من سوريا إلى ليبيا.. كيف تراجع الدور الأمريكي بالمنطقة لصالح روسيا؟

اضيف الخبر في يوم الإثنين 13 يناير 2020. نقلا عن: عربى بوست


من سوريا إلى ليبيا.. كيف تراجع الدور الأمريكي بالمنطقة لصالح روسيا؟

جاءت استجابة الأطراف الليبية لدعوة تركيا وروسيا لوقف إطلاق النار حتى لو شابتها مشكلات لتكرر تجربة البلدين في معالجة الأزمة السورية بعيداً عن الغرب ولاسيما الولايات المتحدة ولتؤكد تراجع الدور الأمريكي بالمنطقة لصالح روسيا وقوى إقليمية أخرى في مقدمتها تركيا.

ويأتي التنسيق الروسي والتركي في سوريا أولاً وليبيا ثانياً، في وقت تتخبط فيه الولايات المتحدة في أزمتها مع إيران مع شعور حلفائها بالقلق من  تراجع الدور الأمريكي بالمنطقة وشعورهم بأن الاعتماد على واشنطن لم يعد الخيار الآمن.

تراجع الدور الأمريكي بالمنطقة لصالح روسيا بدأه أوباما 

وأرسل ترامب إشارات واضحة ومتعددة على أن الشرق الأوسط لم يعد له أولوية لبلاده التي أصبحت منتجاً كبيراً للنفط، منتقداً أسلافه الذين أنفقوا تريليونات على المنطقة دون جدوى.

ولكن تراجع الدور الأمريكي بالمنطقة لم يبدأ في عهد ترامب بل في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي بدأ بتقليل دور بلاده مؤمناً بأن التورط الأمريكي الفج في المنطقة يجعلها هدفاً للجو العدائي بالمنطقة.

ولذا بدأ أوباما بسحب القوات الأمريكية من العراق، وحتى قامت الثورة ضد نظام القذافي وتدخلت الولايات لحماية الثوار فإن أوباما تعمد جعل الدول الأوروبية في الواجهة.

ترك الصدارة للأوروبيين والخليجيين 

وعندما قامت الثورة الليبية ضد الرئيس السابق معمر القذافي، اكتفت الولايات المتحدة بالدور الفني الأصعب في تحييد الدفاع الجوي للنظام الليبي عبر صواريخ توماهوك كروز الأمريكية تاركاً للأوروبيين والخليجيين المهمة الأكثر جذباً للانتباه وهي استخدام الطائرات لتدمير قوات القذافي.

وفي الأزمة السورية، بدا أوباما حريصاً على عدم التدخل العسكري لصالح الثورة السورية رغم تعاطفه مع طلباتها في البداية وموقفه السلبي من بشار الأسد.

وتدخل أوباما فقط عندما ظهر تنظيم داعش بوحشيته المتناهية واستهدافه الأقليات وتهديده للغرب عبر عملياته الإرهابية وحتى في هذه الحالة كان التدخل الأمريكي عبر تحالف دولي واسع لمحاربة الإرهاب وبالتعاون مع حلفاء أمريكا وخصومها على السواء مثل إيران والميليشيات التابعة لها.

وكان أوباما حريصاً ألا  يؤدي القصف الأمريكي لداعش لسقوط أعداد كبيرة من المدنيين.

حتى الأسلحة الكيمائية تسامح معها أوباما  

وحتى عندما تخطى الأسد الخطوط الحمراء واستخدم الأسلحة الكيميائية، فإن أوباما كان حريصاً على عدم التدخل وسمح للنظام السوري بتخريجة عبر تدخل روسي سمح لنظام الأسد بالإعلان عن التخلي عن ترسانته الكيميائية رغم الشكوك في التزامه بذلك بشكل حقيقي وشامل.

كان موقف أوباما السلبي من الأزمة السورية، هو المدخل للروس للدخول ليس لسوريا فقط بل المنطقة برمتها.

فقد ترك أوباما روسيا تنفرد بتقرير مصير سوريا عبر إرسال قوتها العسكرية وخاصة الجوية لتنقذ النظام وتهزم المعارضة التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد.

التنصل من الحلفاء بدأ مع ثاني أكبر عضو بالناتو

والأسوأ أن أوباما ترك تركيا حليفة بلاده والعضو البارز في حلف الأطلنطي في مواجهة أزمة مع روسيا ورفض بيع تركيا أنظمة صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ والطائرات رغم أن الدور التركي في دعم الثوار السوريين تم بتنسيق معروف مع الأمريكيين والأوروبيين ودول الخليج. 

بل وسحبت عدة دول أعضاء بالناتو صواريخ باتريوت من تركيا في أوج التوتر مع روسيا رغم مخالفة ذلك لميثاق الناتو الذي يعتبر أمن أي عضو جزءاً من أمن باقي الأعضاء. 

وتصاعدت الأزمة مع انتهاك الطائرات الروسية للمجال الجوي التركي وهي الأزمة التي وصلت ذروتها بإسقاط أنقرة لطائرة روسية انتهكت أجواءها.

وها هي تركيا تتفق مع الروس

كان تراجع الدور الأمريكي بالمنطقة لصالح روسيا في عهد أوباما والذي تبدى بشكل واضح في سوريا إيذاناً بمرحلة جديدة عادت فيها موسكو بقوة بعد تراجع دورها منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

فقد سارعت تركيا لترميم علاقتها مع روسيا ومحاولة تقليل خسائر المعارضة السورية عبر إنشاء منطقة آمنة في إدلب.

ترامب تخلى عن تركيا خلال أزمتها مع روسيا/رويترز

ولكن التحول الأكثر استراتيجية أن أنقرة التي تمتلك ثاني أكبر جيش بري في الناتو، وثقت علاقتها بروسيا غريمتها التاريخية وأبرمت معها صفقة لشراء منظومة إس 400 البديل الروسي الأفضل لباتريوت مما دفع أمريكا لإخراج تركيا من برنامج إنتاج الطائرة الشهيرة إف 35 مما شكل ضرراً كبيراً للبرنامج الذي تلعب فيه تركيا دوراً مهماً كصانع ومشتر.

عقيدة أوباما.. حتى حلفاء أمريكا العرب اقتدوا بأردوغان

وحتى الحلفاء العرب الذي كانوا يعتمدون بشكل كبير على الولايات المتحدة، سارعوا بدورهم لإبرام صفقات مماثلة مع موسكو.

فاشترت مصر طائرات ميغ 35 من روسيا بعد أن اعتمدت لعقود على الطائرات الأمريكية، كما ابتاعت القاهرة منظومة صواريخ إس 300 النسخة الأقدم من إس 400.

وحتى السعودية الحليف العربي الأهم في المنطقة والاكثر اعتماداً على الولايات المتحدة وثقت علاقتها بالدب الروسي الصاعد في سماء الشرق الأوسط عبر طائرات سوخوي الشهيرة التي دمرت حلب وسعت المملكة لشراء منظومة إس 400 رغم امتلاكها لباتريوت رغم أن الصفقة لم تتم حتى الآن.

والإمارات الحليف الوثيق لواشنطن والتي وصفها القادة العسكريون الأمريكيون بإسبرطة الخاصة بنا أو إسبرطة الصغيرة فقد وثقت علاقتها التقليدية مع موسكو حتى أنها تحولت لوسيط في العلاقة السرية التي نشأت بين بوتين وترامب حتى قبل أن يصل للحكم، وهو الدور الذي كان محل تدقيق أمريكي في معرض التحقيقات حول العلاقات المريبة بين إدارة ترامب وروسيا والجدل حول تدخل موسكو في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

وقبل خروج أوباما من الحكم فإنه وضع الأساس النظري لعملية تراجع الدور الأمريكي بالمنطقة عبر إعلانه عما عرف بعقيدة أوباما والتي تؤكد تراجع أهمية الشرق الأوسط في السياسة الخارجية الأمريكية مع تراجع الوزن النسبي لأهمية نفط المنطقة وتزايد أهمية منطقة آسيا والمحيط الهادئ في ظل نموها الاقتصادي وازدياد ثقل تبادلها التجاري مع واشنطن. 

 ترامب على خطى أوباما   

رغم هوس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمهاجمة إرث أوباما والتنصل منه، فيبدو بأنه يسير على خطى سلفه الديمقراطي في الشرق الأوسط مع إضافته نكهته الفوضوية الخاصة التي تفاقمها التناقضات بين مواقف ترامب ومواقف أعضاء إدارته والمسؤولين التنفيذيين.  

فقد عبر ترامب مراراً عن تراجع أهمية الشرق الأوسط في أجندته وانتقد اهتمام أسلافه بالمنطقة وإنفاقهم ما قال إنه تريليونات على المنطقة.

ورغم أنه أقام علاقة وثيقة وشخصية مع بعض شركائه الخليجيين مثل الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي والشيخ محمد بن زايد الرجل القوي في الإمارات وكذلك مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والذي وصفه بدكتاتوري المفضل وأيضاً برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن هذا لم يترجم لخطط واضحة أو التزامات محددة.

بل على العكس بدا ترامب في الحالة الخليجية تحديداً مستعداً للضغط عبر العقوبات على إيران دون أن يوفر الحماية لحلفائه الخليجيين من الثأر الإيراني الذي يستهدفهم.

ترامب أقام علاقة وثيقة مع القادة السعوديين ولكن تركهم أمام اعتداءات إيران/رويترز

بدا ترامب فقط متلهفاً لإبرام صفقات سلاح معهم، سلاح لم يبدو فعالاً أمام الهجمات الإيرانية المربكة التي كان أوضحها الغارة المدمرة التي استهدفت منشآت شركة أرامكو السعودية.

وقبل ذلك لم يرد ترامب على إسقاط الإيرانيين لطائرة أمريكية مسيرة باهظة الثمن أو عندما وجهوا ضربات (تنصلوا منها) لأهداف إماراتية وأخرى بحرية في مضيق هرمز وخليج عمان، بل إن ترامب تحدث عن أن حماية أمن الملاحة في الخليج ليس مسؤولية أمريكية.

الأغرب أنه تخلى عن بريطانيا حليفة بلاده التقليدية عندما احتجزت طهران سفينة بريطانية رداً على توقيف سلطات جبل طارق التابعة لبريطانيا لسفينة إيرانية وهو توقيف تم على الأرجح بناء على طلب واشنطن.

لم تعد شريكاً موثوقاً.. والبداية سوريا 

بدا من كل سبق أن أمريكا لم تعد شريكاً موثوقاً فيه بالنسبة لحلفائها بالمنطقة بل سياسات ترامب قد تورطهم بأفعالها ثم تتركهم لتحمل التداعيات وحدهم.

ومن هنا دخل الروس فأصبحوا الفاعل الرئيس في سوريا بالتعاون مع الأتراك.

ولكن إذا كانت سوريا منذ الخمسينيات مجالاً تقليدياً للنفوذ الروسي إثر التحالف الوثيق بين موسكو الشيوعية ودمشق التي تعاقب عليها أحزاب قومية علمانية معادية لإسرائيل والغرب، فإن ما يحدث في باقي المنطقة وآخرها ليبيا مؤشر خطير إلى تراجع الدور الأمريكي بالمنطقة لصالح روسيا.

أردوغان وثق علاقته مع بوتين/رويترز

فليبيا بموقعها الوسيط في البحر المتوسط وبين المشرق والمغرب العربيين والمفتوح على إفريقيا عبر الصحراء الكبرى كانت تمثل أهمية خاصة للغرب لاسيما جيرانها الأوروبيين الشماليين نظراً لثرائها بالنفط والأهم أنها مصدر رئيسي للهجرة غير الشرعية ومنطلق محتمل للإرهاب.

على العكس فإن سوريا كانت دوماً منطقة نفوذ روسية.

فقد ظلت دمشق قاعدة وحيدة لموسكو بعد أن خسرت تباعاً حلفائها في المنطقة بدءاً بابتعاد مصر عنها في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات خلال سبعينيات القرن العشرين ثم هزيمة العراق في حرب تحرير الكويت، وعقب ذلك انشغال الجزائر بأزماتها واندماج اليمن الجنوبي البلد العربي الشيوعي الوحيد في اليمن الشمالي الأقرب للخليج والغرب ثم تقارب القذافي حليف موسكو القديم في ليبيا مع الغرب إلى حين سقوطه.

بوتين لم ينقذ حليفه الأسد فقط

حين تدخل بوتين لإنقاذ الأسد كان يعلم أن هذا آخر حليف له في المنطقة برمتها فباقي الحلفاء إما ارتموا في أحضان الغرب أو أسقطهم الربيع العربي.

وفي غياب رد فعل أمريكي على التدخل الروسي في سوريا لم يؤد هذا التدخل لإنقاذ آخر معقل للنفوذ الروسي بالمنطقة فقط بل دفع حلفاء واشنطن التقليديين للتقارب مع بوتين كشريك قوي يمكن التفاهم معه.

والآن مع تصاعد للدور الروسي في ليبيا البلد البعيد عن النفوذ التقليدي لروسيا، فإن هذا يعد ترسيخاً عملياً لتراجع الدور الأمريكي بشكل يضر الحلفاء الأوروبيين تحديداً.

ارتباك أمريكي ومكر روسي

في ليبيا يظهر الارتباك الواضح للسياسة الأمريكية بالمنطقة الذي يتراوح بين تأييد ترامب شخصياً للجنرال المتقاعد خليفة حفتر وبين الموقف الأمريكي الرسمي المعترف بحكومة الوفاق والرافض لهجمات حفتر على طرابلس ومشاركة المرتزقة الروس في القتال.

موقف ترامب الداعم لفترة محدودة لحفتر جاء مدفوعاً على الأغلب بعلاقات ترامب مع داعمي الجنرال المتقاعد العرب أي السيسي وبن سلمان وبن زايد، الذين يتفقون مع روسيا خصم واشنطن في مساندة حفتر، الأمر يتناقض مع الموقف الأمريكي التقليدي الهادف لمحاصرة النفوذ الروسي.

ترماب ترك الشرق الأوسط لروسيا/رويترز

في مقابل هذا الارتباك الأمريكي وخلافات الأوروبيين حول ليبيا التي وصلت لتنافس مرير بين فرنسا وإيطاليا يأتي الروس بالموقف الأكثر حنكة.

فعبر التنسيق مع تركيا الذي بدأ بسوريا وامتد للغاز وصفقات السلاح وعلاقتهم الوثيقة بمصر والإمارات ودعمهم لحفتر عبر المرتزقة والسلاح أصبح الروس لاعباً أساسياً في ليبيا البعيدة عنهم بأقل تكلفة .

وبات الروس والأتراك اللاعب الدولي الأبرز في ليبيا بينما الأوروبيون غارقون في خلافات باريس وروما والأمريكيون بلا موقف أو حتى أدوات تقريباً.

أما الداعمون العرب لحفتر، فقد أصبح وضعهم معتمداً إلى حد كبير على التنسيق بين بوتين وأردوغان.

علماً أن الترتيبات بين الرجلين أوسع مجالاً من ليبيا أو سوريا.

ترتيبات أردوغان وبوتين أوسع من ليبيا.. هذا ما يريده كل منهما  

فأردوغان يريد دعم نفوذ بلاده بالمنطقة وحماية حلفائه من بقايا الربيع العربي خاصة الحركات الإسلامية المعتدلة، ونصيباً من كعكعة الطاقة التي يريد البعض استبعاد بلاده منها.

في المقابل فإن بوتين يريد تعزيز نفوذه بالشرق الأوسط والأهم إبعاد أنقره عن الغرب ولاسيما أنها غاضبة أصلاً من مواقف حلفائها الغربيين معها منذ سوريا وما بعدها مثل الأكراد وغيرهم.

 وها هي تركيا قد وجدت في روسيا شريكاً فاعلاً يمكن الاتفاق معه حتى لو كانت شراكة مرهقة أحياناً.

فتش عن الغاز.. سوق كبير ومتعطش

كما أن أهمية هذا التنسيق مع أنقرة بالنسبة للروس تنبع كذلك من الموقع الجغرافي لتركيا فيما يتعلق بخطوط الغاز.

فعبر تركيا يمر خط السيل الروسي الذي يعزز الهيمنة الروسية على إمدادات الطاقة الأوروبية.

كما أن رفض أنقرة لاستبعادها من التفاهمات الخاصة بالحدود البحرية والتنقيب وخطوط الغاز بشرق المتوسط من شأنه عرقلة استخراج الغاز من المنطقة وتصديره لأوروبا، وهو المشروع الذي يراهن عليه الغرب وفي مقدمتهم الأمريكيون لتقليل الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي.

بدأ تراجع الدور الأمريكي بالمنطقة لصالح روسيا من سوريا في عهد أوباما حين تخلى الغرب ولاسيما الأمريكيون عن الأتراك في ظل أزمتهم  مع موسكو.

وواصل ترامب إرث أوباما في التخلي عن الحلفاء، بينما بدأ بوتين في المنطقة خصماً يمكنه التحول لشريك فاعل يمكن التفاوض معه.

اجمالي القراءات 550
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق