السلطة بين الممارسة والتنظير

سامح عسكر Ýí 2012-09-26


 

 

مقدمة

المزيد مثل هذا المقال :


ما دفعني للكتابة في هذا الشأن هو رصد بعض المتناقضات بين الخطاب التنظيري للتيار الإسلامي المصري بشأن السلطة وبين ممارسته لها خلال عامٍ واحد تقلد فيه التيار قبة البرلمان وسُدّة الرئاسة، وجائز أن يتم الجمع بينهم في حال فوز التيار الإسلامي بأغلبية مجلس الشعب بُعيد وضع الدستور والتصويت عليه....ولا يهمنا في هذا السياق أي نتيجة مُحتملة، بل سنعمل على الرصد والتوقع أملاً في أن نكون حلقة في تجنيب البلاد مزيد من التشتت والفُرقة، وأن تنجح ثورة 25 يناير نجاحاً حقيقياً عملياً، وليس شكلياً إعلامياً.

فالثابت أن التيار الإسلامي لم يُلزم نفسه بمبادئ الماضي مُعللاً ذلك بأن علم السياسة يستوجب إدارة الشؤون بأي شكل ولو على حساب الأخلاق والضعفاء، أضف إلى ذلك سلوك التيار مع مخالفيه سواء على مستوى القيادات أو الكوادر، فجميعهم باتوا لا يفترقون عن معنى"المرض الخُلقي" الذي أصاب الوعي العربي ولم يسلم منه التيار حتى مع توقع البعض-بالإرادة-أن يكون للتيار وضع خاص وشذوذ محمود عن سلوك الهمجية.

فلسفة السلطة

إن الحق هو لعبة قوة كما قال ميشيل فوكو..أو بما يدندن به الإسلاميون من حديث رسول الله أن الله يَزع بالسلطانِ ما لا يَزع بالقرآن...كلاهما تقنين للقوة في عملية رصد "حصري" للحقيقة..بتوضيح أكثر أنه ولنفترض أن ثورة 25 يناير في مصر قد فشلت واستطاع النظام المصري كسب الجولة وهدم متاريس أعداءه بما لا يسمح بقيامها مرة أخرى- على الأقل في المنظور القريب...وقتها -ولنتخيل الوضع قليلاً..ما الذي كان سيُقال على قادة الثورة وماذا سيُقال أيضاً على الثورة نفسها..بتنبؤ"تاريخاني" أستطيع القول أن الرأي العام سيحكم على قادة الثورة بأنهم إرهابيون، وأن هذه الثورة كانت محاولة لقلب نظام الحُكم وبعدها يتسنى للنظام الحاكم الانتقام كيفما يشاء..وقتها لن يرحم التاريخ أحد، وسيُسجل التاريخ أنه في يوم كذا وكذا قامت مجموعة من المشاغبين بنشر الفساد والإفساد...لا تتعجبوا..فالتاريخ –غالبا-لا يكتب إلا رؤية السلطان.

هذا القالب من التفكير هو الذي يدفع قادة الثورات -غالباً -بتوسيع رقعة التضحية إيماناً بواقعية الخسارة في جميع الاحتمالات..وأن نُضحي بشرف ونُقلق عدونا خير لنا من انتظاره في ساعات الفجر ، وأن العمل الإبداعي يتولد من بين رحم الضغط والحركة مما يساعد في إمكانية تطوير الأفكار ومن ثم الأفعال تمهيداً لجولة أخرى من الصراع قد يقودها الأبناء أو الأحفاد...أنا لا أتعاطف مع تلك الدعاوى الجماهيرية التي تعتمد على الحشد والخَطَابة أكثر من اعتمادها على العقل والحكمة، فالتظاهرات هي في حقيقتها سلطة وليست ثورة ضد الظلم معدومة القوة..إذ السلطة في ذاتها لها عدة أشكال تتوزع ما بين سُلطة الحق أو الجمهور وما بين سلطة القوة والفرض، وكلا النوعين يُشكلان رافداً من روافد الحضارة في سلوكيات هذه الشعوب، فمن يجمع بين الُسلطتين هو نفسه من يقود الأمم لفترات طويلة بغض النظر عن انتكاساتها ونهضتها.

السلطة ليست فقط مقتصرة على القوة والفرض، بل هي صانع أصيل للأفكار والسلوكيات التربوية، والأخيرة هي الرابط الوحيد الذي سيجعل المجتمع متأثرا بحكومته، أما القوة والفرض فهما لزام الضبط والربط وهي مبعث الفُرقة بين الجمهور والحكومة، فمعلوم أن الإنسان نزعوي أصلي وعاطفته تسبق عقله في أغلب الأحكام، والمرات القليلة التي يستخدم فيها عقله تكون عاطفته في استرخاء، وبمجرد نشاطها فتؤثر سريعاً في الحُكم كأنها لم تخمل قط، فتكون هي المحرك الأصلي للفرد وهي المرجعية لديه في الرأي والتحليل، ولكن لكل قاعدة ولها شواذ..هناك أناساً لا تطولهم تلك الأشياء، والسبب في رأيي هو التمرين المستمر بالاحتكاك مما يُكسب الفرد مهارة الحوار والرؤية فتنزع لديه تصورات في منتهى الواقعية والحياد والصدق مع النفس.

أعترف أن هناك فارقاً جوهرياً بين الواقعية والتنظير، والجهل بهذا الفارق هو الذي يودي بأصحاب رؤى التصنيف والمزايدات والعنف اللفظي إلى آتون الجهل والعُزلة والصدام، وليس كل من طلب الحق قد بلغه، إنما كانت النزعوية والعاطفة والجهل –بمراتبه-يشكلون جميعاً قواسم مشتركة تُحطّ من قدر الأمة والجمهور والفرد،حتى عمل السلطة لتجنيب البلاد شرور الفتن في هذا الوقت سيكون عبر انتهاج لغة الحوار من منطق القوة"الفرضية" وليس من منطق الحق "الموكول"..وبالتالي تشوب لغة الحوار العاطفة بعيداً عن الرؤية العقلانية التي تقف على الداء-كتشخيص أولي-أملاً في علاجه أو استئصاله.

صناعة المبادئ

السؤال الأبرز الذي يجول بخاطري الآن هو هل الإنسان هو الذي يصنع مبادئه، أم أنها موجودة ولكنها بحاجة فقط لاكتشاف؟... قد يكون هناك جدلاً فلسفياً في هذه القضية، ولكن أملاً في التبسيط لن نتعرض لهذا الجدل ، وإن كان التعرض لمسائل القيم والمبادئ يلزمه التجريد وأيضاً لن نسلك هذا المسلك فبحثه يطول...إن العلاقة بين القيمة والمبدأ من جانب والإنسان من جانب آخر هي نفس العلاقة بين خيال الإنسان وواقعه، فهناك ثمة فارق بينهم يتضح في صناعة ذلك الإنسان لميثولوجيته الخاصة والعامة..ذلك أن الطابع الأسطوري يحدوه الخيال والطموح أكثر من الواقع والتطبيق، فقد تكون هناك إرادة لذلك الطموح -حتى لو كان أسطورياً، وبالإرادة يأتي العقل ليسلك مسلك التفكير في الكيفية وهو ما حدا بالإنسان بأن يحاول الطيران في زمنٍ كان الحديث فيه عن طيران الإنسان في الجو يُعد ضرباً من الجنون.

هكذا يصنع الإنسان حُلمه وآفاق تفكيره وبالتالي مسلماته، نستنتج من هذا أن الإنسان هو الذي يصنع مبادئه في صورة أحلامه وطموحاته ، ذلك أن نفس المبادئ موجودة لدى ذات الجنس الحيواني -الذي ينتمي إليه- ولكنها ليست مبادئ مقدسة لديه، إذ لا جرائم للسرقة والقتل والزنا والظلم عند الحيوان، ولكنها جرائم عند الإنسان يعاقب عليها..فهي بالأصل موجودة ولكن صاغها العقل البشري كي تكون قيماً متعارفاً عليها بفعلٍ هو أصل التكليف عند الإنسان في سائر الأديان..تلك الصناعة هي بالأصل افتراضية إجبارية ولا خيار للإنسان فيها بأن يقول قائل وماذا لو لم يصنعها؟..هنا لا خيار..فمجرد الحياة وتطور عقل الإنسان وتأثره بمجتمعه تنشأ لديه المبادئ بالتبعية..إذ الطفل لا يعرف "جريمة" السرقة بمفرده، ولو نشأ في مجتمع لا يرى في السرقة ذنب فستنهار لديه القيمة وبالتالي ينهار أصل الملكية الشخصية والجماعية.

