الثورة .. من هو العميل ؟

شادي طلعت في الإثنين 12 سبتمبر 2011


قبل الخوض في المقال و ما قد يحتويه من آراء قد لا تعجب العملاء، و لكن من هم العملاء ؟ هل هم من كانوا مع ثورة 25 يناير ؟ أم هم من كانوا ضد الثورة ؟ دعونا إذاَ نبحث أولاً في معنى كلمة العميل و ما هو الفرق بينها و بينا كلمة جاسوس ؟

و لنبدأ بالبحث عن تعريف لكلمة الجاسوس ... هو شخص يعمل لحساب أجهزة مخابراتية، و يتلقى منها أموالاً نظير العمل الذي يقوم به، و عمله يكون خاص بسرقة معلومات من اي دولة بمعنى أنه يمكن أن يتجسس على أي بلد، و منها طبعاً بلده التي تنتمي جنسيته إليها ! بقي لنا أن نعرف معنى كلمة العميل.

العميل ... لفظ أصوله لينينية تعود إلى لينين الزعيم الروسي المعروف، و هو الذي قفز على الثورة البولشفية، و لينين لم يكن رجلاً ديمقراطياً في يوم ما ! لقد كان رجلاً دموياً ديكتاورياً، لا يقبل بالرأي الآخر، كان رأيه و رأي حزبه هو الأصوب، و كل من يعترضهم يكون عميلاً و ليس جاسوساً ! إذاً فالعميل هو شخص لا يكون له وجود إلا في الأنظمة الديكتاتورية، و أنا أذكر عندما كنت بالأمم المتحدة في شهر يونيو 2009 في إحدى جلسات مجلس حقوق الإنسان بـ جنيف، تحدثت إحدى ممثلات منظمات المجتمع المدني في كوبا عن الإنتهاكات الحقوقية في بلدها، و عندما ردت الحكومة الكوبية و صفت تلك السيدة و منظمتها بأنهما عملاء !

إن لفظ العميل لا وجود له في الدول الديمقراطية، فالدول الديمقراطية تقبل الرأي و الرأي الآخر، فالحاكم لا يحكم أبد الدهر ! و للرأي المخالف إحترام مهما كانت خطورته على النظم الحاكمة، نأتي الآن لسؤال آخر و هو كيف وصلت هذه الثقافة الديكتاتورية القمعية إلى مصر و الوطن العربي ؟ و الحقيقة أن تلك الثقافة قد وصلت إلى مصر قبل أن تصل إلى أي بلد عربي، و ذلك وقت أن بدأ الإتحاد السوفيتي التوغل في علاقاته مع مصر، و التي توطدت عن طريق جمال عبد الناصر، و هو شخص مع كامل الإحترام لدوره الوطني، إلا أنه كان رجلاً ديكتاتورياً و كان يقوم بإرسال البعثات الأمنية إلى موسكو ليعودوا بنظريات القمع و السيطرة على الجميع سواء مؤيد و معارض، و من ضمن الإختراعات التي عادت بها تلك البعثات الأمنية هو جهاز مباحث أمن الدولة، و الذي قامت مصر فيما بعد بنقله إلى الدول العربية !

و كان من ضمن أساليب مواجهة المعارضين في حال، وجد خطورة من التخلص منهم، أو قمعهم، هو إطلاق لفظ العمالة عليهم، و عليكم أن تضعوا تحت كلمة عميل ألف خط، فلها معان كثيرة منها أنه يتلقى أموالاً من دولة اجنبية، و منها أنه جاسوس يعمل لصالح مخابرات أجنبية، و منها أنه مكلف بقلب نظام الحكم و منها .... إلخ.

بقي ان نعرف الفئة التي ينطلي عليها، كذب الأنظمة الديكتاتورية على إتهام البعض بالعمالة فهم لا يصدقونها فقط، بل قد يتبرعون و يضيفون إلى لفظ العمالة صفات اخرى ! إنهم فئة العامة و ليسوا فئة المثقفين أو السياسيين أو الحقوقيين، إنهم ما يطلق عليهم في مصر حزب الكنبة ! ومغزى إسم الكنبة أنهم يظلون قابعون على الكنبة لا يتحركون مهما حدث في البلاد من متغيرات سياسية، إنهم رواد مشاهدة TV، لا يعرفون شيئاً عن السياسة إلا ما يتلقونه فقط، و لا يعملون عقولهم أبداً ! لا يشغلون بالهم إلا بالطعام و الشراب و الزواج و تأمين مستقبل أبناءهم، هم فئة تريد الإبتعاد عن أي شئ يمكن أن يسبب خطورة لهم، في حين أنهم هذه الفئة العامة هي الأغلب و الأعم من الشعب، و الأعم منها هو الأكثر إجراماً و ملفاتهم الجنائية تكون متنوعة و مليئة بالصراعات التي قد تصل إلى القتل أو الإضرار بالآخرين إلا أنهم لا يدخلون في أي قضايا سياسية حتى و إن كانت مضار السياسة أقل من الخوض في معارك جنائية ! تجدهم يؤثرون الموت على العمل في السياسة، الفئة العامة أو حزب الكنبة هم التربة الخصبة حتى ينشر النظام الديكتاتوري شائعاته على معارضيه و يتهمهم بأنهم عملاء !

و الآن كيف الوضع بعد ثورة الشعب ثورة 25 يناير ؟

بعدما نجحت الثورة، صعد على السطح السياسي و تقدم الصفوف كثير من المعارضين لنظام مبارك الفاسد و الخائن، و عندما أقول الخائن فانا أعني ما أقول، فأنا لم أقل جاسوس أو عميل، لأن الكلمتين الأخيرتين ليس لهما محل على وضع مبارك أو نظامه، بينما لفظ الخائن هو الذي ينطبق عليهم، لقد باع مبارك و نظامه مصر للغرب و إسرائيل بأبخس الأثمان و هو ما يعد خيانة، لقد اصاب مبارك و نظامه الشعب بأمراض مزمنة منها السرطان و الكبد و الفشل الكلوي و هو ما يعد خيانة، لقد أهان مبارك و نظامه كرامة المصريين و هو ما يعد خيانة، و لو ظللنا نتحدث عما فعله و إرتكبه مبارك و نظامه فنحن بحاجة إلى مساحات واسعة لا يتسع لذكرها هذا المقال، إن هذا النظام الذي تقلد مقاليد الأمور و أدى القسم قد خان المصلحة العامة و آثر عليها المصالح الشخصية ! عموماً الوضع بعد الثورة سار إلى الأمام في ظل هزيمة النظام الحاكم قبل ان تحاول فلوله تجميع قواها و العودة مرة أخرى، إلا أن فلول النظام الحاكم بدأت فيما بعد الإستعداد للعودة مرة أخرى، و لكن من خلال فريقين، أحدهما ناصر الثورة و قرر أن ينخرط فيها و أن يكون أحد داعميها، و الثاني قرر أن يناصر مبارك و نظامه الفاسد حتى مع علمه بخيانته وبطلانه ! و الفريق الأول إنخرط فيه فلول النظام التي كانت تمارس العمل السياسي فمنهم من كان مجبراً على العمل مع النظام الخائن البائد، و منهم من فكر بمنطق المصلحة وغير من إتجاهاته نظراً لأن المصلحة تتطلب ذلك، هذا هو الفريق الاول، أما الفريق الثاني هو المتباكي على أيام مبارك، نظراً لأن مصالحه كانت تتفق مع النظام الخائن البائد، و هو فريق الموظفين المستفيدن منه مثل العاملين بالشرطة و القضاء و النيابة العامة و إتحاد الإذاعة و التليفزيون و الصحف القومية و العاملين بشركات القطاع العام و موظفي البورصة ... إلخ و هذه الفئة كانت تتمتع بإمتيازات كثيرة منها على سبيل المثال أن رجال القضاء هم الفئة الوحيدة التي لم تكن تدفع مخالفات مرورية ! منها أيضاً أن الشرطة و القضاء لم يكن يطبق عليهم القانون إلا في أضيق الحدود، منها أن مرتبات و عطايا كافة الفئات التي ذكرناها لم يكن لها حد أقصى في الأجور فرؤساء مجالس إدارات الصحف القومية و شركات القطاع العام كانت مرتباتهم تتخطى المليون جنيه شهرياً ! الفريق الثاني من فلول النظام البائد الخائن لا يستطيعون أن يكونوا مثل الفريق الأول لأن الفريق الاول هو فريق سياسي اما الفريق الثاني هو فئة من الموظفين و أكبر داعمين لما يعرف بحزب الكنبة، و لا يعرفون كيف يشتغلون بالسياسة لأنهم حتى إن قرروا ذلك فإن وظائفهم قد تمنعهم من ذلك، إن الفريق الثاني هو الخاسر الأول من الثورة، و لم و لن يقتنع بها يوماً و سيظل على عهده باكياً على نظام مبارك البائد الخائن .

بقي لنا أن نعرف كيف وضع من كانوا معارضين قبل الثورة، فيما بعد الثورة، و كيف يتعامل الشارع المصري معهم، و هل ظلوا كما هم عملاء كما كان يطلق عليهم النظام البائد الخائن ؟ أم إتضحت صورتهم الحقيقية للشارع السياسي ؟

علينا اولاً أن نجيب على فزورة سياسية قبل الخوض في الجزأ الاخير من المقال و الفزورة تقول .. ما هي الجريمة التي إذا فشلت يعاقب فاعلها بالإعدام، و إذا نجحت لا يلقى فاعلها اي عقاب؟ و الإجابة هي جريمة الإنقلاب على الحكم، و قد لا يكون لتلك الفزورة محل فيما نقول، و لكن أرى ضرورة للبحث فيها لأكثر من سبب، أولاً لو كان ما حدث في مصر إنقلاب على الحكم فالعميل هنا سيكون كل من هو ضد هذا الإنقلاب بعد نجاحه، كما حدث مع جمال عبد الناصر و الذي لو كان قدر له أن يفشل إنقلابه لكان حبل المشنقة في إنتظاره هو و من معه و لكنا نذكره اليوم على أنه كان خائناً و عميلاً ! بينما بعد ما نجح إنقلابه أصبح هو صاحب الحق و كل من عاداه هو الخائن و العميل ! هذه نقطة لابد لنا من أن نقف عندها و نتدارسها جيداً، حتى تضح لنا الأمور و تبسط المفاهيم .

أما عن الأحداث السياسية التي مرت بها مصر، من وجود معارضين ثم ثورة شعبية عارمة فالأمر له أبعاد أخرى تختلف عما قام به جمال عبد الناصر من إنقلاب عسكري تحول فيما بعد لثورة 1952 ، و تختلف عن كافة الأحداث التاريخية التي مرت بها البلاد منذ خلق الله مصر، فمنذ مجيئ جمال عبد الناصر إلى سدة الحكم و النظام الديكتاتوري القمعي كان هو السائد حتى و إن كان له إنجازات إلا أنه يوصف بالديكتاتوري القمعي، فهذه نقرة و هذه نقرة أخرى، و منذ عام 1952 و هناك العديد من المعارضين السياسيين فمصر كانت و لا زالت ولادة و مهما كان فيها من قمع إلا أنه كانت عامرة بالشرفاء اللذين لا يبيعون مبادئهم و قناعاتهم مهما كانت الأثمان فالمبادئ لا تتجزأ أبداً، و في ظل الحرب العارمة التي شنها نظام مبارك الأخير على معارضيه و وصفه إياهم بالعملاء و الخونة، إلا أنهم جميعهاً قد إنتصروا في النهاية، و إستطاعوا أن يؤثروا في الشعب بالإيجاب و تمكنوا من فضح النظام الخائن للشعب كله، و تحققت آمال المعارضين و قامت ثورة هي أعظم ثورات العالم السلمية و ستظل تدرس في شتى أنحاء العالم لأنها قد غيرت وجه التاريخ، فآثارها إنتقلت إلى بقاع عديدة في العالم و لم تقف فقط عند الدول العربية بل تخطت الحدود إلى أوربا و أمريكا الجنوبية و آسيا، إلا أنه مع إشتداد الصراع السياسي في مصر، خاصة بين المعارضين و بين المجلس العسكري، نجد انه قد تعالت من جديد نبرة إتهامات العمالة ! و لكن هذه المرة تأتي الإتهامات من المجلس العسكري و الذي إتهم حركة 6 إبريل بأنها تعمل لحساب الخارج ! و بكل اسف هناك من السذج من يصدقون هذه الأكاذيب، فالمجلس العسكري كان قد أتى ببعض ملفات أمن الدولة و التي كان من بينها بعض المعلومات عن حركة 6 إبريل و تم إتهامها بأنها تتلقى أموالاً من الخارج، فما كان من شباب الحركة إلا أن ذهبوا بأنفسهم إلى مكتب النائب العام و قدموا بلاغاً ضد أنفسهم متهمين إياهم بأنهم قد تلقوا تمويلاً و يريدون من النائب العام أن يحقيق معهم، فكيف كانت نتيجة التحقيق؟ ثبت من خلال ما قام به شباب حركة 6 إبريل أن المجلس العسكري كان قد إفترى عليهم كذباً و بهتاناً ! و ثبتت براءة شباب الحركة من إتهامات التمويلات الخارجية، فكان هناك إتهام آخر و هو إتهام شباب الحركة بأنهم قد تلقوا تدريبات في الخارج تهدف إلى عمل إنقلاب على الحكم ! ثم بدأت فلول النظام البائد الخائن بإستخراج الصور الموجودة لجميع المعارضين لمبارك و أعوانه و هم خارج مصر سواء كانوا من 6 إبريل أو من خارجها، و بدأوا في صناعة افلام فيديو و رفعها عبر الشبكة العنكبوتية Youtubeبعناوين مختلفة منها فضائح و منها حقيقة العملاء و منها مسميات أخرى كثيرة ! و بدأوا في نشر صور كثيرة للعديد من المعارضين على المنتديات و المواقع الإلكترونية و هم خارج مصر سواء في أوربا أو في أمريكا معلقين على الصور بما يحلوا لهم من تعليقات ! مثل ان يأتوا بصورة لشخص ما و هو في باريس قائلين أنه كان ذاهب للقاء مسؤليين أمريكيين ! و لا أعلم لماذا لا يقابل المسؤليين الأمريكيين في أمريكا و ليس في باريس ! إنهم في المجمل يقولون أي شئ لمجرد الإساءة فقط، متناسين أن الإنتساب للثورة شرف لا يعدوه شرف آخر، و أن الإنتساب لصناع الثورة وسام على صدر من قاموا به، إلا ان الحقيقة عي أن ما حدث من ثورة في مصر كان سببها الشعب و ليس مجرد أفراد ! و تعالوا نسأل أنفسنا سؤالاً هاماً و هو هل كانت أمريكا أو أوربا تريدان أن يحدث في مصر ثورة ؟

  • لقد كان واضحاً للعالم كله كم مدى حزن الإدارة الأمريكية على فراق مبارك و نظامه الفاسد إذ أنه كان الحارس الأمين على المصالح الأمريكية على حساب شعب مصر .
  • شاهد العالم كله مدى تمسك إسرائيل ببقاء مبارك و نظامه، و مدى محاولات الإدارة الإسرائيلية الضغط على الإدارة الأمريكية، لمساعدة مبارك و لو بالقوة على البقاء في الحكم !
  • وضح بعد الثورة كم كان نظام مبارك خائناً و عميلاً للعامة بعد ما تم فتح كافة الملفات الفاسدة .

لقد حضرت أحد المؤتمرات بدولة ألمانيا نهاية عام 2010 ، و كان المؤتمر حول حقوق الإنسان، و تم الحديث حول مدى التمويلات التي تقدمها المانيا إلى الإتحاد الأوربي و التي تذهب فيما بعد، لمنظمات المجتمع المدني بالشرق الأوسط حول الديمقراطية و حقوق الإنسان، و عندما جائتني الكلمة قلت أن الإتحاد الأوربي قد رصد إلى مصر 70 مليون يورو ذهب منها 30 مليون يورو إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان و هو مجلس تابع للنظام الحاكم و ذهبت باقي المنحة إلى منظمات تبدوا معارضة إلا أنها تعمل لتجميل وجه النظام المصري القبيح، فكان الرد علي كالآتي :

نحن لا نستطيع أن نعادي النظام المصري فنحن في أوربا نعاني من الهجرة الغير شرعية، و نظامكم في مصر ((يعني نظام مبارك وقتها)) يساعدنا على الحد من الهجرة الغير شرعية إلينا، لذلك نحن لن نتخلى عن مساندة النظام المصري !

و في أحد المرات عام 2009 جائتني دعوة من المعونة الأمريكية، و قبل أن نغادر سألت أنا و من معي هل لديكم أي إستفسارات أو أسئلة ؟ فقلت نعم و كان سؤالي لماذا تقوم المعونة الأمريكية فقط بدعم المنظمات التابعة لوزارة التضامن و هي منظمات تعمل لصالح النظام الحاكم، بينما لا تعطي المعونة المنظمات التي هي في صورة شركات مدنية و لا يوجد عليها رقيب و تسطيع أن تقدم خدمات حقيقية فتم الرد علي بكل حزم، هذا إتفاق بيننا و بين النظام المصري الحاكم و هو أمر لا يقبل المناقشة لك أن تسألنا في أي أمر آخر، و ليس لك أن تراجعنا في علاقاتنا السياسية مع النظام السياسي المصري ! هكذا كانت تتعامل أمريكا و أوربا مع النظام الحاكم البائد و الخائن .

من هو إذاً الخائن و من هو العميل ؟ إنه نظام مبارك و أتباعه هم الخائنون و هم العملاء الحقيقييون، أما ثوار مصر فهم أشرف ما يكون و هم الباقون بمشيئة الله، لأنهم هم الصادقون و المخلصون، مهما حاول المغرضون تشويه صورتهم إلا أنهم في النهاية سينتصرون، لأن الشعب قد فهم أغلبه قواعد اللعبة السياسية و لن تنطلي عليه فيما بعد الإفتراءات و الأكاذيب، و الشعب وحده هو القادر على تميز الوطني المحب لبلاده، و العملاء و الخونة أصحاب المصالح الشخصية .

و الله على ما أقول شهيد

شادي طلعت

اجمالي القراءات 16723

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-11-20
مقالات منشورة : 224
اجمالي القراءات : 2,201,246
تعليقات له : 67
تعليقات عليه : 193
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt