من وحى الموقع:
ما معنى البيان والتبيين فى القرآن الكريم؟

مصطفى اسماعيل حماد Ýí 2026-10-16


ما معنى البيان والتبيين في القرآن الكريم؟

 

يرى غالبية المسلمين أن القرآن الكريم يفتقر إلى بيانٍ من خارج نصّه. ولا أقصد بالبيان هنا شرحَ مفرداته أو الكشفَ عن دلالاتها اللغوية؛ فذلك مما تقتضيه طبيعة اللغة، ونستعين فى ذلك بما خلّفه لنا روّاد العربية الأوائل من معارف لغوية وكنوز بيانية. وإنما أقصد بذلك البيان الذي يؤكدون إنه يتمثّل في الروايات الحديثية التي يُصطلح على تسميتها بـ(السنة)، والتي يُناط بها تفسير القرآن، وبيان مجمله، وتقييد مطلقه، وإيضاح دلالات ألفاظه ومعاني آياته.

 

والسؤال المشروع هنا:

هل تعني كلمة (البيان) في القرآن بالضرورة شرح الوحي من خلال الأحاديث؟ أم أن لها معنى آخر؟ أليس من الأفضل أن ندرس أولًا كيف استخدم القرآن كلمتي «البيان» و«التبيين» قبل أن نفترض أن فهم الوحي لا يتحقق إلا بالرجوع إلى الروايات الحديثية؟

 

للإجابة عن هذا السؤال، ينبغى أن ننطلق من القرآن الكريم ، ونتدبّر دلالات الجذر اللغوي (ب ي ن) في سياقاته المتعددة، قبل أن نُسقط عليه تعريفًا اصطلاحيًا مسبقًا قد لا يتفق مع معناه الأصلي في القرآن.

 

أولًا: التبيين في القرآن بين الإظهار والكتمان

 

إذا تأملنا الآيات التي وردت فيها ألفاظ البيان والتبيين، وجدنا أن الإظهار وكشف ما كان خافيًا، في مقابل الكتمان والإخفاء، من الدلالات البارزة التي تتجلى فى السياق القرآني.

 

قال تعالى:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159].

 

تجمع الآية بين فعلين متقابلين: الكتمان والتبيين. فالله قد بيّن للناس ما أنزله من البينات والهدى في الكتاب، ثم جاء الذم لمن يكتم ذلك ويخفيه عن الناس.

 

وهذا التقابل يوضح أن التبيين يتضمن إظهار ما أُنزل وجعله متاحا للناس، بحيث لا يبقى محجوبا عنهم

 

وقال تعالى:

 

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187].

 

هنا أيضًا يأتي التبيين في مقابل الكتمان: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. فالمطلوب هو إظهار الكتاب للناس وعدم إخفائه عنهم، وهو ما يؤكد أن التبيين لا ينبغي أن يُختزل مسبقًا في معنى الشرح التفصيلي وحده.

 

وقال تعالى:

 

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: 15].

 

تربط الآية بين التبيين وما كان أهل الكتاب يُخفونه من الكتاب. فالتبيين هنا يتضمن كشف ما كان مخفيًا وإظهاره للناس، فضلًا عما يقتضيه المقام من توضيح الحق وإزالة الالتباس بمجيء النور والكتاب المبين.

 

ومن مجموع هذه الآيات نستطيع أن نستنتج أن الإظهار وعدم الكتمان من الدلالات المهمة للتبيين في القرآن الكريم.

 

وعليه، فإن التبيين بمعنى الإظهار والإبلاغ احتمال قوى تدعمه هذه السياقات القرآنية.

 

 

ثانيًا:

هل تتحقق إقامة الحجة بمجرد تلاوة الوحى وإبلاغه؟

 

ومما يستحق التأمل أن القرآن يربط ظهور البينة بمجرد تلاوة الوحي، دون الحاجة إلى شرح ولاتفسير.

 

قال تعالى في سورة البينة:

 

﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ۝ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: 1-2].

 

تربط الآيتان بين ظهور البينة وتلاوة الرسول للصحف المطهرة، بما يشير إلى أن تلاوة الوحي في ذاتها كافية لإقامة الحجة، دون اشتراط تقديم تفسير تفصيلي لكل ما تتضمنه الرسالة.

 

 

ثالثًا:

هل فسّر الرسول القرآن الكريم تفسيرًا تفصيليًا شاملًا؟

 

ومن هنا يبرز تساؤلٌ جوهريّ: هل قدَّم الرسول عليه السلام تفسيرًا تفصيليًّا شاملًا للقرآن الكريم، يستوعب جميع معانيه ودلالاته ؟

 

إن من المسائل الجديرة بالتأمل أن الروايات الحديثية لا تتضمن تفسيرًا نبويًا تفصيليًا لجميع آيات القرآن الكريم. فإذا كان المقصود بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ أن الرسول عليه السلام قد قدَّم تفسيرًا شاملًا لكل آية، يحدِّد معانيها ويحسم دلالاتها على نحو نهائي، فمن المشروع أن نتساءل: أين هذا التفسير المتكامل الذي تناول آيات الكتاب جميعها؟

 

ومن المهم هنا أن نميّز بين بيان الرسول عليه السلام للقرآن، من خلال تبليغه وتعليمه وتطبيقه، وبين تفسيره لكل آية تفسيرًا تفصيليًا؛ فبيان النبي عليه السلام لما أُنزل إليه لا يعني بالضرورة أنه فسّر كل آيات القرآن بالتفصيل.

كما أنني أرى أن حصر فهم القرآن في تفسير تفصيلي ونهائي قد يضيِّق من آفاق تدبُّره، ويحدُّ من إمكانات اكتشاف دلالاته المتجددة في ضوء تطور المعرفة الإنسانية. فالقرآن، بوصفه كتابًا إلهيًا، يظل مجالًا للتدبر والاجتهاد واستخراج المعاني، بما يتيح للأجيال المتعاقبة أن تتفاعل مع هداياته وأسئلته في ضوء ما يستجد من معارف وخبرات.

 

وفي هذا السياق، يبرز تساؤل آخر: كيف كان الرسول عليه السلام سيقنع الناس في عصره، على سبيل المثال، بما يُطرح اليوم من تفسيرات لبعض الآيات القرآنية في ضوء المعارف العلمية الحديثة؟

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاۖ

﴾ وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاث ۚ﴾،وقوله جل شأنه: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾وغيرها من الآيات التي يُربط تفسيرها اليوم باكتشافات ومعارف علمية لم تتبلور إلا في عصور لاحقة.

 

وكيف يمكن لهذه الطروحات أن تشكّل حجة مقنعة للناس في عصر نزول الوحي، في وقت لم تكن فيه المعارف العلمية اللازمة لفهمها قد توفرت بعد؟ بل إن طرحها آنذاك، بصيغتها العلمية التي تُفسَّر بها اليوم، كان من الممكن أن يثير الاستغراب والإنكار، وربما يدفع البعض إلى تكذيب الرسول ، ويتسبب في نفور الناس من دعوته وانصرافهم عنها بدلًا من أن يكون عامل جذب وإقناع لهم.

 

ومن هنا، فإن القول بأن الرسول عليه السلام لم يقدِّم تفسيرًا تفصيليًا شاملًا لكل آيات القرآن لا ينتقص من مكانته، ولا من دوره في بيان الرسالة، وإنما يطرح سؤالًا حول طبيعة هذا البيان وحدوده، وحول المساحة التي تركها القرآن للتدبر والاجتهاد الإنساني عبر العصور.

 

فإذا سلّمنا بأن الرسول لم يفسّر القرآن، فمن أين نجد البيان الذي يُفترض أن الروايات قد جاءت به؟ أفي الروايات التي يُقال إنها تنسخ آياته، أم في تلك التي تطرح مفاهيم تتعارض مع نصوصه، وتصطدم بمقتضيات العقل والعرف؟ أم في روايات تنتقص من مقام الرسول وأهل بيته، وتطعن في القرآن الذي تكفّل الله بحفظه، وتنسب إلى الله ما لا يقوم على علم ولا هدى ولا كتاب منير؟

 

إن هذه التساؤلات تقتضي إعادة النظر في طبيعة المهمة التي أُسندت إلى الرسول عليه السلام في بيان ما أُنزل إلى الناس، والبحث في دلالتها انطلاقًا من ألفاظ القرآن وسياقاتها، بدلًا من حسمها مسبقًا بافتراض أن هذا البيان لا يتحقق إلا من خلال الروايات، على الرغم مما يحيط بكثير منها من إشكالات، وما يثيره تأخر تدوينها وتداولها من تساؤلات مشروعة تستحق البحث والتمحيص.

 

فما معنى آية سورة النحل، إذن، في ضوء دلالة ألفاظها وسياقها؟

 

إذا أخذنا في الاعتبار أن لفظ الذِّكر في سياق آية سورة النحل يشير إلى القرآن المنزل، وأن التبيين قد يدل على الإظهار والإبلاغ والإفصاح عن الشيء وعدم كتمانه، أمكننا أن نفهم قوله تعالى:

 

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44].

 

على أن الله تعالى أنزل القرآن على رسوله ليُظهره للناس، ويبلّغهم إياه، ويكشف لهم ما فيه من هدى وآيات، فتقوم به الحجة عليهم، وتتاح لهم فرصة تدبّره والتفكّر في دلالاته. وبناء على ذلك فإن بيان الرسولعليه السلامللقرآن قد يكون من خلال تبليغه وإظهاره للناس،وليس بالضرورة أن يكون المقصود بالبيان فى الآية شرح القرآن عبر روايات نُسبت إلى الرسول عليه السلام بعد رحيله بقرنين من الزمان

 

وعليه، فإن تحديد المراد بالتبيين في هذه الآية ينبغى أن ينطلق من الدلالة القرآنية للفظ، في ضوء سياق الآية وطبيعة المهمة التي كُلف الرسول بأدائها(البلاغ)، دون التأثر بأحكام مسبقة، سواء أكانت تحصر البيان في الروايات، أم تقصره على مجرد التبليغ..فالعبرة في تحديد معنى التبيين إنما تكون بما يقتضيه النص القرآني في سياقه، وما تنهض به دلالته، لا بما يُحمَّل عليه سلفامن معانٍ مفترضة.

 

وبعبارة موجزة:(بيانه فى تلاوته)

 

اجمالي القراءات 34

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2017-09-14
مقالات منشورة : 32
اجمالي القراءات : 178,360
تعليقات له : 490
تعليقات عليه : 51
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt