رسالة في ثنائية الإلحاد والسلفية

سامح عسكر Ýí 2013-06-10


الكثير من أصدقائي الملحدين الذين كانوا مسلمين قبل ذلك.. لاحظت عليهم أنهم كانوا يتبنون الفكر السلفي التقليدي قبل إلحادهم وانقلابهم على الدين، وسألت نفسي لماذا هؤلاء عندما ينقمون على فكرة ينقلبون عليها بالكُلّية؟!..رغم أن عالَم الإلحاد يختلف جذرياً عن عالَم السلفية، بمعنى أن الملحد يرى الدنيا بصورة مختلفة عن السلفي، وكأن تصورهما للكون كتصور الرجل والمرأة بقدر اختلافهما وتباينهما في رؤية العالَم، فيشرع الرجل في توظيف قوته لتوجيه المرأة وأن يفرض عليها قناعاته وأسلوب حياته، كذلك فالمُلحد والسلفي يظن في نفسه رجلاً والآخر امرأة، ويريد أن ترى هذه.."المرأة"..العالَم بنفس منظوره ورؤيته.

الفكر السلفي ما هو إلا حالة تجسيد لأفكار ورؤى الماضي، والبعض من الملحدين يعترف بأن الماضي ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً، وأن الأفكار الموروثة والمبادئ السُلطانية تشق جذوعها في البُنيان البشري، فلماذا عندما ينقلبون على السلفيين يتركون دينهم بالكلّية؟

لكي أكون أكثر وضوحاً أنا لم أنقلب على كامل الفكر الإخوانية حيث كنت أجسدها في يومٍ من الأيام، بل أعترف ولا زلت أعترف أن للإخوان مزايا على بعض المستويات، ولكن وقوفي هذا الموقف ضدهم هو أن ما كنت أنتقده وأرفضه بدأ في الظهور للناس بشكلٍ عنيف، ربما لم أكن أتخيل أن يصل الوضع لذلك، ولكن في تقديري أن الانقلاب على الفكرة الإخوانية بالكامل غير صحيح وهو سلوك غير علمي وغير أخلاقي، ذلك لأن الانقلاب الكامل يعني إرادة تطويع هذا الفكر كي يناسب الحالة العقلية والوجدانية الجديدة، وهو سلوك مستبد ويرى في الناس ضرورة اجتماعهم على رأيٍ واحد ، رغم أن هذا غير ممكن على مستوى الواقع وغير جائز على مستوى الشرع والدين.

لا توجد فكرة صحيحة 100%..وكذلك لا توجد فكرة خاطئة أيضاً 100%..فإذا كان البشر نسبيون في تصورهم لعقائدهم فلماذا لا نفترض أن يكون المؤمن على حق، وأن تصور الملحد للدين وللكون يشوبه بعض القصور؟..لن أقول والعكس صحيح لأن الاعتراف بصحة قول الملحد في الدين يتطلب قياساً تاماً وهذا ليس مقامه، فعلينا أن نسأله أولاً ما رؤيتك للإله وللكون وللطبيعة وللإنسان؟..وكيف تفسر العلاقة بين الكون والإنسان وبين الإنسان ونفسه في ظل عدم اعتقادك بوجود الرب..أسئلة كثيرة تظل هي مدار الخلاف بين المؤمن والملحد، وفي تقديري أن كلاهما يفكر بشمولية زيادة عن اللزوم، وأن الحديث بتلك الشمولية يستدعي الأخطاء في الرؤى أحياناً، فيظن الآخر أنه انتصر ولديه من المعركة برهان على صحة اعتقاده، رغم أن التفكير في قضايا الإيمان والغيب تحديداً يتطلب عقلاً مرحلياً لا يُناقش البعيد ريثما ينتهي من القريب.

السلفيون كالملحدين يحبون من متاع الدنيا وزينتها ما شاء الله لهم أن يكون..فكلاهما بشر، من منهم لا يحب النساء والأطفال والأموال؟ ومن منهم لا يكره الاعتداء والفقر والمرض؟.. فإذا كان كذلك فثمة قاسم مُشترك يجمعهم على الرغبة..ولكنهم يفترقون في كيفيتها وأبعادها، فالسلفي يحرص على التعامل مع النساء بالبُعد الديني والاجتماعي والأخلاقي، أما الملحد فيتعامل مع النساء بكِلا البُعدين الاجتماعي والأخلاقي فقط....وهكذا في باقي المُشتركات.

ماذا يعني ذلك؟

يعني أنه لو افترضنا أن الفرق بين الملحد والسلفي يكون في البُعد الديني فقط.. فنكون قد وضعنا أيدينا على أول الطريق، وهو أننا يجب أن نبحث أولاً في كِلا البُعدين الاجتماعي والأخلاقي وعلاقتهم بالدين، فإذا كانا من الدين فالفارق في التعامل بين الملحد والسلفي يكون فقط في مدى تقبل كلٍ منهم لفكرة .."الوصاية والأمر"..لأن السلفي في الغالب هو عبد مملوك وليس حُرّا.. وهذه آفة التقليد بوجهٍ عام، أما الملحد فهو حر طليق وهذه ميزة الملحدين بوجهٍ عام...أي أننا أمام مدرستين متناقضتين فكرياً وسلوكيا..أعرف صديق ملحد متزوج من مسلمة، ويقول أنه لا يُجبرها على شئ،بل إن تدينها لا يُزعجه أصلاً ويتعامل معها تعامل الزوج لزوجته بشكل طبيعي، ولكي نُقابِل هذا السلوك عند السلفي سنجده يرفض إلحاد زوجته، بل ربما يقتلها إذا لزم الأمر.

الإلحاد والسلفنة كلاهما أثر للآخر..فلا يوجد أثر دون مؤثر، وعلى كل من يتبنى هذه الأفكار يبحث عن حقيقة أن الآخر هو انعكاس له في المرآة، فنحن عندما نضرب طفل صغير نراه على الفور يبكي وأحياناً يبحث عن الضارب ..وأحياناً أخرى لا يهدأ إلا بعد القَصاص له من ضاربه، وهذا يعني أن فطرة الإنسان تعلم أن لكل أثر مؤثر وأن العدل والقَصاص من الظالم هو هدف.."غريزي"..للإنسان بشكلٍ عام، فالغريزة تكون هي المحرك لكلاهما-في الغالب- كذلك لشيوع قانون الهوية لديهم على حساب قانون السببية، فالخلل الأكبر في هذا التشتت والانحراف العقلي والوجداني يكن في عدم وضوح قانون السببية بشكلٍ كاف.

فالسلفي عاجز كلياً عن تصور قانون السببية خارج فكرة الإله، بمعنى أنه يعتقد في أن الله هو السبب في وجود جميع الأشياء والظواهر التي يراها ويُدركها، وهو بهذا التصور-العمومي- لا يفهم أن الله هو المسبب وهو خالق الأسباب بمعنى أن الله ليس سبباً مباشراً.. إنما هو يخلق القوانين التي يحفظ ويُدير بها هذا الكون ويبقى الإنسان في صراعٍ دائم لاكتشاف تلك القوانين كي يُفسر أو يتحكم في الطبيعة والأشياء، وهو رغم إيمانه بالقاعدة-أي أن الله هو خالق الأسباب وهو المسبب- إلا أن تصور هذا المفهوم في ذهنه معدوم، فقوانين الخلق استدعت وجود الأسباب بالضرورة، أي أن السلفي يجهل القوانين التي يستطيع أن يفسر بها الطبيعة أو أن يتحكم فيها من خلال تلك القوانين، وهو سلوك يعزز من قيمة الخُرافة لديه،ويلجأ دائماً إلى تفسير الغير مفهوم بإحالته للمقدس بأن يدعي بأن الله أراد ذلك وكفى دون أن يفهم أو حتى يحاول الفهم.

أما الملحد فهو أيضاً عاجز كلياً عن تصور قانون السببية بوجود الإله، بمعنى أن الأسباب والمسببات لديه حالة إنسانية وطبيعية عامة خاضعة لقوانين ميكانيكية ليس لها مُحرك واضح، وهو يسعى لفهم هذا الحركة وتلك القوانين بعيداً عن الاعتماد على فكرة الرب التي هي لديه غير مفهومة، في حين أن البحث عن هذا المحرك يستوجب القطع لا الظن، أي أنه إذا ما اكتشف وجود قوانين ونظريات للحركة مرتبطة ببعضها فهو يلجأ لدمج العلوم والمعارف التي تساعده في فهم الكون والحياة عن طريق هذه القوانين وتلك النظريات، وهو كلما أمعن في هذا الاتجاه كلما غرق في بحر المادة، بينما الإنسان كائن مادي وروحاني مزدوج، ولا يمكن تفسير وفهم الإنسان والطبيعة بجانبٍ دون آخر، فقانون السببية حينها يفرض عليه البحث عن السبب الأول الذي لا علة له ولا مؤثر،فالكون لو كان في مدار علل وأسباب لا نهائية لكان وجود الأشياء على الأرض وجوداً خالداً وليس البقاء لفترة زمنية ثم الفناء.

بمعنى أن فناء الأشياء يعني أنها امتداد لأشياء أخذت دورها في الفناء المتصل، وهو ما يعني أن الأشياء على الأرض كانت في أصلها شيئاً واحداً على تنوعها، فلو قيل ما هو أصل الإنسان قلت أصله واحد سواء إنسان أو مخلوق آخر متطور عنه، هذا الواحد كان له سبب في الوجود..وهكذا بقية المخلوقات، وبالتالي نستطيع -وببداهة عقلية- تصور قانون السببية في ظل وجود سبب أول لا بداية له ولا نهاية، كذلك في فصل هذا السبب عن قوانين الحركة والسكون التي هي صفة ملازمة للأجسام، فجميع ما نراه في العالم أجسام وبحركتها وسكونها تأخذ صفة الحدوث، أي أن العالَم من حولنا حادث ، ولا حادث إلا ومُحدِث له، كذلك وبضرورة أن يكون للمحدِثَ إرادة فلا يجوز القول بأن للطبيعة أو لقوانينها إرادة مخصوصة وإلا آمنا بأنها كيانات عاقلة تُريد ثم تختار.

هناك قاعدة فقهية أعشقها وتقول بأنه كلما اتسع الأمر يضيق وكلما ضاق الأمر يتسع، وهي قاعدة مأخوذة من واقع الحياة وتم إسقاطها على الأمور الفقهية للتيسير على الناس، والمعنى أن الإنسان -وطبيعة الحياة- كلاهما في تغيرٍ وتطورٍ مستمر، أحياناً يكون للأفضل وأحياناً يكون للأسوأ، وعليه فبقاء الحال من المُحال..ومن هذا نفهم أن لسلوكياتنا -والأشياء التي نراها من حولنا- حدود مفهومة، فإذا تجاوزنا هذه الحدود انقلبت أعمالنا إلى الضد، أي أن لكل شئٍ حد إذا زاد عن هذا الحد فقدنا المعنى والمقصود من الأمر كله..فإذا ربطنا القاعدة السابقة- وهي أن لكل أثر مؤثر- مع هذه القاعدة الفقهية سنرى بوضوح أن الإلحاد والسلفية في حقيقتهما ليسوا أفكاراً بل نوازع تخطت حدودها المسموحة والمفهومة سلفاً، والسبب أنهم نزعوا للمألوف لديهم ولم يستطيعوا مساوقة حياتهم فإما ينفتحوا بالمُطلق وإما ينغلقوا بالمُطلق.

التعميم ذميم..ليس كل الملحدين والسلفيين بهذه الصفات والشواهد، وما أطرحه ليس مقارنةً تُعطي الأفضلية لأحدٍ فيهم، أو نناقش حُجج أيٍ منهم، ولكن ما يجري هو عبارة عن مُقاربات فكرية للتعارف والتواصل..وشخصياً أميل للسلفيين في أشياء وأميل للملحدين في أشياء أخرى، ولكن حقيقة الدين وحقيقة الكون لا آخذها من كلاهما لأسباب تتعلق –كما قلنا-بنزوعهم للمألوف لديهم..فقد يتسبب هذا السلوك في شيوع العاطفة وتأثيرها الرهيب على الأفكار، بل الفكر لابد وأن يكون للعقل دوراً في تحليله وتركيبه بشكل رئيسي، سوى ذلك فالعاطفة تُدمر أصحابها.

