هل يستعصى العرب على الديمقراطية؟

سعد الدين ابراهيم Ýí 2010-10-23


 

شهد العالم ثلاث موجات كُبرى للديمقراطية، كانت الموجة الأولى خلال القرن التاسع عشر، الذى شهد عدة ثورات أوروبية ضد الأنظمة الملكية المُطلقة، انتهت إما بإسقاط بعض هذه الملكيات، أو تقليص سُلطة الملوك، والأخذ بالأنظمة الملكية الدستورية ـ التى يملك فيها صاحب العرش، ولكنه لا يحكم ـ حيث تقوم بهذه المُهمة التنفيذية حكومات ينتخبها المواطنون دورياً فى كل بلد. وقد بدأت هذه الموجة بإنجلترا، ثم فرنسا، فألمانيا وإيطاليا، والبُلدان الاسكندنافية. لقد شملت هذه الموجة حوالى خمسة عشر بلداً.

أما الموجة الثانية، فهى تلك التى حدثت بعد الحرب العالمية الأولى واستمرت إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد شملت عشرين بلداً، بعضها فى أوروبا، وبعضها فى الأمريكتين وآسيا (اليابان وكوريا والهند وسريلانكا والفلبين وباكستان وتركيا).

ولكن الأطول والأكثر صخبا، فهو الموجة الثالثة، التى بدأت منذ العام ١٩٧٤، فى البرتغال، ثم بقية جنوب وشرق أوروبا، وأمريكا اللاتينية، وبقية بُلدان شرق وجنوب آسيا، وأفريقيا جنوب الصحراء، وشملت هذه الموجة أكثر من سبعين بلداً، فوصل العدد الكلى للبُلدان الديمقراطية (أى التى تُجرى فيها انتخابات دورية للبرلمان ورئاسة الجمهورية والوزراء) حوالى ثلثى البُلدان المُمثلة فى هيئة الأمم المتحدة، وهى حوالى مائة وسبعين بلدا.

وتصدر عدة مؤسسات غير حكومية ـ عالمية، تقارير دورية عن حالة الديمقراطية فى العالم. أهمها «بيت الحُرية» (Freedom House). وفى تقريره عام ٢٠٠٨، عن البُلدان العربية الأعضاء فى جامعة الدول العربية، لم يرصد إلا ثلاثة بُلدان تستوفى الشروط التى تؤهلها أن تُدرج فى قائمة البُلدان الديمقراطية ـ وهى لبنان، والكويت، وموريتانيا. كما رصد التقرير نفسه ثلاثة بُلدان نصف ديمقراطية هى: المغرب والبحرين وفلسطين. أى أنه فى أحسن الأحوال، لا توجد إلا ستة بُلدان عربية يتمتع مواطنوها بحق اختيار سُلتطهم التشريعية (البرلمان).

وفى المُقابل، رصد التقرير نفسه «بيت الحُرية» ليبيا والسودان والصومال ضمن أسوأ ثمانية بُلدان فى العالم من حيث القهر وانعدام حُكم القانون.

وبين هذين النقيضين، تقع بقية البُلدان العربية «المغرب، الجزائر، تونس، مصر، سوريا، العراق، السعودية، اليمن، الأردن، وبُلدان الخليج، باستثناء الكويت والبحرين». وبإحصائية بسيطة، يتضح أن ثلاثة أرباع المواطنين العرب، يعيشون فى ظل أنظمة حُكم غير ديمقراطية ـ سواء كانت بُلدانهم «جمهوريات» أو «ملكيات».

فهل هناك فى البصمة الوراثية (الجينات) للعرب «حصانة ضد الديمقراطية»؟ وإن لم تكن بصمتهم الوراثية، فهل «ثقافتهم» هى «ثقافة طاردة» أم «مُعادية» للديمقراطية؟ أم أن هناك ما هو أكبر وأقوى من الثقافة، مثل الدين؟ فهل «إسلامهم» هو سبب «امتناعهم» أو مُقاومتهم للديمقراطية؟

وقد انشغل كثير من العُلماء الاجتماعيين الغربيين بترديد هذه الأسئلة، وما تنطوى عليه من مقولات طوال رُبع القرن الأخير للإجابة عن هذه التساؤلات. وكانت البداية بمقالتين، أحدهما للمؤرخ الإنجليزى الشهير برنارد لويس (Bernard Lewis)، والثانى لعالم السياسة الأمريكى المعروف صامويل هانتنجتون (Samuel Huntington). وأطلق كل منهما بطريقته نفس المقولة، وهى أن «الديمقراطية» جزء من «منظومة حياة غربية»، وأن الثقافات غير الغربية، وفى مقدمتها ثقافة المسلمين، غير مؤهلة لهذه المنظومة الديمقراطية. فعقيدة المسلمين تقوم على السمع والطاعة، لا فقط لكل ما هو مُقدس ـ مثل القرآن والسنة، ولكن أيضاً لكل من يدّعون أنهم حُماة هذا المقدس، من «أولى الأمر فيهم».

وكنا نحن، من الُعلماء الاجتماعيين العرب والمسلمين، نسعى لدحض هذه الادعاءات، مُعتمدين بداية على أن «الديمقراطية» شأنها شأن أى نظام سياسى هى من خلق البشر، وكأى تراث اجتماعى يرثها بشر عن بشر. وثانياً، اعتمدنا على التاريخ الحديث والمُعاصر لبعض مُجتمعاتنا الإسلامية. من ذلك، أن مصر عرفت الديمقراطية البرلمانية، منذ عام ١٨٦٠، فى عهد الخديو إسماعيل ـ أى قبل أن تظهر كل من ألمانيا وإيطاليا للوجود (١٨٧٠). واعتمدنا فى دحض الادعاء، ثالثاً، على وقائع مادية مُعاصرة، من ذلك أن ثلاثة أرباع المسلمين فى العالم (١.٤ مليار) يعيشون الآن فى ظل حكومات مُنتخبة ديمقراطياً. بل إن ثالث أكبر بلد ديمقراطى فى العالم، بلد ذو أغلبية مسلمة، وهو إندونيسيا (١٦٠ مليوناً)، يليها كل من بنجلاديش، ونيجيريا، وتركيا، وماليزيا.

أما الرُبع المسلم الخالى من الديمقراطية، فهو يتركز أساساً فى العالم العربى وفى القلب منه مصر والسودان والسعودية وسوريا. وحتى هذه البُلدان العربية، عرفت نوعاً أو آخر من الديمقراطية، خلال القرنين الأخيرين. وكان إجهاض ديمقراطيتها الوليدة، على يد العسكر، الذين عادوا مهزومين من فلسطين فى الحرب العربية ـ الإسرائيلية الأولى (١٩٤٨-١٩٤٩)، يبحثون عن كباش فداء يُفسرون بها هزيمتهم على يد حفنة من العصابات الصهيونية.

ولم تكن صُدفة أن أول الانقلابات العسكرية العربية الأولى، قد وقعت فى سوريا بعد ثلاثة شهور من تلك الهزيمة، وفى مصر بعد ثلاث سنوات من تلك الهزيمة، وفى العراق بعد عشر سنوات. كما لم تكن صُدفة أن قادة هذه الانقلابات الثلاثة المُبكرة، كانوا من الضُباط، الذين حاربوا فى فلسطين. وعادوا يجرّون ذيول الهزيمة، ويبحثون عن كباش فداء يُبررون بها هزائمهم، التى كانت فى الحالات الثلاث هى «الحكومات المدنية، والديمقراطية»!

أما العسكر، فإنهم لم يُحرروا فلسطين، ولم يتخلوا عن السُلطة، ولكنهم دائماً يجدون ألف مُبرر ومُبرر للبقاء فى السُلطة، واحتكار الثروة، والتنكيل بالمُعارضة. لذلك ساد «الاستبداد»، الذى أدى بدوره إلى «الفساد». وصدق عبد الرحمن ابن خلدون، الذى قال منذ سبعة قرون، «إن الاستبداد والفساد مؤذنان بخراب العُمران».

ولا يبدو أن هناك سبيلاً للتخلص من توأم الاستبداد والفساد، إلا بانتفاضات شعبية، مثلما حدث فى الفلبين وشرق أوروبا، قبل ثلاثين عاماً، أو يتدخل طرف خارجى، كما حدث فى العراق منذ عشر سنوات. ولعل فى حركات شعبية، مثل «كفاية»، وشباب ونساء من أجل التغيير، وفى دعوات «للعصيان المدنى» مثلما أطلقها د. محمد البرادعى الأمل فى أن يحدث ذلك سلمياً، دون سفك دماء.

إذا الشعب يوماً أراد الحياة... فلابد أن يستجيب القدر.

اجمالي القراءات 10043

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (3)
1   تعليق بواسطة   رمضان عبد الرحمن     في   السبت ٢٣ - أكتوبر - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً
[52272]

الشعوب العربية تريد الديموقراطية وهم قاعدين

الدكتور سعد الدين المحترم أن الإسلام هو أساس الديموقراطية ولكن إن الشعوب العربية واقصد هنا الأغلبية منها توريد الديموقراطية وهم قاعدين في أماكنهم دون أن يتحرك احد وهذا هو الفرق بين الدول التي تعيش ألان في حرية وبين الدول العربية أي أن الدول التي أصبحت فيه حرية أو ديموقراطية لم تأتيهم هذه الحرية وهم قاعدين





2   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   السبت ٢٣ - أكتوبر - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً
[52280]

الدين الحقيقي فى القرآن يدعو للديمقراطية وعدم التقديس

إن الدين الإسلامي الحقيقي يدعو متبعيه للعمل بالديمقراطية وحقوق الغير فى التعبير عن رأيهم واحترام الآراء الأخرى والأخذ والتفكير بها ، ولذلك أمر الله جل وعلى خاتم النبيين أن يشاور صحابته وكبار قومه من المسلمين فى الأمر ، أما ما يحدث اليوم للعرب المسلمين فهو أكبر دليل على ابتعاد المسلمين عن المنهج الاسلامي الرباني الحقيقي ، الالتزام بقواعد الدين ومنهجه الحقيقي بلا تزوير أو تبديل سيجد أن جوهر هذا المنهج يدعو للحق والعدل والديمقراطية وكل ما يخص حقوق الإنسان قبل أن تظهر أوروبا وامريكا وقبل أن يضعوا مواثيق حقوق الإنسان والديمقراطية ، فالديمقراطية مبدأ أصيل وعتيق فى الدين الإسلامي ، ويكفي أن الله جل وعلا يخاطب الناس قائلا سبحانه وتعالى ( ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ، أعلم أن هذا يخص الحرية الدينية ، ولكن على ما أعتقد ان أي دين يسمح للإنسان ويتيح له حرية الايمان والكفر بخالق هذا الكون فلا اعتراض في هذا الدين مطلقا على رفض او قبول حاكم أو مسئول أو الاعتراض على دستور او قانون ، ومن هنا يتبين أن هذه الشعوب العربية الاسلامية فقدت الديمقراطية لأنها ابتعدت عن منهج القرىن الكريم وسارت بعيدا تتبع أقوال البشر وجعلتها موضع تقديس أكثر من القرآن منهج الله جل وعلا للناس كافة ...


3   تعليق بواسطة   عبدالمجيد سالم     في   السبت ٢٣ - أكتوبر - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً
[52282]

لا يمكن للمصريين أن يكونوا من طينة أخرى ..!!

 نعم لقد خلق الله البشر جميعا من طينة واحدة تتكون من تراب واحد .. وماء واحد .. ولكن مربط الفرس هو الاستبداد .. ومدى تجزر الاستبداد في نفوس  المصريين او غيرهم  ..


وغير بعيد عن الجميع فلقد مرت  جميع الشعوب التي اخذت بالديمقراطية بتجارب بعضها أقوى مما مر على مصر ..


لذلك لا يمكن أن فقدان الامل .. فالنجاح في العادة يسبقه الفشل ..!!


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 217
اجمالي القراءات : 2,179,050
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt