخبويتها فتلتحم بثقافة الجماهير.

فهل يستطيع الرئيس الجديد أن يفجر هاتين الطاقتين ويوحدهما، ويعود بالثورة المصرية إلى عهدها الأول، عهد الضباط الأحرار الذين كانوا يمثلون كل القوى الوطنية فى الأربعينيات بمن فى ذلك الإخوان والماركسيون؟ هل يستطيع أن يجعل مصر تتنفس برئتين، وترى العالم بعينين، وتسير على قدمين: الإسلام والثورة؟

اجمالي القراءات 9481

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
بطاقة hasan
تاريخ الانضمام : 2010-01-26
مقالات منشورة : 16
اجمالي القراءات : 154,027
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 7
بلد الميلاد : Bangladesh
بلد الاقامة : Canada