إذا كان الإلحاد والسلفية كلاهما أثراً ومؤثرا..فهذا يعني خضوعهم للتطور، وأن الملحد تطور وأصبح سلفياً وأن السلفي يتطور ويُصبح ملحداً، ولكن مع ذلك فيستحيل العودة للأصل بعد التطور، بمعنى أن السلفي الذي ألحد لا يمكن أن يعود سلفياً بعد ذلك، والعكس صحيح.. أن الملحد الذي يتسلفن لا يمكن أن يعود ملحداً كما كان..السبب في ذلك أن كلاهما يمر بحدٍ أوسط حين انتقاله الفكري، هذا الحد لا يسمح باتفاقه مع مكانه القديم الذي انتقل منه إذا أراد العودة، والتفسير لأنه تشبع برؤية عقلية ووجدانية تنقد القديم، فيُصبح القديم لديه حداً لا يساوي الجديد في القيمة والشكل، فإذا أراد العودة سيصطدم بهذا التشبّع الوجداني والعقلي الذي حدث، لأن الانتقال الذي حدث لم يكن إلا تشبعاً عقليا ووجدانياً عاطفيا حمله على رفض القديم أو قبول الجديد ولكن بحال لا يتطابق مع أي حالٍ سابق.

في هذه الحالة سيقف على آراء وسطية وأفكار تواصلية تسمح له بفهم الآخرين بصورة أكثر مرونة، فالحدود التي تخطاها في السابق كانت عن تجارب وليست عن ملاحظات، وبالتالي حين يريد الملحد -الذي تسلفن -أن يعود مُلحداً كمان كان فلن يعود بنفس التطابق الأول..فكما قال هيرقليطس أن الشخص يستحيل عليه أن يعبر النهر مرتين، والسبب أنه يتطور ويتغير باستمرار...وكذلك سائر الأشياء من حولنا هي في تبدلٍ وتغيرٍ مستمر، ولا يسعه في ذلك مجرد الإرادة لأنه –في هذا الحال-لا يفطن إلى أن أفكاره هي الأخرى لو لم تتطور فهذا لا يعني كونها صالحة، فالأفكار وإن كانت صالحة لزمان أو مكان فليست بالضرورة أن تكون صالحة لزمانٍ أو مكانٍ آخر.

أخيراً وكما قلت أن الإلحاد والسلفية كلاهما نوازع أنتجت أفكاراً وليست أفكاراً في ذاتها تستوجب القراءة والاستماع، ولو أننا نقرأ ونستمع إلى أن الاعتقاد بكونهما نوازع بالأصل ينفي صحة وجود هذه المذاهب كمذاهب عقلية أو روحانية حُرّة، فالنزعات تكون في الغالب عن ردود أفعال، وبالتالي فهي مقيدة بسلوك الآخر وقتما ينضبط –بفهم الآخر-يُعيد من حساباته، وبالتالي خرج هذا الاتجاه من كونه اتجاهاً بحثياً إلى اتجاه يقبل رؤىً ومضامين معروفة لديه ومفهومة سلفاً، والعقل لا يتعاطى مع الأشياء بهذه الطريقة،بل يضع المعيار لديه للفهم هو أن يُحقق الدليل شروط الاعتقاد باستقراءٍ واستنتاجٍ تام، وبمناقشة عقلانية لكافة الأبعاد المتعلقة بالأمر، ولن يحدث ذلك إلا بالانفتاح والتواصل أكثر،فبالانفتاح نفهم ماذا يعني الإنسان وماذا يعني وجوده في هذا الكون.

اجمالي القراءات 5766

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 6,385,222
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 411
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt