بروز صهرَيْ أردوغان في المشهد التركي... أعباء وميزات وسعي لوراثة الرئاسة

اضيف الخبر في يوم الإثنين 05 اكتوبر 2020. نقلا عن: رصيف 22


بروز صهرَيْ أردوغان في المشهد التركي... أعباء وميزات وسعي لوراثة الرئاسة

عُرفت تركيا منذ بداية الألفية الجديدة بالثنائي رجب طيب أردوغان ورفيق دربه الرئيس السابق عبد الله غول، قبل افتراقهما، لكن ثنائياً جديداً ظهر في المشهد، وهما بيرات البيْرق وزير المالية والخزانة، وسلجوق بيرقدار مدير شركة بيركتار المتخصصة في صناعة الطائرات المسيرة.

ما يجمع هذا الثنائي الجديد هو أنهما صهرا الرئيس التركي. ولكن كل منهما يسير في طريق مختلف عن طريق الآخر، بعكس ما كان الحال مع أردوغان وغول. ويرى البعض أن النجاح في طريقيهما المختلفين قد يوصل أحدهما في نهاية الأمر إلى رئاسة تركيا.يقود البيرق الملف الاقتصادي، وهو متعثر في طريقه، خصوصاً في ظل أزمة كورونا، ويبدو أنه سيكون سبباً في انهيار التجربة الاقتصادية التركية.

أما بيرقدار فيعمل على إنتاج طائرات بدون طيار كي يحقق الاكتفاء الذاتي للجيش التركي، ونجح في هذه المهمة وصار اسماً بارزاً في منطقة الشرق الأوسط في العام 2020، مع الإكثار من استخدام تركيا للطائرات المسيّرة في سوريا والعراق وليبيا، كما تحوّل إلى مصدر فخر لدى المعجبين بالتجربة الأردوغانية الإسلامية.

بيرات البيرق

الأكبر بينهما هو بيرات البيرق. يبلغ من العمر 42 عاماً. تخرج من قسم الأعمال في جامعة إسطنبول، وحصل على ماجستير في إدارة الأعمال من كلية لوبين Lubin لإدارة الأعمال، في جامعة بايس Pace في نيويورك، ونال درجة الدكتوراه في مجال الأعمال المصرفية والمالية.

عمل والده صادق البيرق صحافياً لفترة طويلة، وله العديد من المؤلفات والكتب، ثم انضم مع رفيقه في ذلك الوقت رجب طيب أردوغان إلى حزب الرفاه برئاسة نجم الدين أربكان، وكان عضواً في البرلمان بين عامي 1991 و1995.

حينما كان يعمل في الولايات المتحدة مديراً تنفيذياً لشركة "تشاليك" القابضة  Çalık Holdingوهي تجربته الوحيدة في عالم الحياة العملية، تعرّف على إسراء أردوغان التي كانت تدرس في جامعة بيركلي في كاليفورنيا وتزوجها في 2004.

بعد ذلك، ترك الحياة العملية واتجه إلى كتابة عمود في صحيفة "صباح" التركية اليومية وإلقاء المحاضرات عن البنوك والتمويل في جامعة مرمرة.عام 2015، أصبح البيرق عضواً في البرلمان عن حزب العدالة والتنمية، ثم عُيّن وزيراً للطاقة والموارد الطبيعية في حكومة أحمد داود أوغلو، المعارض حالياً.

منذ تلك الفترة، بدأ يظهر بشكل لافت بالقرب من أردوغان، خصوصاً مع ابتعاد حلفاء الرئيس التركي التقليديين عنه، وعلى رأسهم عبد الله غول وأحمد داود أوغلو.

وبعد انتخابه في البرلمان في 2018، عُيّن البيرق وزيراً للخزانة والمالية، وكان النظام قد صار رئاسياً، بقيادة أردوغان، بعد تعديل الدستور. أثار تعيينه استياء المستثمرين الذين رأوا أنه يفتقد الكفاءة والعقيدة في صنع السياسة الاقتصادية. خسرت الليرة التركية 3.8% من قيمتها في ذلك اليوم.

سلجوق بيرقدار

الصهر الأصغر ذو الشهرة الإقليمية هو سلجوق بيرقدار، زوج سميّة أردوغان. ولد عام 1979 في منطقة ساريير الثرية والتي تتمتع بإطلالة ساحرة على الجانب الأوروبي لمضيق البوسفور في إسطنبول.

يشترك مع الصهر الأكبر في النشأة المحافظة، فقد ولد هو الآخر في أسرة إسلامية لكن أكثر ثراءً، فهو نجل رجل الأعمال أوزدمير بيرقدار صاحب شركة بيرقدار التقنية المتخصصة بتصنيع المركبات الجوية من دون طيار وتطوير خوارزميات الملاحة الجوية.

تلقى سلجوق دراسته الثانوية في مدرسة روبرت، وهي مدرسة أمريكية في إسطنبول، ثم درس الهندسة الكهربائية في جامعة إسطنبول التقنية، وحصل على شهادة الماجستير من جامعة بنسلفانيا الأمريكية، وماجستير آخر من معهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا.

البيرق والفشل

يُجمع المحللون الأتراك على أن كلاً من البيرق وبيرقدار يسير في اتجاه معاكس تماماً للآخر، فالأول متهم بتدمير النهضة الاقتصادية التي حققها مؤسسو حزب العدالة والتنمية الحاكم، والآخر يساهم في تحقيق أحد أحلام أردوغان بتحقيق الاكتفاء الذاتي في صناعة السلاح.

تتهم المعارضة البيرق بأنه زرع نواة الأزمة الاقتصادية الحالية، عندما كان وزيراً للطاقة، إذ ضخت شركات الطاقة مليارات الدولارات في الديون لأنها تقترض أموالاً لتمويل عمليات الاستحواذ والتوسع، في الوقت الذي أدّت قيود الحكومة على أسعار الطاقة إلى تآكل أرباح هذه الشركات، وعليه وقعت في أزمة عملة وديون.

عُرفت تركيا منذ بداية الألفية الجديدة بالثنائي رجب طيب أردوغان ورفيق دربه عبد الله غول، لكن ثنائياً جديداً ظهر في المشهد، وهما صهرا أردوغان بيرات البيْرق وسلجوق بيرقدار

تدهورت سمعته كثيراً في كانون الأول/ ديسمبر 2015 ، حينما اتهمته المعارضة التركية بتهريب النفط السوري بالتعاون مع تنظيم داعش عبر تركيا.

وفي كانون الأول/ ديسمبر 2016، نشر موقع "ويكيليكس" رسائل بريد إلكتروني تزعم ارتباط البيرق بتهريب النفط مع داعش.

في أواخر العام ذاته، قال جون آر باس، سفير الولايات المتحدة في تركيا، إن مزاعم تورط الحكومة التركية في تجارة نفط داعش لا أساس لها من الصحة، مستشهداً بالاعتذار الرسمي الصادر عن وكالة المخابرات المركزية في ما يتعلق بمثل هذه المزاعم في عام 2014.

منذ أن تولى البيرق وزارة المالية والخزانة، بدأ الاقتصاد التركي يدخل نفقاً مظلماً. على سبيل المثال، ضخت الحكومة، في مطلع العام الجاري، ما يقارب نصف الاحتياطيات الأجنبية، وهو ما جعل بنوكها الكبرى على شفا الانهيار.

في التفاصيل، وجّهت الحكومة البنك المركزي التركي بعدم خفض الفائدة، وزيادة توزيع القروض الرخيصة، وهو ما ضغط بدوره على الليرة، وأدى إلى زيادة الاقتراض بالدولار من البنوك المحلية لدرء مخاطر تخفيض قيمة العملة.

وعليه، ضخت الحكومة 65 مليار دولار من احتياطياتها الأجنبية منذ بداية عام 2020، لتلبية القروض المطلوبة، وفي النهاية ضغطت أسعار الفائدة على عمليات البيع، ودفعت الليرة إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق (حوالي 7.7 ليرة للدولار في أيلول/ سبتمبر).

في 29 أيلول/ سبتمبر، أطلق البيرق برنامجاً اقتصادياً جديداً يستهدف تحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي مقداره 0.3% هذا العام و5.8% في 2021 وخفض ​​معدل التضخم إلى 10.5% في نهاية عام 2020 و8% في العام التالي.

يقول الصحافي التركي خليل جليك إن "جميع دول العالم تعاني في ظل جائحة كورونا من أزمة اقتصادية، وعليه فإن مهمة البيرق صعبة، لكن بعد إعلانه الحزمات الاقتصادية نتوقع تحسين الوضع الاقتصادي على المدى القصير".

وأضاف لرصيف22 أن المعارضة اعترضت على تعيين البيرق وزيراً للمالية والاقتصاد، كونه صهر أردوغان.

وبرأيه، "كون شخص ما صهراً لرئيس لا يمكن أن يكون المعيار الوحيد لنجاحه أو فشله، ويجب أن يكون المعيار الرئيسي هو النجاح الاقتصادي".

بيرقدار والنجاح

في الموازاة، ارتفعت أسهم بيرقدار الذي عاد إلى تركيا عام 2007، ومعه برنامج صناعة طائرة مسيّرة، وكانت أنقرة في ذلك الوقت تعتمد على واشنطن في تزويدها بصور حول تحركات المسلحين الأكراد.

عام 2005، حاول بيرقدار إقناع مجموعة من المسؤولين الأتراك بحضور عرض لطائرة مسيرة صنعها هو محلياً وحاول الحصول على تصاريح لتجربتها بصواريخ، لكن وسائل إعلام تركية قالت إن ضباط الجيش لم يكونوا مرحبين بالفكرة كونه من عائلة إسلامية محافظة.

يقود بيرات البيرق الملف الاقتصادي، وهو متعثر في طريقه، وقد يكون سبباً في انهيار التجربة الاقتصادية التركية. أما سلجوق بيرقدار فيعمل على إنتاج طائرات بدون طيار، ونجح في مهمته وصار مصدر فخر لدى المعجبين بالتجربة الأردوغانية الإسلامية

 كانت تركيا في ذلك الوقت تبرم صفقات شراء طائرات بدون طيار من إسرائيل التي كانت تماطل في تسليمها لها، كما شعرت أنقرة بأن المخابرات الإسرائيلية تحصل على الصور التي تلتقطها في ذات التوقيت.

على الرغم من العقبات التي يزعم المقربون من أردوغان أن قادة الجيش العلمانيون قد وضعوها في طريقه، نجح صهر أردوغان بفضل إنشاء أبيه مصنعاً لصناعة طائرات بدون طيار في صناعة طائرة "بيرقدار TB2" و"بيرقدار أكينجي" والتي تتوقع أنقرة أنها ستحقق التفوّق الجوي لجيشها في المعارك المقبلة، إضافة إلى مكاسب مالية كبيرة.

عام 2020، شاركت الطائرة "بيرقدار TB2" في حروب فعلية في شمال سوريا وليبيا وأذربيجان، وألحقت خسائر فادحة بقوات الجيش السوري وأرغمت قوات الجنرال الليبي خليفة حفتر على الانسحاب من طرابلس.

وبثت وسائل الإعلام التركية عشرات الفيديوهات التي تظهر تدمير أنظمة الدفاع الجوي الروسي في طرابلس وإدلب وأذربيجان، ونسبت الفضل إلى الطائرات التي صنعها سلجوق بيرقدار، واعتبرته مصدر فخر لأنقرة، بل بدأت الماكينة الإعلامية المقربة من تركيا بالترويج له إقليمياً.

وفي العام نفسه، نجح بيرقدار في تدشين مهرجان تكنوفيست، وهو أول مهرجان للطيران والفضاء في تركيا، ويجذب شركات السلاح لعرض منتجاتها، ويدعو صغار المخترعين من الشباب للحصول على دعم تمويلي لمشاريعهم البحثية في المجالات العسكرية.

على هامش هذا المهرجان، التقى صهر أردوغان بشاب صومالي يُدعي "غوليد عبدي" الذي اشتهر مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي باهتمامه بصناعة الطائرات المسيرة.

طموح سياسي

يعتبر الأكاديمي والباحث التركي أيكان إردمير، مدير القسم التركي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية في الولايات المتحدة، أن بيرات البيرق هو الوحيد الذي أظهر طموحات سياسية وسيكون مهتماً بخلافة أردوغان، أما بيرقدار فيظهر أنه ملتزم تماماً بأعمال عائلته في صناعة وتطوير طائرات بدون طيار.

ومنذ عام 2016، بدأت كثير من وسائل الإعلام التركية تتحدث عن وجود مجموعة من الشخصيات في الحزب الحاكم، يطلق عليهم اسم "مجموعة البجعة"، يروّجون للبيرق ويهاجمون شخصيات بارزة، منهم أحمد داود أوغلو الذي كان أول ضحاياهم.

وبعد طرد أوغلو من الحزب، اتجه البيرق إلى الرجل القوي الآخر داخل الحزب، وزير الداخلية سليمان صويلو، إذ ذكرت تقارير أن العدالة والتنمية يشهد صراعاً شرساً بين الرجلين.

وقال إردمير لرصيف22: "نظراً لعدم وجود طموحات سياسية لبيرقدار، ولعدم إظهار ابنيْ أردوغان أحمد وبلال أي فطنة سياسية، فإن أردوغان ليس لديه خيارات سوى دعم البيرق".

وأضاف: "توريث بيرقدار أصبح أمراً صعباً بشكل متزايد، فقد أدى سوء إدارته في منصبه الحالي كوزير للمالية والخزانة إلى أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخ تركيا، ما أسفر عن انخفاض الليرة التركية إلى مستوى تاريخي مقابل الدولار الأمريكي".

ومن هنا، يرى أن طموحات البيرق السياسية باتت تمثل عبئاً على أردوغان، في حين أن بيرقدار الذي ليس لديه مثل هذه الطموحات يُعَدّ ميزة، مع طائراته البدون طيار التي تلعب دوراً رئيسياً في استعراض القوة العسكرية التركية، ما يعزز شعبية أردوغان المتراجعة".

من جانبه، لا يعتقد خليل جليك بأن سلجوق بيرقدار سيخوض السياسة أو يصبح خليفة لأردوغان، وهو "يخدم بلاده عبر تقديم خدمات رائعة في قطاع الدفاع العسكري وهو يهتم بهذه المهمة مثل أبيه".

ويلفت جليك إلى أن "سلجوق ليست لديه الخبرة السياسية من قريب أو بعيد، والناس يدخلون السياسة من أجل خدمة الوطن والشعب وسلجوق يخدم وطنه بسبب عمله ولا يحتاج إلى دخول السياسة".

لكن المحلل السياسي التركي ورئيس تحرير موقع "خبردار" التركي الكاتب والصحافي سعيد صفاء، كشف في 12 أيار/ مايو الماضي، أن أردوغان يخطط لتعيين صهره بيرقدار، وزيراً للدفاع بدلاً من وزير الدفاع الحالي، خلوصي أكار.

على العموم، يشير جليك إلى أن "السياسة والرئاسة في تركيا لا تُنقل إلى الابن أو إلى الصهر كما نرى في بعض الدول العربية"، مشيراً إلى أن البيرق "أعلن عن برنامج اقتصادي سيحقق نجاحاً كبيراً في الاقتصاد التركي، وستزداد سمعته و شعبيته بين الناس و حتى بين المعارضين".

اجمالي القراءات 216
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق




مقالات من الارشيف
more