صناعة الأخلاق

هنا تسجيل فارق بين صناعة المبادئ وصناعة الأخلاق..فصناعة المبادئ تعني وجود سقف طموحات وغايات نبيلة يسعى لها الإنسان، أو أن يظن بها نفعاً تحصيلياً مما يجعل هذا النوع من الصناعة أكثر شمولاً..أما الأخلاق فهي وصف أدق لمجموعة قيم فطرية واعتبارية تتحدد بناءاً عن اتحاد الذات والمجتمعين العام والخاص في إدراكٍ واحد..بتوضيح أكثر فالصدق قيمة فطرية تنشأ لمنع أذى الكذب بالتبعية..بينما الشجاعة والجُبن قيمتين اعتباريتين يشكلهما وعي الآخر بالذات، فلو لم يوجد الآخر لانعدمت تلك القيمة لانتفاء وجود محل الوصف، ولكن هل يصح أن يكون هناك شجاعة دون وجود الآخر..نعم يوجد ولكن في حال كان الآخر هو محل الوصف فتقوم الذات بإبراز عمل بطولي يتصف بالشجاعة في مواجهة قوى الأذى ، كالذي يواجه نَمراً دون خوف..هذه شجاعة في حقيقتها، ولكنها تنشأ بتوصيف الآخر برؤيته..أما القيمة الفطرية كالصدق فيكفي الصدق مع النفس لدفع أذى الكذب لتبيان وجوده دون الحاجة لمصدر خارجي.

نحن هنا أمام صناعة يتحكم في آلياتها المجتمع -كصناعة المبادئ بالضبط، ولعل هذا ما يفسر نشوء الأديان كون الدين يخاطب المجتمع والفرد في آنٍ واحد،فلا دين للفرد دون المجتمع، وهذا أبلغ رد على من يُنكر دور الدين في الأخلاق، فبدون الدين تكون صناعة المبادئ مُبهمة ، والإشكال يكمن أحياناً في الاعتقاد بأن تأثير المجتمع هو تأثيراً حصرياً وعليه فالأخلاق نتاج مجتمعي دون الحاجة للدين، والرد على ذلك بالبحث في تأثير النزعوية التي حيرت سقراط وجعلته غير قادر على رصد الإنسان الحقيقي الخالي من المثالية، أو تفسير أرسطو الذي ربط "مشكلة"الأخلاق بفهم الناس للسعادة ..ولكن سواء عَرف الإنسان السعادة أو حاز على المثالية فلا حاجة لوجوده في هذا العالم كونه أصبح كائناً استهلاكياً معدوم التضحية والإيثار والصبر والكفاح ...

حقيقة نحن أمام إشكالية عظيمة تقف حائلاً بين النظرية والتطبيق ،يتشكل أحد أضلاعها من المبادئ والأخلاق ودور الإنسان في صناعة كُلاً منهم على حِدا، وكما أشرنا عاليه بأن الاختلاف في رصد وتقدير ودور النزعات أو حول مفاهيم كالسعادة هو الذي ينشئ لدى الإنسان هاجساً من الآخر..وكأن الأخلاق لديه هي أفعاله وأقواله داخل الحُجرة، أما مبادئه فهي جدران تلك الحُجرة، فلا هو أقدم على فهم أقواله وأفعاله باحتكاكها خارج جدران الحُجرة، ولا هو اعتقد بأن تلك الجدران لا تشكل إلا حاجزاً وهمياً يتشكل من الخارج وليس من الداخل...ولو حاول تجاوز الجدران بغرض التصحيح أو التثبت من منهجه وأفعاله لوقف على أن هذه الحوائط قد يكون لها شكل آخر بسطح آخر غير الذي عرفه من قبل...ومع ذلك فهي في حقيقتها جدران.

مفهوم التنظير

نأتي الآن لمفهوم التنظير..والتنظير هو بمعنى التأمل والمقابلة وسمي تنظيراً كونه يُنتج نظرية، ولكن لا أحد يلتزم بهذا الآن..فالتنظير في عصرنا الحالي أصبح تأملاً ومقابلةً للإفحام وليس للإقناع كنتاج طبيعي لشيوع ثقافة الصدام في المجتمعات العربية في هذا الزمان، وبالتالي فلا يلزم وجود نظرية احتجاج وتطبيق..ويندرج هذا على كافة المؤسسات والشرائح والتيارات فجميعهم مصابون بهذا الداء العِضال..ذلك الداء الذي أدمن الجسد فيه لغة الحشد والصراع على حساب لغة الحق والسلام..وبما أن التيار الإسلامي هو جزء من.. "المجتمع المريض"..فهو مصاب بما أصيب به هذا المريض ..فحتى التنظير في ثقافة التيار الإسلامي لم يُفلح في خلق نظرية أو فكرة تتعلق بواقع السلطة"العملية" كونهم لا يزالون ينظرون للآخر نظرة ريبٍ وشك....أعتقد أن المُكوّن الأصلي لتلك الرؤية هو شيوع ثقافة المؤامرة في العقل المسلم برمته...ولم لا ونظرية المؤامرة تجعل من الآخر- الناجح- شيطاناً فتختفي حسناته عن أعين الناظرين.

إن أكثر ما يأتي به التنظير-في عالمنا العربي- من أفكار هي في معظمها سلبية كون المجتمع"المريض" لا يقرأ..فحتى ثقافة القراءة معدومة في ظل المتغيرات التي طرأت على المجتمع العربي بدءاً من الثروة إلى نهضة الاتصالات إلى شيوع الأمية الدينية والثقافية وغيرها من المؤثرات التي خلقت من المواطن العربي إنساناً فاقد الهوية ،وبترسيخ ثقافة المؤامرة لديه تراه يجعل من الدين هويته، وبالتالي يخرج الدين من كونه ثقافة هداية وبناء إلى هوية عصبية تجعل الفرد مثيرا للمشكلات أينما حلّ أو راح، ولعلنا اطلعنا على ما عانى منه اليهود في الزمن الغابر...قد يكون ذلك إحدى نتائج شيوع"الهوية الدينية" لديه.. وقد اكتسب ذلك المسلمون الآن بفضل ذات المؤثرات التي طرأت على المجتمع اليهودي فخلقت من المسلم كياناً يثير المشكلات في مجتمع الغير.

القدرة على التحليل

تلك القدرة ضرورية للمجتمع المتحضر، فالقدرة على التحليل تعني الحوار والتشريح والتجريد وما إلى ذلك من مهارات الرصد وأدوات الثقافة، ولا مجتمع ينهض دون ثقافة، وفقدانها يعني وجود فراغ كبير يحجز الفكرة داخل غلاف تنظيري لا علاقة له بالواقع، وهذه هي أشد النتائج السلبية التي تعتري تلك التيارات التي تجعل من الثقافة مُكملاً-لا معنى له- ورفعها من سياق الأصل إلى الفرع، فالإنسان المثقف عزيز... والثقافة لديهم تعني المعرفة الدينية أو بالمرجعية الدينية، وبذلك يجعل الفرد منهم حَكَماً على الآخر بمجرد رؤيته الدينية، دلالته في شيوع ذلك الفصل بين التيارات الإسلامية فصلاً يُحيل أي خلاف إلى فكرة الحق والباطل..الهداية والضلال..وهي ذاتها حُكم ذوي الرؤية الواحدية وأرباب التصنيف.

أيضاً فالقدرة على التحليل ترتبط بالمعلومة ، فلا تحليل دون معلومة..وبذلك نعود إلى المربع رقم"1" وهو الإعلام..ذلك الغول المتغول الذي سلب من الإنسان شخصيته وحياته وجعلها مرهونة لذلك الغول بمقدار ونوعية تلك المعلومة.. فالإعلام له دور أصيل في نشوء ذلك الفراغ بين النظرية والتطبيق...وبالتالي ضعف "رؤية الممارسة"... والإعلام بحاجة لمهارة"حسية وشعورية" للتعامل معه دون إحداث ضجيج يُفرغ الإنسان من هويته الحقيقية إلى هوية أخرى غريبة عليه فتُكسبه صفات لا يملكها في الأصل..وتنشأ عنها-الصفات-أزمة وجدانية تقف حائلاً بين رصد المتناقضات كنظرية وكتطبيق..وبتعايش الإنسان معها تزداد أزمته تغولاً حتى تُصبح "هذه المتناقضات" جزء من كينونته فتظهر عليه بوادر العجز عن التطبيق أو حتى كيفيته في الذهن.

فائدة

إن العمل السياسي يستوجب الإحاطة بمعني الدولة ابتداء، ويستوجب فهم معنى التدبير المجتمعي لخلق مجتمع فاضل انتهاء، ومع ذلك فنحن نُدرك أن حقيقة المجتمع الفاضل يحيل على الذهن رؤيته خارج حدوده، فهو محض خيال، لأن المجتمع رافد أصيل من روافد الثقافة وهو عنوان المعرفة، وكما أن الإطلاق يحيل على الثقافة فيظل الإنسان عاجزاً عن تحصيل المجتمع الفاضل..وكما أن السياسة تتطلب البحث عن الكيفية مع العلم، فالعمل السياسي يستوجب الربط بينهم أي.."العلم مع الكيفية"..وهنا دائماً محط الأنظار وهو الصانع لمهارات الإنسان، وبه حصرياً يستطيع الإنسان حل "مُعضلة" الفراغ بين ممارسة السُلطة والتنظير لها.

اجمالي القراءات 7654

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 7,843,090
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt