الجديد فى أفراح الطبقة الوسطى المصرية.. وإنذار بالخُلع

سعد الدين ابراهيم في السبت 01 يناير 2011


 

شاركت فى أحد أفراح الطبقة المُتوسطة المصرية، بمدينة المنصورة مساء السبت ٢٥/١٢/٢٠١٠. ورغم أن ذلك اليوم يتزامن مع عيد الميلاد (الكريسماس) الذى أحتفل به مع زوجتى الأمريكية- المصرية، فإننا حرصنا على تلبية دعوة أسرة العروس نيّرة فوزى شهاب الدين، والعريس الكيميائى محمد عبد المُعتصم علام.

وبسبب فراقى لمصر، خلال السنوات الأربع الماضية، كان هذا العُرس مُناسبة لرؤية معظم أفراد الأÓilde;سرة المُمتدة، والأهل والأصدقاء من قريتى (بدين)، ومن مدينتى (المنصورة). ولأن الحفل أقيم فى نادى الشرطة، على شاطئ النيل (فرع دمياط)، فقد كان المشهد رومانسياً للغاية. وضاعف من هذه الرومانسية، بعض المؤثرات الصوتية- الضوئية، «الهوليوودية»... التى لم أشاهدها حتى فى الأفراح الأمريكية، على كثرة ما حضرت منها خلال العقود الأربعة الأخيرة.

وللأمانة، كانت هناك لمسة تُراثية- دينية، بدأ بها الحفل الساهر، فى التاسعة مساء، وهى إنشاد بأسماء الله الحُسنى، التسعة والتسعين، ثم دخول طابورين من حملة المشاعل، بملابس الفرسان من «العصور الإسلامية الوسطى» (لست مُتأكداً من أى قرن) ذات الألوان الزاهية، والنقوش الذهبية المُزركشة. وكان هذا إيذاناً بقرب وصول العروسين. وبدا لى أن جمهور المدعوين أصبح مُدرباً على هذه الطقوس، فقد نهض كل من كان يجلس على نفس مائدتى، وكل الموائد الأخرى، استعداداً لدخول زفة العروسين التى استغرقت حوالى نصف ساعة، منذ دخول القاعة، حتى الوصول إلى «العرش»، حيث يجلس العروسان على كُرسيين مُزركشين، على منصة مُرتفعة حوالى متر ونصف المتر، بحيث يراهما كل من فى القاعة الكُبرى للأفراح فى نادى الشرطة.

لفت انتباهى أن تلك القاعة قسمان مُتساويان، وأن أحدهما للمدعوين من أهل العروس، والقسم الآخر للمدعوين من أهل العريس. ولم يكن مُنظمو الحفل يترددون فى سؤال كل مدعو عند الدخول، عما إذا كان من أهل أو أصدقاء العروس أو العريس، حتى يوجهوه إلى مقعد أو مائدة فى القسم الذى يخص كلاً منهم.

ومن عدد الموائد، وعدد الجالسين حول كل مائدة، خلُصت زوجتى، وهى عالمة اجتماع أيضاً، إلى أن هناك حوالى أربعمائة مدعو، نصفهم على الأقل من الإناث. وأنها كانت الوحيدة، بلا غطاء رأس أو حجاب. وقارنت هى بين هذا المشهد، وأول عُرس حضرته فى مصر، منذ أربعين عاماً، حيث لم تكن فيه أنثى واحدة «مُحجبة» وتساءلت: «هل معنى ذلك أن المصريات أصبحن أكثر تديناً، ومُحافظة، واحتشاماً؟»،

ولم أتطوع أنا بالإجابة... ولكن الإجابة جاءت عالية... واضحة... وسريعة الإيقاع، بعد دقائق من توجيه السؤال. فبمجرد بدء الموسيقى الشعبية الراقصة، ودعوة أحد المُطربين للجمهور أن ينزلوا إلى ساحة الرقص التى كانت تتوسط القاعة، حتى نزل حوالى ثلاثين شاباً... وبعد دقائق، وبتشجيع من المُطرب، انضمت إليهم عشرات المدعوات من كل الأعمار تقريباً... وكلهن «مُحجبات».

وبين الحين والآخر، حينما تُظهر إحداهن مهارة فى الرقص، كان من يرقصون بالقرب منها، يتوقفون عن الرقص قليلاً، ويُفسحون دائرة خاصة لها، ويقومون بتشجيعها، بتصفيقات إيقاعية، تُضاعف من حماسها، وتُغرى أخريات، بالنزول إلى الساحة، والتنافس معها.

ورغم أن الرجال كانوا المُبادرين بالرقص، فإن النساء كن الأكثر مُثابرة، والأطول باعاً وإبداعاً... ولاحظت زوجتى، أنه كلما كان «حجابهن»، أكثر اكتمالاً، كُن الأكثر تحركاً، وإبداعاً. وكان تفسير زوجتى لذلك، أنهن الأكثر «مُحافظة» أو «كبتاً» فى حياتهن اليومية العامة، ولذلك فإنه بمجرد إتاحة »فرصة شرعية« لهن، فإنهن يستغللنها إلى أقصى درجة، وأنهن فى ذلك مثلهن مثل الرجال فى حلقات «الذِكر» الصوفية، حيث يتوحد الصوفى الراقص مع «الملكوت» من حوله، أو هكذا يتوهم! وكذا نساء الطبقات الشعبية الدُنيا، حيث يؤدى لهن «الزار»، نفس الوظيفة التنفيسية.

وهكذا، استطاعت الطبقة المتوسطة المصرية، صياغة نماذج مُبتكرة، هى خليط من «الأصالة التُراثية» و«المُعاصرة الغربية».

من ذلك أيضاً، أن العروس الجامعية التى تبنت الحجاب، هى لأم لم تتحجب، لا أثناء دراستها الجامعية بالإسكندرية، ولا خلال معظم حياتها المهنية، ولكنها فعلت ذلك بعد أن تقاعدت، وبعد أن تحجّبت اثنتان من بناتها الثلاث. وحول ذلك، أبدت زوجتى مُلاحظة أخرى ثاقبة، فحواها أنه خلافاً لما يُردده عُلماء الاجتماع فى الغرب عن دور الوالدين فى تنشئة الأجيال الجديدة، على صورتهما، وعلى نمط حياتهما، فإن هذه الأجيال المصرية الجديدة، هى التى تُعيد تنشئة الوالدين على صورتهم وعلى نمط حياتهم.

فما الذى يعنيه ذلك بالنسبة للمشهد المُجتمعى الأكبر؟

إنه يعنى فى أحد تجلياته أنه رغم الحصار والتضييق على »الإسلام السياسى«، مُمثلاً بالإخوان المسلمين، الذى تُصرّ وسائل الإعلام الرسمية على وصفها بـ»الجماعة المحظورة«، فإن »الإسلام الثقافى«، وجد طُرقاً وسُبلاً بديلة، للوصول إلى قطاع مُتزايد من المصريين والمصريات، فى الطبقة الوسطى، وبعض شرائح محدودة من الطبقة الأعلى، ومن الطبقة الأدنى.

وكان على المائدة التى أجلس عليها فى ذلك العُرس، لواء شرطة سابق، ومهندس مُتقاعد، ومُحاسب مُتقاعد، وكلهم من الأقارب، الذين حضرت أفراحهم، منذ عدة عقود، وقد كانت أكثر تواضعاً، حيث تم مُعظمها فى منازل ذويهم، أو فى صوان تمت إقامته على سطح المنزل، أو فى الشارع أمام منزل أحد العروسين، ولم يكن للتراث الدينى، لا نصيب رمزى أو فعلى فى الاحتفال نفسه، اللهم إذا عُقد القران فى نفس يوم أو ليلة الزفاف، وهو الأمر الذى لم يكن يستغرق إلا دقائق، لا تتجاوز العشر، ويتلو فيها المأذون آية قرآنية عن فريضة الزواج وشرعية النكاح.

سمعنا أن المهر فى ذلك العُرس، كان سبعين ألف جنيه، غير الشبكة التى تُقدر بخمسين ألف جنيه على الأقل. فبادرت زوجتى لتحكى حكايتها المُفضلة، كلما سمعت هذه الأرقام، وهو أننى خدعتها، بخاتم لم يتجاوز ثمنه خمسين دولاراً (أى ما قيمته ثلاثمائة جنيه مصرى) ومهر (صداق) قيمته عشرة دولارات. ولم يُصدق مُعظم من استمعوا إلى روايتها، إلا بعد أن أقررت بصدقها. فتطوع أحد الأقارب الخُبثاء، بإخبارها عن حق الزوجة فى خلع زوجها، شريطة أن تدفع له قيمة ما أنفقه عليها من شبكة ومهر!

ومنذ ليلة ذلك العُرس، على شاطئ نيل المنصورة، وزوجتى كأى باحثة اجتماعية، تستقصى المزيد من المعلومات عن »الخُلع«. ثم فاجأتنى بإنذار، مفاده، أننى إن لم أنضبط، وأكف عن استثارة واستعداء النظام، أو إذا أدى سلوكى إلى دخولى السجن مرة رابعة، فإنها ستقوم بمُمارسة حقها الشرعى فى »الخُلع«، وسترد إلىّ قيمة الشبكة والمهر، ولو بالأسعار الجارية!

فإذا لاحظ القرّاء أى تغيير إلى الأهدأ، فى مضمون أو لهجة ما أكتبه، فليعلموا أن السبب المُباشر لذلك، ليس الخوف من سطوة النظام الحاكم فى مصر، ولكنه بسبب سُلطة منزلية أكثر التصاقاً، وسطوة، ودواماً.

والله على ما أقول شهيد.

اجمالي القراءات 11966

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (3)
1   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   السبت 01 يناير 2011
[54524]

الأستاذ الفاضل ::: سعد الدين إبراهيم :: كل عام وأنتم بخير

أستاذنا الفاضل :: الدكتور :: سعد


كل عام وحضرتك بخير والأسرة الكريمة


أولا:: أتمنى لحضرتك حياة أسرية وعائلية سعيدة بلا مشاكل ولا خلع


ثانيا:: هذا المقال الذي يعبر عن حالة طبقة من  طبقات المجتمع المصري التي تأثرت بالوهابية وبتدينها السطحى الظاهرى الذي يتمثل في النقاب والحجاب ، وبالطبع أعتقد أن الحضور في هذا الحفل لم يكن بينهم منقبة لأنهم كما تفضلت من الطبقة المتوسطة


ومع كل أسف لقد اخترق التدين الوهابي جميع الطبقات في المجتمع المصري حتى بيوت رجال الشرطة والجيش لم تسلم من التأثر بهذا التدين الذي يعتبر اللبس شيء أساسي فيه


وجدير بالذكر هنا سؤال زوجة حضرتك (هل كل النساء اللاتي يلبسن الحجاب ملتزمات أةو متدينات).؟ وكانت الإجابة من واقع المكان وفي نفس الزمان وبعد ثوان قليلة وهي إجابة تعبر باختصار عن حالة من التدين الشكلى الذي يؤديه الناس رغما عنهم ويفترض أن أي سيدة محجبة بهذا الشلكل ترفض الرقص في أي فرح أمام الرجال الغرباء ، ولكن لأن الأمر يدخل فيه أمور نفسية في ممارسة هذا التدين غصبا فيتكون شيء من الكبت داخل هذه الأنفس ومن حين لآخر يحتاج الإنسان ان يفرج عن نفسه بأي شكل وفي أى مكان مهما كان وكانت طريقة الترويح عن النفس هي رقص المحجبات على أنغام الموسيقى التي يمكن أن معظمهن تؤمن أن الموسيقى حرام وأنها مزمار من مزامير الشيطان .


وكذلك الحال فى الطبقات الدنيا يخرجون كبتهم في الذار و، الرجال كما تفضلت يخرجون كبتهم في حلقات الذكر الصوفية


وجدير بالذكر أيضا أن يبدأ أي فرح هذه الأيام بأغنية أسماء الله الحسنى مع تحفظى الشخصي الشديد على التغنى بأسماء الله الحسنى على نغمات الموسيقى لأن الله جل وعلا علمنا كيف نذكره وكيف ندعوه وكيف نتعامل مع أسماؤه وليس فيها تغنى ولا أغنيات على الموسيقى


وما أود الإشارة إليه أن الأفراح لم تسلم من التأثر والصبغة بالثقافة الوهابية حتى تكون البداية فيها طقوس دينية


2   تعليق بواسطة   عبدالمجيد سالم     في   السبت 01 يناير 2011
[54544]

انتشار الحجاب ..!!

ظاهرة انتشار الحجاب جاءت مصحوبة بإنتشار الفساد الخلقي والرشوة .. لذلك هو تعبير عن محاولة المداراة على الأخطاء ..


 


3   تعليق بواسطة   محمد سامي     في   السبت 01 يناير 2011
[54546]

الدكتور سعد الدين ابراهيم بين سلطتين ..!!

الدكتور سعد الدين ابراهيم بين سلطتين احدهما سجنته 40 عاماً وهي سلطة الزوجة ..


والسلطة الثانية هي سلطة مبارك التي سجنته لمدة 4 سنوات ..


ويحاول الدكتور سعد أن يظهر ان السلطتين اجتمعوا عليه ...


سلطة العرش وسلطة غير العرش ..


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 217
اجمالي القراءات : 1,881,738
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt