مصر وثورة الأحفاد على الأجداد

سعد الدين ابراهيم في السبت 03 ديسمبر 2011


أبهرت مصر العالم بثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، فقد كانت ثورة على «الطُغيان الشرقى» مُمثلاً فى آخر الفراعنة، وهو حسنى مُبارك.

ثم أبهر المصريون العالم مرة أخرى بالأداء الرائع فى أول اختبار ديمقراطى بعد ثورة يناير، وهى المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية لمجلس الشعب، فقد كان الإقبال على المشاركة بنسبة غير مسبوقة منذ عام ١٩٢٣، وهو تاريخ أول انتخابات برلمانية بعد ثورة ١٩١٩، والتى وصلت نسبة المشاركة بها إلى أكثر من ٦٥% ممن لهم حق التصويت، أى حوالى الثلثين، وهذه نسبة تفوق مثيلاتها فى معظم الديمقراطيات العريقة، مثل بريطانيا والولايات المتحدة، وكندا، والهند، وتميزت تلك الجولة بالآتى:

١- أن نسبة المشاركة العالية تساوت فيها النساء المصريات على قدم وساق مع الرجال.

٢- السلوك الحضارى الرفيع لكل أطراف العملية الانتخابية - من مرشحين، وقضاة، وقوات مُسلحة، وشُرطة، ومُنظمات المجتمع المدنى.

٣- السلوك الإعلامى المهنى الرفيع لوسائل الإعلام المصرية، فالقنوات التليفزيونية الخاصة والحكومية تنافست فى تغطية مُفردات العملية الانتخابية فى الأيام السابقة، ثم فى يومى الانتخابات نفسها، ثم فى اليومين اللاحقين، وفعلت ذلك بمستوى مهنى غير معهود فى أى انتخابات سابقة، وهو ما جعل المُشاهد المصرى لا يلجأ لوسائل إعلام غير مصرية، إلا على سبيل الاستثناء.

٤- تضاؤل التجاوزات فى كل مراحل العملية الانتخابية - من فتح باب الترشيح، إلى الدعاية الانتخابية، إلى التصويت، إلى فرز الأصوات، إلى إعلان النتائج، ويُراقب مركز ابن خلدون للدراسات الديمقراطية الانتخابات المصرية والعربية منذ عام ١٩٩٥، وقد فعل ذلك هذا العام أكثر من خمسة آلاف (٥٠٠٠) مُراقب، من ذوى الخبرة، الذين كانوا قد تدرّبوا على هذا النشاط خلال العشرين سنة الماضية، وجاءت مُجمل تقاريرهم الميدانية بأن التجاوزات الإدارية أو حالات استخدام العُنف لم تتجاوز خمسة فى المائة من المواقع التى تمت مُراقبتها فى تسع مُحافظات.

ونتوقع، والأمر كذلك أن يزداد مُستوى الطمأنينة والإحساس بالأمان بين المواطنين فى بقية المُحافظات والجولات الانتخابية التالية، وبالتالى، فإننا نتوقع أن تواصل نسبة المُشاركة الارتفاع عن الثلثين.

وإذا حدث ما نتوقعه أعلاه، فإن تجربة ثورة يناير المصرية، لن تقل تداعياتها عن ثورة ديسمبر التونسية، ومسيرة المغرب الديمقراطية التى ستلحقها عما قريب انتخابات ليبية وانتخابات يمنية مُماثلة.

إن الإعلام الخارجى، خاصة فى المغرب، قد أطلق على هذه الثورات مُصطلح «الربيع العربى»، وظل هذا المُصطلح مُجرد تشبيه جميل، أو كناية تعكس التفكير الرغبوى، أكثر مما تصف الواقع بدقة، حيث إن مشوار الديمقراطية طويل، ونحن ما زلنا فى البدايات، ولكن الانتخابات فى تونس ومصر والمغرب خلال الآونة الأخيرة، قد جعلت مُصطلح «الربيع العربى للديمقراطية» اسماً على مُسمى.

وقد شاركت فى عدة برامج حوارية بعد الانتخابات، على عدة فضائيات مصرية مع إعلاميات وإعلاميين من الطراز الرفيع - أمثال لميس الحديدى، ومنى الشاذلى، ومعتز الدمرداش، وحافظ الميرازى، ومحمد شردى، كما نزلت إلى ميدان التحرير، وتجولت بين عدد من المقار الانتخابية.

وضمن الموضوعات التى أثيرت فى هذه الحوارات والزيارات الميدانية كان دور الشباب فى تفجير ينابيع الثورات التى صنعت الربيع العربى للديمقراطية.

وكانت إحدى الخواطر التى ألحّت علىّ هى أن متوسط أعمار هؤلاء الشباب هو بين العشرين والخامسة والعشرين، وأنهم ثاروا على أنظمة تسلطية، استبدادية، تمرست فى مواقعها لحوالى ثلاثين عاماً، أى أن الفارق فى الأعمار بين الثائرين والحُكّام يزيد على خمسين عاماً. ويعتبر عُلماء الاجتماع أن رُبع قرن هو عُمر الجيل، أى أنه فى السياق الذى نتحدث عنه كان طرفا المشهد هما حُكّام فى أوائل الثمانينيات (مثل حسنى مُبارك ٨٤ سنة)، وثائرين فى أوائل العشرينيات، أى يفصلهم، عُمرياً، خمسون سنة، أى جيلان.

بتعبير آخر، إن ثورات الربيع العربى قام بها الأحفاد على من هم فى عُمر أجدادهم، ويتفق هذا تماماً مع ما يذهب إليه عُلماء الاجتماع السياسى، فقد أكدوا لنا منذ قرن من الزمان أن الذين يثورون على الأوضاع المُتردية فى مجتمعاتهم عادة هم الشباب دون عُمر الثلاثين.

ومن ذلك المقولة الشهيرة: «إذا كنت دون الثلاثين ولا تثور، فأنت بلا قلب، أما إذا كنت فوق الثلاثين وما زلت ثائراً، فأنت بلا عقل».

وفى هذا الصدد، وفى حالتنا المصرية، يفرض السؤال نفسه: وماذا عن جيل الآباء - أى الجيل الوسيط بين الأحفاد والأجداد؟ أى جيل الكهول بين الأربعين والستين؟

إن جيل الكهول هذا، هو بمثابة طابق «الميزانين» فى المبانى الحديثة - أى ما بين الطابق الأرضى والطابق الأول، وهو ما يُشار إليه عادة بحرف (M) على لوحة المصعد (الأسانسير)، ويُشير إليه العامة «بالطابق المسخوط»، أو «الطابق المسروق»، أو الجيل الذى يرقص على السلّم، فلا يراهم من هم فى الطابق السُفلى، ولا يراهم من هم فى الطابق العلوى!

وبالعودة إلى دور الأجيال، وواقع ثورة يناير المصرية، كنا قد اقترحنا فى مقال مُبكر، بعنوان «٤٠% لمن هم دون الأربعين» أن ينص أى دستور جديد لمصر على تخصيص نسبة أربعين فى المائة من مقاعد كل المجالس المُنتخبة لمن هم دون الأربعين من أعمارهم. والحكمة من هذا الاقتراح هى:

أولاً، الاعتراف بفضل الشباب فى تفجير الثورة، التى ظل بعض الكهول والشيوخ من أمثالى يحلمون أو يدعون إليها، دون أن ينجحوا فى إنجازها.

ثانياً، أن أصحاب الثورة الحقيقيين هم الأكثر قدرة على حمايتها ممن يتربصون بها أو يُخططون لاختطافها، أو لإجهاضها.

ثالثاً، أن وجود أربعين فى المائة من الشباب فى مواقع صناعة القرار التشريعى والتنفيذى هو الذى سيضمن ألا يُصاب مُجتمعنا بأمراض الشرايين، وهو الذى يضمن التجدد الدائم لحيوية النظام السياسى.

رابعاً، أن الشباب هم أيضاً الأكثر إبداعاً، فهم ليسوا أسرى القوالب النمطية فى الأفكار والسلوكيات.

خامساً، كشفت تجربة ميدان التحرير أن الشباب يتقاربون بسرعة، حتى لو جاءوا من خلفيات طبقية ومهنية وأيديولوجية مُختلفة، من ذلك أن شباب الإخوان كانوا الأكثر تجاوباً مع أقرانهم، منذ اليوم الرابع للثورة، بينما تحفظ كهول وشيوخ الإخوان عن المُشاركة، وتخلّف كل السلفيين (شباباً وكهولاً وشيوخاً)، إلى أن نجحت الثورة بتنحى مُبارك، فانفتحت شهية السلفيين فجأة للسياسة، بعد أن ظلوا يعتبرونها «دناسة»، و«نجاسة» طوال تاريخهم فى مصر، خوفاً من الفُرقة، فهم أصحاب مقولة: «الرضا بحاكم غشوم.. خير من فتنة لا تدوم»!

والخُلاصة هى أن الشباب هم كل الحاضر، وهم كل المُستقبل، ونحن هنا نُجدد دعوتنا لأن ينص الدستور المؤقت، أو الدائم فيما بعد، على تخصيص أربعين فى المائة على الأقل من مقاعد كل المجالس المنتخبة للشباب - أى من هم دون سن الأربعين، فلقد كانت قيادة كل الثورات فى التاريخ هى للشباب من هذه الفئة العُمرية، فلنحترم شبابنا، ولنكن على الجانب الأصدق للتاريخ.

اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.

اجمالي القراءات 7549

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 217
اجمالي القراءات : 1,966,105
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt