لكل نفس بشرية جسدان: ) 12 ) : التوبة بين الجسد المادى والجسد الأزلى

آحمد صبحي منصور في الثلاثاء 23 نوفمبر 2010


أولا :  استحالة توبة الطغاة المستبدين

1 ـ النظام الاستبدادى الصريح الأعمى  أفضل من الاستبداد الأعور الذى يخفى عورته بديكور ديمقراطى بانتخابات مزيفة ومجالس نيابية مصنوعة و قانون للطوارىء يؤسس حكم اللاقانون ، ونواب خدم للمستبد من نوعية النائب كمال الشاذلى ، أقدم نائب فى المجالس النيابية الصورية التى صنعها نظام العسكر فى مصر بعد ثورة يولية .

كمال الشاذلى بدأ حياته السياسية مبكرا ، وتألق فى عصر مبارك فسيطر على الحزب الوطنى واختيار &Atildأعضائه المرشحين لمجلس الشعب ، واشتهر بالفساد . ويحتفظ الشعب المصرى لكمال الشاذلى بصورتين : الأولى وهو فى مجلس الشعب بقامته الضخمة ووجهه المنتفخ المتورد وهو يتكلم بعنجهية معلقا على الأعضاء الآخرين شأن المدرس الابتدائى وسط تلاميذه . الصورة الثانية لكمال الشاذلى بعد عودته من رحلة المرض من أمريكا ، وقد بدا بوجه مختلف تماما ، يشبه وجه مومياء رمسيس الثانى المحفوظة فى المتحف ، وكأن وجهه يعلن أنه على وشك الموت . وفعلا مات بعدها .

المزيد مثل هذا المقال :

تغير وجه كمال الشاذلى وتغير جسده ، ولكن لم يتغير كمال الشاذلى نفسه ، فبرغم المرض واقترابه من القبر والموت إلا إنه عاد بنفس الغرور ونفس الطموح ليحتل مقعده النيابى وليستعيد نفوذه فى الحزب وفى مجلس الشعب ، بل إنه حين أجبره المرض على دخول المستشفى وأشيع خبر موته فإنه بعد أن أفاق من غيبوبته سارع بتهديد خصمه ، وما لبث أن مات غير مأسوف عليه.!

المفترض أن كمال الشاذلى فى محنة مرضه وهو بين يدى الأطباء استغاث بالله جل وعلا ، فلما خيل اليه أنه قد تعافى عاد سريعا الى جبروته . والمفترض أيضا أن كمال الشاذلى نظر لوجهه فى المرآة فرأى شخصا آخر لم يعرفه ، رأى وجه مومياء ينبىء بموت سريع قادم لا مفر منه ولا مهرب . والمفترض أخيرا أن كمال الشاذلى كان يمكن  ـ وهو يحس باقتراب الموت منه ـ أن يتوب الى الله جل وعلا ، ولكنه لم يفعل . فعل العكس ، وتصرف بنفس العنجهية القديمة ، وإن بدا بين الناس هيكلا عظميا يتحرك ..

لماذا لم يفكر كمال الشاذلى فى التوبة قبيل موته ؟ وهل لو فكّر بالتوبة هل يمكن أن يتوب توبة مقبولة ؟ وما صلة التوبة بالجسد البشرى الذى كان لكمال الشاذلى والجسد الأزلى  الذى ينتظره فى البرزخ ، شأن كل نفس بشرية ؟ . هذا ما نحاول الاجابة عنه فى هذه المقالات .

2 ـ ننتقل من كمال الشاذلى الى سيده الرئيس مبارك .

مهما بلع عتو وضلال وفساد وجبروت وظلم كمال الشاذلى فهو مجرد تابع ذليل لسيده حسنى مبارك ، وهناك مئات الألوف من المدنيين والعسكريين مثل كما الشاذلى فى فساده وضلاله وعتوه وجبروته وظلمه ، وكلهم يخدم حسنى مبارك ويتفنن فى إرضائه وفى ارضاء زوجته وابنيه . أى إن مصدر الفساد والاستبداد والظلم والطغيان فى مصرهو حسنى مبارك ، وهو مسئول عن فساد أتباعه وظلم أعوانه بالاضافة الى مسئوليته الشخصية عن فساد أسرته و .. فساده الأكبر.

والله جل وعلا سلّط عذاب الدنيا  على الرئيس مبارك ليتذكر ويتوب ، ولكنه بعد كل محنة صحية أو عائلية كان يعود أكثر ضلالا وظلما وطغيانا . وهو يذكرنا بقوله جل وعلا :(أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ) ( التوبة 126 ).

3 ـ وهذا أيضا يذكرنا بالتشابه بين حسنى مبارك طاغية مصر الحالى وفرعون موسى طاغية مصر من حوالى ثلاثة آلاف عام (أبشر .. فنحن نتقدم الى الخلف ثلاثين قرنا فقط .!!).

التشابه هنا أن فرعون موسى كان كلما تعرض لمحنة هو وقومه (الحزب الوطنى وقتها ) كان يتوب مؤقتا ، فإذا كشف الله جل وعلا عنه المحنة عاد الى عتوه وطغيانه ، وفى النهاية رقد مع جنده وحزبه الوطنى فى قاع البحر : ( الأعراف 132 : 136). ونفس الحال مع فرعون مصر الحالى ، لا شكّ أنه كان يفزع عند المصائب وعندما يحس باقتراب الموت منه ، ثم لا يلبث أن يعود طاغية عنيدا كأن شيئا لم يكن .وسيرقد عاجلا أو آجلا فى قاع القبر.!!

4 ـ ولكن هذا التشابه بين فرعون موسى وفرعون مصر الحالى لا يمنع وجود اختلاف شاسع بينهما .

4 / 1 : فرعون موسى فى استبداده كان منسجما ومتناغما مع ثقافة عصره ولم يخرج عنها ، لذلك لم يمتعض المصريون حين أعلن لهم فى مؤتمر جماهيرى أنه ربهم الأعلى (فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) ( النازعات  23 : 24)، ولم يثوروا عليه ـ بل أطاعوه حين أعلن فى مؤتمر جماهيرى آخر أنه يملك مصر وما عليها ومن عليها ، وكأى مصر متمكن من فنّ السخرية إنطلق فرعون فى مؤتمره الحاشد يتندر بموسى  : (  وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ  ) ( الزخرف 51 : 54  ). كانت تلك ثقافة العصر التى إنسجم معها فرعون موسى وتصرف على أساسها باعتبار أن من حقه الاستبداد والطغيان . بل أمر الله جل وعلا موسى وهارون أن يخاطبا فرعون بالليّن من القول مراعاة لتلك الثقافة التى تؤله الحكام : (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) ( طه  43 : 44 ).

 كان هذا من حوالى 30 قرنا من الزمان . أما الآن فان ثقافة الديمقراطية وحقوق الانسان قائمة وراسخة ومحترمة فيما عدا مصر و بلاد المسلمين ـ الذين هم خارج نطاق العصر الراهن ، ولا يزال قائما فيهم حكم الاستبداد و الطغيان بنفس ثقافة فرعون التى عفا عليها الزمن . أى إن مبارك فى وقتنا الحالى 2010 بعد الميلاد أسوا من فرعون موسى ( ألف عام تقريبا قبل الميلاد ). ( مرة أخرى : أبشر فنحن نتقدم الى الخلف ثلاثين قرنا فقط .!!).

4 / 2 : ـ ولأنها ثقافة عفا عليها الزمن فإننا نجد اختلافا آخر يجعل حسنى مبارك أشد سوءا من سلفه الراحل فرعون موسى .

كان فرعون موسى أحد مؤسسى الدولة المركزية فى مصر و كان متعصبا لمصريته كارها لبنى اسرائيل يذيقهم أشد أنواع العذاب ، أى يستخدم جيشه المصرى فى ارهاب طائفة يعتبرها غريبة عن أرض مصر ويتخوف منها ويحذر . وكان هذا مبررا ومفهوما وفق ثقافة العصر وقتها ، وإن كانت منكرا ومحرما وفق ثقافة حقوق الانسان فى عصرنا ، وإن كانت منكرا ومحرما وفق شريعة الله جل وعلا التى تمنع الظلم ، والتى نزلت بها الرسالة الخاتمة ( القرآن الكريم ) لتقيم العدل وتؤسس الحرية . فرعون موسى استخدم قواته المسلحة فى اضطهاد بنى اسرائيل ثم طاردهم بجنده الى أن لقى حتفه .

أما حسنى مبارك فهو يستخدم جيشه ( المصرى ) لتكريس خدمة اسرائيل فى نفس الوقت الذى يقاتل بنفس الجيش (المصرى) الشعب المصرى الأعزل . والسبب هو معرفته أن استبداده مرفوض بمنطق عصرنا ، فلا بد من فرض هذا الاستبداد على المصريين بقوة السلاح ،أو بالقوات المسلحة. ولهذا أصبح من المعلوم من دينهم بالضرورة أن يتفرغ معظم الجيش تحت لقب (الأمن المركزى ) و ( قوات الأمن ) للمواجهة مع الشعب الأعزل حين تتظاهر الفتيات والنساء والشباب ، وتقوم قوات الأمن بواجبها فى هتك عرض الفتيات وسحل الشباب و اعتقال وتعذيب من يشاءون . تفعل هذا قوات الأمن والبوليس وأمن الدولة ( حوالى مليون شخص ) كرأس حربة متقدمة فى ظل حماية عسكرية كبرى تؤمنها بقية أفرع الجيش والطيران و الحرس الجمهورى .

إن فرعون موسى لو عاد للحياة لمات خجلا وحياءا وشعورا بالعار مما يفعله حسنى مبارك بتسليطه الجيش المصرى كى يقهر الشعب المصرى .

4/ 3 : ـ وكان من أسباب نقمته على بنى اسرائيل أنهم لا يؤمنون بألوهية الفرعون . ثم اشتد ارهاب الفرعون لبنى اسرائيل بعد مجىء موسى فجعل أكثرية بنى اسرائيل يبتعدون عن موسى خوفا من الارهاب الفرعونى (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) ( يونس 83 ). هذا يماثل ما يحدث فى مصر تحت حكم حسنى مبارك ، فالذى يطارده ارهاب حسنى مبارك والذى تتقصّى عنه أمن الدولة يبتعد الناس عنه خوفا ورعبا وطلبا للسلامة .!

ولكن يتفوق ـ كالعادة حسنى مبارك على فرعون موسى .

فقد كان بنو اسرائيل يمارسون عباداتهم علنا ، أى كانت هناك حرية عقيدة فى عصر الفرعون بشكل جزئى مع وجود الاضطهاد العرقى لبنى اسرائيل . انكمشت هذه الحرية بظهور موسى وتحديه للفرعون فى أرض الفرعون . فاشتد طغيان الفرعون واشتد ارهابه واضطهاده لبنى اسرائيل ، فقال لهم موسى يواسيهم ويشجعهم : (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )،  فردوا عليهم بأنهم تعرضوا للتعذيب قبل أن يأتيهم وبعد مجيئه : ( قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ) ، فطمأنهم بالوعد الالهى بالخلاص من الطاغية واستخلافهم  فى الأرض من بعد هلاكه : ( قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) ( الأعراف  128 : 129 ).

وفى سورة (يونس ) تفصيل رائع :

ففى اشتداد التعذيب الفرعونى لبنى اسرائيل نقرأ قوله جل وعلا : ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) ( يونس 83 ).وفى مواساة موسى لبنى اسرائيل قال لهم موسى : ( يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ) فردوا بالتوكل على الله والاستغاثة به من ظلم الفرعون : ( فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ).

ولأن الاضطهاد وصل الى بث المخبرين فى مساجد بنى اسرائيل فى مصر يحصون عليهم أنفاسهم ويتتبعون أنباءهم فقد نزل الوحى لموسى وهارون بأن يتخذ بنو اسرائيل بيوتهم قبلة للصلاة وألا يؤدوا الصلاة علنا فى المساجد : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ). اى الاستعانة بسلاح الصبر والصلاة ( البقرة 45 ، 153 ).

بعدها تفرغ موسى وهارون للدعاء على فرعون : ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ) وجاءت الاستجابة من رب العزة: ( قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ).

وتحققت الاستجابة واقعا عمليا فى ذروة استعراض الفرعون لقواته المسلحة وهو يطارد بها آلاف المدنيين العزّل الفارين من جبروته ، فى أوج الغرور بالقوة واستخدامها ضد الضعفاء المقهورين تدخلت العناية الالهية فأغرقت فرعون وقواته المسلحة ، وعندها إستيقظ فرعون من غفلته وأعلن توبته :( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) . رأى فرعون نفسه تفارق جسده ، ورأى جسده يهوى الى أعماق البحر فهتف بالتوبة فى وقت لا تجدى فيه التوبة ، وجاءه الرد بعدم قبول التوبة ، ولكن سينجو بدنه الميت ليكون عبرة لبنى اسرائيل وغيرهم من بعده : (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) ( يونس 84 : 92 ).

 وما أروع ما يقال هنا هو قوله جل وعلا تعليقا على قصة فرعون التى تكررت فى القرآن كثيرا :( وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ).

الدليل على صدقه جل وعلا أنه مع كثرة ورود قصة فرعون فى القرآن الكريم وتكرار لعنه وفضح عقليته المستبدة فإن تاريخ المسلمين حفل بخلفاء وسلاطين وملوك وقادة وحكام ورؤساء جمهوريات أشد ظلما وأكثر استبداد و أحط وضاعة وحقارة من فرعون موسى . ومن عجب أن يجعل الله جل وعلا فرعون موسى إماما لكل الظالمين الآتين من بعده، يقول جل وعلا عن فرعون وقواته المسلحةوأتباعه و(حزبه الوطنى ) : ( وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ ) ( القصص  39 : 42)،أى من ضمن العقوبات والملامح أنهم أئمة للطغاة من بعدهم ، ومصير أولئك الطغاة هو النار : (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ )، وبالتالى لن يقبل الله جل وعلا توبتهم ، لو تابوا ..!

4 / 4 : ـ فرعون موسى وصل به استبداده إلى أن يتصور أن له الحق فى التحكم فى قلوب أتباعه ، لذا غضب على السحرة لأنهم آمنوا بموسى قبل أن يأخذوا الاذن من الفرعون ( الأعراف 123 ) (  طه 71 ) ( الشعراء 49 )، ونرى ملامح حسنى مبارك فى فرعون موسى ولكن بصورة أكثر فجاجة ووضاعة وانحطاطا ووحشية ، مع اختلاف الزمن واختلاف ثقافة العصر. وحتى لا يتهمنا أحد بالغلو والشطط فإننا نقارن بين حسنى مبارك وفرعون موسى فى جزئية صغيرة فيما يخص حرية العقيدة .

ففرعون موسى الذى إدعى الالوهية كان يسمح لبنى اسرائيل باقامة شعائرهم الدينية علنا ، وحين كانوا يؤدون الصلاة فى بيوتهم ويدعون على فرعون لم تقتحم قوات فرعون بيوتهم وتمنعهم من الصلاة وتتهمهم بازدراء الدين وازدارء فرعون أو العيب فى الذات الملكية او الرئاسية . بل إن قريش مع اضطهادها للمسلمين الأوائل فى مكة فإنها غضت الطرف عن اجتماع المسلمين سرا للصلاة فى دار الأرقم بن الأرقم ، ولم تمنعهم من صلاتهم السرية.

ولكن حسنى مبارك منع المسلمين المؤمنين بالقرآن وحده من الصلاة فى بيوتهم . إن ما ارتكبه حسنى مبارك مع اهل القرآن لا مثيل له ـ  فيما نعلم ـ فى التاريخ ، ونحن متخصصون فى التاريخ .

وهذا يستلزم بعض التوضيح لنتعرف على مدى الاستبداد الذى وصل اليه مبارك والذى تفوق به على فرعون موسى.

5 ـ مفهوم من الناحية السياسية أن يضطهد المستبد المعارضة التى تزاحمه على السلطة وتريد الثورة عليه والتخلص منه . ومفهوم أن المستبد العسكرى العلمانى لا يحول بين الناس وعقائدهم طالما لا يحولوا بينه وبين ملكه ، يلجأ المستبد فى الدولة الدينية الى إضطهاد معارضيه فى الدين والمذهب لأنه على أساس الدين والمذهب يؤسس المستبد دولته الدينية ، ولكن هذا مستبعد فى ظل دولة الاستبداد العسكرى العلمانى ، والى هذه النوعية ينتمى حكم العسكر فى مصر منذ حركة الجيش فى يولية 1952 .

ولكن تمخض جبل ثورة يولية فولد حسنى مبارك ليكون أكثر استبدادا وفساداووضاعة وانحطاطا فاضطهد أهل القرآن الذين لا يزاحمونه فى ملكه ولا شأن لهم بالتنافس السياسى أو حتى التنافس الدنيوى ، وهو أيضا مفترض فيه أنه لا شأن له بتخصصهم الدقيق فى القرآن وترؤاث المسلمين ..

6 ـ من أبجديات السياسة أن يستعين حسنى مبارك فى حربه ضد الاخوان المسلمين بمن يثبت من داخل الاسلام ذلك التناقض بين الاسلام والاخوان المسلمين وغيرهم . لا يستلزم الأمر سوى إتاحة حرية الرأى والفكر والبحث والنقاش والمعتقد للسنيين والشيعة والقرآنيين وغيرهم للحوار والنقاش دون أن يحتكر أحدهم الساحة دون الآخر ، عندها سيظهر جليا أن عقائد السنة بالذات تحتاج الى سلطة قاهرة لتفرضها على الناس وتحميها من النقاش.

وطالما ظهر التناقض بين الاسلام و الاخوان ( المسلمين ) فإن قنبلة الاخوان قد تم نزع فتيلها ، وفقدت السلاح الوحيد الذى تستمد منه شرعيتها وهو الزعم بأنهم المسلمون المختارون لتطبيق شريعة الاسلام وحكم المسلمين . هكذا بكل بساطة وسهولة ويسر وبلا أى حاجة للعنف والتعذيب وإلقتل والعمليات العسكرية والانتحارية.

لم يفعل هذا حسنى مبارك ، بل فعل العكس تماما ، قام بكل هيلمانه بضرب ( القرآنيين ) وهم الفئة الوحيدة القادرة على هزيمة الفكر المتطرف سلميا وفكريا .

هذا مع أن (اهل القرآن ) عددهم قليل وهم مسالمون مستضعفون فى الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس ، وبعضهم بسبب الاضطهاد والمطاردة أصبحوا فقراء محاصرين فى الأرض ، ليس لديهم سوى تبحرهم العلمى بالاسلام والقرآن وتراث المسلمين .

هذا ـ أيضا ـ مع أن القرآنيين لا يفرضون أنفسهم على أحد ولا يفرضون فكرهم على أحد ، ولا يطلبون أجرا من أحد ، وكل ما يشغلهم هو الدعوة السلمية للاصلاح بالتنوير والوعى وتنمية الاحساس بالتقوى والعمل الصالح أملا فى دخول الجنة .

هذا ـ ايضا ـ مع أن أكثر ما يهتم به القرآنيون هو الآخرة فقد أعرضوا عن التطاحن فى سبيل المتاع الدنيوى ، ولكن حسنى مبارك الذى يخيل اليه أنه يسيطر على الدنيا فى مصر يخيل اليه أيضا أن التحكم فى الآخرة يقع ضمن اختصاصاته ، ولهذا نصب نفسه خصما لأهل القرآن ، وتحت التعذيب يستجوب زبانيته ـ فى أمن الدولة وفى نيابة أمن الدولة العليا ـ المساكين من أهل القرآن ، يسألونهم عن كيفية تأديتهم الصلاة والتشهد والتحيات والحج والزكاة ، ويسألونهم عما يتحدثون فيه فى بيوتهم ، وما يقوله الأخ لأخته ، والزوج لزوجته ، وما الذى كانوا يسمعونه من أحمد صبحى منصور حين كانوا يصلون معه الجمعة فى بيوتهم فى التسعينيات ، وكم من المال بعثه لأهله وأسرته .

 أى أن كل ما أمر الله جل وعلا به أن يوصل أصبح جريمة عند مبارك ( الرعد 19 : 25 ). أمر الله جل وعلا بصلة الرحم والصلاة والزكاة والتقوى ..الخ فجعلها مبارك جرائم يستحق فاعلها الاعتقال والاستجواب والتعذيب والمنع من السفر والملاحقة الوليسية وتشويه السمعة بالاتهامات الباطلة .

لو قرأ أى إنسان محضر التحقيق مع عبد اللطيف سعيد فلن يصدق ما يقرأ من اسئلة . وبعض هذه الأسئلة (عن العقيدة والفكر و الشعائر الدينية وعلاقة الأخ بأخيه وصلة الرحم) قام بعض المحامين بارسالها لى ، وتم ترجمتها ، ومع التعليق وتوضيحها نشرتها بالقسم الانجليزى فى موقعنا ، وبعثت بها لمن يهمه الأمر فى المنظمات الحقوقية ليروا درجة الانحطاط التى وصل اليها حسنى مبارك فى تعامله مع مواطنين مصريين صالحين مسالمين ، هذا فى الوقت الذى يتحدث فيه العالم عن جرائمه من الفساد والتعذيب والسلب والنهب والتزوير و ..القائمة تطول ..!!

6 ـ ونعود الى نفس الأسئلة : لماذا لا يفكر حسنى مبارك فى التوبة قبيل موته ؟ وهل لو فكّر بالتوبة هل يمكن أن يتوب توبة مقبولة ؟وما صلة التوبة بالجسد البشرى لحسنى مبارك والجسد الأزلى  الذى ينتظره فى البرزخ ، شأن كل نفس بشرية ؟ .

هذا ما نحاول الاجابة عنه فى هذا المقال وما بعده .

آخر السطر

تطرف حسنى مبارك فى الظلم والطغيان أكثر من فرعون موسى يجعلنا ننصح باتخاذ نفس الوسائل التى اتخذها موسى وقومه فى التخلص من الفرعون ، وهى الصلاة والدعاء لله العلى القدير المنتقم الجبار أن يأخذ حسنى مبارك وقومه أخذ عزيز مقتدر .وطالما لا يستطيع المصريون مواجهة جيش مبارك وقواته المسلحة فعليهم باللجوء الى الله جل وعلا ، وهو يمهل ولا يهمل .

ربنا إنك آتيت حسنى ومبارك وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا ..ربنا ليضلوا عن سبيلك ؟ ربنا رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ..

اللهم استجب يا أرحم الراحمين ..

اجمالي القراءات 12698

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (7)
1   تعليق بواسطة   عبدالمجيد سالم     في   الثلاثاء 23 نوفمبر 2010
[53070]

القرآن الكريم لم يفرط في شيئ ..!!

 القرآن الكريم كتاب الله سبحانه وتعالى الذي لم يفرط في شيئ تركه يعد تفريطا .. 


وصف الله سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم المستبد وشعب المستبد والطوائف التي يضطهدها المستبد والملأ الذين ينفعون المستبد وينتفعون من ورائه والكهنة الذين يتاجرون بالدين ويطوعونه ويتحكمون في الشعوب لمصلحة المستبد  .. 


كل هذه المواقف سجلها القرآن الكريم وجعل التدبر فيها فرض عين على كل المسلمين .. لكي لا تتكرر ..ولكي لا يكون هناك حجة من بعد الرسل .


ومع ذلك فإذا قارنت بين ما سجله القرآن الكريم على فرعون موسى وما يقوم به فرعون مصر الآن .. ستجد تطابق ما قاله القرآن الكريم على مصر الآن وفرعونها الحالى ..


وسبحان الله العظيم إذا ما قارنت حديث القرآن عن السيطرة على المسجد الحرام وإحتكار الدين والتجارة به .وتبديل نعمة الله كفرا .. ستجد تطابق بين ما سجله القرآن وبين ما يقوم به الوهابيين. 


2   تعليق بواسطة   خـــالد ســالـم     في   الأربعاء 24 نوفمبر 2010
[53084]

لماذا قراءة القرآن بتدبر فرض على الناس ..؟؟؟

 


 


المولى سبحانه وتعالى فرض علينا جميعا أن نقرأ القرآن الكريم بتدبر وإذا سمعناه يقرأ على مسامعنا فيجب ان ننصت ونركز لنفهم ونعي ما نسمع ، هذه أوامر الله لنا في تعاملنا مع القرآن الكريم كتاب رب العالمين ، ولأن الله جل فى علاه قد ضرب في هذا القرآن للناس من كل مثل ، فلو قرأنا القرآن لعلمنا وتعلمنا من أخطاء السابقين وسقطاتهم ولحاول كل منا أن يصلح من نفسه وأهله من خلال العبر والأمثلة القرآنية عن السابقين سواء كانت خيرا أو شرا فهناك حكمة إليهة يريدها ربنا جل وعلا من اهتامنا وقرأتنا للقرآن الكريم وجعله دستور حياتنا ، ولذلك من يتبع القرآن ويجعله دستور حياته لن يضل أبدا وسيقكون في تقدم ورقي مستمر وسيبادر بإصلاح نفسه ومقاومة شهواته كلما وسوس إليه الشيطان ، أما من يبتعد عن القرآن الكريم ويجعله وراء ظهره ويتخذه مهجورا فلا يلومن إلا نفسه لأنه لن يجد من يدق له أجراس الخطر ولن يجد من يوقظه من ظلمه وضلاله وجبروته لنفسه وللأخرين ، لأن كل آية قرآنية هي بمثابة ناقوس خطر يدق قلب كل إنسان مؤمن وكل إنسان يبحث عن الحق ويريد الهداية والإيمان وهذه حكمة عظيمة منربنا جل وعلا ولذلك يجب علينا أن لا نهمل هذا القرآن الكريم الذي سيكون سبب سعادتنا وفوزنا فى الأخرة إن شاء الله ...


3   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الأربعاء 24 نوفمبر 2010
[53088]

" الآن وقد عصيت وكنت من المفسدين "

(آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) ( يونس 84 : 92 ).ما معنى "ننجيك ببدنك " هل لأن فرعون قد وقع في البحر نجاه الله بجسده، فخرج دون أن يمسه سوء من تغيير، بفعل الماء أو اختفاء كلي ، أو جزئ ،بفعل أسماك البحر أو حيتانه ، فأراد الله تعالى أن يبقى جسد فرعون دون تبديل أو تغيير حتى يكون لمن خلفه آية لأنه لو لم يوجد جسده بنفس الشكل لأنكر الناس موت الفرعون وادعوا ادعاءات كثيرة من قبيل الخيال ، فأراد الله تعالى أن ينجيي جسده من التدمير، لكي لا يفتح باب من أبواب الخرافة أو الادعاءات .. وبعد " وفوق كل ذي علم عليم


4   تعليق بواسطة   نورا الحسيني     في   الأربعاء 01 ديسمبر 2010
[53292]

قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ

من بين ما لفت نظري في هذا البحث القيم للدكتور أحمد هذه الآية القرآنية الكريمة فلقد كنت أقرأها مرارا ولكن لم أفهم المقصود بها كما فهمته  هذه المرة (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ).من خلال هذه الآية القرآنية الكريمة نعلم أنه يشترط في الدعاء لكي يستجاب من الله تعالى أن نستقيم كما أمرنا الله سبحانه وتعالى وأن لا نتبع سبل وطرق الذين لا يعلمون ما جاء في القرآن الكريم فلهم طرقهم الملتوية التي يأخذونها من أحاديثهم المفتراة على الرسول عليه السلام  التي يلصقونها زورا وبهتانا به وهو منها ومنهم برئ .


 


5   تعليق بواسطة   أيمن عباس     في   الخميس 02 ديسمبر 2010
[53332]

لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم

نحن لا نملك مع هذا الطاغية وزبانيته إلا الدعاء عليه كما فعل موسى عليه السلام سلفا مع فرعون وجنوده  ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ .


ونحن ننتظر إن شاء الله أن نرى نهاية هذا الطاغية العجوز المتصابي مثل النهاية التي كانت لمثله الأعلى فرعون


6   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الإثنين 03 اكتوبر 2016
[83317]

وجه الشبه والخلاف بين فرعون موسى ، وفرعون مصر المخلوع


التشابه هنا أن فرعون موسى كان كلما تعرض لمحنة هو وقومه (الحزب الوطنى وقتها ) كان يتوب مؤقتا ، فإذا كشف الله جل وعلا عنه المحنة عاد الى عتوه وطغيانه ، وفى النهاية رقد مع جنده وحزبه الوطنى فى قاع البحر : ( الأعراف 132 : 136). ونفس الحال مع فرعون مصر الحالى ، لا شكّ أنه كان يفزع عند المصائب وعندما يحس باقتراب الموت منه ، ثم لا يلبث أن يعود طاغية عنيدا كأن شيئا لم يكن .وسيرقد عاجلا أو آجلا فى قاع القبر.!! ولكن هذا التشابه بين فرعون موسى وفرعون مصر الحالى لا يمنع وجود اختلاف شاسع بينهما .4 / 1 : فرعون موسى فى استبداده كان منسجما ومتناغما مع ثقافة عصره ولم يخرج عنها ، لذلك لم يمتعض المصريون حين أعلن لهم فى مؤتمر جماهيرى أنه ربهم الأعلى (فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) ( النازعات  23 : 24)، ولم يثوروا عليه ـ بل أطاعوه حين أعلن فى مؤتمر جماهيرى آخر أنه يملك مصر وما عليها ومن عليها ، وكأى مصر متمكن من فنّ السخرية إنطلق فرعون فى مؤتمره الحاشد يتندر بموسى  : (  وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ  ) ( الزخرف 51 : 54  ). كانت تلك ثقافة العصر التى إنسجم معها فرعون موسى وتصرف على أساسها باعتبار أن من حقه الاستبداد والطغيان . بل أمر الله جل وعلا موسى وهارون أن يخاطبا فرعون بالليّن من القول مراعاة لتلك الثقافة التى تؤله الحكام : (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) ( طه  43 : 44 ).كان هذا من حوالى 30 قرنا من الزمان . أما الآن فان ثقافة الديمقراطية وحقوق الانسان قائمة وراسخة ومحترمة فيما عدا مصر و بلاد المسلمين ـ الذين هم خارج نطاق العصر الراهن ، ولا يزال قائما فيهم حكم الاستبداد و الطغيان بنفس ثقافة فرعون التى عفا عليها الزمن . أى إن مبارك فى وقتنا الحالى 2010 بعد الميلاد أسوا من فرعون موسى ( ألف عام تقريبا قبل الميلاد ). ( مرة أخرى : أبشر فنحن نتقدم الى الخلف ثلاثين قرنا فقط .!!).4 / 2 : ـ ولأنها ثقافة عفا عليها الزمن فإننا نجد اختلافا آخر يجعل حسنى مبارك أشد سوءا من سلفه الراحل فرعون موسى .كان فرعون موسى أحد مؤسسى الدولة المركزية فى مصر و كان متعصبا لمصريته كارها لبنى اسرائيل يذيقهم أشد أنواع العذاب ، أى يستخدم جيشه المصرى فى ارهاب طائفة يعتبرها غريبة عن أرض مصر ويتخوف منها ويحذر . وكان هذا مبررا ومفهوما وفق ثقافة العصر وقتها ، وإن كانت منكرا ومحرما وفق ثقافة حقوق الانسان فى عصرنا ، وإن كانت منكرا ومحرما وفق شريعة الله جل وعلا التى تمنع الظلم ، والتى نزلت بها الرسالة الخاتمة ( القرآن الكريم ) لتقيم العدل وتؤسس الحرية . فرعون موسى استخدم قواته المسلحة فى اضطهاد بنى اسرائيل ثم طاردهم بجنده الى أن لقى حتفه .  



7   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الإثنين 03 اكتوبر 2016
[83318]

مازلنا مع أوجه الخلاف بين فرعون موسى ، والمخلوع


أما حسنى مبارك فهو يستخدم جيشه ( المصرى ) لتكريس خدمة اسرائيل فى نفس الوقت الذى يقاتل بنفس الجيش (المصرى) الشعب المصرى الأعزل . والسبب هو معرفته أن استبداده مرفوض بمنطق عصرنا ، فلا بد من فرض هذا الاستبداد على المصريين بقوة السلاح ،أو بالقوات المسلحة. ولهذا أصبح من المعلوم من دينهم بالضرورة أن يتفرغ معظم الجيش تحت لقب (الأمن المركزى ) و ( قوات الأمن ) للمواجهة مع الشعب الأعزل حين تتظاهر الفتيات والنساء والشباب ، وتقوم قوات الأمن بواجبها فى هتك عرض الفتيات وسحل الشباب و اعتقال وتعذيب من يشاءون . تفعل هذا قوات الأمن والبوليس وأمن الدولة ( حوالى مليون شخص ) كرأس حربة متقدمة فى ظل حماية عسكرية كبرى تؤمنها بقية أفرع الجيش والطيران و الحرس الجمهورى .إن فرعون موسى لو عاد للحياة لمات خجلا وحياءا وشعورا بالعار مما يفعله حسنى مبارك بتسليطه الجيش المصرى كى يقهر الشعب المصرى .4/ 3 : ـ وكان من أسباب نقمته على بنى اسرائيل أنهم لا يؤمنون بألوهية الفرعون . ثم اشتد ارهاب الفرعون لبنى اسرائيل بعد مجىء موسى فجعل أكثرية بنى اسرائيل يبتعدون عن موسى خوفا من الارهاب الفرعونى (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) ( يونس 83 ). هذا يماثل ما يحدث فى مصر تحت حكم حسنى مبارك ، فالذى يطارده ارهاب حسنى مبارك والذى تتقصّى عنه أمن الدولة يبتعد الناس عنه خوفا ورعبا وطلبا للسلامة .!ولكن يتفوق ـ كالعادة حسنى مبارك على فرعون موسى .فقد كان بنو اسرائيل يمارسون عباداتهم علنا ، أى كانت هناك حرية عقيدة فى عصر الفرعون بشكل جزئى مع وجود الاضطهاد العرقى لبنى اسرائيل . انكمشت هذه الحرية بظهور موسى وتحديه للفرعون فى أرض الفرعون . فاشتد طغيان الفرعون واشتد ارهابه واضطهاده لبنى اسرائيل ، فقال لهم موسى يواسيهم ويشجعهم : (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )،  فردوا عليهم بأنهم تعرضوا للتعذيب قبل أن يأتيهم وبعد مجيئه : ( قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ) ، فطمأنهم بالوعد الالهى بالخلاص من الطاغية واستخلافهم  فى الأرض من بعد هلاكه : ( قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) ( الأعراف  128 : 129 ).



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4008
اجمالي القراءات : 34,882,457
تعليقات له : 4,378
تعليقات عليه : 12,986
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي